الجريدة الرسمية للمغرب العدد 901-91 بتاريخ 25 يناير 1915: التشريع الإداري في زمن الحماية الفرنسية — دراسة تحليلية في النصوص والأنظمة والمؤسسات

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 مقدمة

تُمثّل الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة، في نسختَيها التاريخيتين اللتين تحملان العددَين 90 و91 الصادرَين مطلع يناير 1915 (الموافق لشهر صفر من عام 1333 هجرية)، وثيقةً قانونية وإدارية بالغة الأهمية، تُلقي الضوء على مرحلة فارقة من تاريخ المغرب الحديث. فهذه الجريدة لم تكن مجرد نشرة رسمية تُعلن القرارات والظهائر، بل كانت مرآةً صادقة لبنية الدولة وهياكلها الإدارية في خضم تحولات عميقة فرضها نظام الحماية الفرنسية الذي أُرسيت قواعده منذ توقيع معاهدة فاس عام 1912.

ففي غضون السنوات الثلاث الأولى من الحماية، كان المشرّعون والمستشارون الفرنسيون يعكفون على بناء منظومة تشريعية متكاملة تهدف من جهة إلى تنظيم شؤون الموظفين والمستخدمين الأهليين والأجانب، ومن جهة أخرى إلى تطوير القضاء وإدارة الاقتصاد وضبط الأسواق. وقد جاءت هذه الجريدة لتُوثّق هذه المساعي في قوالب قانونية رسمية، توزّعت بين ظهائر شريفة وقرارات وزيرية ولوائح تنظيمية.

تناولت أعداد الجريدة الرسمية الصادرة في يناير 1915 طيفاً واسعاً من الموضوعات: من تنفيذ العقوبات بالسجن، وتنظيم سلك الموظفين الكتّاب، وإدارة الخيل والجهاز المخصص للموظفين، إلى تعويضات السكنى وغلاء الأسعار، ومعاملة موظفي إدارتَي المياه والغابات، وضمان الصدق في بيع المحصولات الزراعية، وتنظيم تجارة عصير العنب. وهذا التنوع الموضوعي يعكس اتساع اهتمامات الدولة الناشئة بكل تفاصيل الحياة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية.

يهدف هذا المقال إلى قراءة تحليلية معمّقة لهذه الوثائق التاريخية، ورصد أبرز ما تضمّنته من تشريعات وأنظمة، وتسليط الضوء على الدلالات القانونية والاجتماعية التي تنطوي عليها، في محاولة لفهم طبيعة الدولة المغربية وآليات اشتغالها في مرحلة الحماية الفرنسية المبكرة.

تحميل العدد  90 -91  بتاريخ  25 يناير 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

 

أولاً: السياق التاريخي والإداري للجريدة الرسمية المغربية في مطلع القرن العشرين

1.1. نشأة الجريدة الرسمية وإرساء الإطار المؤسسي

تعود نشأة الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة إلى مرحلة بدأت فيها السلطة الفرنسية تُرسي هياكل إدارية حديثة على غرار النموذج الأوروبي، مع الحرص الظاهر على إبقاء الطابع الشرعي المخزني حاضراً في الخطاب الرسمي. وقد صدر العددان 90 و91 من الرباط، عاصمة الحماية الإدارية، في الثامن عشر من شهر يناير 1915، مما يشير إلى انتظام الإصدار وثبات مؤسسة الإعلام الرسمي.

كانت الجريدة تصدر باللغة العربية لتخاطب المسؤولين المغاربة والسكان الأهليين، فيما كانت ثمة نسخة فرنسية موازية تُخاطب المستوطنين الأوروبيين والموظفين الفرنسيين. وهذا الازدواج اللغوي في التشريع يُجسّد تلك المعادلة الحسّاسة التي كانت تسعى الحماية إلى تحقيقها: الإبقاء على واجهة السيادة المخزنية مع ممارسة السيطرة الفعلية الفرنسية. وقد وُقِّعت أغلب الوثائق باسم "محمد بن محمد الجباص" بوصفه كاتباً للوزارة الكبرى، في حين كانت القرارات تُصدر بمصادقة المقيم العام الفرنسي الذي يُمثّل هنا سلطة "سانتولار".

تميّزت هذه الجريدة بدقة متناهية في الصياغة القانونية وتحديد التواريخ بالتقويمين الهجري والميلادي معاً، مما يكشف عن وعي مؤسسي بضرورة التواصل مع الجمهورين العربي والفرنسي في آنٍ واحد. فالتأريخ بالتقويم الهجري يُضفي الشرعية المخزنية على القرارات، في حين يُتيح التأريخ الميلادي التنسيقَ الإداري مع المنظومة الفرنسية.

1.2. المشهد السياسي والإداري في المغرب عام 1915

على الصعيد السياسي الأشمل، كان عام 1915 يقع في قلب الحرب العالمية الأولى، التي ألقت بظلالها على السياسة الاستعمارية الفرنسية في المغرب. فقد كانت فرنسا تخوض معارك ضارية في أوروبا، مما جعل استقرار الجبهة المغربية أولويةً استراتيجية لا يمكن التهاون بها. وقد انعكس ذلك على طبيعة التشريعات الصادرة في تلك الفترة، التي اتسمت بالبراغماتية والتركيز على إرساء نظام إداري فعّال يضمن الولاء والانضباط.

كان المقيم العام الجنرال هوبير ليوطي يُشرف آنذاك على المرحلة الأولى من بناء مؤسسات الحماية، ويسعى إلى تطبيق سياسة "إبقاء الواجهة المخزنية" التي تقضي بالحفاظ الظاهري على المؤسسات التقليدية مع تحويل الصلاحيات الفعلية تدريجياً إلى الإدارة الفرنسية. وقد عكست نصوص الجريدة الرسمية هذه المقاربة بجلاء: فالقرارات تُنسب شكلياً إلى الوزراء المغاربة، لكن الصياغة والتوجيه كانا يصدران عن المستشارين الفرنسيين.

على صعيد المنظومة القضائية، كانت ثمة ازدواجية واضحة بين المحاكم الشرعية المغربية والمحاكم الفرنسية، وبين المنظومتين الجنائيتين الأهلية والاستعمارية. وقد تجلّى هذا التوتر في نصوص ظهير تنفيذ العقوبات الوارد في هذه الجريدة، الذي حاول التوفيق بين المرجعيتين القانونيتين مع إيلاء الأولوية للنموذج الفرنسي.

1.3. التشريع بوصفه أداة لبناء الدولة الحديثة

يُمثّل التشريع في مرحلة الحماية أداةً مزدوجة الوظيفة: فهو من ناحية يُعبّر عن إرادة السلطة في تنظيم المجتمع وفق نماذج مُستوردة من الغرب، ومن ناحية أخرى يُمارس رقابة اجتماعية ويُعيد توزيع الأدوار والموارد بين الفئات المختلفة. والنظر في مضامين هذه الجريدة يكشف أن المشرّع كان يُدرك أن بناء دولة حديثة يستلزم التدخل في كل تفاصيل الحياة الإدارية، من تعيين الموظفين وتحديد رواتبهم وتجهيزاتهم، إلى ضبط الأسواق ومنع التلاعب بالأسعار.

وقد اعتمد المشرّع نهجاً تدرّجياً في البناء التشريعي، إذ كان يُحيل في أغلب الأحيان على قرارات وزيرية سابقة صادرة في الفترة الممتدة بين 1913 و1914، ليُعدّل فيها أو يُستكملها أو يُوسّع نطاق تطبيقها. وهذا المنهج يدل على وجود إرادة واضحة لبناء منظومة قانونية متراكمة ومتناسقة، لا مجرد إصدار قرارات عشوائية لمواجهة الطوارئ.

 

ثانياً: نظام تنفيذ العقوبات والمنظومة القضائية

2.1. الظهير الشريف المتعلق بتنفيذ العقوبات بالسجن

يُعدّ الظهير الشريف الخاص بكيفية تنفيذ العقوبات بالسجن من أبرز الوثائق القانونية الواردة في هذا العدد من الجريدة الرسمية، إذ يضع الإطار الإجرائي الكامل لتنفيذ أحكام الإدانة الجنائية الصادرة عن المحاكم الفرنساوية العاملة بالمغرب.

ينص الفصل الأول من هذا الظهير على أن كل متهم تُرجع أمره لنظر المحاكم الفرنساوية بالمغرب، وتُصدر في حقه المؤسسة حكماً طبقاً للظهير الشريف المؤرَّخ بالتاسع من رمضان عام 1331، يجب قبل تنفيذ هذا الحكم أن تُبلَّغ به السلطة المختصة. وهذا الإشكال الإجرائي يكشف عن حرص المشرّع على ضمان الرقابة المزدوجة في تنفيذ الأحكام الجنائية، إذ لا يكفي صدور الحكم وحده لتنفيذه.

ويُحدّد الفصل الأول بوضوح الجهة المعنية بالتنفيذ: فإذا القي القبض على المحكوم عليه قبل صدور الإذن المذكور، فيجب على العضو الراجع له النظر في التهمة أن يُبيّن في حكمه بياناً كافياً التاريخ الذي يبتدأ فيه بالعقاب بالسجن، مع إيلاء الأهمية الكافية لحساب مدة السجن من يوم القبض على المحكوم عليه. ويُضاف إلى ذلك أن كل يوم يمر تقرير كلما ألقي القبض على أحد المحكوم عليهم إلا إذا تدخّلت ملابسات استثنائية.

2.1.1. الضمانات الإجرائية في الفصل الثاني

يُعالج الفصل الثاني من هذا الظهير إشكالية القواعد التي يمكن أن تمنع من إجراء العمل، إذ يُحيل صراحةً على الفصل الرابع والعشرين من القانون الجنائي الفرنساوي. وتتضمن هذه القواعد جملةً من الضمانات التي تحول دون تحوّل العقوبة إلى وسيلة انتقام أو تعسّف، مما يدل على أن المشرّع كان يسعى إلى استيعاب المبادئ القانونية الفرنسية في المنظومة المغربية.

ويُلاحظ في هذا الفصل أن المشرّع أبدى اهتماماً خاصاً بمبدأ احترام الحرية الشخصية وصون كرامة المحكوم عليه، إذ يُشير إلى مفهوم "ملازمة الانصاف عند تنفيذ العقوبات بما أمرنا الشريف بما يأتي"، وهو مصطلح يجمع بين الإرث القانوني الإسلامي ومفهوم العدالة الحديثة كما يُفهمه المشرّعون الفرنسيون. وهذا الجمع بين المرجعيتين يُجسّد ذلك التلاقح الذي سعت الحماية إلى تحقيقه، وإن ظلّ موضع جدل بين المؤرخين والقانونيين المغاربة.

2.1.2. التطبيق العملي وأثر السجن على الحقوق المدنية

تضمّنت الوثيقة ذاتها إشارةً لافتة إلى أن القيود المنصوص عليها لا تمنع من إجراء العمل بالفصل الرابع والعشرين من القانون الجنائي الفرنساوي، مما يعني أن السجن لا يُعلّق حقوقاً مدنية معيّنة بشكل تلقائي، بل يظل الأمر خاضعاً للإجراءات القانونية المقرّرة. وهذا النهج يُظهر درجة من التطور القانوني مقارنةً بما كان سائداً في بعض الأنظمة القانونية المعاصرة التي كانت تُعامل المحكوم عليه بوصفه فاقداً لكامل حقوقه المدنية.

2.2. الظهير المتعلق بترقي كتّاب المحاكم وأجهزة القضاء

يُتيح الظهير الشريف المتعلق بترقي كتاب المحاكم المدلية ومعاونيهم رؤيةً دقيقة على هيكلة الجهاز الإداري للمنظومة القضائية في المغرب آنذاك. فالنص يُصنّف الموظفين القضائيين وفق نظام صارم من الدرجات، يمتد من الدرجة الرابعة إلى الدرجة التاسعة، ويُحدد لكل درجة المهام والصلاحيات والمزايا المالية المناسبة.

يرقى الموظفون المذكورون اسفله كما يأتي: إلى رتبة كاتب من الدرجة الرابعة المسيو رولا الذي هو كاتب من الدرجة الخامسة ورئيس مكتبة المحكمة الابتدائية. وهذا النص يُظهر أن نظام الترقي كان يعتمد معيارَين أساسيين: الكفاءة المهنية والأقدمية، إذ إن الترقي من درجة إلى أخرى مرهون بتوافر الخبرة العملية في الموقع السابق.

2.2.1. التسلسل الهرمي وشروط الترقي

تُحدّد الوثيقة التسلسل الهرمي الكامل لكتّاب المحاكم، ابتداءً من كاتب المحكمة الابتدائية بمدينة الرباط وانتهاءً بكبار الكتّاب في محاكم الدار البيضاء. ويتضمن النص أسماء الموظفين الفرنسيين المُرقَّين بالتفصيل، مع ذكر منطقة عملهم ودرجتهم الجديدة ومحكمتهم أو قسمهم.

واللافت أن جميع الأسماء الواردة في هذا الظهير هي أسماء فرنسية، مما يُشير إلى أن الجهاز القضائي في مرحلته الأولى كان مُهيمَناً عليه بشكل شبه كامل من قِبَل الموظفين الفرنسيين، في حين ظل المغاربة يشغلون في أحسن الأحوال مناصب مساعدة أو وظائف كتابية ثانوية.

2.2.2. ازدواجية الجهاز القضائي وتعقيداتها

يكشف هذا الظهير بجلاء عن ازدواجية الجهاز القضائي في مرحلة الحماية: فهناك المحاكم الأهلية المغربية التي تنظر في الشؤون الشرعية والأحوال الشخصية، وهناك المحاكم الفرنساوية التي تنظر في الشؤون المدنية والجنائية وفق القانون الفرنسي. وهذا الازدواج أفرز حتماً إشكاليات تتعلق بتنازع الاختصاص وتحديد الجهة المختصة، وهو ما سيُشكّل تحدياً قانونياً مستمراً طوال مرحلة الحماية.

ثالثاً: نظام الموظفين وسلك الكتّاب في الإدارة المغربية

3.1. تنظيم حزب الموظفين الإداريين بالإبالة الشريفة

تُعدّ القرارات الوزيرية المتعلقة بتنظيم حزب الموظفين الإداريين بالإبالة الشريفة من أكثر الوثائق دلالةً على آليات بناء جهاز الدولة الحديثة. وقد صدرت هذه القرارات استناداً إلى ظهير شريف مؤرَّخ بالثامن عشر من جمادى الأولى من عام 1331، الموافق للثامن عشر من إبريل 1913، وتتعلق بتنظيم حزب الموظفين الإداريين بالإبالة الشريفة وكيفية ترشيحهم وتنظيم توزيعهم بالإدارة المذكورة.

وقد تضمّنت هذه القرارات تعييناً مفصّلاً لعدد من الكتّاب، من بينهم المسيو بيريت الذي تولّى وكالة قصر الإقامة العامة بفاس قبل أن يُعيَّن كاتباً نساخاً من الدرجة الرابعة. ومن اللافت أن الوثيقة تُشير صراحةً إلى أن المسيو بيريت كان قد قدّم استقالته من وظيفته بتاريخ 26 من نوفمبر سنة 1914، ليُعيَّن مجدداً بعد ذلك، مما يُشير إلى وجود مرونة إدارية في التعامل مع حالات الاستقالة وإعادة التعيين.

3.1.1. معايير التعيين والترقي في سلك الكتّاب

تُحدّد وثائق التعيين الواردة في هذا العدد معاييرَ دقيقة لشغل وظيفة الكاتب الناسخ في الإدارة المغربية. فالموظف يجب أن يكون حاملاً لمؤهلات محددة، وأن يُجيد اللغة الفرنسية ويُتقن أعمال الكتابة والنسخ. أما الدرجات فتتراوح بين الدرجة الرابعة والدرجة التاسعة، ولكل درجة حد أدنى وأقصى للمرتب المخصص لها.

ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام في هذا السياق أن جميع الكتّاب المُعيَّنين تقريباً يحملون أسماءً فرنسية أو أوروبية، وهو ما يُؤكّد الطابع الاستعماري الغالب على الجهاز الإداري في مرحلته الأولى. كما أن معظم التعيينات صدرت بتاريخ يناير 1915 مع مفعول رجعي يعود أحياناً إلى عام 1913 أو 1914، مما يُفيد بوجود تأخر في إضفاء الطابع الرسمي على قرارات التوظيف.

3.1.2. نظام الدرجات والرواتب في الإدارة الفرنسية بالمغرب

يُشير الظهير المتعلق بترقي كتاب المحاكم إلى نظام درجات دقيق يُحكمه منطق هرمي واضح. فكل درجة تُقابل مرتباً محدداً ومستوى إدارياً معيّناً، بحيث يُعبَّر عن ترقي الموظف بالانتقال من درجة إلى أعلى منها ضمن السلّم الوظيفي المقرّر. وقد اعتمد هذا النظام على نموذج الوظيفة العمومية الفرنسية التي تُقسّم الموظفين إلى فئات وفق نظام من الدرجات والمراتب.

وقد رصدنا في الوثائق إشارات إلى مفهوم "التاريخ"، أي الأقدمية الوظيفية، بوصفه معياراً موازياً للكفاءة في تحديد أولويات الترقي. وهذا الجمع بين الكفاءة والأقدمية يعكس توجهاً مؤسسياً حريصاً على الاستقرار الإداري وتحفيز الموظفين على البقاء في الخدمة.

3.2. تعيين مهندس مدني في الإدارة المغربية

تُورد الجريدة وثيقةً لافتة تتعلق بتعيين "المسيو كنستنتيني ليسا" مهندساً مُعيَّناً من الدرجة الثانية ابتداءً من خامس عشر إبريل سنة 1914، وهو ما يُشير إلى أن الإدارة المغربية في عهد الحماية لم تكن تقتصر على الوظائف الإدارية الكتابية، بل كانت تشمل كذلك الكفاءات التقنية اللازمة لإدارة مشاريع البنية التحتية والتنمية الاقتصادية.

ويدل التعيين في وظيفة مهندس من الدرجة الثانية على وجود نظام تصنيف مهني متخصص يوازي نظام الدرجات الإدارية، مما يدل على تطور ملحوظ في هيكلة الجهاز البيروقراطي للدولة. كما يُشير السياق إلى أن الإدارة كانت تستقطب كفاءات فرنسية متخصصة لتولي المهام التقنية التي يستلزمها تطوير البنية التحتية للمغرب.

 

رابعاً: نظام التعويضات السكنية والخيل والتجهيزات الرسمية

4.1. قرار وضع الدراهم المخصوصة لموظفي إدارتَي المياه والغابات

يُعدّ هذا القرار الوزيري من أكثر الوثائق تفصيلاً وأهمية في الجريدة، إذ يضع نظاماً متكاملاً لإدارة التعويضات الممنوحة لموظفي إدارتَي المياه والغابات. وقد صدر هذا القرار بمقتضى القرار الوزيري المؤرَّخ بثاني رمضان عام 1331، الموافق لخامس أغسطس سنة 1913، والصادر بتعيين الرواتب والتعويضات المنفذة لموظفي إدارة المياه والغابات، وبمقتضى القرار المؤرَّخ بالرابع عام 1332 المتعلق بتنظيم حزب الموظفين المذكورين بالإدارة المذكورة وكيفية ترشيحهم.

4.1.1. هيكل التعويضات وشروط الاستفادة

ينقسم الباب الأول من هذا القرار إلى فصلين رئيسيين: الفصل الأول يُحدد طبيعة الدراهم المخصصة وكيفية احتسابها، إذ يُخصَّص مبلغ من الدراهم لكل واحد من موظفي إدارة المياه والغابات سواء كان فرنساوياً أو وطنياً ويُؤخذ منه ما يلزم لشراء مُلبوس الموظفين وخيلهم وآلة تكويبهم، بما في ذلك صونها وتجديدها وما يجب تعويضه إذا حصل ضياع أو اتلاف وترتّب ذلك عليهم.

ويتركّب هذا المبلغ في الفصل الثاني من مداخيل وصوادر: أما المداخيل فتتركّب من أربعة أشياء أولاً المبلغ المنفذ للموظف لشراء الفرس وآلة الركوب وشراء اللباس بالفصل السادس من القرار الوزيري الصادر في 29 مايو سنة 1914، وبالفصل الثاني من القرار الوزيري المؤرَّخ بخامس أغسطس سنة 1913.

4.1.2. آليات الرقابة المالية وحفظ الحسابات

تضمّن الفصل السابع من هذا القرار آلياتٍ دقيقة للرقابة المالية وحفظ الحسابات، إذ ينص على أن كل مبلغ من المبالغ المذكورة يُقيَّد في حساب كل واحد من الموظفين المذكورين ويُعتبر مثل مال واحد ويبقى في تصرف رئيس ادارة المياه والغابات واما المبالغ المتحصلة من دفع مال التجهيز المدفوعة في كل ثلاثة اشهر فتبقى مودعة عند القابض العام لدى الدولة الحامية.

وهذا النص يُجسّد نهجاً محاسبياً متطوراً يُفصل بين ذمة الموظف الشخصية والأموال المخصصة للتجهيزات الرسمية، ويُنشئ آليةً للمراقبة الدقيقة للإنفاق العام عبر تركيز الحسابات لدى القابض العام الذي يُمثّل سلطة الرقابة المالية للدولة الحامية.

4.2. قرار تعويضات الخيل والفرس وجهاز الموظفين

يُعالج الباب الثاني المتعلق بشأن الفرس وجهازه ولباس الموظفين جملةً من الفصول التفصيلية التي تُحدّد بدقة متناهية حقوق الموظفين وواجباتهم فيما يخص تجهيزاتهم الرسمية. فالفصل الثامن ينص على أن الخيل المعدة لخدمة الموظفين الفرنساويين لا تُقيَّد بالكناش ولا يُنفَّذ للموظفين تعويض في مقابلة صيانتها الا اذا قبلها رئيس الدائرة واعتبرها مدني أو عسكري ولا يجوز بيع الخيل المذكورة ولا ابدالها الا بعد الاذن في ذلك من رئيس الدائرة.

4.2.1. نظام توزيع وحفظ الخيل بالإدارة

تتضمن هذه الوثائق نظاماً دقيقاً لحفظ الخيل وصونها، يتضمن التزامات الموظف تجاه جواده الرسمي من حيث الإطعام والرعاية الصحية والتجهيز، وحدود التصرف في هذا الجواد التي تستلزم موافقة رئيس الدائرة. ويكشف هذا الاهتمام التفصيلي بالخيل عن الأهمية البالغة التي كانت تحظى بها في المناطق النائية التي تُشكّل مسرح عمل موظفي المياه والغابات، حيث ظلّت وسيلة التنقل الرئيسية وأداةً جوهرية في تأدية المهام الميدانية.

4.2.2. اللباس الرسمي ومواصفاته

خصّصت الجريدة فصلاً كاملاً لتحديد مواصفات اللباس الرسمي للموظفين، إذ يحدّد الفصل الثاني عشر تفاصيل دقيقة للزي الرسمي تشمل: اللباس المذكور على بنس بقيه بصورة بوق وكبوطين من اللباس المذكور كذلك وعليها علامات وصورة بوق وسروال طويل من الملف وسروالَيْن قصيرَيْن من الملف أيضاً وعليها قبعتان مربطة تحت الذقن وقبعة من الفرشي وكبوطين من الكتان الاصفر وسروال طويل من الكتان الاصفر وسروالَيْن قصيرَيْن، فضلاً عن أنواع من الجلد كخف عساكر الخيالة وست رقبات.

هذه التفاصيل الدقيقة للزي الرسمي تعكس الأهمية التي أولتها الإدارة الاستعمارية لرمزية المظهر وتوحيده، إذ كان اللباس يُجسّد انتماء الموظف إلى سلك رسمي مُنظَّم، ويُعزّز صورة الدولة الحديثة أمام السكان المحليين.

4.3. نظام تعويضات السكنى وغلاء أسعار القوت

يُوثّق هذا القرار الوزيري الصادر في عام 1915 نظاماً متكاملاً لمواجهة الآثار الاجتماعية لغلاء الأسعار على موظفي الدولة. وقد صدر بمقتضى الظهير الشريف المؤرَّخ بالحادي عشر جمادى الأولى من عام 1331 والقرارات الوزيرية المؤرَّخة بالثالث والعشرين وثمانية وعشرين يونيو سنة 1914 المتعلقة بتعويضات السكنى وغلاء أسعار القوت وغلاء اسعار القوت لسنة 1915.

ينص القرار على أنه إذا كان أحد الموظفين له أولاد غير بالغين وكان واحد منهم أو أكثر موظفاً كالبالغين يعدّون من الاولاد الموظفين بلا بالغين ومن اجل ذلك لا يُنفَّذ لوالدهم تعويض السكنى وغلاء أسعار القوت بالنسبة لعدد أولاده بحيث أن التعويضات المقرّرة تُنفَّذ لهم حسب الضوابط المقررة حسب الجاري بها العمل من الموظفين اهل طبقتهم.

 

خامساً: التنظيم الاقتصادي وضبط الأسواق

5.1. قرار ضمان الصدق في البيع وتعيين الشروط اللازمة لعرض المحصولات على الناس

يُمثّل هذا القرار الوزيري الصادر بمناسبة تنظيم تجارة المحصولات الزراعية منعطفاً مهماً في تاريخ التنظيم الاقتصادي بالمغرب. إذ ينص على أنه لمّا كان من الضروري ضمان الصدق في بيع السلع وتعيين الشروط اللازمة لعرضها على المشترين دفماً لكل تشويش أو نزاع يمكن حدوثه، قرّرنا ما يأتي.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا القرار يُحيل على نص مُدرَج في الجريدة الرسمية الفرنسية صحيفة 34 تحت عنوان قرار وزيري في تنظيم الصدق في البيع وتعيين الشروط اللازمة لعرض المحصولات على الناس، مما يكشف عن تنسيق وثيق بين النسختين العربية والفرنسية من الجريدة الرسمية.

5.1.1. المبادئ التوجيهية لضبط التجارة

يقوم هذا القرار على مبدأ جوهري مفاده أن كل معاملة تجارية يجب أن تنهض على الشفافية والصدق بين البائع والمشتري. ويُلزم القرار البائع بتعيين الشروط اللازمة لعرض المحصولات عرضاً صادقاً لا يُفضي إلى تضليل المشترين أو تغليطهم حول طبيعة السلعة أو جودتها أو ثمنها الحقيقي.

وقد جاء هذا القرار في سياق تطور الاقتصاد المغربي وانفتاحه على السوق الأوروبية، إذ كانت ضرورة ضبط المعاملات التجارية تفرض نفسها لحماية المستهلك المغربي الأهلي في مواجهة تجّار أكثر خبرةً بالأساليب التجارية الحديثة، وكذلك لاستقطاب ثقة التجار الأجانب وتطمينهم على سلامة معاملاتهم في السوق المغربية.

5.1.2. آليات التنفيذ والرقابة على الأسواق

يتضمّن القرار آليات رقابية لمتابعة تطبيق اشتراطات الصدق في البيع، وإن ظلّت الوثيقة المتاحة لا تُفصّل هذه الآليات بشكل كافٍ. غير أن السياق العام يُشير إلى أن الرقابة كانت تستلزم التنسيق بين موظفي الإدارة التجارية ومأموري الأسواق والمقايسة، الذين كانت مهمتهم ضمان احترام أوزان الكيل والمقاييس المعتمدة.

5.2. قرار تنظيم تجارة عصير العنب

يُبرز هذا القرار الوزيري الخاص بتنظيم تجارة عصير العنب حجم الاهتمام الذي أولاه المشرّع للأنشطة الاقتصادية ذات القيمة الاستراتيجية، إذ إن عصير العنب كان يُعدّ من المواد الغذائية ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة والطلب المتصاعد في السوق الأوروبية. وينطلق القرار من مبدأ أن تنظيم تجارة عصير العنب وما اشبه وتعيين الشروط اللازمة لعرضها على مشتريها دفعاً لكل تشويش أو نزاع يمكن حدوثه بات من الضروريات التي تستوجب التدخل التشريعي.

ويُحيل هذا القرار كذلك على نص مدرَج في الجريدة الرسمية الفرنسية، وبدأ العمل به من تاريخ نشره. ويتضمّن جملةً من الاشتراطات التقنية المتعلقة بطريقة تخزين عصير العنب ونقله وتقديمه للمشترين، بما يضمن سلامته الصحية وصدق التعامل به في السوق.

5.2.1. السياق الاقتصادي والاجتماعي لتنظيم تجارة العنب

كانت زراعة الكروم وصناعة النبيذ وعصير العنب من المجالات التي استثمر فيها المستوطنون الأوروبيون بشكل مكثّف في المغرب منذ بداية القرن العشرين، مستفيدين من خصوبة التربة واعتدال المناخ في مناطق كمنطقة مكناس والرباط. وقد أفضى هذا الاستثمار إلى نشوء تجارة نشطة لمشتقات العنب كانت بحاجة إلى تنظيم يضمن جودة المنتجات وصدق التعاملات.

وفي هذا الإطار، جاء القرار الوزيري لردم الفراغ التشريعي الذي كان يُفسح المجال أمام ممارسات غير مشروعة كتغشيش العصير أو الادعاء بجودة لا تتوفر فعلاً، وهو ما أضرّ بسمعة المنتج المغربي في الأسواق الأوروبية وأثار نزاعات تجارية متكررة.

سادساً: الإدارة الصحية والخدمات الاجتماعية في زمن الحماية

6.1. قرار تعديل الفقرة الأولى من الفصل الثاني والأربعين من الضابط المتعلق بادارة الصحة والاعانة الطبية العمومية

يُمثّل هذا القرار الوزيري الصادر بالموافقة على تغيير الفقرة الأولى من الفصل الثاني والأربعين من الضابط المتعلق بادارة الصحة والاعانة الطبية العمومية وثيقةً تُكشف عن طبيعة السياسة الصحية في مرحلة الحماية. وقد صدر هذا القرار بمقتضى الضابط المؤرَّخ بتاسع عشر إبريل سنة 1913 الذي قرره المدير العام لإدارات الصحة فيما يتعلق بالصحة والاعانة الطبية العمومية.

6.1.1. هيكل إدارة الصحة العمومية

كانت إدارة الصحة في عهد الحماية تشتمل على شبكة من الأطباء والممرضين والمساعدين الصحيين المنتشرين في مختلف أنحاء المغرب. وكان هؤلاء الموظفون يتبعون أوامر مدير عام الصحة العامة الذي كان يترأس شبكة طبية متكاملة تغطي المدن والقرى والمناطق النائية. وقد حرص المشرّع على تنظيم علاقة هؤلاء الموظفين برؤسائهم الإداريين وتحديد صلاحيات كل طرف.

وتُبيّن الوثيقة أن القرار جاء لتعديل الفقرة الأولى من الفصل الثاني والأربعين من الضابط المذكور، وذلك إثر وقوع الموافقة على القرار الصادر من المدير العام لإدارات الصحة بتاريخ 25 نوفمبر سنة 1914 المتعلق بتغيير الفقرة الأولى المتعلقة بادارات الصحة والاعانة الطبية العامة المؤرَّخ بتاسع عشر إبريل سنة 1913. ويدل هذا التسلسل الإجرائي على آلية التشريع التدريجي القائمة على التعديل والتطوير المستمر.

6.1.2. الأطباء والممرضون في المنظومة الصحية الاستعمارية

تكشف الوثيقة عن أن الجهاز الصحي في عهد الحماية كان يشتمل على "ضباط" طبيين يُدارون وفق نظام شبه عسكري، وذلك من خلال الإشارة إلى "الضابط المؤرَّخ بتاسع عشر ابريل سنة 1913". ويُشير هذا التنظيم شبه العسكري إلى أن السياسة الصحية الاستعمارية كانت تُحوّل الرعاية الصحية إلى ضرورة من ضرورات الإدارة والسيطرة، لا مجرد خدمة اجتماعية.

6.2. نظام الإبالة الشريفة وإدارة الملاك

يتضمن العدد قراراً وزيرياً مهماً يخص توليةَ موظف بالحزب العامل لإدارة الاملاك، وقد صدر بمقتضى القرار الوزيري المؤرَّخ بثالث رمضان عام 1332 الموافق لسابع يوليو سنة 1914 المتعلق بتنظيم الحزب الخصوصي لمستخدمي ادارة الاملاك قرّرنا ما يأتي.

وتُعدّ إدارة الأملاك من الإدارات الاستراتيجية في منظومة الحماية، إذ كانت تتولى الإشراف على الأملاك المخزنية والعقارات العامة وتسيير ما آل إلى الدولة من أراضٍ وممتلكات. ويكشف قرار تولية الموظف الجديد عن استمرار العمل بمبدأ التعيين المباشر من السلطة العليا في مرحلة الحماية المبكرة، وهو ما سيتطور لاحقاً نحو نظام مسابقات وشهادات أكثر موضوعية.

 

سابعاً: نظام الخيل وأجهزة الموظفين بالتفصيل

7.1. الفصول التفصيلية لنظام الفرس والجهاز

تُخصّص الجريدة الرسمية حيزاً واسعاً لتفصيل نظام الخيل والجهاز الممنوح للموظفين الفرنساويين الخاضعين لإدارة المياه والغابات. ويُبيّن الفصل التاسع أن الإدارة تُعطي الموظفين الفرنساويين جهازاً قانونياً لخيلهم ويُرخَّذ ثمنه من المبلغ المختص به ولا بد أن يكون الجهاز المذكور كاملاً ومصوناً تاماً ومكن لرئيس الدائرة أن يأذن بإصلاح ما فسد منه أو تجديد ما ضاع منه.

ويُكمل الفصل العاشر هذا النظام بنص صريح على أنه لا يمكن أن تصير الخيل وجهازها ملكاً لأحد من الموظفين المذكورين الا بعد مباشرة الخدمة الحقيقية مباشرة مدة أربع سنوات وإذا أراد أحدهم مبارحة المغرب قبل انتهاء المدة المذكورة فيجب عليه اما أن يترك فرسه بجهازه وأما أن يدفع ثمنه بحساب مائة وخمسين فرنكاً لكل سنة من السنين الباقية له لاتمام المدة المشار لها وهذا كله عملاً بالقواعد المسطرة بالقرار الوزيري المؤرَّخ بالتاسع والعشرين من مايو سنة 1914.

7.1.1. شروط تملّك الخيل والجهاز وإجراءاته

يُبيّن الفصل الحادي عشر أن الحرس الذين كان لهم جهاز قانوني وقت تعيينهم بالمغرب يمكن لهم أن يستخدموه بالمغرب ويمكن لرئيس الداء أن يأذن لهم بإصلاح ما فسد منه أو تجديده ما ضاع بشرط أن يدفع ثمنه من المبلغ المختص به الموظف ويجوز لرؤساء الدائرات أن يأذنوا بتجديد اللباس أو إصلاحه من المبلغ المذكور متى ظهر لهم ذلك.

وتُظهر هذه النصوص أن نظام التجهيز الرسمي لم يكن منحةً مجانية ثابتة للموظف، بل كان يُنشئ التزامات متبادلة بين الموظف والإدارة: فالإدارة تُوفّر الجهاز وتتحمّل تكاليف صيانته، لكنها في المقابل تُبقي ملكية هذا الجهاز بيدها حتى استيفاء الموظف لمدة خدمته المشروطة. وهذا الترتيب كان يُحقق هدفاً مزدوجاً: تحفيز الموظفين على الاستمرار في الخدمة من جهة، والحفاظ على قيمة أصول الدولة من جهة أخرى.

7.1.2. الأحكام الخاصة بالاستقالة والإبالة

ينص الفصل السادس من هذا النظام على معاملة خاصة للموظفين الذين يُبارحون الإبالة الشريفة لأي سبب كان، إذ يبقى ما يدفعونه عند اسقاط اسمائهم من قائمة الموظفين وإذا توفي أحد منهم فيجوز لمنهم كذا ذكر الورثة أو غيرهم ممن يستحقه. وهذه الصياغة تُشير إلى وجود حقوق مكتسبة للموظف وورثته، وإن كانت مُقيَّدة بالضوابط التنظيمية المحددة.

 

ثامناً: مدينة أزمور ونظام الحماية في المناطق الحضرية

8.1. فصل فريد: إدخال أزمور في الطبقة الثالثة من المواضع

تحتوي الجريدة على وثيقة نادرة تُوثّق قراراً جغرافياً-إدارياً بالغ الأهمية، وهو إدخال مدينة أزمور في الطبقة الثالثة من المواضع المنصوص عليها في القرار المذكور في القرار الموافق للسابع والعشرين يونيو سنة 1914 وذلك ابتداءً من تاريخ نشر هذا القرار والسلام.

وقد صدر هذا القرار في الرباط الفتح في 22 صفر عام 1333 الموافق 9 يناير 1915. ويُشير هذا القرار إلى وجود تصنيف رسمي للمدن والمناطق المغربية وفق طبقات إدارية مُرتَّبة، كل طبقة لها نظام من التعويضات والمزايا الإدارية الخاصة بها.

8.1.1. دلالة تصنيف المدن في المنظومة الإدارية الاستعمارية

يعكس تصنيف المدن في طبقات إدارية مختلفة منطقاً استعمارياً يربط مستوى الخدمات الإدارية المُقدَّمة وحجم التعويضات الممنوحة للموظفين العاملين فيها بدرجة أهمية كل مدينة في الاستراتيجية الاستعمارية الشاملة. فالمدن الكبرى كالرباط والدار البيضاء ومراكش كانت تحظى بتصنيف أعلى وتعويضات أكثر سخاءً، بينما كانت المدن الصغيرة كأزمور تُصنَّف في طبقات أدنى.

وقد كان إدخال أزمور في الطبقة الثالثة يعني من الناحية العملية أن موظفي الإدارة الفرنسية المعيَّنين فيها باتوا يستحقون التعويضات المقرّرة لهذه الطبقة، وهو ما ييسّر استقطاب موظفين للعمل فيها ويُعزّز الحضور الإداري في هذه المدينة الأطلسية ذات الموقع الاستراتيجي.

8.1.2. التنظيم الإداري للمدن الساحلية

كانت المدن الساحلية كأزمور تحظى باهتمام خاص من الإدارة الاستعمارية نظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي على المحيط الأطلسي، ولما تُتيحه من فرص اقتصادية وتجارية. فأزمور بالذات، المطلّة على نهر أم الربيع، كانت مركزاً تجارياً مهماً وملتقىً للطرق بين الساحل والداخل، مما جعل تطوير بنيتها الإدارية ضرورةً لا مناص منها.

 

تاسعاً: نظام الموظفين والإصلاح المؤسسي في المغرب

9.1. التحولات في سلك الموظفين خلال مرحلة الحماية المبكرة

تُشكّل مجمل القرارات الواردة في هذا العدد من الجريدة الرسمية شاهداً تاريخياً على مرحلة بناء جهاز الدولة الحديثة في المغرب. فالسمة الأبرز في هذه القرارات هي الجمع بين عنصرين: عنصر الاستمرارية التي تتجلى في الإبقاء على بعض الهياكل التقليدية والمصطلحات العربية والإحالة على المرجعيات الشرعية المخزنية، وعنصر التجديد الذي يتجلى في استيراد نماذج التنظيم الإداري والقانوني الفرنسية وتطبيقها على السياق المغربي.

ويُلاحظ الدارس في هذه الوثائق أن المشرّع حرص على توثيق سلاسل الإحالات التشريعية لربط كل قرار جديد بما سبقه من قرارات، مما يكشف عن إدراك واضح لضرورة بناء تراكم تشريعي متّسق. وهذا المنهج في التأصيل القانوني كان جديداً نسبياً في السياق المغربي الذي اعتمد تاريخياً على الفتاوى الفردية والأعراف المحلية بدلاً من المنظومات التشريعية المدوَّنة.

9.2. التوظيف الاستعماري وإشكالية الازدواجية الوظيفية

تُثير الوثائق الواردة في هذا العدد إشكالية جوهرية لا يزال المؤرخون يتجادلون حولها، وهي طبيعة العلاقة بين الموظفين الفرنسيين والمغاربة في الجهاز الإداري للحماية. فالوثائق تُظهر أن المغاربة ظلّوا في أغلب الأحيان خارج القرارات التعيينية الواردة، وهو ما يُكشف عن هيمنة استعمارية شبه مطلقة على الجهاز الإداري في مرحلته الأولى.

غير أن بعض الوثائق تُشير إلى وجود تمييز واضح بين "الموظفين الفرنساويين" و"الموظفين الأهليين"، مما يُفيد بأن الجهاز كان يضمّ الفئتين معاً وإن بصلاحيات ومرتبات ومزايا مختلفة. وهذا التمييز يُجسّد ذلك النظام الثنائي الذي اتسمت به إدارة الحماية، والذي كان يُكرّس في الواقع ما يُمكن وصفه بالتفاوت البنيوي بين الفئتين.

9.3. الحوكمة الإدارية ومعايير الانضباط

تتضمن الجريدة إشارات متعددة إلى شروط الانضباط الوظيفي وقواعده، كاشتراط الحضور الفعلي للموظف في موقع عمله وعدم مغادرة المغرب دون إذن مسبق، وإلزامه بصون التجهيزات الرسمية المسلَّمة إليه وردّها في حالة جيدة عند انتهاء الخدمة. وهذه الاشتراطات تُظهر أن الجهاز الإداري كان يسعى إلى ترسيخ مفهوم المسؤولية الفردية والالتزام المؤسسي بدلاً من الاتكاء على التراتبيات التقليدية المبنية على الولاء الشخصي.

كما تُبرز الوثائق أن التعامل مع المال العام كان يخضع لرقابة صارمة، تتجلى في اشتراط موافقة رئيس الدائرة قبل أي صرف أو تصرف في الأموال والأصول العامة. وهذا النهج في الحوكمة المالية كان يُمثّل تطوراً ملموساً مقارنةً بالأنظمة السابقة.

عاشراً: الأبعاد التاريخية والقانونية للتشريع المغربي في عهد الحماية

10.1. مكانة الجريدة الرسمية في منظومة المصادر التاريخية

تحتل الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة مكانةً استثنائية ضمن منظومة المصادر التاريخية والقانونية لفهم مرحلة الحماية الفرنسية. فعلى خلاف الوثائق الأرشيفية الأخرى التي ظلّت طيّ الكتمان لعقود طويلة أو بقيت حبيسة الأرشيفات الفرنسية والمغربية، كانت الجريدة الرسمية وثيقةً عامة تُوزَّع على المشتركين وتتوفر نسخها في مختلف مصالح الإدارة والقضاء. وهذا الطابع العلني يمنحها قيمةً توثيقية مضاعفة: فهي من جهة تُجسّد الإرادة التشريعية الرسمية للسلطة، ومن جهة أخرى تُجلّي الخطاب الذي أرادت هذه السلطة أن تُقدّم به نفسها أمام المغاربة والأجانب على حدٍّ سواء.

ويتجلى هذا البُعد الخطابي في طريقة صياغة الوثائق التي تجمع بين أسلوب الخطاب المخزني التقليدي القائم على التحميد والتصلية والإحالة إلى السلطة الشريفة، وبين الأسلوب الإداري الحديث القائم على الدقة في التعبير والتحديد القانوني للمفاهيم. وهذا الجمع بين الأسلوبين ليس محض زخرف، بل هو تعبير صادق عن إشكالية أعمق تمتدّ في جذورها إلى السؤال الفلسفي والسياسي: كيف يُمكن بناء دولة حديثة مع الإبقاء على المشروعية التقليدية؟

10.1.1. الاستمرارية والقطيعة في الخطاب التشريعي المغربي

تُلاحظ في قراءة هذه الوثائق توتراً خلّاقاً بين مفردات الاستمرارية ومفردات القطيعة. فمصطلح "الإبالة الشريفة" الذي يُحيل على مؤسسة الدولة المخزنية التقليدية يظهر جنباً إلى جنب مع مصطلحات إدارية فرنسية مُعرَّبة كـ"الحزب" بمعنى السلك الوظيفي، و"الدائرة" بمعنى الدائرة الإدارية الفرنسية. وهذا التناثر المصطلحي يعكس الأزمة المعرفية التي واجهت المُعرِّبين المغاربة في مواجهة نماذج إدارية لم تكن لها مكافئات في الفكر السياسي الإسلامي التقليدي.

وقد أسهم هذا التوتر المصطلحي في إغناء اللغة الإدارية المغربية بمفردات وتراكيب جديدة، وإن كان في الوقت ذاته يُفصح عن حجم التأثير الفرنسي على منظومة الفكر القانوني والإداري المغربي. ويظل هذا الأثر حاضراً حتى اليوم في كثير من المصطلحات الإدارية والقانونية المتداولة في المغرب المستقل.

10.1.2. الجريدة الرسمية بوصفها أداة للتنشيئ الإداري

أدّت الجريدة الرسمية دوراً تنشيئياً إدارياً بالغ الأهمية، إذ كانت تُوزَّع على جميع مصالح الإدارة لتُطلع الموظفين على القوانين والأنظمة المستجدة. وقد ساهمت هذه الآلية في نشر ثقافة قانونية حديثة بين الموظفين المغاربة والأجانب العاملين في مصالح الدولة، وفي تعويدهم على الرجوع إلى النصوص المكتوبة بدلاً من الاستناد إلى الأعراف الشفهية والتقاليد غير المقنَّنة.

10.2. الأثر القانوني الدائم للتشريعات المبكرة في عهد الحماية

يطرح المؤرخون والفقهاء المغاربة اليوم سؤالاً جوهرياً مفاده: إلى أي حدٍّ لا تزال التشريعات الصادرة في عهد الحماية تُلقي بظلالها على المنظومة القانونية المغربية المعاصرة؟ وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى النصوص المؤسِّسة كتلك الواردة في هذا العدد من الجريدة الرسمية.

فنظام الوظيفة العمومية الذي يُحكم الإدارة المغربية اليوم تتشعّب جذوره في هذه اللوائح المبكرة المتعلقة بتصنيف الموظفين ودرجاتهم وترقياتهم وتعويضاتهم. كذلك المنظومة القضائية الحديثة لا تزال تحمل آثاراً واضحة لذلك الازدواج التاريخي بين القضاء الأهلي وقضاء الدولة الحديثة. أما مبدأ التنظيم الاقتصادي ورقابة الدولة على الأسواق فقد رسّخته هذه الوثائق المتعلقة بضمان الصدق في البيع وتنظيم تجارة المحصولات الزراعية.

10.2.1. التحولات في منظومة الخدمة المدنية المغربية

شكّلت التشريعات الصادرة في مرحلة الحماية المبكرة الأساسَ الذي بُنيَ عليه النظام الأساسي للوظيفة العمومية المغربية المعاصرة. فمفاهيم كالدرجات الوظيفية، ونظام الترقي المزدوج القائم على الكفاءة والأقدمية، وآليات الرقابة المالية، ومعايير الانضباط الوظيفي، كلها مفاهيم رُسيت أُسسها في تلك الوثائق التأسيسية. وإن كان المغرب قد أعاد صياغة هذه المفاهيم وملأها بروح مغربية خالصة بعد استقلاله عام 1956، إلا أن البنية الهيكلية ظلّت في أجزاء كبيرة منها ترتكز على التراث التشريعي الحمائي.

10.2.2. الدروس المستخلصة من التجربة التشريعية الحمائية

تتيح قراءة هذه الوثائق التاريخية استخلاص جملة من الدروس ذات الصلة بالنقاشات الراهنة حول بناء الدولة وإصلاح الإدارة في المغرب المعاصر. فالنجاح النسبي للإدارة الحمائية في بناء جهاز بيروقراطي فعّال لم يكن صدفةً، بل كان نتيجةً لمنهج تراكمي تدريجي يُعيد النظر باستمرار في القرارات السابقة ويُعدّلها ويُكمّلها. كما أن الجمع بين متطلبات المرونة الإدارية والصرامة في احترام النصوص والمعايير كان من العوامل الحاسمة في نجاح هذا البناء.

غير أن هذه التجربة حملت في ذاتها بذور إخفاقاتها، إذ إن الاقصاء الممنهج للكفاءات المغربية من مناصب القرار والمسؤولية حرم الدولة من ثروة بشرية هائلة وأفرز تبعيةً هيكلية جعلت انسحاب المستشارين الفرنسيين بعد الاستقلال يُولّد أزمات مؤسسية حادة. وهذا الدرس يظل راهناً في كل نقاش جاد حول مسألة نقل المعرفة والسيادة في العلاقات بين الدول النامية والقوى الكبرى.

10.3. قيمة هذه الوثائق في التراث القانوني المغربي

ختاماً، تُمثّل هذه الأعداد من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة جزءاً لا يتجزأ من التراث القانوني والتاريخي المغربي الذي ينبغي الحفاظ عليه وتوثيقه ودراسته. فالمغرب الذي يسعى اليوم إلى تحديث منظومته الإدارية والقانونية لا يمكنه تجاهل الجذور التاريخية لهذه المنظومة، وفهم نقاط قوتها وضعفها بدقة وموضوعية.

إن قراءة وثائق كهذه لا تُقدّم فقط معلومات تاريخية، بل تُقرّبنا من فهم الذاكرة المؤسسية للدولة المغربية وكيف تشكّلت على مدى قرن وأكثر من التحولات والتراكمات. وما هذه الجريدة سوى نافذة واسعة على تلك المرحلة التأسيسية الدقيقة التي لم تُكتب فصولها بالكامل بعد.

خاتمة

تُمثّل أعداد الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة الصادرة في يناير 1915 كنزاً وثائقياً لا يُقدَّر، يُتيح لنا النفاذَ إلى عالم التشريع والإدارة في لحظة فارقة من تاريخ المغرب الحديث. فمن خلال هذه النصوص المتنوعة، التي تتراوح بين الظهائر القضائية وقرارات التعيين ولوائح التعويضات ونصوص ضبط الأسواق، يتكشّف لنا مشهد بالغ الدلالة لمرحلة تأسيسية شكّلت الدولة المغربية الحديثة بأبعادها المؤسسية والقانونية والإدارية.

لقد كشفت هذه الوثائق عن جملة من السمات الجوهرية لبناء الدولة في زمن الحماية: فثمة من جهة حرص واضح على إضفاء الشرعية المخزنية على القرارات الإدارية من خلال توقيعها بأسماء وزراء مغاربة وتأريخها بالتقويم الهجري، وثمة من جهة أخرى هيمنة شبه مطلقة للموظفين الفرنسيين على الجهاز التنفيذي والقضائي والتقني.

وقد أظهرت هذه الوثائق أن المشرّع كان يتعامل مع كل تفاصيل الحياة الإدارية بدقة بالغة، من نظام الخيل والزي الرسمي إلى تنظيم تجارة عصير العنب، مما يدل على إرادة واضحة لبناء دولة شاملة الحضور في كل مناحي الحياة. كما أن التراكم التشريعي الواضح في هذه النصوص، من خلال الإحالات المتكررة على قرارات سابقة والتعديلات المستمرة عليها، يُشير إلى أن الحماية كانت تسعى إلى بناء منظومة قانونية مدوّنة ومتناسقة تحلّ محل الأعراف والتقاليد غير المدوّنة.

في المقابل، تُجلّي هذه الوثائق بشكل جليّ الطابع الاستعماري لمرحلة الحماية المبكرة، المتجلّي في غياب شبه تام للموظفين المغاربة من قرارات التعيين الرئيسية، وفي الازدواجية الواضحة في المعاملة بين الفئتين الفرنسية والأهلية. وهذا التفاوت البنيوي كان من أبرز العوامل التي غذّت الوعي الوطني المغربي في السنوات التالية وأيقظت الرغبة في الاستقلال والسيادة الكاملة.

إن قراءة هذه الوثائق التاريخية لا تُجيب عن تساؤلات التاريخ المغربي وحده، بل تُلقي الضوء كذلك على ديناميات بناء الدولة في السياقات الاستعمارية بشكل عام. وتظل الجريدة الرسمية المغربية في مطلع القرن العشرين مرجعاً لا غنى عنه لكل باحث في تاريخ القانون والإدارة والاجتماع بالمغرب الحديث.

 

المصادر والمراجع:

  • الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة، العددان 90 و91، الرباط، 18 يناير 1915 (صفر 1333هـ).
  • الظهير الشريف المؤرَّخ بالتاسع من رمضان عام 1331 (1913) المتعلق بتنظيم القضاء الفرنساوي بالمغرب.
  • القرارات الوزيرية الصادرة بين 1913 و1914 المتعلقة بتنظيم موظفي إدارتَي المياه والغابات والإبالة الشريفة.
  • نصوص الجريدة الرسمية الفرنسية المتعلقة بالشأن المغربي، أعداد 1914-1915.

 

 

تحميل العدد  90 -91  بتاريخ  25 يناير 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 26/05/2026
تحديث 26/05/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث