مقدمة
تشكل الجريدة الرسمية للمملكة المغربية المرآة العاكسة لإرادة المشرّع والسلطة التنظيمية، والوعاء الذي تكتسب من خلاله النصوص القانونية والمراسيم والقرارات صفة النفاذ والإلزام في مواجهة الكافة. فلا يُعتد بأي نص تشريعي أو تنظيمي ما لم يُنشر في هذا المنبر الرسمي، باعتبار النشر شرطا جوهريا لقرينة العلم بالقانون التي تأسست عليها فكرة سيادة القانون في الدولة الحديثة. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة عدد بعينه من أعداد الجريدة الرسمية ليست مجرد جرد ببليوغرافي للنصوص الصادرة، بل هي قراءة في توجهات السياسة العمومية، واستشراف لأولويات الدولة في حقبة زمنية محددة، وتفكيك للبنية القانونية التي تؤطر العلاقة بين الإدارة والمواطن وبين المرفق العام والملكية الخاصة.
ويأتي العدد 7512 من الجريدة الرسمية، الصادر يوم الخميس 11 من ذي الحجة 1447 الموافق لـ 28 ماي 2026 ضمن السنة الخامسة عشرة بعد المائة من عمر هذه المؤسسة العريقة، حاملا لمجموعة من النصوص المتنوعة التي تنتظم في حقول قانونية متباينة لكنها متكاملة في دلالتها على نمط تدبير الشأن العام بالمغرب. فقد جمع هذا العدد بين نص عام واحد ذي طابع مالي بالغ الأهمية يتمثل في المصادقة على عقد اقتراض دولي ضخم، وبين سلسلة من النصوص الخاصة التي تتمحور أساسا حول نزع الملكية لأجل المنفعة العامة خدمةً لمشاريع البنية التحتية والمرافق الاجتماعية، فضلا عن نص متعلق بضم الأراضي الفلاحية، وقرارات في مجال معادلة الشهادات الجامعية ومهنة التوثيق، ومرسوم مهم في نطاق تعديل النظام الأساسي الخاص بهيئة تفتيش الشغل.
وتنبع أهمية هذا العدد من كونه يجسّد تقاطعا لافتا بين ثلاثة محاور كبرى للسياسة العمومية المغربية المعاصرة: المحور المالي والاقتصادي الذي يتجلى في اللجوء إلى الأسواق المالية الدولية لتعبئة التمويل، ومحور البنية التحتية الاستراتيجية الذي ينعكس في المشاريع السككية الكبرى وعلى رأسها مشروع القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، والمحور الاجتماعي والمؤسساتي الذي يظهر في تحسين أوضاع موظفي تفتيش الشغل وفي إحداث المرافق التعليمية والمائية.
يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية معمقة لمضامين العدد 7512، تتجاوز السرد الوصفي إلى التفكيك القانوني للأسس التشريعية لكل نص، وإلى استجلاء الدلالات الاقتصادية والاجتماعية الكامنة وراءها، مع إبراز الترابط الموضوعي الذي ينظم هذه النصوص في وحدة دلالية متماسكة. وسننتظم في معالجتنا عبر محاور رئيسية تتدرج من السياق العام للعدد، إلى تحليل نص الاقتراض الدولي، فمراسيم نزع الملكية، ثم ضم الأراضي الفلاحية، وصولا إلى النصوص المتعلقة بتدبير الموارد البشرية والمهن المنظمة، لنختم بقراءة تركيبية في الدلالات الكلية لهذا العدد.
تحميل العدد 7512 بتاريخ 28 ماي 2026 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولا: السياق العام والبنية الموضوعية للعدد 7512
1.1. الإطار الزمني والمؤسساتي للجريدة الرسمية
1.1.1. الوظيفة الدستورية والقانونية للنشر الرسمي
تستمد الجريدة الرسمية مكانتها من الدور المحوري الذي يضطلع به النشر في منظومة المشروعية القانونية. فالنشر في هذا المنبر هو الإجراء الذي ينقل النص القانوني من حيز الوجود التشريعي إلى حيز النفاذ والسريان في مواجهة الأفراد والإدارات على حد سواء. وبدون هذا النشر تظل النصوص حبيسة دواليب الإدارة لا ترتب أثرا قانونيا في مواجهة الغير، إعمالا لقاعدة أن العلم بالقانون مفترض في الكافة بمجرد نشره وانصرام الآجال المقررة لدخوله حيز التنفيذ.
ويتضح من ديباجة العدد أن النشرة العامة تدرج فيها القوانين والنصوص التنظيمية، وكذلك المقررات والوثائق التي تفرض القوانين أو النصوص التنظيمية الجاري بها العمل نشرها بالجريدة الرسمية. وهذا التحديد الدقيق لمجال النشر يعكس حرص المشرّع على ضبط ما يُنشر، بحيث لا تتحول الجريدة إلى وعاء فضفاض، بل تظل أداة منضبطة تخدم وظيفة الإعلام القانوني وتحقيق الأمن القانوني للمتعاملين.
1.1.2. الموقع الزمني للعدد ضمن دينامية التشريع
يحمل العدد 7512 تأريخا مزدوجا يجمع بين التقويم الهجري والتقويم الميلادي، إذ صدر في 11 من ذي الحجة 1447 الموافق لـ 28 ماي 2026. وهذا الازدواج في التأريخ ليس مجرد تفصيل شكلي، بل هو تعبير عن طبيعة النظام القانوني المغربي الذي يجمع بين مرجعية دينية وتاريخية متمثلة في التقويم الهجري، وبين انفتاح على المعاملات الدولية التي تقتضي اعتماد التقويم الميلادي.
ومن اللافت أن أغلب المراسيم الواردة في هذا العدد صدرت بتاريخ 26 من ذي القعدة 1447 الموافق لـ 14 ماي 2026، باستثناء مرسوم الاقتراض الدولي الذي صدر في 9 من ذي الحجة 1447 الموافق لـ 26 ماي 2026. وهذا التقارب الزمني بين تواريخ الإصدار يكشف عن دينامية تنظيمية مكثفة، حيث تتجمع مجموعة من المراسيم في فترة وجيزة لتُنشر دفعة واحدة، مما يدل على نسق منتظم في تدبير المسار التشريعي والتنظيمي.
1.2. البنية الموضوعية والتصنيف القانوني للنصوص
1.2.1. ثنائية النصوص العامة والنصوص الخاصة
ينتظم محتوى العدد وفق تصنيف كلاسيكي يميّز بين النصوص العامة والنصوص الخاصة. فالنصوص العامة هي تلك التي تتسم بطابع التجريد والعمومية وتنطبق على فئات غير محددة من المخاطبين، بينما النصوص الخاصة هي تلك التي تتعلق بحالات أو أشخاص أو مشاريع معينة بذاتها. وقد تضمن هذا العدد نصا عاما وحيدا هو مرسوم المصادقة على عقد الاقتراض الدولي، في مقابل عدد وافر من النصوص الخاصة التي تهيمن عليها مراسيم نزع الملكية لأجل المنفعة العامة.
هذه الهيمنة العددية لمراسيم نزع الملكية ليست محض صدفة، بل هي مؤشر دال على المرحلة التي يمر بها المغرب من حيث وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى. فكل مشروع بنية تحتية، سواء كان خطا سككيا أو مرفقا تعليميا أو مشروعا لتزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب، يستلزم بالضرورة تعبئة الوعاء العقاري اللازم، وهو ما يفسّر الكثافة العالية لمساطر نزع الملكية في هذه المرحلة التنموية.
1.2.2. الحقول القانونية المتقاطعة
يلاحظ المتأمل في بنية العدد أنه يتوزع على حقول قانونية متعددة تشمل القانون المالي العام من خلال نص الاقتراض، والقانون الإداري والعقاري من خلال مراسيم نزع الملكية وضم الأراضي، والقانون الاجتماعي من خلال النصوص المتعلقة بهيئة تفتيش الشغل، والقانون المنظم للمهن من خلال قرارات مهنة التوثيق، وقانون التعليم العالي من خلال قرارات معادلة الشهادات. هذا التنوع في الحقول يعكس الطبيعة الموسوعية للجريدة الرسمية التي تستوعب كل أصناف الإنتاج المعياري للدولة، ويتيح للقارئ المتخصص رصد التوجهات المتوازية للسياسة العمومية في قطاعات مختلفة خلال الفترة نفسها.
ثانيا: الاقتراض الدولي عبر إصدار السندات وأبعاده المالية والاقتصادية
2.1. الإطار القانوني والمؤسساتي للعملية
2.1.1. الأساس التشريعي للاقتراض الدولي
يستند مرسوم رقم 2.26.439 الصادر في 9 من ذي الحجة 1447 الموافق لـ 26 ماي 2026، القاضي بالموافقة على عقد اقتراض دولي عن طريق إصدار سندات بمبلغ ملياري ومائتي وخمسين مليون أورو، إلى أساس تشريعي مزدوج. فهو يرتكز أولا على قانون المالية رقم 50.25 للسنة المالية 2026، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.25.67 بتاريخ 19 من جمادى الآخرة 1447 الموافق لـ 10 ديسمبر 2025، ولا سيما المادة 38 منه التي تخوّل الحكومة الإذن باللجوء إلى الاقتراض الخارجي ضمن السقف المحدد. ويستند ثانيا إلى قانون المالية لسنة 1982 رقم 26.81، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.81.425 بتاريخ 5 ربيع الأول 1402 الموافق لفاتح يناير 1982، ولا سيما الفصل 41 منه.
ويكشف هذا الإسناد المزدوج عن خاصية مهمة في النظام المالي المغربي، وهي استمرار سريان بعض المقتضيات الواردة في قوانين مالية قديمة باعتبارها قواعد مرجعية دائمة تؤطر اللجوء إلى الاقتراض الخارجي. فالفصل 41 من قانون مالية 1982 ما زال يشكّل سندا تشريعيا حيا بعد أكثر من أربعة عقود على صدوره، مما يدل على استقرار البنية القانونية الناظمة للدين العمومي الخارجي. أما المادة 38 من قانون مالية 2026 فهي التي تضفي المشروعية الظرفية على العملية، إذ تربطها بالترخيص البرلماني السنوي الذي يجدّد للحكومة صلاحية الاقتراض.
2.1.2. الأطراف المتعاقدة والبنوك الدولية الوسيطة
أبرم عقد الاكتتاب بتاريخ 5 من ذي الحجة 1447 الموافق لـ 22 ماي 2026 بين المملكة المغربية من جهة، ومجموعة من المؤسسات المالية الدولية الكبرى من جهة أخرى، تتمثل في بنك "بي إن بي باريبا" (BNP Paribas)، وشركة "سيتي غروب للأسواق العالمية المحدودة" (Citigroup Global Markets Limited)، و"جي.بي. مورغان للأوراق المالية" (J.P. Morgan Securities)، و"دويتشه بنك" (Deutsche Bank Aktiengesellschaft). كما أبرم المغرب عقد الخدمة المالية بتاريخ 9 من ذي الحجة 1447 مع "سيتي بنك" فرع لندن (Citibank N.A., London Branch) و"سيتي بنك أوروبا" فرع ألمانيا، إلى جانب عقد الالتزام الأحادي الموقع في التاريخ نفسه.
ويلاحظ أن اختيار هذه المؤسسات يحمل دلالات استراتيجية، إذ يتعلق الأمر بأبرز البنوك الاستثمارية ذات الحضور العالمي والقدرة على تسويق السندات السيادية لدى المستثمرين المؤسساتيين في الأسواق الأوروبية والأمريكية. فهذه البنوك تضطلع بدور المنظمين والوسطاء (Lead Managers) الذين يتولون هيكلة الإصدار وتسعيره وتوزيعه على المستثمرين، كما تشرف على عقد الخدمة المالية الذي يضمن تدبير دفعات الفوائد واسترداد أصل الدين عند الاستحقاق. ويعكس اعتماد فروع "سيتي بنك" في لندن وألمانيا حرص المغرب على الارتباط بالمراكز المالية الأوروبية الكبرى، خاصة وأن الإصدار محرّر بعملة الأورو.
2.2. هندسة الإصدار وشروطه المالية التفصيلية
2.2.1. الشطر الأول: السندات متوسطة الأجل
ينقسم الاقتراض الدولي البالغ مبلغه الإسمي الإجمالي ملياري ومائتي وخمسين مليون أورو إلى شطرين متمايزين من حيث المبلغ وسعر الفائدة وأجل الاستحقاق. يشمل الشطر الأول مبلغا قدره مليار ومائتان وخمسون مليون أورو، يُعبأ بواسطة إصدار سندات إسمية ذات سعر فائدة سنوي يبلغ 4,750 في المائة، وثمن إصدار محدد في 99,402 في المائة، على أن يحل تاريخ استحقاقه في 26 ماي 2034.
ويستفاد من هذه المعطيات أن أجل الشطر الأول يمتد إلى ثماني سنوات تقريبا، وهو أجل متوسط يتناسب مع تمويل احتياجات الخزينة على المدى المنظور. أما ثمن الإصدار المحدد في 99,402 في المائة، فيعني أن السندات تُطرح بأقل قليلا من قيمتها الإسمية، مما يرفع بشكل طفيف من العائد الفعلي للمستثمر مقارنة بسعر الفائدة الإسمي. وهذه التقنية المالية تُستخدم لجعل العرض أكثر جاذبية في ظل ظروف السوق السائدة وقت الإصدار.
2.2.2. الشطر الثاني: السندات طويلة الأجل
أما الشطر الثاني فيبلغ مبلغه مليار أورو، ويتخذ شكل سندات إسمية ذات سعر فائدة سنوي يبلغ 5,125 في المائة، بثمن إصدار قدره 98,570 في المائة، وتاريخ استحقاق يحل في 26 ماي 2038. ويتضح من المقارنة بين الشطرين أن الشطر الثاني أطول أجلا، إذ يمتد إلى اثنتي عشرة سنة، وهو ما يفسّر ارتفاع سعر الفائدة فيه مقارنة بالشطر الأول، نظرا لأن المخاطر المرتبطة بطول الأجل تستوجب تعويض المستثمر بعائد أعلى.
وتنطوي هذه الهندسة المالية المزدوجة على حكمة في تدبير الدين، إذ يتيح تقسيم الإصدار إلى شطرين بأجلين مختلفين توزيع أعباء السداد على فترتين منفصلتين (2034 و2038)، مما يجنّب الخزينة ضغط استحقاق دفعة واحدة ضخمة في تاريخ واحد. كما يستجيب هذا التقسيم لتنوع رغبات المستثمرين، إذ يفضّل بعضهم الآجال المتوسطة فيما يميل آخرون إلى الآجال الطويلة بحثا عن عوائد أعلى.
2.3. الدلالات الاقتصادية والمالية الكلية للعملية
2.3.1. تمويل الميزانية وتدبير الدين الخارجي
يندرج هذا الاقتراض الدولي ضمن استراتيجية تمويلية شاملة تهدف إلى تعبئة الموارد اللازمة لتغطية احتياجات الخزينة وسد العجز الموازني وتمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى. واللجوء إلى السوق المالية الدولية بدل الاقتصار على السوق الداخلية يحمل عدة مزايا، أبرزها تنويع مصادر التمويل وتخفيف الضغط على السيولة الداخلية بما يترك هامشا أكبر للقطاع الخاص للولوج إلى التمويل البنكي الوطني، وهو ما يُعرف بتفادي ظاهرة "المزاحمة" أو إقصاء الاستثمار الخاص.
غير أن هذا الخيار يحمل في المقابل تحديات تتعلق بتعريض المالية العمومية لمخاطر سعر الصرف، إذ أن أصل الدين وفوائده مقومان بالأورو، مما يجعل كلفة السداد رهينة بتطور سعر صرف الدرهم مقابل الأورو. فأي انخفاض في قيمة العملة الوطنية يزيد من العبء الفعلي للدين بالعملة المحلية، وهو ما يستوجب يقظة في تدبير المخاطر المرتبطة بالصرف.
2.3.2. مؤشرات الثقة في الاقتصاد الوطني
يعد نجاح المغرب في الولوج إلى الأسواق المالية الدولية بمبلغ يناهز ملياري وربع مليار أورو، وبشروط فائدة تتراوح بين 4,750 و5,125 في المائة، مؤشرا على الثقة التي يحظى بها الاقتصاد الوطني لدى المستثمرين الدوليين. فمستوى سعر الفائدة المحصّل عليه يعكس تقييم السوق لجدارة المغرب الائتمانية ولقدرته على الوفاء بالتزاماته، كما يرتبط بالتصنيف السيادي الذي تمنحه وكالات التنقيط الدولية.
وإذا كانت هذه الشروط تُعتبر معقولة في سياق دولي يتسم بتشدد السياسات النقدية وارتفاع أسعار الفائدة المرجعية، فإنها تظل في الوقت نفسه عاكسة للكلفة الحقيقية للتمويل التي يتحملها المغرب. ومن ثم فإن تتبع تطور هذه الشروط عبر الإصدارات المتتالية يشكّل مؤشرا دقيقا على تحسن أو تدهور مكانة المغرب في خريطة التمويل الدولي. وقد تولّت وزيرة الاقتصاد والمالية تنفيذ هذا المرسوم الذي وقّعه رئيس الحكومة عزيز أخنوش بالعطف مع وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح.
ثالثا: نزع الملكية لأجل المنفعة العامة ومشاريع البنية التحتية
3.1. الإطار القانوني العام لنزع الملكية
3.1.1. القانون رقم 7.81 ومرسومه التطبيقي
تستند جل مراسيم نزع الملكية الواردة في هذا العدد إلى القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.81.254 بتاريخ 11 من رجب 1402 الموافق لـ 6 ماي 1982، وإلى مرسومه التطبيقي رقم 2.82.382 الصادر في 2 رجب 1403 الموافق لـ 16 أبريل 1983. ويشكّل هذا القانون الإطار المرجعي الذي ينظّم عملية انتزاع العقارات من ملاكها لفائدة المنفعة العامة، مع ضمان حقوق المنزوعة ملكيتهم في الحصول على تعويض عادل.
ويقوم نظام نزع الملكية على توازن دقيق بين مقتضيين متعارضين: من جهة، حق الدولة في تعبئة العقار اللازم لإنجاز المشاريع ذات النفع العام، ومن جهة أخرى، حماية حق الملكية باعتباره حقا مكفولا دستوريا لا يجوز المساس به إلا في الحالات وبالكيفيات المنصوص عليها قانونا، ومقابل تعويض مناسب. ولذلك أحاط المشرّع عملية نزع الملكية بسلسلة من الضمانات الإجرائية والموضوعية التي تكفل عدم التعسف في استعمال هذه السلطة الاستثنائية.
3.1.2. مسطرة البحث الإداري والضمانات الإجرائية
تتجلى أبرز الضمانات في إلزامية إجراء بحث إداري يسبق إصدار مرسوم نزع الملكية، يُمكّن المعنيين بالأمر من الاطلاع على المشروع وإبداء ملاحظاتهم واعتراضاتهم. وقد حرصت جميع مراسيم نزع الملكية في هذا العدد على الإشارة إلى ملف البحث الإداري المنجز، مع تحديد فترته بدقة. ففي مرسوم نزع الملكية بإقليم خريبكة لفائدة المجمع الشريف للفوسفاط، أشير إلى ملف البحث الإداري المباشر من 30 يوليو إلى 30 سبتمبر 2025 بمقر جماعة المفاسيس. وفي مرسوم محطة سيدي أبي القنادل، أشير إلى البحث المباشر من 29 أكتوبر إلى 29 ديسمبر 2025.
هذا الالتزام الصارم بالإشارة إلى البحث الإداري وتواريخه يعكس الطابع الشكلي الدقيق لمسطرة نزع الملكية، إذ يُعد البحث الإداري إجراء جوهريا يترتب على إغفاله بطلان المسطرة برمتها. كما أن تحديد القطع الأرضية المعنية في جداول مفصّلة، مع الإشارة إلى مساحاتها ومراجعها العقارية وأسماء ملاكها المفترضين، يندرج في إطار تكريس مبدأ الشفافية وضمان حق المنزوعة ملكيتهم في معرفة العقارات المعنية بدقة. ويُلاحظ كذلك أن المراسيم تشير إلى أن حدود القطع مرسومة بلون أحمر في التصاميم التجزيئية الملحقة بأصل المرسوم، وهو ما يضفي طابعا تقنيا دقيقا على عملية التحديد العقاري.
3.2. المشاريع السككية الكبرى ودينامية النقل
3.2.1. مشروع القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش
يبرز ضمن نصوص هذا العدد مرسوم رقم 2.26.268 القاضي بضم قطعة أرضية من ملك الدولة الخاص إلى ملكها العمومي بجماعة الرباط، من أجل بناء خط سككي للقطارات ذات السرعة العالية بين القنيطرة ومراكش، بين النقطتين الكيلومتريتين 239+958 و244+568. وتبلغ مساحة القطعة المتأصلة من الرسم العقاري 4 آرات و83 سنتيارا.
ويكتسي هذا النص أهمية استراتيجية بالغة، إذ يندرج ضمن المشروع الوطني الكبير لتوسيع شبكة القطار فائق السرعة، الذي بدأ بالخط الرابط بين طنجة والدار البيضاء، ويتجه نحو امتداده جنوبا ليربط القنيطرة بمراكش مرورا بالمحور الاقتصادي الحيوي للمملكة. ومن الناحية القانونية، يلاحظ أن هذا النص لا يتعلق بنزع ملكية من الخواص، بل بنقل عقار من ملك الدولة الخاص إلى ملكها العمومي، وهي تقنية قانونية مختلفة تُعرف بـ"التخصيص" أو "ضم الملك"، تستند إلى الظهير الشريف الصادر في 7 شعبان 1332 الموافق لفاتح يوليو 1914 المتعلق بالملك العمومي، وإلى القانون رقم 52.03 المتعلق بتنظيم الشبكة السككية الوطنية وتدبيرها واستغلالها.
والفرق بين الملك الخاص للدولة والملك العمومي فرق جوهري في القانون الإداري المغربي، إذ أن الملك العمومي يخضع لنظام قانوني خاص يجعله غير قابل للتفويت ولا للتقادم ولا للحجز، بهدف ضمان تخصيصه الدائم للمنفعة العامة. ومن ثم فإن نقل العقار من الملك الخاص إلى الملك العمومي يُعد إجراء لازما لتمكين المشروع السككي من الاستقرار القانوني على وعائه العقاري.
3.2.2. محطة سيدي أبي القنادل والمنشأة الفنية بالرحامنة
يتضمن العدد كذلك مرسوم رقم 2.26.275 القاضي بإعلان أن المنفعة العامة تقضي ببناء محطة القطار سيدي أبي القنادل من النقطة الكيلومترية 106+400 إلى 106+524 من الخط السككي الرابط بين الدار البيضاء وفاس، بجماعة سيدي أبي القنادل بعمالة سلا. وتتعلق العملية بنزع ملكية قطعة أرضية مساحتها 26 آرا و45 سنتيارا، تابعة للجماعة السلالية زردال. ويستند هذا المرسوم، إضافة إلى القانون 7.81، إلى الظهير الشريف رقم 1.63.225 بإحداث المكتب الوطني للسكك الحديدية، وإلى القانون 52.03 المتعلق بالشبكة السككية.
كما يتضمن العدد مرسوم رقم 2.26.296 القاضي ببناء منشأة فنية عند النقطة الكيلومترية 225+755 من الخط السككي الرابط بين سطات ومراكش بجماعة الجبيلات بإقليم الرحامنة، مع نزع ملكية قطعتين أرضيتين. وتجدر الإشارة إلى أن إحدى القطعتين موصوفة بأنها عقار مثقل بتقييدات، والأخرى عقار مثقل بعدة تقييدات ورهون، وهو ما يطرح إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بمآل الحقوق العينية والتحملات المقيدة على هذه العقارات بعد نزع ملكيتها. فالقاعدة في هذا الباب أن نزع الملكية ينقل العقار خالصا من كل تحمل، على أن تنتقل حقوق الدائنين المرتهنين إلى مبلغ التعويض المستحق، إعمالا لمبدأ الحلول العيني.
وتشترك هذه المراسيم الثلاثة في تفويض حق نزع الملكية إلى المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية، باعتباره المؤسسة العمومية المكلفة بإنجاز وتدبير المشاريع السككية. وهذا التفويض يجسّد آلية قانونية تتيح للمؤسسات العمومية المنجزة للمشاريع مباشرة الإجراءات اللاحقة لمرسوم نزع الملكية، بما فيها تحديد التعويضات والتفاوض مع الملاك واللجوء إلى القضاء عند الاقتضاء.
3.3. المشاريع الاستراتيجية والاجتماعية والمرافق العمومية
3.3.1. استغلال الفوسفاط بإقليم خريبكة
يمثّل مرسوم رقم 2.26.264 القاضي بإعلان أن المنفعة العامة تقضي باستغلال الفوسفاط وإقامة منشآت لأجل ذلك بجماعة المفاسيس بإقليم خريبكة، لفائدة المجمع الشريف للفوسفاط، نموذجا لنزع الملكية خدمةً لمشروع اقتصادي استراتيجي. ويستند هذا المرسوم، إلى جانب القانون 7.81، إلى القانون رقم 46.07 القاضي بتحويل المكتب الشريف للفوسفاط إلى شركة مساهمة، ومرسومه التطبيقي.
ويكشف هذا النص عن خصوصية لافتة، وهي أن نزع الملكية يتم لفائدة شركة مساهمة (المجمع الشريف للفوسفاط)، رغم أنها مملوكة في الأصل للدولة. وهذا يطرح نقاشا فقهيا حول مدى توسّع مفهوم المنفعة العامة ليشمل الأنشطة الاقتصادية ذات الطابع الاستراتيجي الوطني. فالفوسفاط يُعد ثروة وطنية ومصدرا أساسيا للعملة الصعبة، مما يبرّر اعتبار استغلاله من قبيل المنفعة العامة التي تسوّغ اللجوء إلى نزع الملكية. وقد تضمّن المرسوم جدولا مفصّلا بسبع قطع أرضية بدوار السكان بجماعة المفاسيس، تتراوح مساحاتها وتتنوع أوصافها بين أرض فلاحية بسيطة وأرض تحتوي على أعمدة كهربائية عالية ومتوسطة التوتر وقنوات مائية ومحطة كهرباء، وهو ما يعكس التعقيد الواقعي للوضعية العقارية في المناطق المعنية بالاستغلال المنجمي. وقد خوّل حق نزع الملكية إلى الرئيس المدير العام للمجمع الشريف للفوسفاط.
3.3.2. المرافق التعليمية والمائية لخدمة الساكنة
في البعد الاجتماعي، يتضمن العدد مرسوم رقم 2.26.313 القاضي بإعلان أن المنفعة العامة تقضي بإحداث الثانوية الإعدادية معاذ بن جبل بجماعة سوق السبت أولاد النمة بإقليم الفقيه بن صالح، مع نزع ملكية القطعة الأرضية اللازمة. ويعكس هذا النص حرص الدولة على توسيع الخريطة المدرسية وتقريب المرافق التعليمية من الساكنة، لا سيما في المناطق القروية وشبه القروية. ومن اللافت أن القطعة المعنية، المسماة "بوزم"، ذات الرسم العقاري عدد 68/20303، تبلغ مساحتها التقريبية 10545 مترا مربعا، ويملكها عدد كبير جدا من الورثة على الشياع، وهو ما يبرز التعقيد العقاري الناجم عن نظام الإرث والملكية المشاعة في الأرياف المغربية.
كما يتضمن العدد مرسوم رقم 2.26.314 القاضي بإعلان أن المنفعة العامة تقضي بتزويد جماعة مولاي يعقوب بالماء الصالح للشرب، مع نزع ملكية قطع أرضية بجماعة سبع رواضي بإقليم مولاي يعقوب. ويستند هذا المرسوم إلى القانون رقم 40.09 المتعلق بالمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب. ويُلاحظ أن هذا المشروع يهم عددا كبيرا من القطع الأرضية (تجاوز ترقيمها رقم 65)، يملكها عدد وافر من الخواص والجماعات السلالية، وهو ما يعكس ضخامة المشروع المائي وامتداده الجغرافي. وقد فوّض حق نزع الملكية في هذا المشروع إلى المدير العام للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
وتجدر الإشارة إلى أن هذين المشروعين يجسّدان البعد الاجتماعي للسياسة العمومية، إذ يتعلق الأمر بتلبية حاجيات أساسية للساكنة في مجالي التعليم والولوج إلى الماء الصالح للشرب، اللذين يُعدان من الخدمات الأساسية المرتبطة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.
رابعا: التهيئة العقارية الفلاحية وضم الأراضي
4.1. الإطار القانوني لضم الأراضي الفلاحية
يستند مرسوم رقم 2.26.224 القاضي بالمصادقة على ضم الأراضي الفلاحية بعضها إلى بعض بالقطاع الخامس التابع للشطر الثاني من الدائرة السقوية لينان السفلى وسبو المتوسط بجماعة واد الجمعة بقيادة أولاد عليان بإقليم تاونات، إلى الظهير الشريف رقم 1.62.105 الصادر في 27 من محرم 1382 الموافق لـ 30 يونيو 1962 بشأن ضم الأراضي الفلاحية بعضها إلى بعض، وإلى مرسومه التطبيقي رقم 2.62.240.
ويُعد ضم الأراضي الفلاحية، أو ما يُعرف بـ"التجميع العقاري الفلاحي"، آلية قانونية وتقنية تهدف إلى إعادة هيكلة الملكية الفلاحية المجزأة والمبعثرة، عبر تجميع القطع المتناثرة العائدة لمالك واحد في وحدة عقارية متماسكة. والهدف من هذه العملية هو معالجة ظاهرة التفتيت العقاري التي تشكّل عائقا بنيويا أمام تحديث الفلاحة، إذ يصعب استغلال القطع الصغيرة المبعثرة بطرق عقلانية ومكننة، كما يصعب تجهيزها بشبكات الري والطرق الفلاحية.
4.2. مسطرة الضم وأهدافه التنموية
4.2.1. المراحل الإجرائية للعملية
تكشف ديباجة المرسوم عن المسار الإجرائي الطويل الذي قطعته عملية الضم. فقد استندت إلى قرار وزير الفلاحة والإصلاح الزراعي رقم 450.73 الصادر في 24 من محرم 1393 الموافق لـ 28 فبراير 1973، القاضي بتحديد منطقة لضم الأراضي القروية في الجماعات الكائنة في الدائرة السقوية المعنية. ثم باشرت الإدارة بحثا عموميا امتد من 16 نوفمبر إلى 15 ديسمبر 2016، أعقبه بحث تكميلي من 17 أبريل إلى فاتح ماي 2017، قبل أن تنعقد اللجنة المحلية لضم الأراضي الفلاحية بتاريخ 12 نوفمبر 2024 لإقرار العملية.
ويلفت الانتباه في هذا المسار طول المدة الفاصلة بين قرار تحديد المنطقة سنة 1973 وبين المصادقة النهائية سنة 2026، مما يكشف عن التعقيد التقني والقانوني والاجتماعي الذي تتسم به عمليات ضم الأراضي. فهذه العمليات تتطلب أبحاثا ميدانية دقيقة، وتسوية للوضعيات العقارية المتشابكة، وتوافقا مع الملاكين المعنيين، وهو ما يفسّر امتدادها الزمني الطويل.
4.2.2. الرهانات التنموية للتجميع العقاري
تنبع أهمية ضم الأراضي الفلاحية من ارتباطه الوثيق بالسياسة الفلاحية الوطنية الرامية إلى تحديث القطاع وتحسين مردوديته. فمن خلال إعادة تنظيم البنية العقارية في المناطق السقوية، يصبح بالإمكان توسيع المساحات المسقية، وتجهيز الأراضي بشبكات الري الحديثة، وتمكين الفلاحين من استغلال قطع أكبر وأكثر تماسكا تستجيب لمتطلبات الفلاحة العصرية. كما يساهم الضم في تطهير الوضعية القانونية للعقارات الفلاحية وإدماجها في منظومة التحفيظ العقاري، مما يعزز الأمن القانوني للملكية الفلاحية ويفتح الباب أمام الاستثمار والتمويل البنكي للفلاحين عبر رهن أراضيهم المحفظة.
ويندرج اختيار إقليم تاونات لهذه العملية ضمن منطق جغرافي واضح، إذ يقع الإقليم في منطقة فلاحية خصبة تعرف نشاطا زراعيا مهما، وتستفيد من البنية السقوية المرتبطة بحوضي إينان وسبو. ومن ثم فإن تجميع الأراضي في هذه المنطقة يخدم هدف الرفع من الإنتاجية الفلاحية وتحسين دخل الساكنة القروية.
خامسا: تدبير الموارد البشرية والمهن المنظمة
5.1. تعديل النظام الأساسي الخاص بهيئة تفتيش الشغل
5.1.1. السياق القانوني للتعديل ومضامينه
يشكّل مرسوم رقم 2.26.370 القاضي بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.08.69 الصادر في 5 رجب 1429 الموافق لـ 9 يوليو 2008 بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة تفتيش الشغل، والمرسوم رقم 2.08.70 بشأن منح هيئة تفتيش الشغل تعويضا عن الجولات، أحد أبرز النصوص ذات البعد الاجتماعي والمهني في هذا العدد. ويستند هذا المرسوم إلى القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، ولا سيما المادة 535 منه، وقد جاء بعد المداولة في مجلس الحكومة المنعقد بتاريخ 12 من ذي القعدة 1447 الموافق لـ 30 أبريل 2026.
ويتضح من مضمون المرسوم أنه يهدف إلى تحسين الوضعية المادية لمفتشي الشغل عبر مراجعة منظومة التعويضات الممنوحة لهم، وعلى رأسها التعويض عن تدبير العلاقات المهنية. وقد حدّد المرسوم مبالغ هذا التعويض في جداول مفصّلة تتدرج حسب الدرجات والرتب، مع التمييز بين مرحلتين زمنيتين: مرحلة تبدأ من فاتح يوليو 2026، ومرحلة ثانية تبدأ من فاتح يوليو 2027 تعرف رفعا ملموسا في المبالغ. فمثلا، ينتقل التعويض عن تدبير العلاقات المهنية لمفتش الشغل من الدرجة الأولى من 923 درهما ابتداء من يوليو 2026 إلى 1846 درهما ابتداء من يوليو 2027، أي بمضاعفة المبلغ تقريبا.
5.1.2. توسيع نطاق المستفيدين وتثمين المهنة
من أهم مستجدات هذا المرسوم توسيع نطاق المستفيدين من تعويض الجولات ليشمل، إضافة إلى هيئة تفتيش الشغل، الأطباء والمهندسين التابعين للقطاع المكلف بالتشغيل المكلفين بتفتيش الشغل. وقد عدّل المرسوم عنوان المرسوم رقم 2.08.70 ليعكس هذا التوسيع، ونسخ مقتضيات مادته الأولى ليُحدّد مبالغ التعويض الشهري عن الجولات وفق جدول جديد يتدرج حسب الدرجات والفئات. فمفتش الشغل من الدرجة الأولى يتقاضى 3.250 درهم ابتداء من يوليو 2026 و4.000 درهم ابتداء من يوليو 2027، بينما يتقاضى الطبيب والمهندس المكلفان بتفتيش الشغل 1.250 درهم في المرحلة الأولى و2.500 درهم في المرحلة الثانية.
ويعكس هذا التعديل توجها واضحا نحو تثمين مهنة تفتيش الشغل وتعزيز جاذبيتها، باعتبارها مهنة محورية في ضمان احترام تشريع الشغل وحماية حقوق الأجراء وتحقيق السلامة المهنية. كما يكشف إدماج الأطباء والمهندسين في منظومة تفتيش الشغل عن وعي متزايد بالطابع التقني المعقد لمهام المراقبة، خاصة في المجالات المرتبطة بالصحة المهنية والسلامة في أماكن العمل، التي تستلزم خبرات طبية وهندسية متخصصة. ويُشترط في هذا الإطار أن يُكلّف هؤلاء الأطباء والمهندسون بتفتيش الشغل بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالتشغيل، بعد قضاء تكوين ينظّم لهذا الغرض.
5.2. مهنة التوثيق وحركية الموثقين
تضمن العدد مجموعة من القرارات الصادرة عن رئيس الحكومة في شأن نقل وإعفاء موثقين. فبموجب القرار رقم 3.20.26 الصادر في 5 من ذي القعدة 1447 الموافق لـ 23 أبريل 2026، تم نقل موثقة من صفرو إلى مكتب شاغر بفاس. كما تم بموجب قرارين آخرين في التاريخ نفسه إعفاء موثقَين، أحدهما بأكادير والآخر بالناضور، من مزاولة مهام التوثيق بناء على طلبهما.
وتعكس هذه القرارات الطابع المنظّم لمهنة التوثيق العصري بالمغرب، باعتبارها مهنة حرة ذات وظيفة عمومية، تخضع لإشراف ومراقبة السلطة الحكومية. فالموثق يضطلع بدور محوري في تحرير العقود وإضفاء الصبغة الرسمية عليها، وهو ما يجعل من مهنته ركيزة أساسية للأمن التعاقدي والعقاري. ومن ثم فإن تدبير الحركية المهنية للموثقين، من نقل وإعفاء وتعيين، يُعد من اختصاص رئيس الحكومة، بما يكفل توزيعا متوازنا للمكاتب التوثيقية على التراب الوطني واستمرارية المرفق.
5.3. معادلة الشهادات الجامعية والاعتراف بالمؤهلات الأجنبية
5.3.1. الإطار القانوني لمعادلة الشهادات
تضمن العدد أربعة قرارات لوزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، تحمل الأرقام 884.26 و885.26 و886.26 و887.26، تتعلق بتحديد بعض المعادلات بين الشهادات. وتستند هذه القرارات إلى المرسوم رقم 2.01.333 المتعلق بتحديد الشروط والمسطرة الخاصة بمنح معادلة شهادات التعليم العالي، والمرسوم رقم 2.04.89 بتحديد اختصاص المؤسسات الجامعية وأسلاك الدراسات العليا والشهادات الوطنية المطابقة، والمرسوم رقم 2.24.991 المتعلق باختصاصات وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.
وتمثّل معادلة الشهادات آلية قانونية وإدارية تتيح الاعتراف بالشهادات الجامعية الأجنبية ومعادلتها بالشهادات الوطنية المناظرة، بما يمكّن حامليها من ولوج سوق الشغل أو متابعة الدراسة أو المشاركة في المباريات العمومية بالمغرب. وتُعد هذه الآلية بالغة الأهمية في سياق تزايد حركية الطلبة المغاربة نحو الجامعات الأجنبية، وعودتهم بشهادات تستلزم الاعتراف الرسمي بها لتفعيل أثرها القانوني.
5.3.2. الشهادات المعتمدة والتنوع الجغرافي
تكشف القرارات الأربعة عن تنوع جغرافي وعلمي لافت في الشهادات المعتمدة. فالقرار رقم 884.26 يقبل لمعادلة الماستر شهادة في الاقتصاد صادرة عن جامعة بولتقنية بالصين، بينما يقبل القرار رقم 885.26 شهادة ماستر في إدارة الأعمال صادرة عن جامعة بتركيا. أما القرار رقم 886.26 فيقبل لمعادلة الدكتوراه شهادة في العلوم البيوجزيئية والصحة صادرة عن جامعة بإيطاليا، فيما يقبل القرار رقم 887.26 شهادة ماستر في الهندسة الصناعية صادرة عن مؤسسة بالمجموعة الناطقة بالفرنسية ببلجيكا.
ويعكس هذا التنوع انفتاح المنظومة الجامعية المغربية على مختلف المدارس العلمية العالمية، من الصين وتركيا إلى إيطاليا وبلجيكا، ويبرز حرص المغرب على الاستفادة من الكفاءات المتكوّنة في مؤسسات أجنبية متنوعة. كما يلاحظ أن المعادلة تتم بعد استشارة اللجان القطاعية المتخصصة، إذ استشيرت اللجنة القطاعية للعلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية والتدبير، واللجنة القطاعية لعلوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والحياة والأرض والكون، واللجنة القطاعية للعلوم والتقنيات والهندسة والهندسة المعمارية، كل واحدة في مجال اختصاصها. وهذا التدخّل التقني للجان المتخصصة يضمن جدية عملية المعادلة وملاءمتها للمعايير العلمية الوطنية.
سادسا: قراءة تركيبية في الدلالات الكلية للعدد 7512
6.1. الترابط الموضوعي بين النصوص المتعددة
رغم تنوع النصوص الواردة في العدد 7512 وتوزّعها على حقول قانونية متباينة، فإن تحليلها مجتمعةً يكشف عن خيوط ناظمة تجمع بينها في وحدة دلالية متماسكة. فالخيط الأول هو خيط التمويل والموارد، الذي يبدأ من نص الاقتراض الدولي الذي يوفّر الموارد المالية الكبرى، ويتصل بمراسيم نزع الملكية التي تجسّد توظيف هذه الموارد في مشاريع البنية التحتية، ليصل إلى مرسوم تفتيش الشغل الذي يخصص جزءا من الموارد لتحسين أوضاع الموظفين.
أما الخيط الثاني فهو خيط العقار والوعاء الترابي، الذي يربط بين مراسيم نزع الملكية وضم الأراضي الفلاحية، باعتبارها جميعا آليات لتعبئة وتنظيم الوعاء العقاري خدمةً للأهداف التنموية. فسواء تعلق الأمر بنزع الملكية لإنجاز خط سككي، أو بضم الأراضي لتحديث الفلاحة، فإن المحور المشترك هو إدارة المجال الترابي وإعادة تنظيمه بما يخدم المنفعة العامة.
والخيط الثالث هو خيط الخدمة العمومية والبعد الاجتماعي، الذي يجمع بين المرافق التعليمية والمائية ومهنة التوثيق وتفتيش الشغل ومعادلة الشهادات. فهذه النصوص جميعا تصب في تجويد الخدمة العمومية المقدمة للمواطن، سواء في مجال التعليم أو الماء أو الأمن التعاقدي أو حماية حقوق الأجراء أو الاعتراف بالمؤهلات العلمية.
6.2. مؤشرات السياسة العمومية واتجاهاتها
يتيح هذا العدد، من خلال نصوصه المتنوعة، رصد جملة من المؤشرات الدالة على اتجاهات السياسة العمومية المغربية في هذه المرحلة. فالمؤشر الأول هو استمرار رهان الدولة على المشاريع الكبرى للبنية التحتية، وعلى رأسها شبكة القطار فائق السرعة التي تتوسع لتشمل المحور القنيطرة-مراكش، باعتبارها رافعة للتنمية الاقتصادية والمجالية وللاندماج الترابي.
والمؤشر الثاني هو الانفتاح الواثق على الأسواق المالية الدولية لتعبئة التمويل، بما يعكس استراتيجية متوازنة في تدبير الدين العمومي تجمع بين الموارد الداخلية والخارجية. والمؤشر الثالث هو الاهتمام المتزايد بالبعد الاجتماعي، الذي يتجلى في إحداث المرافق التعليمية وتزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب، وفي تحسين الأوضاع المادية لفئة موظفي تفتيش الشغل. والمؤشر الرابع هو استمرار ورش تحديث الفلاحة عبر إعادة هيكلة الملكية العقارية الفلاحية. والمؤشر الخامس هو الانفتاح على الكفاءات والمؤهلات العلمية الدولية من خلال نظام معادلة الشهادات.
وتجتمع هذه المؤشرات لترسم صورة متكاملة لدولة تسعى إلى تحقيق التوازن بين أربعة أهداف كبرى: تعبئة الموارد المالية، وإنجاز المشاريع البنيوية، وتقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية، وتحديث القطاعات الإنتاجية. ويبرز هذا التوازن من خلال التوزيع الموضوعي المتناغم لنصوص العدد بين البعد المالي والبعد العقاري والبعد الاجتماعي والبعد المؤسساتي.
خاتمة
يتبيّن من خلال هذه القراءة التحليلية المعمقة للعدد 7512 من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، الصادر بتاريخ 28 ماي 2026، أن هذا العدد لا يشكّل مجرد تجميع عشوائي لنصوص متفرقة، بل هو وثيقة دالة تختزن في طياتها ملامح واضحة لتوجهات السياسة العمومية المغربية المعاصرة. فقد جمع العدد بين نص مالي محوري يجسّد اللجوء الواثق إلى الأسواق المالية الدولية عبر إصدار سندات بمبلغ يناهز ملياري وربع مليار أورو، وبين سلسلة وافرة من مراسيم نزع الملكية التي تعكس الوتيرة المتسارعة لإنجاز المشاريع الكبرى للبنية التحتية، خاصة في المجال السككي، وبين نصوص ذات بعد اجتماعي ومؤسساتي تروم تجويد الخدمة العمومية وتثمين الموارد البشرية.
ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من هذا التحليل هو الترابط الوظيفي العميق بين هذه النصوص، إذ يتكامل البعد المالي المتمثل في تعبئة الموارد، مع البعد العقاري المتجسّد في تأمين الوعاء الترابي للمشاريع، مع البعد الاجتماعي الذي يضمن انعكاس هذه الجهود على الحياة اليومية للمواطنين. فمشروع القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، الذي يحضر في هذا العدد عبر مرسوم ضم العقار بالرباط، يحتاج إلى تمويل توفّره عمليات الاقتراض، وإلى وعاء عقاري تؤمّنه مساطر نزع الملكية، وهو في نهاية المطاف يخدم الساكنة عبر تحسين شبكة النقل.
كما يبرز هذا التحليل الأهمية البالغة للإطار القانوني الناظم لهذه العمليات، سواء تعلق الأمر بالقانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية، أو بظهير 1962 الخاص بضم الأراضي الفلاحية، أو بمدونة الشغل الناظمة لتفتيش الشغل، أو بالمراسيم المنظمة لمعادلة الشهادات. فهذه المنظومة القانونية المتشعبة تشكّل العمود الفقري الذي يضمن مشروعية تدخّل الدولة وانضباطه للقواعد القانونية، مع صون حقوق الأفراد، وعلى رأسها حق الملكية المكفول دستوريا.
ومن منظور استشرافي، يفتح هذا العدد الباب أمام تأملات أعمق حول مستقبل السياسة العمومية المغربية، خاصة في ما يتعلق بتدبير الدين العمومي الخارجي ومخاطر سعر الصرف المرتبطة به، وبوتيرة إنجاز المشاريع الكبرى وأثرها على الملكية العقارية، وبسبل تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والتجهيز من جهة، وحماية الحقوق الفردية والمكتسبات الاجتماعية من جهة أخرى. وتظل الجريدة الرسمية، بهذا المعنى، مصدرا لا غنى عنه لكل باحث أو متخصص أو مواطن يسعى إلى فهم آليات اشتغال الدولة وتتبع مسار سياساتها العمومية في الزمن.
تحميل العدد 7512 بتاريخ 28 ماي 2026 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق