الجريدة الرسمية عدد 7510: قراءة تحليلية في النصوص التشريعية والتنظيمية الصادرة في 21 ماي 2026

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
نبذة عن المقال: المرسوم 2.25.261، القانون 38.12، تفويض الإمضاء، آمر مساعد بالصرف، الصندوق الوطني للعمل الثقافي، نزع الملكية منفعة عامة، القانون 7.81، الاستزراع البحري

 مقدمة

تُشكّل الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الوعاء القانوني الأساسي الذي تُنشر فيه جميع النصوص التشريعية والتنظيمية، فلا يكتسب أي نص قانوني حجيةً في مواجهة الأفراد والهيئات إلا بعد نشره في هذا المنبر الرسمي. وتُجسّد كل إصدار من إصدارات هذه الجريدة لحظةً تاريخيةً في مسيرة الحكامة القانونية بالمملكة، إذ تعكس ما تبلور من إرادة تشريعية وتنظيمية خلال فترة زمنية محددة.

يحمل العدد 7510 من الجريدة الرسمية، الصادر بتاريخ 4 ذي الحجة 1447 الموافق لـ21 ماي 2026، جملةً من النصوص المتنوعة التي تمسّ قطاعات حيوية متعددة، من الحكامة التجارية ومنظومة الاستثمار، إلى تربية الأحياء المائية البحرية، وصولاً إلى دعم الإبداع المسرحي وصون التراث المعماري، فضلاً عن التنظيم الإداري والمالي للدولة وتنظيم قطاع الاتصالات الرقمية. ويقترح هذا المقال قراءةً تحليليةً معمّقةً في هذه النصوص، تكشف عن أبعادها السياسية والقانونية والاقتصادية، وتستجلي ما تحمله من رهانات تنموية في سياق المغرب الراهن.

تحميل العدد   7510  بتاريخ  21 ماي 2026 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

أولاً: ميثاق سلوكيات غرف التجارة والصناعة والخدمات: نحو حكامة مؤسسية متجددة

1.1. السياق التشريعي والأساس القانوني

صدر المرسوم رقم 2.25.261 بتاريخ 5 ذي القعدة 1447 الموافق لـ23 أبريل 2026، متضمناً المصادقة على ميثاق السلوكيات الخاص بأعضاء غرف التجارة والصناعة والخدمات. ويستند هذا المرسوم، الصادر عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، إلى القانون رقم 38.12 المتعلق بالنظام الأساسي لغرف التجارة والصناعة والخدمات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.13.09 بتاريخ 21 فبراير 2013، ولا سيما المادة 44 المكررة منه. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإطار القانوني يُقرّ صراحةً آليةً تُلزم غرف التجارة بوضع ميثاق يحكم سلوكيات منتخبيها وأعضائها، مما يُشكّل ضمانةً لحسن تدبير الشأن العام الاقتصادي على المستوى الجهوي.

وقد سبقت إصدارَ هذا المرسوم مداولاتٌ مستفيضة لدى الجمعيات العامة للغرف الجهوية الاثنتي عشرة عبر مختلف ربوع المملكة، من طنجة-تطوان-الحسيمة شمالاً حتى الداخلة-وادي الذهب جنوباً، مروراً بكل الجهات، وهو ما يكشف عن منهجية تشاركية مُحكمة أُريد بها أن يكون هذا الميثاق تعبيراً عن إجماع وطني لا إملاءً فوقياً.

1.2. المضمون القيمي للميثاق: مبادئ الحوكمة والنزاهة

1.2.1. الالتزامات الأساسية للأعضاء

يُرسي الميثاق، في بابه الأول المتعلق بالمبادئ العامة، منظومةً متكاملةً من الالتزامات الأخلاقية والمهنية التي تُلقى على عاتق كل عضو في الغرفة. فعلى الصعيد المبدئي، يتعين على كل عضو العمل على تنزيل استراتيجيات وبرامج الغرفة بمعزل عن الاعتبارات الحزبية والنقابية والفئوية الضيقة، مما يُقدّم مصلحة القطاع الاقتصادي على ما عداها من انتماءات. كما يُوجب الميثاق التحلي بخصال الاستقامة والفضيلة والشرف، والانخراط الفعلي في أشغال الجمعية العامة ولجانها المنبثقة، مع وجوب المشاركة في الدورات التكوينية التي تنظمها الغرفة.

وتحت عنوان آداب الاجتماعات والدورات، يُلزم الميثاق أعضاء الغرفة باحترام قواعد الانضباط وحسن السلوك خلال دورات الجمعية العامة، والامتناع عن كل ما من شأنه عرقلة أشغالها، مع التزام سرية المعلومات ذات الطابع الحساس. وهذا التأسيس القيمي يُعبّر عن تحول في نظرة الدولة إلى غرف التجارة، من هيئات وظيفية إلى مؤسسات حكامة بالمفهوم الحديث.

1.2.2. منظومة العلاقات داخل الغرفة

يُفصّل الباب الثاني من الميثاق أبعاد العلاقات الداخلية، إذ يُرسي قواعد دقيقة تحكم تفاعل الأعضاء مع بعضهم البعض، ومع هيئة المكتب، ومع الموظفين الإداريين. فعلى صعيد العلاقات بين الأعضاء، يُكرّس الميثاق مبدأ الاحترام المتبادل، ويحثّ على النقاش الهادئ والنقد البناء عبر القنوات المعتمدة، محذّراً من تحويل الخلافات الداخلية إلى منازعات علنية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بصورة تمسّ بسمعة الغرفة.

وفيما يخص العلاقة مع الموظفين، يُشدد الميثاق على احترام التسلسل الإداري والامتناع عن أي سلوك يُشكّل تجاوزاً أو مضايقةً أخلاقية، مع تعزيز علاقات إنسانية ومهنية تُرسّخ الشعور بالانتماء المؤسسي. أما في التعامل مع المحيط الخارجي، فيحظر الميثاق صراحةً قبول أو طلب هدايا وامتيازات بأي شكل كان، في إشارة واضحة إلى محاربة الفساد في الوسط المؤسسي الاقتصادي.

1.2.3. الحكامة في تدبير الموارد

يخصص الميثاق بابه الثالث للحديث عن الحكامة الجيدة في تدبير موارد الغرفة، مُقرّراً مبدأ تغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وحاظراً على الأعضاء إبرام أي صفقة مع الغرفة بصفة شخصية أو عبر وسطاء من ذويهم. وينصّ الميثاق كذلك على وجوب الإبلاغ عن الاختلالات وفق المساطر القانونية المعمول بها مع تقديم الأدلة، مع التحذير الصريح من الشكايات الكيدية. ويختم الباب بالنهي عن كل أشكال الغش والتدليس والاحتيال في الحصول على الامتيازات، وإلزام الأعضاء بالحفاظ على ممتلكات الغرفة واستخدامها استخداماً عقلانياً.

1.3. الدلالة السياسية والإصلاحية للميثاق

لا يُمثّل هذا الميثاق مجرد وثيقة بيروقراطية، بل يُشكّل حلقةً في سلسلة الإصلاحات المؤسسية التي تنتهجها المملكة المغربية في إطار دسترة الحكامة الجيدة. فقد أرسى دستور 2011 مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما ترجمه هذا الميثاق عملياً في الفضاء التجاري والاقتصادي. كما أن المصادقة الرسمية عليه في مجلس الحكومة المنعقد بتاريخ 16 أبريل 2026 تُضفي عليه طابعاً دستورياً وحكومياً يُعزز قيمته الإلزامية، وهو ما أكدته المادة الثانية من المرسوم بإسناد تنفيذه إلى كل من وزير الداخلية ووزير الصناعة والتجارة. ويُعدّ هذا الميثاق كذلك استجابةً للمطالب الدولية بتحسين بيئة الأعمال، إذ يُعزز ثقة المستثمرين في مؤسسات الوساطة الاقتصادية.

 

ثانياً: الهيئات بين المهنية لتربية الأحياء المائية البحرية: هيكلة القطاع نحو تنظيم راسخ

2.1. القرارات المشتركة وسياق الإصدار

في إطار إعادة هيكلة القطاع الفلاحي والبحري، صدر بتاريخ 20 أبريل 2026 قراران مشتركان لوزير الصناعة والتجارة وكاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري المكلفة بالصيد البحري، يحملان الرقمين 834.26 و835.26. يحدد القرار الأول مستوى تمثيلية المنظمات المهنية المطلوب لإحداث الهيئة بين المهنية لسلسلة الصدفيات المتأتية من تربية الأحياء المائية البحرية، فيما يتناول القرار الثاني سلسلة الأسماك والروبيان المتأتية من المصدر ذاته.

ويستند كلا القرارين إلى المرسوم رقم 2.12.602 الصادر في 20 ماي 2013 بتطبيق القانون رقم 03.12 المتعلق بالهيئات بين المهنية للفلاحة والصيد البحري، ولا سيما المادة الثانية منه، مما يجعلهما تطبيقاً إجرائياً لمنظومة تشريعية أسست لها المملكة منذ سنوات.

2.2. المعايير التمثيلية المعتمدة لكل سلسلة

2.2.1. سلسلة الصدفيات

حدّد القرار رقم 834.26 عتبة التمثيلية المطلوبة لإحداث الهيئة بين المهنية في هذا القطاع بـ51% على الأقل من حجم الإنتاج الوطني للصدفيات المتأتية من الاستزراع البحري، وذلك سواء في مرحلة الإنتاج الأولي أو في مرحلتَي التوضيب والتثمين والتحويل. وقد استحضر القرار في منطوقه الوزن الاقتصادي لهذه المنظمات داخل السلسلة معياراً أساسياً للتمثيلية، مما يُكرّس مبدأ التناسب بين الحضور التنظيمي والثقل الفعلي في الاقتصاد القطاعي.

2.2.2. سلسلة الأسماك والروبيان

بالنسبة لسلسلة الأسماك والروبيان، رفع القرار رقم 835.26 عتبة التمثيلية إلى 55% على الأقل، وهو ارتفاع يعكس الطبيعة الأكثر تشتتاً للمنظمات المهنية في هذا القطاع مقارنةً بقطاع الصدفيات، مما يستوجب حداً أعلى من التمثيل لضمان مشروعية الهيئة المزمع إنشاؤها وقدرتها على تمثيل القطاع تمثيلاً حقيقياً.

2.3. الأبعاد الاقتصادية والتنموية لهذا الإطار

تكتسب هذه القرارات أهمية استراتيجية في سياق التنمية الزرقاء التي تنتهجها المملكة المغربية. فالهيئات بين المهنية آليةٌ للتفاوض والتنسيق بين مختلف حلقات سلاسل القيمة، من المنتج الأولي إلى المحوّل والموزع، مما يُقلّص هوامش الريع ويُحسّن الكفاءة الاقتصادية الإجمالية. كما أن مسألة الاستزراع البحري تحتلّ مكانةً محوريةً في سياق الضغط على مخزونات الصيد الطبيعي، وتُشكّل بديلاً تنمويا مستداماً يُعزز الأمن الغذائي ويرفد الاقتصاد الوطني بمنتجات ذات قيمة مضافة عالية للتصدير.

 

ثالثاً: دعم المشاريع الثقافية والفنية في مجال المسرح: نظام شامل للتمويل والمساءلة

3.1. الإطار التنظيمي الجديد وناسخه القديم

يُمثّل القرار المشترك رقم 378.26 الصادر بتاريخ 17 فبراير 2026، الموقّع من وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد والوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، نقلةً نوعيةً في تنظيم دعم القطاع المسرحي بالمملكة. وهو ينسخ صراحةً القرار المشترك السابق رقم 593.15 الصادر عام 2014، ليُشكّل بذلك إطاراً تنظيمياً جديداً يستجيب لتطور المشهد المسرحي المغربي ويُرسي نظاماً أكثر شمولاً وشفافيةً.

يستند هذا القرار إلى المرسوم رقم 2.12.513 الصادر في 13 ماي 2013 المتعلق بدعم المشاريع الثقافية والفنية، ولا سيما مواده الأولى والرابعة والسابعة، مما يُعطيه أساساً تنظيمياً راسخاً في منظومة تشريعية متكاملة.

3.2. أصناف الدعم المعتمدة وسقوفه المالية

3.2.1. خريطة الدعم وتوزيعاته

يُحدد القرار في بابه الأول ستة أصناف لتوزيع الدعم المالي السنوي المخصص للقطاع المسرحي، يتفاوت السقف المالي لكل منها بحسب طبيعة النشاط وأثره المتوقع:

يبلغ الحد الأقصى لدعم إنتاج وترويج الأعمال المسرحية 300.000 درهم، وهو أعلى الأسقف بعد دعم التوطين. ويحظى دعم توطين الفرق المسرحية بالمسارح بالسقف الأعلى البالغ 800.000 درهم لكل مشروع عن كل جهة، مما يُقرّ بأهمية الاستقرار المسرحي في إطار التوزيع الجهوي للثقافة. أما الجولات المسرحية الوطنية فسقفها 300.000 درهم، والإقامات الفنية لإبداع النصوص والبحوث المسرحية وورشات التكوين 60.000 درهم، في حين تُخصص 150.000 درهم لتنظيم المهرجانات والتظاهرات المسرحية المغربية داخل المملكة، و100.000 درهم للمشاركة في المهرجانات الدولية خارج المغرب.

ويتوسّع القرار في الفئات المستفيدة لتشمل الفرق المنظمة في شكل مقاولات فنية أو وكالات أو تعاونيات أو جمعيات متخصصة، فضلاً عن الأفراد كالكتّاب والنقاد والمخرجين والممثلين والتقنيين. ويمتاز بذلك عن الأطر السابقة بتوسيع دائرة الاستفادة لتشمل مكوناتٍ مهنيةً كانت مُهمَّشةً في أنظمة الدعم السابقة.

3.2.2. التنوع اللغوي كمعيار في الدعم

يُقرّ القرار بتنوع الفضاء اللغوي للإبداع المسرحي المغربي بصورة غير مسبوقة، إذ ينص صراحةً على أن الدعم يشمل الأعمال المقدمة باللغة العربية الفصحى، وبالدارجة المغربية، وبالأمازيغية، وبالحسانية، أو بجمع منها. وهذا الاعتراف التنظيمي بالتعدد اللغوي يعكس فلسفةً ثقافية شاملة تنسجم مع مقتضيات الدستور المغربي في تعزيز مكانة اللغتين الوطنيتين وصيانة التنوع الثقافي.

3.3. اشتراطات الترشح والمعايير التقييمية

3.3.1. الشروط الإدارية والمهنية

اشترط القرار لقبول الترشح توافر جملةٍ من الضوابط الصارمة: أن يكون الكيان المتقدم في وضعية قانونية سليمة، وأن يكون مارس نشاطه في مجال المسرح بصورة منتظمة لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وأن يُدلي بشهادات التعريف الضريبي والتعريف الموحد، وأن يُقدم بطاقة تقنية تتضمن تصوراً كاملاً للمشروع مع كشف مفصل لكلفته. كما يستوجب احترام مبدأ التخصص المهني في مجالات الإخراج والسينوغرافيا والتشخيص، وتسوية الالتزامات السابقة تجاه الوزارة ومؤسساتها.

3.3.2. معايير اللجنة التقييمية

تضم لجنة دراسة الطلبات أحد عشر عضواً تشتغل لمدة سنتين قابلة للتجديد مرةً واحدة، ويحصل كل عضو على تعويض جزافي صافٍ قدره 25.000 درهم عن كل دورة. وترتكز اللجنة في تقييمها على منظومة معايير متعددة الأبعاد: الجودة الفنية والمهنية، وجدة العمل وأهمية مواضيعه، والقيمة الأدبية والفكرية، والتنوع الجهوي واللغوي، وخبرة الفرق وكفاءاتها، وإشراك الشباب المتخصص، والالتزام الأخلاقي، واحترام حقوق المؤلف.

3.4. منظومة الجزاءات وضمانات المساءلة

خصص القرار بابه الرابع لتفصيل منظومة الجزاءات المترتبة على الإخلال بالالتزامات، وهي منظومة دقيقة تتدرج بحسب طبيعة الإخلال ودرجته. فالتخلي غير المبرر عن المشروع يُفضي إلى استرجاع الدفعة الأولى وحرمان الفرقة لمدة قد تبلغ خمس سنوات، فيما يُعالج القرار بتمييز فقهي دقيق الحالاتِ التي يُقدَّم فيها العرض في موعده لكنه لا يرقى إلى المستوى الفني المطلوب، أو تشوبه تعديلات جوهرية لم تُجازها اللجنة، وصولاً إلى حالات الإخلال الجزئي بالتزامات الترويج. ويُعدّ هذا البناء التفصيلي للجزاءات تأطيراً قانونياً متقدماً يُقلّص هامش الغموض ويُعزز قابلية التطبيق.

رابعاً: معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية: بوابة جديدة للعلوم القرآنية المعمّقة

4.1. القرارات الأربعة وأصحابها

أصدر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور أحمد التوفيق أربعة قرارات متتابعة في 28 من شوال 1447 الموافق لـ16 أبريل 2026، يحملها الأرقام من 838.26 إلى 841.26، وتتعلق جميعها بتحديد أعداد المقاعد المتبارى في شأنها لولوج مستويَي الإجازة والماستر بالمعهد للسنة الجامعية 2026-2027. وتستند هذه القرارات إلى الظهير الشريف رقم 1.13.50 الصادر في 2 ماي 2013 بإحداث المعهد، ولا سيما مادتيه 12 و15 المتعلقتين بتحديد الطاقة الاستيعابية وقبول المترشحين الأجانب.

4.2. توزيع المقاعد المحددة للمواطنين المغاربة

حدّد القرار رقم 838.26 عدد مقاعد الإجازة المخصصة للمتسابقين المغاربة في خمسة عشر مقعداً لتخصص القراءات القرآنية وخمسة عشر مقعداً لتخصص الدراسات القرآنية. أما القرار رقم 839.26 فقد أفرد لمستوى الماستر خمسة عشر مقعداً لمسلك القراءات القرآنية المعمقة وخمسة عشر أخرى لمسلك الدراسات القرآنية المعمقة، مُجسِّداً الفارق الجوهري بين مستويَي التكوين من حيث العمق والتخصص.

4.3. الانفتاح الدولي: المترشحون الأجانب

تكتسي القرارات 840.26 و841.26 المتعلقة بالمترشحين الأجانب أهمية تتجاوز الطابع الإجرائي البحت. فقد خصّص القرار 840.26 أربعة مقاعد للطلبة الأجانب في سلك الإجازة، موزعةً بالتساوي بين التخصصين، فيما خصص القرار 841.26 مقعدَين فحسب في كل مسلك من مسالك الماستر. وهذا الانفتاح على الطلبة الدوليين، ولو بأعداد محدودة، يُترجم الدور الذي تُقدم المملكة المغربية نفسها من خلاله مرجعاً دينياً لإشعاع الإسلام الوسطي، في سياق تنامي حضور المغرب في تكوين أئمة ومرشدين من مختلف الدول الإفريقية والعربية.

 

خامساً: تنظيم أسعار غاز البوطان: تعديل في صلب السياسة الاجتماعية والطاقية

5.1. السياق العام والمبرر الاقتصادي للتعديل

صدر بتاريخ 5 ماي 2026 قرار وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح رقم 936.26، يُعدّل القرار رقم 1242.16 الصادر عام 2016 بتحديد الأسعار التي يُشترى ويُباع بها غاز البوطان. ويستند القرار إلى المرسوم رقم 2.14.652 بتطبيق القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، كما يستند إلى المرسوم المحدد لاختصاصات وزيرة الاقتصاد والمالية. ويجيء هذا التعديل في سياق المراجعات الدورية لمنظومة دعم المحروقات التي تنهجها المملكة منذ الشروع في إصلاح المقاصة.

5.2. التعديلات التقنية على منظومة التوزيع

يتمحور التعديل المُدخَل في جوهره حول إعادة ضبط مصاريف وهوامش التوزيع على مستويَي الجملة والتقسيط، وذلك بتمييز دقيق بين الحمولات التي تتجاوز خمسة كيلوغرامات وتلك التي تقل عنها:

بالنسبة لمصاريف وهامش شركات التوزيع، تُحدد في 553 درهماً للطن للحمولات الكبرى، و619 درهماً للطن للحمولات الصغيرة. أما مصاريف وهامش أصحاب المستودعات فتُحدد في 467,5 درهماً للطن للحمولات الكبرى و510 دراهم للحمولات الصغيرة. وفيما يخص هامش الباعة بالتقسيط، فيُحدد في 205,83 درهماً للطن للحمولات الكبرى و255 درهماً للحمولات الصغيرة. وتدخل مصاريف وهامش أصحاب المستودعات حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح مارس 2026.

تجدر الإشارة إلى أن غاز البوطان يحتل مكانةً اجتماعيةً محوريةً في المغرب، إذ يمس مباشرةً القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود، كما تعتمد عليه قطاعات إنتاجية عديدة كالحرف اليدوية والأفران والمطاعم. ولذلك تحرص الدولة على إبقاء هذه الأسعار في متناول المستهلكين مع ضمان هوامش معقولة لمنظومة التوزيع للحيلولة دون اختلالات العرض.

 

سادساً: التعيينات الأمنية والقضائية والإدارية: تجديد الكفاءات والبنى المؤسسية

6.1. الدرك الملكي وتوسيع صلاحيات الضبط القضائي

6.1.1. الإطار القانوني للتعيين

صدر بتاريخ 24 أبريل 2026 قرار مشترك لرئيس الحكومة ورئيس النيابة العامة رقم 865.26، يتعلق بتعيين رجال الدرك الملكي المخوّلين صفة ضابط الشرطة القضائية. ويستند هذا القرار إلى الظهير الشريف رقم 1.57.280 الصادر عام 1958 بشأن مصلحة الدرك الملكي، وإلى القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية ولا سيما مادته 20، فضلاً عن الظهير الشريف رقم 1.21.112 الصادر عام 2021 بتفويض السلطة المتعلقة بإدارة الدفاع الوطني.

6.1.2. الرتبة والأعداد: دلالة الاختيار

يتضمن القرار قائمةً مفصلة تضم 490 ضابطاً من رتبة الرقيب ورقيب أول، وهو عدد لافت يعكس حجم التوسع في تغطية العمليات القضائية للدرك الملكي. ويكتسي هذا التعيين الجماعي أبعاداً إجرائيةً ذات أثر قانوني مباشر، إذ يمنح أصحابه صلاحيات التحقيق الابتدائي وإجراء المعاينات وإخطار النيابة العامة مباشرةً، مما يُعزز منظومة العدالة في المناطق النائية والقروية التي يغطيها الدرك الملكي في الغالب.

والملاحظ في القائمة حضور أسماء نسائية عديدة، مما يعكس مسار التأنيث المتنامي في السلك الأمني المغربي وانفتاح المؤسسات الأمنية على تكافؤ الفرص بين الجنسين.

6.2. تعيينات وزارة العدل: تنظيم الصرف المالي للمحاكم

أصدر وزير العدل عبد اللطيف وهبي قرارَين في 27 أبريل 2026 تحملان الرقمين 934.26 و935.26. يتعلق الأول بتعيين آمر مساعد بالصرف ونائبه لدى المديرية الإقليمية للعدل بالدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف بالرباط، مُنيطاً به صلاحية إصدار بيانات الدفع والأوامر بالتحصيل المتعلقة بالصفقات والاعتمادات المفوّضة إليه. أما القرار 935.26 فيمتد ليشمل تعيين آمرين مساعدين بالصرف ونوابهم على مستوى 19 دائرة قضائية في جميع ربوع المملكة، من الدار البيضاء إلى الداخلة. ويُترجم هذا التنظيم الحرص على اللاتمركز المالي داخل منظومة القضاء، إذ يُتيح لكل مديرية إقليمية للعدل إدارة اعتماداتها المفوّضة باستقلالية عملياتية تحت الرقابة المركزية.

6.3. تفويضات الإمضاء: الحكامة الإدارية اليومية

صدرت عدة قرارات بتفويض الإمضاء تشمل وزارات الصحة والحماية الاجتماعية، والتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، والتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والاقتصاد والمالية. وتُشكّل هذه القرارات مجتمعةً آليةً إدارية ضرورية تُتيح الاضطلاع بمهام التدبير اليومي دون اللجوء المستمر إلى التأشير الوزاري، مما يُسرّع دورة اتخاذ القرار الإداري. وقد خصت وزيرة التضامن نعيمة ابن يحيى مديرَها المالي بأربعة قرارات تفويض مترابطة تغطي جوانب التدبير البشري والمالي والمأموريات واستعمال السيارات الخاصة لحاجات المصلحة.

 

سابعاً: صون التراث المعماري: التوثيق القانوني لذاكرة المدن

7.1. قرارات التقييد والإدراج: الإطار القانوني الحامي

أصدر وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد أربعة قرارات ثقافية متمايزة تتعلق بحماية الموروث المعماري. يتعلق القرار الأول رقم 738.26 بإجراء بحث عمومي حول إدراج "الزاوية التونسية" بجماعة العونات بإقليم سيدي بنور في عداد الآثار، استجابةً لطلب جمعية التنمية الاجتماعية، ويُفتح مجال الإدلاء بالملاحظات أمام المعنيين لمدة شهرين من تاريخ النشر.

أما القرار رقم 757.26 الأبرز بين هذه القرارات، فيقضي بتقييد مجموعة من 21 مبنىً تاريخياً للقرن العشرين بالدار البيضاء في عداد الآثار، وقد جاء استجابةً لطلب العامل المدير العام للوكالة الحضرية للمدينة. وتمتد هذه المباني على مختلف أحياء الدار البيضاء، من حي البرنوصي إلى حي المعاريف، ومن شارع لورلوج إلى قلب المدينة، وتشمل عمارات بأسماء مثل ماريا وأريتي وإناس وهيسبيريد وتازي بالاس دو فرانس وريشيليو وليزطانيا وغيرها، وهي تُمثّل فسيفساء المعمار الكولونيالي وما تلاه من تحولات عمرانية.

وبالمنطقة الشمالية، صدر القرار رقم 786.26 بتقييد ثلاثة معالم تاريخية ببركان، تشمل قصبة سيدي بوزيد والقنطرة الدولية ببواد ملوية وقصبة بوغريبة، وكلها معالم تعكس الحضور التاريخي والحضاري في هذه المنطقة الحدودية الشرقية. كذلك صدر القرار رقم 787.26 بتقييد مجموعة من المعالم التاريخية بالناضور، تشمل حصن باصبيل وبناية البريد سابقاً وبناية مقر البلدية السابقة وبناية مقر الإدارة الأولى السابقة وكنيسة سانتياغو إيل مايور وحصن كولا وحصن الصفصاف وتحصينات تيزي تاغيلاست وقصبة سلوان وموقع غساسة وأفران الحديد الإسبانية وموقع مغارة إفري نعمار.

7.2. الرهانات التنموية لصون التراث

يكتسي التقييد القانوني لهذه المعالم أهميةً تتعدى الحفاظ الجمالي؛ فهو يُفعّل آليات القانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية، إذ يحظر إجراء أي تعديل في الشكل العام للمعالم المُقيَّدة إلا بإخطار مصالح الثقافة قبل ستة أشهر على الأقل. وهذا يُحوّل التوثيق القانوني إلى درع فعلية في وجه حمى الهدم والتعمير العشوائي. كما أن الجانب السياحي يُشكّل رهاناً اقتصادياً مُضافاً، إذ تُمثّل هذه المعالم إمكاناً سياحياً ثقافياً يخدم الاقتصاد المحلي في ظل التوجه الوطني نحو تنويع المنتج السياحي.

 

ثامناً: البنية التحتية لشبكات الاتصالات: تنظيم شبكات الألياف البصرية FTTH

8.1. العرض المرجعي لشركة UNI FIBER: السياق التنظيمي

صدر بتاريخ 28 أبريل 2026 قرار المدير العام للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات عز العرب حسيبي رقم 01.26، المتعلق بالمصادقة على العرض المرجعي المتعلق بالاقتسام غير المُفعَّل للبنيات التحتية المخصصة لشبكة الألياف البصرية إلى غاية المشترك (FTTH) المحدثة من طرف شركة UNI FIBER. ويستند القرار إلى القانون رقم 24.96 المتعلق بالبريد والمواصلات، ولا سيما مادته 22 المكررة، مما يُؤطّره في منظومة تشريعية راسخة لقطاع الاتصالات.

تُعدّ شركة UNI FIBER منشأةً مشتركة أُحدثت عبر عملية تركيز اقتصادي بين متعهدَين للشبكات العامة للمواصلات، هما اتصالات المغرب ووانا كوربوريت، وقد أُجيز ذلك بالقرار 08/2025.

8.2. مضامين العرض المرجعي

8.2.1. مبدأ الاقتسام غير المُفعَّل

يقوم العرض المرجعي على مبدأ الاقتسام غير المُفعَّل، الذي يعني توفير UNI FIBER خطاً من الألياف البصرية يربط نقطة التشارك بالنقطة الانتهائية لدى المشترك، مع إتاحة هذا الخط لمختلف متعهدي الشبكات العامة لتقديم خدماتهم عبره. وتُشترط على الشركة العامل بالحياد التام وعدم التمييز بين المتعهدين في الولوج إلى هذه البنيات التحتية وفق شروط موضوعية ومناسبة.

8.2.2. خدمة نقطة ربط الهوائي المتنقل

أبرز القرار الإلزام بإدراج خدمة نقطة ربط الهوائي المتنقل (PRAM)، وهي خدمة تُتيح ربط مواقع متعهدي الشبكات المتنقلة بنقاط التشارك، مما يُسهم في تعزيز تغطية شبكات الاتصالات المتنقلة وتقليص التكرار غير المبرر للمنشآت. وهذا الإلزام يُجسّد الاستثمار في البنية التحتية المشتركة بدلاً من التضخيم الفردي، وهي مقاربة تُقلص التكاليف الإجمالية على القطاع وعلى المستهلك النهائي.

8.3. منظومة الرقابة والالتزامات

يُلزم القرار شركة UNI FIBER بجملة من الالتزامات الرقابية والإجرائية: توفير بيانات ذات مرجعية جغرافية حول مناطق تغطيتها ومشاريع نشرها المزمعة، وإقامة نظام آلي لمعالجة الطلبيات وتدبير حوادث ما بعد البيع، وتبادل المعلومات بانتظام مع متعهدي الشبكات المعنيين. كما يُقرّ القرار بإمكانية تعديل شروط العرض المرجعي من طرف الوكالة متى اقتضت مبادئ عدم التمييز والشفافية والموضوعية ذلك.

يُمثّل هذا القرار تقدماً محورياً في إطار التحول الرقمي بالمملكة المغربية ومخطط المغرب الرقمي، إذ يُرسي نموذجاً لمشاركة البنية التحتية يُشجّع على المنافسة الفعّالة في سوق الاتصالات بدل احتكار البنى الأساسية.

 

تاسعاً: وزارة الاستثمار والتقائية: هيكلة إدارية شاملة

9.1. القرار التنظيمي وأبعاده

صدر بتاريخ 3 مارس 2026 قرار الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية كريم زيدان رقم 489.26، المتعلق بتحديد اختصاصات وتنظيم الأقسام والمصالح التابعة للإدارة المركزية للوزارة. ويُعدّ هذا القرار من أكثر القرارات الواردة في هذا العدد تفصيلاً، إذ ينسخ القرار السابق رقم 3735.21 الصادر عام 2022.

9.2. الهياكل التنظيمية الجديدة

9.2.1. المديرية العامة للاستثمار ومناخ الأعمال

تتشكل من ثلاث مديريات متخصصة: مديرية الاستثمار (بثلاثة أقسام: النهوض بالاستثمار، والاستراتيجية واليقظة، ومرصد الاستثمار)، ومديرية تحسين مناخ الأعمال (بقسمَي التنسيق والتقييم)، ومديرية مواكبة وتنسيق عمل المراكز الجهوية للاستثمار (بقسمَي التنسيق وتتبع النجاعة). وتكشف هذه البنية عن فلسفة إدارية تُولي أهمية بالغة للقياس والرصد والتقييم إلى جانب الدعم والمواكبة العملية للمستثمرين.

9.2.2. المديرية العامة للتقائية وتقييم السياسات العمومية

تضم مديريتين: التقائية السياسات العمومية (بقسمَي الاستراتيجية وآليات الالتقائية، وتكامل وتناسق السياسات)، وتقييم السياسات العمومية (بقسمَي التقييم والتحليل واليقظة الاستراتيجية). وتُجسّد هذه الهيكلة طموحاً استراتيجياً نحو تقييم فعّال للسياسات العمومية، بما يتجاوز الوصف والتنفيذ نحو تحليل الأثر والفعالية.

9.2.3. الأبعاد التقنية والرقمية

يُفرد القرار مديريةً كاملةً لنظم المعلومات والرقمنة، بقسمَين: البنية التحتية وحماية الأنظمة الرقمية (بثلاث مصالح)، والدراسات والإدماج الرقمي (بثلاث مصالح بينها مصلحة للبيانات والذكاء الاصطناعي). ويُعكس هذا التوجه الإدراك الراسخ بأن الرقمنة وتوظيف الذكاء الاصطناعي باتا رافدَين أساسيَّين لأي استراتيجية استثمارية فعّالة.

9.3. رهانات الإصلاح التنظيمي

يُعكس هذا القرار رؤيةً شاملةً للإدارة المُنتِجة، تجمع بين التنسيق القطاعي والتقييم الموضوعي والدعم الجهوي، في تجاوب واضح مع توجيهات النموذج التنموي الجديد الذي يُشدد على الرفع من فعالية السياسات العمومية وربط أثرها بمؤشرات قياسية دقيقة.

عاشراً: التخلي عن الملكية لمتطلبات القطار فائق السرعة

10.1. مشروع القطار عالي السرعة قنيطرة-مراكش: التصحيحات الإجرائية

صدر مقرران لوزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح يخصّان نزع الملكية اللازمة لمشروع القطار الكهربائي فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش. يتعلق المقرر رقم 448.26 الصادر في 24 فبراير 2026 بالتراجع عن نزع ملكية ثلاث قطع أرضية بمقاطعة المعاريف في جماعة الدار البيضاء، تتراوح مساحاتها بين 98 و131 و113 آراً، وذلك نتيجة مراجعات هندسية في المسار.

أما المقرر رقم 447.26 الصادر في 24 مارس 2026 فيتعلق بالتراجع عن نزع ملكية قطعة أرضية بجماعة واحة سيدي إبراهيم بعمالة مراكش، وتبلغ مساحتها 81 هكتاراً و18 آراً، وهي أرض فلاحية مثقلة برهن رسمي وكانت مقرراً للشركة بيتشبالبوا.

كما يتضمن العدد استدراك خطأ وقع في الجريدة الرسمية عدد 7502 يخص مقرراً سابقاً متعلقاً بمنطقة تمارة، يصحح رقم قطعة أرضية من 26 إلى 36 في الجدول المرفق.

10.2. الدلالة القانونية للتراجع عن النزع

تكشف هذه المقررات عن آليات مرونة راسخة في منظومة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة المؤطرة بالقانون رقم 7.81؛ فالتراجع عن النزع ليس تخلياً عن المشروع بل هو تصحيح هندسي ومسحي يُعبّر عن الطابع التقني الدقيق لمشروع بهذا الحجم. ويُشير بيان "قطع أرضية مثقلة بتقييدات وحجوزات تحفظية" إلى التعقيد القانوني للعقار المغربي، مما جعل التراجع أجدى من الاستمرار في إجراءات النزع في تلك القطع بعينها.

خاتمة

يُجسّد العدد 7510 من الجريدة الرسمية المغربية الصادر في 21 ماي 2026 حجمَ العمل التشريعي والتنظيمي الذي تُنجزه الدولة المغربية بوتيرة مستمرة عبر مختلف أجهزتها. وتتقاطع نصوص هذا العدد في مجملها في بُعدَين استراتيجيَّين: أولهما دفع الحكامة المؤسسية والاقتصادية، عبر ميثاق السلوكيات لغرف التجارة والتنظيم الدقيق لدعم المسرح وهيكلة إدارة الاستثمار. وثانيهما التأسيس للاقتصاد الرقمي والتنمية المستدامة، عبر تنظيم الألياف البصرية وإطار الاستزراع البحري واشتراطات الشفافية في القطاعات المدعومة.

ويكشف التأمل في هذه النصوص كيف تتحول الجريدة الرسمية من مجرد منبر للنشر إلى أداة فاعلة لقياس نبض الإصلاح واستشراف مسارات التحول. فكل مرسوم ومقرر وقرار منشور فيها هو في جوهره خيارٌ سياسي وحوكماتي يُعبّر عن أولويات الدولة وتصوراتها للتنمية وطموحاتها نحو مجتمع قانوني متين. وإذا كان اللمس المباشر لهذه النصوص لا يتيسر إلا لفئة محدودة من المتخصصين القانونيين والاقتصاديين، فإن التحليل الأكاديمي يضطلع بمهمة الوساطة بين الفعل التشريعي والفهم الاجتماعي الشامل، تحقيقاً لمبدأ الديمقراطية التداولية الذي يقتضي أن يكون المحكوم عارفاً بما يحكمه.

 

حادي عشر: المواصفات الرقابية لشبكات الألياف البصرية وتأثيرها على التحول الرقمي

11.1. السياق التنافسي لقطاع الاتصالات المغربي

يتموضع قرار الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات في سياق تنافسي بالغ الدقة، إذ يواجه قطاع الاتصالات المغربي تحدياتٍ متعددة الأبعاد: فمن ناحية، تسعى الدولة إلى رفع معدلات الوصول إلى الإنترنت عالي الصبيب لتحقيق أهداف التحول الرقمي، ومن ناحية أخرى تحرص على صيانة المنافسة الفعّالة في السوق وعدم تمكين أي كيان من الهيمنة على البنية التحتية الحيوية. وقد أفضت دواعي الاقتصاد في التكاليف وتفادي التكرار غير المبرر للمنشآت إلى تشجيع نماذج المشاركة في البنية التحتية، بما يُعظّم الاستفادة العامة من الاستثمارات المنجزة.

وتأتي شركة UNI FIBER في هذا السياق نموذجاً فريداً في قطاع الاتصالات المغربي، إذ تجمع بين متعهدَين تاريخيَّين متنافسَين ضمن كيان مشترك لبناء شبكة ألياف بصرية مشتركة، مما يُجسّد تحولاً نحو بنى تعاونية في القطاعات التي تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية. ويُعدّ هذا النموذج انعكاساً لتجارب دولية ناجحة في أوروبا وآسيا حيث أفرزت ضغوط خفض التكاليف نماذج مشابهة.

11.2. مبادئ تنظيم الاقتسام وأثره على المستهلك

يتمحور القرار حول ثلاثة مبادئ جوهرية تُوجّه كيفية تطبيق الاقتسام غير المُفعَّل. المبدأ الأول هو اللاتمييز، إذ تُلزَم شركة UNI FIBER بمعاملة جميع متعهدي الشبكات العامة بشروط متكافئة، دون منح أي أولوية لأي منهم، مما يمنع ترسّخ عدم التكافؤ في الوصول إلى البنية التحتية. والمبدأ الثاني هو الشفافية، إذ تُلزَم الشركة بنشر عرضها المرجعي وتبليغه إلى جميع المتعهدين المعنيين، مع توفير بيانات جغرافية دقيقة حول نطاق تغطيتها. أما المبدأ الثالث فهو الموضوعية في التسعير، بما يضمن ألّا تُشكّل التعريفات عائقاً أمام المنافسة أو تُحبّط الطلب لدى متعهدي الخدمات.

وتنعكس هذه المبادئ مباشرةً على تجربة المستهلك النهائي، إذ يُفضي الاقتسام الفعّال إلى وصول أوسع لشبكات الألياف البصرية في مناطق أكثر، وتنافس أحدّ بين مزودي الخدمة يُتيح خيارات أوسع وأسعاراً أفضل. وفي نهاية المطاف، يُسهم هذا الإطار في تسريع الانتقال الرقمي للأسر والمؤسسات في ظل التحولات التي يشهدها نموذج العمل والتعليم والتجارة.

 

ثاني عشر: قراءة تركيبية في النزعات التشريعية لعدد 7510

12.1. اللاتمركز الوظيفي كتوجه عام

إذا استُعيرت عدسةٌ تحليلية شاملة لقراءة مجموع النصوص الواردة في هذا العدد، برزت نزعة واضحة نحو اللاتمركز الوظيفي في مستوياته المتعددة. فتفويضات الإمضاء المتعددة التي شملت وزارات الصحة والتضامن والتعليم والاقتصاد تُعبّر عن الإقرار العملي بضرورة نقل صلاحيات القرار اليومي إلى المستوى التنفيذي الأقرب إلى الميدان. وعلى المستوى القضائي، يُجسّد تعيين آمرين مساعدين بالصرف في 19 دائرة قضائية متوزعة على مختلف جهات المملكة منطقاً مماثلاً في الإدارة القضائية والمالية.

ويتجلى هذا التوجه كذلك في قرارات إحداث الهيئات بين المهنية للقطاع البحري، إذ تندرج هذه الهيئات في منطق التنظيم الذاتي للقطاع، حيث تُؤتمن المنظمات المهنية الأكثر تمثيلاً على رسم اتجاهات القطاع وسياساته بدل الاتكال الكلي على القرار الحكومي المركزي.

12.2. ربط المسؤولية بالمحاسبة في الفضاء الاقتصادي

يُمثّل ميثاق السلوكيات لغرف التجارة والصناعة، وآليات الجزاء التفصيلية في دعم المسرح، وإلزامات الشفافية الموجَّهة لشركة UNI FIBER، تعبيراتٍ متباينةً عن توجه موحد نحو تمكين منظومة المحاسبة في مختلف مستويات الفعل الاقتصادي. فلم يعد كافياً الإعلان عن الدعم أو تأسيس المؤسسات؛ بل بات المشرع يُرافق ذلك بمنظومات رقابية دقيقة، تُحدد الالتزامات، وتُقرّر الجزاء، وتُنشئ آليات تقييم دورية وشفافة.

وقد تجلى ذلك بصورة جلية في الباب الرابع من قرار دعم المسرح، الذي فصّل بدقة فائقة ستة سيناريوهات مختلفة للإخلال بالالتزامات في مختلف أصناف الدعم، مع تحديد الجزاء الملائم لكل سيناريو. هذا المنهج التشريعي التفصيلي يُعبّر عن نضج قانوني رفيع في بناء منظومات الدعم العام للقطاعات الثقافية.

12.3. صون الذاكرة الجماعية بالأدوات القانونية

شكّلت قرارات التقييد والإدراج في عداد الآثار التي طالت مجموعةً من المعالم في الدار البيضاء وبركان والناضور منعطفاً نوعياً في مسار توثيق الهوية المعمارية المغربية. فتقييد أكثر من عشرين مبنى تاريخي في الدار البيضاء يكشف عن وعي متصاعد بقيمة الموروث العمراني الحضري المعاصر، بما يشمل مباني تعود إلى حقبة الحماية الفرنسية وما أعقبها. ولا يُعدّ هذا الاعتراف بالمعمار الكولونيالي ثقافةَ ذاتٍ تُمجّد ماضياً قاسياً، بل هو توثيق لمكونات بيئة حضرية صارت جزءاً من الهوية الوجدانية للمدينة بصرف النظر عن أصولها التاريخية.

12.4. ترسيخ الشرعية الدينية والعلمية

تُضفي قرارات وزارة الأوقاف المتعلقة بمعهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية بُعداً ديبلوماسياً وحضارياً على النصوص القانونية البحتة. فإتاحة مقاعد دولية في مستوى الإجازة والماستر يُعزز من صورة المغرب ملتقىً للعلوم القرآنية وبؤرةً للإشعاع الديني الوسطي، في سياق يشهد تحدياتٍ جسيمة تواجه مفهوم الإسلام الوسطي. وقد اختار المغرب الرد على هذه التحديات بإنتاج الكفاءات العلمية الدينية التي تُصبح سفراء للنهج المغربي في الإسلام في بلدانها الأصلية.

 

ثالث عشر: المستجدات في مسار التحول الرقمي والحوكمة الرشيدة

13.1. الذكاء الاصطناعي والبيانات في الهيكل التنظيمي الجديد

استدعت إعادة هيكلة وزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية تضمين مصلحة متخصصة في البيانات والذكاء الاصطناعي ضمن مديرية نظم المعلومات والرقمنة. وهذا الخيار يُسجّل أول إدراج رسمي للذكاء الاصطناعي في البنية التنظيمية لوزارة حكومية بهذا المستوى، مما يُشير إلى توجه لا رجعة فيه نحو دمج هذه التقنيات في العمل الإداري اليومي وفي دعم صنع القرار السياسي.

ويتجلى الطموح الرقمي كذلك في الإلزام الموجّه لشركة UNI FIBER بتوفير نظام آلي لمعالجة الطلبيات وتبادل المعلومات، وهو نوع من التنظيم لا يُدير فقط العلاقات التنافسية بين المتعهدين، بل يُضع قواعد الحوكمة الرقمية في قطاع استراتيجي.

13.2. التنافسية الاقتصادية في مفهوم متجدد

يُترجم مفهوم "التقائية السياسات العمومية" الذي خصصت له الهيكلة الجديدة مديريةً برمّتها رؤيةً متطورة لعمل الدولة؛ فبدلاً من التصور التقليدي للوزارات المتخصصة والعاملة كجزر منعزلة، تُقرّ هذه المقاربة بضرورة ضمان التماسك والتكامل بين السياسات المتعددة لتعظيم أثرها الجماعي. وهي إجابة عملية على ظاهرة "التضارب السياسي" التي تعاني منها كثير من الحكومات حين تُلغي سياسةٌ قطاعية في مجال ما أثرَ سياسة أخرى في مجال مجاور.

 

خاتمة ختامية موسّعة

يُثبت العدد 7510 من الجريدة الرسمية مرة أخرى أن قراءة هذه الوثيقة القانونية بعيون تحليلية وليست وثائقية بحتة يُتيح استيعاب خريطة التحولات التي يشهدها الاقتصاد السياسي للمملكة المغربية. ففي طيات المراسيم والقرارات المشتركة وتفويضات الإمضاء تختبئ خيارات إستراتيجية كبرى: الانتقال من حكومة الدولة إلى حوكمة المجتمع في مجال الاقتصاد، ومن الدعم الريعي غير المشروط إلى الدعم المقيّد بمعايير الجودة والمساءلة، ومن البنية التحتية المتكررة إلى الاقتسام الفعّال للموارد الاستراتيجية.

وتُصور النصوص المتعلقة بحماية التراث المعماري والدراسات القرآنية المعمّقة أن الدولة المغربية تنخرط في مشروع هوياتي موازٍ لمسار التحديث، يرفض الانتقاء بين الحداثة والجذور، بين البنية الرقمية والذاكرة المعمارية، بين الإدارة الرشيدة بمعاييرها التقنية والمرجعية الدينية بعمقها الحضاري. وهذه الازدواجية الإبداعية في الخيار، التي جعلت من المملكة نموذجاً يُستحضر في نقاشات السياسات العامة دولياً، تتجلى بوضوح في نصوص هذا العدد الغني من الجريدة الرسمية.

ويبقى التحدي الأكبر في المرحلة القادمة ليس إصدار النصوص القانونية الملائمة، بل ضمان تطبيقها الفعلي وقياس أثرها الميداني. وهذا ما أدركه المشرع حين أرسى في كل من ميثاق السلوكيات وقرار دعم المسرح ومرسوم الاستثمار منظومات متكاملة من المتابعة والتقييم والمساءلة، كأن الجريدة الرسمية لم تعد تكتفي بالتشريع، بل باتت تُقرّ ضمنياً بأن التشريع وحده لا يكفي ما لم يقترن بإرادة التطبيق وأدوات القياس.

 

رابع عشر: المقتضيات الخاصة بنظام موظفي الإدارات العامة

14.1. الهيكلة التفصيلية لوزارة الاستثمار وتمكين الكفاءات

يتضمن قرار الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار رقم 489.26 في خاتمته أحكاماً تتعلق بالتعويضات المرتبطة بالمهام العليا وبالتعويض الجزافي لفائدة الموظفين الذين يستعملون سياراتهم الخاصة لحاجات المصلحة، مستنداً في ذلك إلى المراسيم التنظيمية ذات الصلة. وهذه المقتضيات المادية، وإن بدت تفصيلاً إجرائياً، إلا أنها تُعكس الوعيَ بأن استقطاب الكفاءات وتحفيزها رهينٌ بظروف عمل مناسبة تُغري الكفاءات بالالتحاق بالخدمة العامة.

وفي إطار الهيكل التنظيمي الجديد، يُشكّل تخصيص قسم مستقل للشؤون القانونية والمنازعات ضمن مديرية الشؤون الإدارية والمالية والقانونية اعترافاً صريحاً بتنامي التعقيد القانوني في مجال الاستثمار ومناخ الأعمال، حيث تتشابك الاتفاقيات والعقود وعمليات التحكيم والمنازعات القضائية بصورة تستوجب تخصصاً راسخاً ومستمراً.

14.2. الإدارة الرقمية بوصفها ركيزة لمستقبل الاستثمار

يُشير التفصيل الدقيق لاختصاصات قسم الدراسات والإدماج الرقمي ضمن مديرية نظم المعلومات إلى أن وزارة الاستثمار تُنظر إلى نفسها قبل كل شيء بوصفها منظومة معالجة للبيانات وتوليد للمعرفة، لا مجرد جهاز بيروقراطي لتسيير الملفات. فمن تطوير أنظمة المعلومات والمنصات الرقمية إلى دمج حلول الذكاء الاصطناعي، ومن رقمنة الأرشيف إلى إدارة مراكز البيانات، يتكشّف مشروع تحول هيكلي شامل يسعى إلى وضع الوزارة في موقع القاطرة الرقمية لمنظومة الاستثمار ككل.

ويُضاف إلى ذلك مديرية التعاون الدولي والشراكات والتواصل التي تُقرّ بأن جذب الاستثمارات الأجنبية رهن بالحضور الفعّال على الساحة الدولية، سواء في المفاوضات الثنائية أو متعددة الأطراف، أو في الاجتماعات مع المنظمات الدولية. وهذه الوظيفة الدبلوماسية الاقتصادية التي تضطلع بها الوزارة تُعكس التشابك المتزايد بين السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية في عالم اليوم.

 

قائمة بالنصوص القانونية المُحلَّلة في هذا المقال:

  • مرسوم رقم 2.25.261 (23 أبريل 2026): ميثاق سلوكيات غرف التجارة والصناعة والخدمات
  • قرار مشترك رقم 834.26 (20 أبريل 2026): تمثيلية المنظمات المهنية لسلسلة الصدفيات
  • قرار مشترك رقم 835.26 (20 أبريل 2026): تمثيلية المنظمات المهنية لسلسلة الأسماك والروبيان
  • قرار مشترك رقم 378.26 (17 فبراير 2026): دعم المشاريع الثقافية والفنية في المسرح
  • قرارات وزارة الأوقاف أرقام 838.26 إلى 841.26 (16 أبريل 2026): مقاعد معهد محمد السادس
  • قرار رقم 936.26 (5 ماي 2026): تحديد أسعار غاز البوطان
  • قرار مشترك رقم 865.26 (24 أبريل 2026): تعيين ضباط الشرطة القضائية بالدرك الملكي
  • قرارات العدل أرقام 934.26 و935.26 (27 أبريل 2026): تعيين آمرين مساعدين بالصرف
  • قرارات وزير الثقافة أرقام 738.26، 757.26، 786.26، 787.26: حماية التراث المعماري
  • مقررا وزير النقل أرقام 447.26 و448.26: التراجع عن نزع الملكية
  • قرار رقم 489.26 (3 مارس 2026): هيكلة وزارة الاستثمار والتقائية
  • قرار رقم 01.26 (28 أبريل 2026): العرض المرجعي لشبكات الألياف البصرية FTTH

 

 

تحميل العدد   7510  بتاريخ  21 ماي 2026 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 04/06/2026
تحديث 04/06/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث