مقدمة
تُعدّ الجريدة الرسمية للمملكة المغربية المرجعَ القانونيَّ الأعلى الذي يُجسّد إرادة الدولة في صياغة التشريعات ونشر المراسيم والقرارات التنظيمية، وتُمثّل الرابط الدستوري بين السلطة التنفيذية والمواطنين والمؤسسات. وقد جاء العدد 7511 الصادر في الثامن من ذي الحجة 1447 الموافق لخامس وعشرين من ماي 2026 محفوفاً بنصوص قانونية وتنظيمية بالغة الأثر، تُغطّي ملفات اقتصادية واجتماعية وإدارية ومؤسساتية متشعبة، تعكس ديناميكية تشريعية متسارعة تُواكب التحولات التي تشهدها المملكة على مختلف الأصعدة.
يحتضن هذا العدد طيفاً واسعاً من النصوص، ابتداءً من مرسوم تنظيم رسوم استيراد القمح اللين استجابةً للمتطلبات الغذائية الوطنية، مروراً بقرارات تنظيم قطاع المقالع وإغلاقها وفق مستجدات سنة 2024، وصولاً إلى مراسيم تهيئة التراب في إقليم تنغير، وتعيين آمرين مساعدين بالصرف في وزارات حيوية، وإقرار معادلات الشهادات العلمية مع مؤسسات أكاديمية دولية رفيعة. ويستأثر بالحيز الأبرز في هذا العدد رأيُ المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، والذي يُمثّل وثيقة تشاورية ضخمة تُصوّر مشهد إصلاح منظومة التوثيق العدلي بكل أبعاده وتعقيداته.
يسعى هذا المقال إلى تحليل مضامين العدد 7511 من الجريدة الرسمية تحليلاً أكاديمياً معمّقاً، عبر تفكيك النصوص المُنشَرة وقراءة أبعادها القانونية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وإبراز الروابط المنهجية التي تجمع بين هذه النصوص في إطار سياسة تشريعية وطنية متناسقة.
تحميل العدد 7511 بتاريخ 25 ماي 2026 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: السياسة الجمركية وأمن الغذاء — مرسوم استيراد القمح اللين
1.1. الإطار القانوني للمرسوم رقم 2.26.419
صدر المرسوم رقم 2.26.419 بتاريخ 8 ذي الحجة 1447 الموافق 25 ماي 2026، موقَّعاً من رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ومُعاطَفاً عليه من الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، ووزير الفلاحة والصيد البحري أحمد البواري، ووزير الصناعة والتجارة رياض مزور. ويستند هذا المرسوم في سنده القانوني إلى أحكام المادة 4 من قانون المالية رقم 25.00، وإلى مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة المصادق عليها بظهير شريف بمثابة قانون بتاريخ 9 أكتوبر 1977، فضلاً عن قانون المالية رقم 50.25 للسنة المالية 2026.
1.1.1. مضمون المرسوم ومبرراته
يُقرّر المرسوم إعادة استيفاء رسم استيراد القمح اللين ومشتقاته المصنفين بالبندين التعريفيين 1001.99.00.19 و1001.99.00.90، خلال الفترة الممتدة من فاتح يونيو إلى غاية 31 يوليو 2026، ثم وقف هذا الاستيفاء ابتداءً من فاتح أغسطس 2026 من نفس السنة. وقد جاء هذا القرار في سياق التوازنات الدقيقة التي تُرسيها الدولة بين متطلبات التنافسية والحماية الجمركية من جهة، وضرورة تأمين إمدادات الغذاء بأسعار معقولة من جهة أخرى.
تتكشّف في هذا المرسوم آلية حكومية مرنة تُعيد ترتيب البنية الجمركية بحسب متغيرات السوق الدولية للحبوب وتوافر الإنتاج الوطني. فتعليق الرسم في فترات الشح وإعادة تفعيله حين يتعافى العرض يُجسّد نهج السياسة التجارية المغربية في التعامل مع التقلبات الموسمية وتداعيات المناخ على محاصيل القمح.
1.1.2. الأبعاد الاقتصادية والأمنية الغذائية
يُمثّل القمح اللين ومشتقاته — لا سيما دقيق الخبز — مادةً استراتيجية بامتياز في الأمن الغذائي الوطني. ويُشير مضمون المرسوم إلى مسار تدخّل تنظيمي مُحكَم يتفادى صدمات الأسعار في الأسواق الداخلية، بما يُسهم في الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر وضبط تكاليف صناعة الأعلاف والمعجنات.
لقد صدر المرسوم بعد مداولة في مجلس الحكومة المنعقد في 4 ذي الحجة 1447 الموافق 21 ماي 2026، وهو ما يُبرز الطابع الاستعجالي لهذا الإجراء الذي أُعدّ ونُشر في غضون أيام قليلة. وفي هذا ما يُؤكّد أن آلية التشاور الحكومي تظل رشيقة حين يتعلق الأمر بمواضيع ذات حساسية غذائية مباشرة.
1.2. قرار تعطيل الإدارات بمناسبة عيد الأضحى
1.2.1. القرار رقم 3.27.26 وخلفيته القانونية
أصدر رئيس الحكومة القرار رقم 3.27.26 بتاريخ 5 ذي الحجة 1447 الموافق 22 ماي 2026، قاضياً بتعطيل إدارات الدولة والجماعات الترابية استثنائياً عن العمل يوم الجمعة 29 ماي 2026، وذلك بمناسبة عيد الأضحى المبارك. ويستند هذا القرار إلى مقتضيات المرسوم رقم 2.05.916 الصادر في 20 يوليو 2005 بتحديد أيام ومواقيت العمل بإدارات الدولة والجماعات الترابية.
1.2.2. دلالات القرار ضمن منظومة تنظيم العمل الإداري
يعكس هذا القرار الموقفَ الرسمي من التنسيق بين التقويم الديني والتقويم الإداري، ويُعبّر عن إدارة دولة تُولي اعتباراً للبُعد الثقافي والديني في ضبط دورة الحياة المهنية للموظفين. وتجدر الإشارة إلى أن منح يوم إضافي استثنائي حين يتزامن العيد مع نهاية الأسبوع يُقرأ كمؤشر على رغبة الحكومة في تخفيف الضغط عن فئات العمال الذين يصعب عليهم الانتقال إلى ذويهم خلال أيام العيد الرسمية القليلة.
ثانياً: تنظيم قطاع المقالع وحوكمة الثروات الطبيعية
2.1. القرار الوزاري رقم 704.26 وإشكالية ضبط القطاع
2.1.1. الإطار التشريعي والمرجعية القانونية
صدر قرار وزير التجهيز والماء رقم 704.26 بتاريخ فاتح أبريل 2026، قاضياً بنشر مستخرجات عن وصولات التصاريح المسلمة لمستغلي المقالع، ولائحة المقالع التي أُغلقت خلال سنة 2024. ويستند هذا القرار إلى القانون رقم 27.13 المتعلق بالمقالع الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.66 بتاريخ 9 يونيو 2015، وإلى مرسومه التطبيقي رقم 2.17.369 الصادر في 30 نوفمبر 2017. ويُعدّ هذا القرار تطبيقاً مباشراً للمادة 40 من المرسوم المذكور التي تُلزم بالنشر الدوري لبيانات القطاع.
2.1.2. التوزيع الجغرافي لتصاريح الاستغلال سنة 2024
تكشف القوائم المُلحقة بالقرار عن امتداد جغرافي واسع لنشاط استغلال المقالع يُغطّي معظم جهات المملكة. ففي جهة الداخلة-وادي الذهب، مُنحت تصاريح بالعركوب لشركات كـ GALDAK وBTP KOY وSOMAGEC SUD وغيرها، بطاقات استخراج تتراوح بين 690 ألف و8.13 مليون متر مكعب سنوياً، لمدد تتفاوت بين ثلاث سنوات وخمس سنوات. وتُدلّ هذه الأرقام على ديناميكية استثمارية مرتفعة في الجنوب المغربي المُدرج ضمن خارطة التنمية الوطنية المتسارعة.
في جهة الدار البيضاء-سطات، تتنوع المواد المستخرجة بين الكلس والأحجار ومواد الردم والرمال، وتشمل أسماء شركات مرموقة كـ LAFARGE CALCINOR MAROC وOMYA SA، فضلاً عن شركات محلية عديدة. ويُبرز ذلك الترابط العضوي بين قطاع المقالع وقطاع البناء والأشغال العمومية الذي يُعوّل عليه في تحقيق الأهداف الكبرى للبنية التحتية والسكن.
في جهات فاس-مكناس وبني ملال-خنيفرة وسوس-ماسة وطنجة-تطوان-الحسيمة وغيرها، تتعدد المواد المستخرجة لتشمل الرخام والغرانيت والحصى والرمال والحجارة الكلسية ومواد البناء المختلفة. وتُمنح التصاريح لمدد تتراوح بين أشهر قليلة ولعشرين وثلاثين سنة، مما يُشير إلى تنوع بنية الاستثمار بين مشاريع الأشغال الموسمية والمشاريع الصناعية طويلة المدى.
2.1.3. لائحة المقالع المُغلقة: رهانات البيئة والسلامة
لا تقل قائمة المقالع المُغلقة خلال 2024 أهمية عن قائمة المفتوحة، إذ تُعكس انضباط آليات المراقبة والإنفاذ التي أرساها القانون رقم 27.13. فقد شملت الإغلاقات مقالع في مناطق متفرقة، من بينها مقالع في جهة القنيطرة-سلا-الرباط وجهة فاس-مكناس وجهة مراكش-أسفي، يُحيل بعضها على انتهاء مدة التصريح وبعضها الآخر على استيفاء الكميات المرخص باستخراجها.
تُشكّل هذه اللوائح وثيقةً رسمية دورية تُرسّخ مبدأ الشفافية في قطاع المقالع، الذي طالما عانى من إشكاليات الاستغلال غير المنظم والتأثيرات البيئية السلبية. وقد أحدث القانون رقم 27.13 تحولاً نوعياً في حوكمة هذا القطاع عبر ربط الاستغلال بشروط بيئية وتقنية صارمة، وإخضاعه للمراقبة القضائية والإدارية.
2.2. الأبعاد البيئية والتنموية في تنظيم المقالع
2.2.1. القانون رقم 27.13 كنموذج في التشريع البيئي
يُمثّل القانون رقم 27.13 المتعلق بالمقالع نموذجاً تشريعياً متطوراً في مجال الموارد الطبيعية، إذ يوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والضرورة البيئية. فهو يُلزم المستغلين بإعادة تأهيل المواقع بعد انتهاء الاستغلال، ويشترط دراسات التأثير البيئي للمشاريع الكبرى، ويُحدّد سقوفاً للكميات المستخرجة حفاظاً على الموارد غير المتجددة.
2.2.2. قراءة في التوزيع الوطني للنشاط الاستخراجي
يُلاحظ في القوائم المنشورة تمركز نشاط استغلال المقالع حول المحاور الحضرية الكبرى ومناطق الأشغال الكبرى. فمنطقة تاونات في جهة فاس-مكناس تعرف نشاطاً مكثفاً في استخراج الحصى ومواد الأشغال العمومية، مما يُجلّي الارتباط المباشر بين مشاريع البنية التحتية الإقليمية ودوامة الطلب على المواد الأولية. كذلك تُشير الكميات الضخمة المرخصة في جهة الشرق — لا سيما في إقليمي الناظور والدريوش — إلى تسارع وتيرة التعمير والتوسع العمراني في هذه المنطقة.
ثالثاً: تخطيط المجال الترابي — مراسيم التهيئة وحماية الملكية
3.1. مراسيم تهيئة إقليم تنغير
3.1.1. المرسومان رقم 2.26.351 و2.26.352: السياق والأهداف
صدر المرسومان رقم 2.26.351 و2.26.352 بتاريخ 14 ماي 2026، قاضيَين بالموافقة على تصميمَي التهيئة لجماعة تنغير ولمركز جماعة واكليم، كلاهما في إقليم تنغير. ويُعدّان تنزيلاً لأحكام القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير ومرسومه التطبيقي، ويُجسّدان إرادة الدولة في إضفاء الطابع القانوني الرسمي على مسارات التنمية الحضرية والقروية في هذه المنطقة الجنوبية الشرقية.
تكتسب هذه المراسيم أهميتها من الطابع التشاركي الذي يتسم به المسار التهيئوي، إذ استلزم الأمر عقد اجتماعات اللجان التقنية المحلية ومجالس الجماعة ولجان دراسة التعرضات، فضلاً عن إجراء بحوث علنية مع السكان قبل المصادقة النهائية. وقد امتد هذا المسار عبر مراحل: أُولاها عقد اللجنة التقنية في فبراير 2025 بالنسبة لتنغير واجتماع مجلس الجماعة في يونيو 2025، ثم لجنة دراسة التعرضات في يناير 2026.
3.1.2. الأثر القانوني لتصاميم التهيئة
يترتب على المصادقة على تصاميم التهيئة والإعلان عن المنفعة العامة مجموعة من الآثار القانونية الجوهرية: فهي تُضفي على المخططات العمرانية حجية قانونية ملزمة تُقيّد حق الملكية الخاصة بمقتضى ضوابط البناء والتجزئة، وتُيسّر مسطرة نزع الملكية للمنفعة العامة عند الاقتضاء، وتضبط التوزيع الوظيفي للفضاءات بين السكنية والتجارية والخضراء والطرقية.
وفي سياق السياسات العمرانية للدولة، تندرج هذه المراسيم ضمن جهود توسيع التغطية بتصاميم التهيئة على نطاق الجماعات الترابية الصغيرة والمتوسطة، بعد أن ظل هذا النوع من التخطيط تاريخياً حكراً على المدن الكبرى.
3.2. مرسوم إخراج قطعتين أرضيتين من الملك العمومي في إقليم العرائش
3.2.1. مرسوم رقم 2.26.274: المضمون والسند القانوني
صدر المرسوم رقم 2.26.274 بتاريخ 14 ماي 2026، قاضياً بإخراج قطعتين أرضيتين متأصلتين من متروك محطة القطار المنزه بإقليم العرائش من الملك العمومي للدولة، وضمّهما إلى ملكها الخاص. تبلغ مساحة القطعتين معاً 19912 متراً مربعاً، وقد جاء المرسوم استجابةً لطلب تقدم به عبد العالي الحسيسن عن ورثة الحاج محمد الحسيسن بتاريخ 2 مارس 2026.
يستند المرسوم إلى أحكام الظهير الشريف الصادر في فاتح يوليو 1914 المتعلق بالملك العمومي، وإلى المرسوم رقم 2.10.573 الصادر في فاتح فبراير 2011 القاضي بتحديد الملك العام للسكك الحديدية بإقليم العرائش. ويأتي باقتراح من وزير النقل واللوجيستيك وبعد استشارة وزيرة الاقتصاد والمالية.
3.2.2. النظرية القانونية لإخراج الأملاك من الدومان العمومي
تُشير هذه الوثيقة إلى إشكالية قانونية دقيقة تتصل بالطبيعة الثنائية للأملاك الدولة في القانون المغربي: الملك العمومي الذي لا يقبل التصرف والتقادم، والملك الخاص الذي تخضع تصرفاته لقواعد القانون المدني. وتتيح مسطرة الإخراج من الدومين العمومي تحويل الأصول المُهجَرة أو غير الصالحة للاستعمال العمومي إلى الملك الخاص، مما يُتيح الانتفاع بها أو التصرف فيها في مواجهة الغير. وهذا النوع من الإجراءات يُجسّد حرص المشرع المغربي على ضبط الذمة العقارية الدولة وصونها من الضياع.
رابعاً: تعيينات إدارية ومنظومة الموارد البشرية في القطاع العام
4.1. تعيين الآمرين المساعدين بالصرف: بنية وظيفية محورية
4.1.1. قرارات وزير الصحة ووزيرة السياحة
نشر العدد 7511 عدداً من قرارات تعيين الآمرين المساعدين بالصرف ونوابهم في وزارتين محوريتين: الصحة والحماية الاجتماعية، والسياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. فقد أصدر وزير الصحة القرار رقم 962.26 بتاريخ 8 أبريل 2026، مُتمّماً للقرار رقم 624.26 الصادر في 3 مارس 2026، مُسنداً الصلاحيات التنفيذية في التصرف في الاعتمادات المفوضة إلى مديرين مساعدين بعينهم.
كذلك أصدرت وزيرة السياحة القرارين رقم 941.26 و942.26، اللذين يُنظمان شبكة الآمرين المساعدين بالصرف في مؤسسات التكوين السياحي المتخصصة، كالمعهد العالي الدولي للسياحة بطنجة والمعاهد المتخصصة للتكنولوجيا التطبيقية الفندقية والسياحية في طنجة وتواركة وورزازات.
4.1.2. الأهمية النظامية لمسألة تفويض الاعتمادات
يُشكّل نظام الآمرين المساعدين بالصرف ركيزةً أساسية في هيكل الحوكمة المالية للدولة، إذ يُتيح توزيع المسؤولية التنفيذية في تنفيذ الميزانية عبر مستويات هرمية متعددة. فبدلاً من تمركز القرار المالي في يد الوزير، تُفوَّض اعتمادات محددة لمديرين ورؤساء مصالح يتحملون المسؤولية القانونية والمحاسبية عن الصرف داخل نطاقها. وهذا النظام يُجسّد مبدأ اللامركزية المالية الداخلية في الإدارة المغربية، ويُسهم في تسريع الإجراءات وإزالة الاختناقات البيروقراطية.
4.2. معادلات الشهادات العلمية: نافذة على الانفتاح الأكاديمي
4.2.1. قرارات وزير التربية الوطنية
أصدر وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة القرارات أرقام 812.26 حتى 816.26 بتاريخ 14 أبريل 2026، مُقرّرةً معادلات شهادات صادرة عن مؤسسات تعليمية أجنبية مع شهادات البكالوريا المغربية وشهادة السلك الإعدادي. ومن أبرز هذه المعادلات: معادلة دبلوم البكالوريا الفرنسية (المسار الدولي ثنائي اللغة) مع البكالوريا المغربية شعبة العلوم التجريبية مسلك علوم الحياة والأرض، ومعادلة شهادة التعليم الثانوي العليا البلجيكية مع شعبة العلوم التجريبية مسلك العلوم الفيزيائية، ومعادلة دبلوم البكالوريا الدولية لمدرسة "Enko Bamako" في جمهورية مالي مع شعبة العلوم الاقتصادية مسلك العلوم الاقتصادية.
4.2.2. قرارات وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار
أصدر وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار سلسلةً من القرارات (أرقام 868.26 إلى 883.26) بتاريخ 29 أبريل 2026، مُقرّرةً معادلات شهادات دولية عديدة. وتمتد هذه المعادلات لتشمل شهادات صادرة عن جامعات في كوريا الجنوبية والصين وكندا والولايات المتحدة وتركيا وهولندا وأذربيجان ومنظمة التعاون الأكاديمي في هولندا (Academia Groningana). كما تشمل قرارات قبول معادلة شهادة الماستر في القانون الخاص الصادرة عن جامعة نواكشوط بموريتانيا.
4.2.3. دلالات منظومة معادلة الشهادات
تُعبّر هذه القرارات عن مسار متراكم للانفتاح على الكفاءات المغتربة والإجازات الأجنبية، ضمن التزام المغرب بضمان التنقل الأكاديمي وتوحيد المعايير مع المؤسسات الدولية. وهي تُتيح لحاملي الشهادات الأجنبية الاستفادة من نفس الحقوق المهنية والأكاديمية المكفولة لخريجي المؤسسات الوطنية، مما يُعزز الاستقطاب ويُحفّز العودة إلى أرض الوطن. كما أن تنوع الجهات الأكاديمية المشمولة بالمعادلة — من كوريا إلى كندا مروراً بتركيا وهولندا — يكشف عن امتداد الشتات المغربي في الدراسة والبحث العلمي بالخارج.
خامساً: رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول مشروع قانون تنظيم مهنة العدول
5.1. سياق الإصلاح وملفه التاريخي
5.1.1. من "خطة العدالة" إلى "مهنة العدول": تحوّل جذري في المفهوم
يُعدّ التوثيق العدلي من أعرق الممارسات القانونية في المنظومة الشرعية المغربية، إذ تعاقبت في تنظيمه ظهائر وقوانين بدءاً من ظهير 7 يوليوز 1914، مروراً بقوانين 1938 و1944 و1982، وصولاً إلى القانون رقم 16.03 الصادر في 14 فبراير 2006 المتعلق بخطة العدالة. وبعد عشرين سنة من تطبيق هذا القانون، بات واضحاً قصوره في مواكبة التحولات القانونية والتكنولوجية والاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي.
جاء مشروع القانون رقم 16.22 ليحل محل هذا الإطار القانوني، حاملاً تحولاً مفاهيمياً عميقاً تتجلى فيه الرغبة في الانتقال من النموذج التقليدي القائم على "خطة العدالة" نحو "مهنة العدول" باعتبارها مهنة حرة منظمة وفق ضوابط قانونية حديثة، على غرار المهن القانونية والقضائية الأخرى كالمحاماة والتوثيق العصري.
5.1.2. ازدواجية منظومة التوثيق المغربية
من أبرز ما تناوله رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تشريحُ ازدواجية نظام التوثيق المغربي القائم على مسارين: مسار تقليدي يجسّده التوثيق العدلي ذو المرجعية الشرعية والفقهية، ومسار عصري يضطلع به الموثقون الذين يعملون وفق القانون رقم 32.09 الصادر سنة 2011. ويشير المجلس إلى أن كلا المسارين يُكمّل الآخر، إذ ينفرد العدول باختصاصات حصرية في مجال الأحوال الشخصية (عقود الزواج والطلاق والرجعة وتحرير الفرائض والإرث)، بينما ينفرد الموثقون بمجال الأعمال والتجارة والعقود الدولية. ويظل ثمة مجال مشترك واسع في المعاملات المدنية والعقارية.
5.2. مستجدات مشروع القانون رقم 16.22 وتحليل أحكامه
5.2.1. منظومة التكوين والولوج إلى المهنة
يُدخل مشروع القانون مستجدات جوهرية على شروط الولوج إلى مهنة العدول، أبرزها: تخفيض سن الترشح الأدنى من 25 إلى 21 سنة، وتعميم نظام المباراة لضمان تكافؤ الفرص، وفتح الباب أمام حاملي شهادات العالمية من مؤسسات جامعة القرويين. كما يُرسي نظام تكوين أساسي موحد مدته ستة أشهر داخل مؤسسة للتكوين يعقبه تدريب عملي لمدة ثمانية عشر شهراً بمكتب عدلي، قبل اجتياز امتحان نهاية التمرين. ويُمثّل هذا النظام تطوراً نوعياً مقارنة بمرسوم 2008 الذي كان لا يتجاوز مدة التدريب العملي فيه أربعة أشهر.
أما التكوين المستمر، فقد نُصّ عليه لأول مرة بصفة إلزامية، معتبرِاً إياه شرطاً أساسياً لمواكبة المستجدات القانونية والتكنولوجية، ومُرتّباً عليه التخلف غير المبرر مساءلةً تأديبية.
5.2.2. الحقوق والواجبات المهنية في ضوء النص الجديد
يُوسّع مشروع القانون دائرة الواجبات المهنية للعدول توسيعاً كبيراً، فيُلزم العدل باتخاذ مكتب مجهز بوسائل تقنية حديثة وباعتماد العمل الإلكتروني ومسك السجلات الرقمية، كما يُلزمه بإصدار وصولات الأتعاب إلكترونياً وإعداد تقارير إحصائية سنوية. ويُرسي لأول مرة نظاماً واضحاً ومفصلاً للمسؤولية المدنية للعدل عن أخطائه وأخطاء أجرائه ومتمرنيه، مع إلزامه بإبرام عقد تأمين لضمان هذه المسؤولية.
على صعيد الحقوق، يُقرّ المشروع للعدل حقه في تقاضي أتعاب عادلة وفي طلب الانتقال أو التوقف المؤقت أو الإعفاء من المهنة وفق مساطر محددة، مع ضمان استمرارية الخدمة في حالة الغياب عبر تكليف عدل آخر بتسيير المكتب.
5.2.3. الرقمنة وتحديث وسائل العمل
يُعدّ إدخال الرقمنة في منظومة التوثيق العدلي من أبرز مستجدات المشروع، إذ يُقرّر اعتماد الإيداع الإلكتروني للعقود، والأرشفة الرقمية للسجلات، والتواصل الرقمي مع الإدارات. وتُمثّل هذه التوجهات انقطاعاً واضحاً مع النظام الورقي التقليدي السائد في إطار القانون 16.03، وتُنسجم مع توجه الدولة نحو رقمنة الخدمات العمومية وتبسيط المساطر.
5.3. الملاحظات النقدية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
5.3.1. غياب دراسة الأثر التشريعي
يُسجّل المجلس ملاحظة منهجية جوهرية: أن مشروع القانون جاء دون إرفاقه بدراسة أثر تستند إلى معطيات رقمية ومؤشرات موضوعية. ويُذكّر المجلس بأن التشريعات الهيكلية الكبرى — وفق المعايير الدولية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية — يُفترض أن تُبنى على تقييم موضوعي سابق لأثر القانون القائم، وعلى رصد حصيلة تطبيقه قبل الإقدام على إلغائه وإحلال نظام جديد محله. وهو ما يكشف عن إشكالية منهجية عامة في المنظومة التشريعية المغربية يتمثّل في تغليب التجديد التشريعي على التقييم الدقيق للواقع التطبيقي.
5.3.2. تعدد الإحالات التنظيمية دون أفق زمني محدد
رصد المجلس أن تطبيق مشروع القانون يستلزم إعداد وإصدار 21 نصاً تنظيمياً، تشمل مقتضيات أساسية كالمنصة الرقمية لحفظ الوثائق والتكوين المستمر وآلية تأسيس ملكية عقار غير محفظ والحد الأدنى لتأمين المسؤولية المدنية. وفي غياب أفق زمني محدد لإصدار هذه النصوص، يُخاطر القانون بأن تظل بعض مقتضياته معلّقة لسنوات، وهو نمط متكرر في المنظومة التشريعية المغربية.
5.3.3. إشكاليات هيكلية: خطاب القاضي وثنائية التلقي
تتصدر الإشكاليات الهيكلية التي استعرضها رأي المجلس مسألتا "خطاب القاضي" و"ثنائية التلقي" اللتان أبقى عليهما المشروع كما كانتا في القانون 16.03. فآلية خطاب القاضي — التي تشترط مراقبة قاضي التوثيق للعقود العدلية وتأشيره عليها قبل اكتسابها صفتها الرسمية — تُفضي من الناحية العملية إلى تأخير العقود وتعقيد مساطرها، مع تناقض في توزيع المسؤولية إذ يتحمل العدلان مسؤولية المضمون بينما يظل القاضي المُضفي للصفة الرسمية خارج نطاق المساءلة المباشرة.
أما ثنائية التلقي فتشترط حضور عدلين اثنين في تحرير الشهادات والعقود، وهو ما يُولّد إكراهات عملية موصوفة وأحياناً ممارسات غير سليمة تتعلق باستدعاء عدل ثانٍ "للتزكية" دون حضوره الفعلي للوقائع، مما يُمس مصداقية العمل التوثيقي.
5.3.4. غياب آلية تدبير الودائع
يُشير المجلس إلى ثغرة مهمة في المشروع تتمثل في غياب آلية مؤطرة لتدبير الودائع، التي تُشكّل حاجة عملية ملحّة في ضوء المساطر الطويلة المرتبطة بخطاب القاضي والتسجيل. فضمان الأموال المودَعة لحين استكمال الإجراءات القانونية يحمي حقوق المتعاقدين ويُعزز الثقة في المنظومة التوثيقية، وهو ما كانت التوصية 52 من ميثاق إصلاح منظومة العدالة قد أشارت إليه صراحة.
5.4. رؤية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وتوصياته
5.4.1. محاور التوصيات الأربعة
ارتكزت توصيات المجلس على أربعة محاور استراتيجية. أولها تعزيز الأثر التشريعي والتعجيل بإصدار النصوص التطبيقية، عبر إجراء دراسة شاملة لواقع التوثيق العدلي وإصدار النصوص التنظيمية في آجال معقولة ومحددة. وثانيها تحسين الإطار التنظيمي وتأهيل الموارد البشرية، بما في ذلك تعزيز استقلالية العدول بصفة تدريجية وتعزيز تمثيلية النساء في هياكل الهيئة، ومراجعة شروط الولوج باشتراط شهادات على مستوى الماستر.
أما المحور الثالث فيتناول تسريع التحول الرقمي لمهنة العدول، ويُوصي بتطوير منصة رقمية متكاملة تعتمد تقنية التوقيع الإلكتروني المؤمن وسلاسل الكتل (Blockchain) لضمان سلامة الوثائق وأمنها. والمحور الرابع يتعلق بتحديث آليات التوثيق العدلي وتعزيز الأمن التعاقدي، ويشمل مراجعة شهادة اللفيف وإقرار حق الطعن في رفض الخطاب وتمكين العدل من آلية تدبير الودائع.
5.4.2. موقف المجلس من ازدواجية التوثيق
يُسجّل المجلس أنه لا يرى مانعاً من استمرار ازدواجية نظام التوثيق في المغرب، ما دامت كل منظومة تحتفظ بمجالات اختصاص حصرية واضحة وما دام النظام المزدوج يكفل للمواطن خدمة موثوقة وذات جودة. غير أنه يؤكد على ضرورة ضمان قواعد المنافسة الشريفة والتكافؤ بين الفاعلين، دون استبعاد إمكانية العمل على التقائية مهن التوثيق في المدى البعيد.
سادساً: تصحيح الأخطاء وضمان سلامة المعلومة الرسمية
6.1. استدراك خطأ في الجريدة الرسمية عدد 7506
6.1.1. الخطأ الوارد ومسطرة التصحيح
نشر العدد 7511 استدراكاً لخطأ وقع في العدد 7506 بتاريخ 7 ماي 2026، يتعلق بقرار وزير التجهيز والماء رقم 711.26 المتعلق بافتتاح بحث عمومي يخص تحديد الملك العمومي البحري في إقليم كلميم. وتمثّل الخطأ في الإشارة إلى أن البحث العمومي يجرى "من 23 يونيو إلى 23 سبتمبر 2026"، في حين أن الصواب هو "من 23 يوليو إلى 23 سبتمبر 2026".
6.1.2. دلالة التصحيح في منظومة الحوكمة القانونية
تُجسّد هذه التصحيحات حرص المشرع المغربي على ضمان دقة المعلومة القانونية الرسمية وصون ثقة العموم في الجريدة الرسمية. فأي خطأ في التواريخ أو البيانات القانونية قد يُفضي إلى مساس بحقوق الأفراد والهيئات، لا سيما حين يتعلق الأمر بآجال إجراء البحوث العمومية التي تُعدّ ضمانة تشاركية جوهرية في مساطر الدومين العمومي.
سابعاً: قراءة تركيبية في المنهجية التشريعية للعدد 7511
7.1. تناسق النصوص ووحدة التوجه السياسي
7.1.1. المنطق الرابط بين التشريعات المُنشَرة
لا تأتي النصوص المُنشَرة في الجريدة الرسمية عشوائيةً أو متناثرة، بل تنتظم حول منطق سياسي وتنموي متكامل. ففي هذا العدد، يُلاحَظ أن المرسوم الجمركي المتعلق بالقمح ومراسيم تهيئة إقليم تنغير وقرارات تعيين الآمرين المساعدين بالصرف وقرارات معادلة الشهادات ولائحة المقالع — جميعها تنتمي إلى أولويات الخطاب الرسمي للمرحلة: تحقيق الأمن الغذائي، وتنشيط الاستثمار، وتحديث الإدارة، والرفع من مستوى رأس المال البشري، والاندماج في الاقتصاد العالمي.
يُتجلى هذا التناسق في توافق مرسوم القمح اللين مع توجهات البرنامج الوطني للتحسين الجيني للقمح اللين، وفي انسجام مراسيم التهيئة مع استراتيجية التنمية الترابية المندمجة، وفي ارتباط معادلات الشهادات بالاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي الهادفة إلى تحفيز الكفاءات على العودة والمساهمة في التنمية الوطنية.
7.1.2. أثر النصوص على المنظومة القانونية الوطنية
يُضاف العدد 7511 إلى الرصيد التشريعي المغربي المتراكم بعدد من النصوص التي تُعدّل وتُتمّم الإطار القانوني القائم. فمرسوم القمح يُعدّل تطبيق قانون المالية لسنة 2000، وقرار المقالع يُطبّق المادة 40 من مرسوم 2017، ومراسيم التهيئة تُنزّل القانون رقم 12.90، وقرارات المعادلات تُطبّق مراسيم تحديد اختصاص المؤسسات الجامعية.
والأثر الكامل لهذه النصوص لا يُقرأ إلا في ضوء هذه الشبكة من الإحالات والروابط، مما يُؤكّد أن فهم الجريدة الرسمية يتطلب إلماماً بالمنظومة التشريعية في كليّتها وليس الاكتفاء بقراءة النص المُعزَل.
7.2. التحولات البنيوية في منظومة التوثيق العدلي: أبعاد عميقة
7.2.1. التوثيق العدلي بين الموروث الفقهي والتحديث القانوني
تُمثّل مسألة إصلاح التوثيق العدلي في المغرب مختبراً استثنائياً لفهم إشكالية الحداثة القانونية في السياق الإسلامي. فمؤسسة العدول لا تُمثّل مجرد آلية توثيقية، بل تُجسّد استمرارية تاريخية وحضارية ترتبط بالفقه المالكي وقواعد الإثبات الشرعي التي طورتها أجيال من الفقهاء والعلماء. ولذلك فإن إصلاح هذه المؤسسة يستلزم التوازن الدقيق بين إكراهات التحديث ومقتضيات الموروث.
يُدرك مشروع القانون رقم 16.22 هذا التوتر الكامن، فيحرص على الإبقاء على الجوهر الشرعي لمهنة العدول — من حيث اختصاصها في الأحوال الشخصية والفرائض والزواج والطلاق — مع تجديد هيكلها التنظيمي والمهني عبر اشتراطات الكفاءة والتكوين والمسؤولية والرقمنة. وهذا المنهج التوليفي يُجسّد رؤية فقهية وقانونية ناضجة تُميّز بين الثابت والمتغير في المؤسسات الشرعية.
7.2.2. مقارنة التجارب الدولية في إصلاح التوثيق
يُقدّم رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مقارنات دولية مفيدة مع تجارب دول إسلامية في تنظيم التوثيق. ففي سلطنة عُمان، يعمل "كاتب العدل" كموظف عمومي تابع لوزارة العدل دون أن يزاول مهنة حرة، بينما في تونس تطور نظام "عدل الإشهاد" ليصبح ضابطاً عمومياً مستقلاً ذا مسؤولية قانونية مباشرة. وفي كلتا الحالتين، اتجه التطور نحو تقليص دور الرقابة القضائية السابقة وتعزيز المسؤولية المهنية الفردية للموثق. وهذا المسار الدولي يدعم توصية المجلس بمراجعة آلية خطاب القاضي في أفق تكريس استقلالية أعمق لمهنة العدول.
7.3. قطاع المقالع وأبعاده في الاقتصاد الوطني
7.3.1. المقالع كقطاع استراتيجي في سلسلة القيمة الوطنية
يُشكّل قطاع استخراج مواد البناء والمقالع حلقة محورية في سلسلة القيمة للبناء والأشغال العمومية، وهو قطاع تُعوّل عليه خطط التنمية الوطنية الكبرى في توفير المواد الأولية الضرورية للسدود والطرق والمستشفيات والمساكن والمنشآت الرياضية. وتُشير الأرقام الضخمة للكميات المرخصة — التي تبلغ مئات الآلاف من الأمتار المكعبة في بعض المقالع — إلى حجم الطلب الهائل الذي تُولّده المشاريع الكبرى جارية التنفيذ أو المزمع إنجازها.
ويكشف التوزيع الجغرافي لتصاريح الاستغلال الصادرة سنة 2024 عن خريطة تنموية واضحة: تكثّف النشاط الاستخراجي في محيط المدن الكبرى والمناطق الصناعية وعلى امتداد المحاور الطرقية الكبرى، وهو ما يُعكس الترابط العضوي بين وتيرة البناء والأشغال ودينامية قطاع المقالع.
7.3.2. الملكية العقارية وطبيعة الأراضي المُستغلة
تكشف قوائم تصاريح المقالع عن تنوع في الطبيعة القانونية للعقارات المستغلة: بين الملك الخاص والملك العمومي للدولة والملك المائي العمومي والملك الغابوي والملك الجماعي السلالي. ويُبرز هذا التنوع التعقيد التشريعي الذي يواجه المستثمرين في هذا القطاع، إذ يتطلب كل نوع من الأراضي مسطرة قانونية خاصة لاستيفاء الترخيص بالاستغلال.
والملحوظ أن نسبة واسعة من المقالع تقع على أراضي الملك المائي العمومي — أي في مجاري الأنهار والمناطق المجاورة لها — مما يُبرز الحاجة إلى تنسيق أعمق بين وزارة التجهيز والماء ووزارة الداخلية فيما يخص تدبير هذا النوع من الأصول الطبيعية، وتفادي التعارض بين متطلبات الاستغلال ومتطلبات الحفاظ على جودة المياه وديمومة الأنظمة البيئية المائية.
7.4. التكوين والكفاءة في المنظومة الإدارية والقضائية
7.4.1. معادلات الشهادات ومنظومة استقطاب الكفاءات
تُشكّل قرارات معادلة الشهادات الصادرة في هذا العدد نافذة على منظومة استقطاب الكفاءات المغربية في الخارج وإدماجهم في سوق الشغل الوطني والمنظومة الأكاديمية. فبإقرار معادلة شهادات من جامعات دول متعددة — من بينها كوريا والصين وكندا والولايات المتحدة وتركيا وهولندا وأذربيجان وموريتانيا — تُؤكّد المنظومة التعليمية المغربية انفتاحها على التعليم العالمي بلا تمييز مؤسسي أو جغرافي.
وتُشير المعادلات المُقرَّرة إلى تخصصات استراتيجية شتى: من العلوم السياسية والاقتصاد التطبيقي إلى إدارة الأعمال والعلاقات الدولية والتسويق وإدارة المشاريع وعلوم الإدارة وإدارة التكنولوجيا والابتكار. وهي مؤشر على التنوع الأكاديمي للمغاربة في الخارج وعلى تعدد مجالات اهتمامهم، وتعكس أنماطاً مستجدة في الحراك الطلابي الدولي يمتد من الفضاء الفرانكوفوني إلى الاقتصادات الناشئة في آسيا وأمريكا الشمالية.
7.4.2. تعيين الآمرين المساعدين بالصرف كمؤشر على تجويد الحوكمة المالية
يُمثّل نشر قرارات تعيين الآمرين المساعدين بالصرف في عدد من الوزارات ترسيخاً للمساءلة المالية وشفافية التصرف في الاعتمادات العمومية. فتحديد الأشخاص المسؤولين بالاسم وتحديد اختصاصهم المالي ونطاقه الترابي والموضوعي يُتيح للرأي العام والأجهزة الرقابية متابعة مسار الإنفاق العمومي وتحديد المسؤوليات بدقة عند الاقتضاء.
وفي هذا الإطار، تُسهم الجريدة الرسمية في ترسيخ مبدأ الشفافية المالية للدولة، إذ لا تكتسب التفويضات المالية أثرها القانوني في مواجهة الغير إلا بنشرها الرسمي. وهكذا يُصبح العدد من أعداد الجريدة الرسمية وثيقةً مرجعية أمام المحاكم المالية والمراقبة الإدارية والمساءلة البرلمانية.
ثامناً: الجريدة الرسمية وأدوارها المتعددة في دولة القانون
8.1. الجريدة الرسمية كضامن لمبدأ الاحتجاجية القانونية
8.1.1. النشر الرسمي وقرينة العلم بالقانون
يُقوم نظام الجريدة الرسمية على مبدأ راسخ في القانون العام: مبدأ الاحتجاجية القانونية (l'opposabilité) الذي يقتضي أن كل نص قانوني أو تنظيمي لا ينتج آثاره القانونية في حق الأفراد إلا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية. وهو مبدأ يُؤسّس لافتراض العلم بالقانون الذي يُشكّل ركيزة في بناء الأمن القانوني.
وهكذا، فإن مرسوم استيراد القمح الصادر في هذا العدد لا يُرتّب التزاماً على المستوردين إلا من تاريخ نشره، وتصاميم التهيئة لا تلزم أصحاب الأملاك إلا من لحظة نشرها، وقرارات تعيين الآمرين المساعدين بالصرف لا تنفذ في مواجهة المحاسبين العموميين إلا بعد اطّلاعهم عليها في الجريدة.
8.1.2. الجريدة الرسمية كسجل تاريخي للسياسات العمومية
تُشكّل أعداد الجريدة الرسمية في مجموعها أرشيفاً لا غنى عنه لتتبع تطور السياسات العمومية المغربية عبر الزمن. فمن خلال مقارنة مرسوم القمح الحالي بمراسيم سابقة مماثلة، يمكن استخلاص نمط الاستجابة الحكومية لتقلبات أسعار الحبوب وموسم الجفاف. ومن خلال تتبع قوائم المقالع المفتوحة والمغلقة عبر سنوات متعاقبة، يمكن قياس وتيرة تنمية قطاع البناء ومدى تطبيق اشتراطات البيئة. ومن خلال أرشيف قرارات معادلة الشهادات، يمكن رسم خريطة تطور الشتات الأكاديمي المغربي في العالم.
وهذه القيمة التأريخية والتحليلية للجريدة الرسمية تجعلها مصدراً لا يُستغنى عنه في الدراسات القانونية والسياسات العمومية وعلم الاجتماع التشريعي.
8.2. التحديات المستقبلية في منظومة التشريع والنشر الرسمي
8.2.1. رقمنة الجريدة الرسمية والوصول الديمقراطي إلى القانون
يُطرح في سياق التحول الرقمي للإدارة المغربية تساؤل جوهري: كيف يمكن تحويل الجريدة الرسمية من وثيقة مطبوعة تقليدية إلى بنية تحتية رقمية ذكية للمعلومة القانونية؟ فالنشر الرقمي للنصوص القانونية مع نظام متكامل للبحث والإحالة والتصفية يُتيح للمواطن العادي والباحث القانوني والمستثمر الأجنبي الوصول اليسير إلى التشريع المغربي في الوقت الفعلي. وقد قطعت الإدارة المغربية أشواطاً مهمة في هذا الاتجاه من خلال بوابة "textes.sgg.gov.ma"، لكن الطريق لا يزال طويلاً نحو نموذج "الحوكمة القانونية التشاركية" المتاحة للجميع.
8.2.2. جودة التشريع وآفاق الحوكمة التشريعية
يُثير رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إشكالية الجودة التشريعية التي تتجاوز مشروع قانون العدول لتطال المنظومة التشريعية برمّتها. فاستحضار معايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في تقييم أثر التشريعات ومراجعة رصيدها يُجسّد طموحاً مُعلناً نحو تشريع عقلاني وقائم على الأدلة والمعطيات بدلاً من الاستجابات الآنية والتوجهات الإيديولوجية.
وتظل الحوكمة التشريعية الجيدة — وفق هذه المعايير — رهينةَ تحوّل ثقافي عميق في مؤسسات الدولة المغربية: ثقافة تُقدّر التقييم على الإنتاج، والمراجعة على التجديد، والتشاور الموسع على السرعة في الإنجاز التشريعي.
تاسعاً: قطاع التعليم العالي وتحديات التكوين في ضوء الجريدة الرسمية
9.1. المعادلات الأكاديمية ومنظومة اعتراف الدولة بالشهادات
9.1.1. اللجان القطاعية وآلية اتخاذ القرار في معادلة الشهادات
تعمل منظومة معادلة الشهادات في المغرب عبر لجان تقنية متخصصة تنعقد بصفة دورية وتبتّ في الطلبات المقدمة وفق معايير أكاديمية وإجرائية محددة. وقد جاءت قرارات العدد 7511 ثمرةً لاجتماع اللجنة المركزية لمعالجة طلبات المعادلات في التعليم المدرسي بتاريخ 25 فبراير 2026، وللجنة القطاعية للعلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية والتدبير بتاريخ 4 مارس 2026. وتُجسّد هذه الدورية الإجرائية التزام المشرع المغربي بالحكامة في هذا الملف ذي الحساسية الاجتماعية المباشرة.
9.1.2. التوجه نحو الاعتراف بالتنوع الأكاديمي الدولي
يُلاحَظ في قرارات هذا العدد توسّع مُستحدَث نحو جامعات في دول كانت قليلة الحضور في هذا السياق، كتركيا وأذربيجان وكوريا الجنوبية والصين. ويعكس هذا الانفتاح تحولات في أنماط الهجرة الطلابية المغربية التي لم تعد مُتمركزة في القطب الفرانكوفوني فحسب، بل تتمدد بصورة متسارعة نحو الوجهات الأكاديمية الآسيوية والأمريكية اللاتينية والتركية. وفي هذا السياق، تُمثّل قرارات المعادلة أداةً لإدارة التنوع الأكاديمي وضمان عدم إقصاء الكفاءات بسبب اختلاف الجهة المانحة للشهادة.
9.2. دور الجريدة الرسمية في تثبيت هوية المنظومة التعليمية
يُسهم نشر قرارات المعادلات في ترسيخ هوية الجامعة المغربية كمرجع أكاديمي وطني يُعيّر شهادات العالم بمعاييره. ولا تنبع قيمة هذه القرارات من قيمتها الفردية لكل طالب معني، بل من تراكمها المؤسسي الذي يبني خريطة واضحة للاعتراف المتبادل مع الجهات الأكاديمية العالمية. ويُعزّز ذلك مكانة المغرب كوجهة للبحث العلمي والتعاون الأكاديمي الدولي.
عاشراً: مقاربة تكاملية — الجريدة الرسمية كأداة حوكمة شاملة
10.1. تكامل الأدوار بين النصوص المُنشَرة
يُبرز تحليل مضامين العدد 7511 كيف تتوزع الأدوار بين أنواع النصوص المُنشَرة في ثلاثة مستويات:
المستوى الأول هو المستوى الإجرائي الفوري الذي تُمثّله المراسيم والقرارات ذات الأثر التنفيذي المباشر، كمرسوم القمح اللين وقرار تعطيل الإدارات وقرارات تعيين الآمرين وقرارات معادلة الشهادات. هذه النصوص تُنتج آثاراً قانونية محددة ومباشرة في حق مخاطبيها.
المستوى الثاني هو المستوى التنظيمي الهيكلي الذي تمثله مراسيم التهيئة ومرسوم إخراج الأملاك من الدومين وقوائم المقالع. هذه النصوص تُعيد تشكيل البنية القانونية للأصول والفضاءات والأنشطة الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد.
المستوى الثالث هو المستوى الاستشاري والتداولي الذي يُمثّله رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. هذا النوع من الوثائق لا يُنتج أثراً قانونياً مباشراً، لكنه يُؤثّر في المسار التشريعي ويُشكّل مرجعاً فكرياً لإصلاح المنظومات.
10.2. مؤشرات التنمية المستخلصة من قراءة العدد
يُتيح تحليل العدد 7511 استخلاص جملة من مؤشرات السياسة العمومية:
على صعيد الأمن الغذائي: يُشير التدخل الجمركي في سوق القمح إلى استمرار الإشكاليات المرتبطة بالاعتماد على الاستيراد في تأمين الحبوب، وهو ما يُلقي بظلاله على برامج التنمية الزراعية ومشاريع تطوير البذور وتحسين مردودية الأراضي.
على صعيد التنمية الترابية: تُكشف مراسيم تهيئة تنغير وواكليم عن مسار تدريجي لتوسيع غطاء التخطيط العمراني في المناطق الجبلية والجنوبية الشرقية، وهي مناطق ظلت تاريخياً على هامش التخطيط الحضري الرسمي.
على صعيد رأس المال البشري: يُشير حجم قرارات المعادلات ووسعها الجغرافي إلى بنية ديموغرافية من الكفاءات المغتربة تُمثّل ثروة بشرية يُراد استثمارها في تنمية الاقتصاد الوطني.
على صعيد إصلاح الدولة: يُمثّل مشروع قانون العدول وما أثاره من نقاش نموذجاً للتصرف الإصلاحي الذي يُدمج الاستشارة الاجتماعية والخبرة المقارنة في صياغة الإصلاح المؤسسي.
10.3. خلاصة الدروس والتوصيات المستخلصة
تُفضي هذه القراءة التحليلية الشاملة لمحتوى العدد 7511 إلى جملة من الخلاصات التي تُلقي الضوء على منطق عمل المنظومة التشريعية المغربية وأولوياتها الراهنة. فالدولة المغربية تُبدي قدرة على التدخل الجمركي السريع في قطاع الغذاء الاستراتيجي، مُؤكّدةً أن المرونة التشريعية هي ضمانة الأمن الاقتصادي في مرحلة التقلبات المناخية وعدم استقرار سلاسل التوريد العالمية. كذلك تواصل الدولة جهودها في تنظيم الثروات الطبيعية وفق إطار قانوني يوازن بين الاستثمار والبيئة، وإن كانت الأرقام الضخمة للكميات المستخرجة تستوجب يقظة مستمرة حول الأثر البيئي التراكمي.
في المقابل، يكشف ملف إصلاح مهنة العدول عن تعقيد في إجراء إصلاحات هيكلية عميقة تُلامس الموروث الفقهي وتُخاطب الحساسيات المهنية في آن واحد، مما يستلزم نفَساً إصلاحياً طويلاً وقدرة تفاوضية رفيعة. وتبقى التوصيات التشريعية المُقدّمة من مؤسسات استشارية كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رافعةً لا غنى عنها لتحسين جودة التشريع وتعميق تشاركيته.
خاتمة
يكشف العدد 7511 من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الصادر في 25 ماي 2026 عن مشهد تشريعي وتنظيمي متكامل يُجسّد استمرارية العمل الحكومي على محاور متعددة ومتشابكة. فمن ضبط السياسة الجمركية لضمان الأمن الغذائي، إلى تنظيم قطاع الثروات الطبيعية، ومروراً بالتخطيط العمراني ودواليب الموارد البشرية في القطاع العام، وانتهاءً بالإصلاح الهيكلي لمهنة التوثيق العدلي — يُصوّر هذا العدد دولةً في حراك تشريعي دائم تسعى إلى تحديث منظوماتها القانونية والإدارية وفق متطلبات التنمية الوطنية والمعايير الدولية.
يستأثر رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول مشروع قانون العدول بالحصة الكبرى من هذا العدد، محتلاً مكانة استثنائية بحجمه وعمقه التحليلي. وهو يُمثّل نموذجاً ناضجاً للمشاركة الاستشارية الجماعية في صياغة التشريعات، ويُؤكّد دور المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي كمؤسسة دستورية موثوقة تُسهم في تحسين جودة النصوص القانونية ورفع مستوى الحوكمة التشريعية.
إن قراءة هذا العدد في ضوء سياقاته القانونية والمؤسسية والاجتماعية تُثبت أن الجريدة الرسمية لا تزال الإناءَ القانوني الأكثر موثوقية لفهم توجهات الدولة المغربية وخياراتها التشريعية، وأن كل عدد من أعدادها يُمثّل لحظة في تاريخ مستمر من بناء الدولة المؤسسية القائمة على سيادة القانون.
تحميل العدد 7511 بتاريخ 25 ماي 2026 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق