تنظيم الوظيفة التعليمية وإدارة المياه والغابات في مغرب الحماية: دراسة تحليلية في وثائق الجريدة الرسمية عدد 115 (12 يوليو 1915م)

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
نبذة عن المقال: الجريدة الرسمية المغرب 1915، تنظيم حزب موظفي المعارف، إدارة المياه والغابات المغرب، التعليم في مغرب الحماية، الأملاك العقارية الدار البيضاء،

 مقدمة

تُشكّل الجريدة الرسمية للمغرب عدد 115 الصادر بتاريخ الثاني عشر من يوليو 1915م الموافق الثامن والعشرين من شعبان عام 1333هـ وثيقةً إدارية غنية بالمضامين تُركّز في معظمها على جانبين محوريين من منظومة الحكم الاستعماري في المغرب: تنظيم الجهاز البشري العامل في قطاع التعليم، وبناء إدارة متخصصة لتسيير الموارد الطبيعية المتمثلة في المياه والغابات.

يتضمن هذا العدد قرارين وزاريين رئيسيين: الأول يتعلق بتنظيم احزاب موظفي ادارة المعارف ويُؤطّر المسار المهني لكافة العاملين في القطاع التعليمي من مديرين وأساتذة ومعلمين ومفتشين وموظفين إداريين، والثاني يتعلق بتنظيم حزب موظفي ادارة المياه والغابات بمنطقة الحماية الفرنساوية بالمغرب ويُحدد هيكل موظفي هذه الإدارة الفتية وشروط التوظيف فيها ومسارات الترقي ومنظومة التأديب. كما يحتوي العدد على خمسة طلبات تسجيل عقاري تخصّ محافظة الدار البيضاء تكشف عن نشاط عقاري متنامٍ في المدينة.

يهدف هذا المقال إلى تحليل هذين القرارين تحليلاً معمّقاً ومنهجياً، مستحضراً أبعادهما القانونية والاجتماعية والاقتصادية في سياق مغرب مطلع القرن العشرين، ومُسلّطاً الضوء على الدلالات التاريخية العميقة التي تنطوي عليها هذه النصوص التشريعية الإدارية.

تحميل العدد 115 بتاريخ   12 يوليوز 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

أولاً: السياق التاريخي لتأسيس إدارتَي المعارف والمياه والغابات في مغرب الحماية

1.1. أولويات الحماية الفرنسية في بناء الأجهزة الإدارية التخصصية

كان من أولى الأولويات التي رسمها المقيم العام ليوطي لنفسه منذ الأيام الأولى لإقرار الحماية عام 1912م بناء إدارة تخصصية قادرة على إدارة الشؤون الحيوية للبلاد بكفاءة ومهنية عالية. وقد تمحورت هذه الإدارة حول عدد من القطاعات الاستراتيجية في مقدمتها: التعليم بوصفه أداةً لإنتاج النخب المحلية الموالية للحضارة الفرنسية، والموارد الطبيعية بوصفها رافداً اقتصادياً لا غنى عنه للمشروع الاستعماري.

وفي هذا الإطار، جاء تنظيم حزب موظفي إدارة المعارف وحزب موظفي إدارة المياه والغابات الواردَان في الجريدة الرسمية عدد 115 بوصفهما تجسيداً عملياً لهذا التوجه الاستراتيجي، إذ يُحددان بدقة متناهية الإطار القانوني الذي يُنظّم المسار المهني لموظفي هذين القطاعين الحيويين.

1.2. خصوصية قطاع التعليم في منطق الحماية الفرنسية

احتلّ قطاع التعليم مكانةً متميزة في استراتيجية الحماية الفرنسية، وذلك لأسباب متعددة ومتشابكة. فمن جهة، كان التعليم أداةً لنشر اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية وتكوين نخب مغربية مُتشبّعة بالقيم الفرنسية قادرة على الوساطة بين إدارة الحماية والمجتمع المغربي. ومن جهة أخرى، كان التعليم ضرورة عملية لتوفير الكفاءات البشرية اللازمة لسدّ حاجات الجهاز الإداري المتنامي من الموظفين والمترجمين والأطر التقنية.

غير أن ثمة توتراً جوهرياً كان يُميّز السياسة التعليمية الفرنسية في المغرب، يتجلى في الثنائية القائمة بين تعليم الأهالي المغاربة وتعليم المستوطنين الأوروبيين. فقد خضع كلٌّ من النوعين لمنطق مختلف ولمناهج مختلفة وإلى حدٍّ بعيد لإدارة مختلفة. وقد أفرز ذلك ما اشتُهر بالنظام التعليمي المزدوج الذي بقيت آثاره ملموسةً في المنظومة التعليمية المغربية بعد الاستقلال.

1.3. نشأة إدارة المياه والغابات: إدارة الثروة الطبيعية في خدمة المصلحة الاستعمارية

تُعدّ إدارة المياه والغابات من الإدارات التي أنشأتها الحماية الفرنسية استجابةً لاستراتيجية واضحة في استغلال الثروات الطبيعية المغربية ضمن منطق سيطرة الدولة والتخطيط المركزي. فالمغرب يمتلك غابات كثيفة ومياهاً وفيرة كانت تُمثّل ثروةً حقيقية لمن يُحسن إدارتها واستغلالها.

وقد كانت إدارة المياه والغابات مُكلَّفة في جوهرها بمهمتين متكاملتين: الأولى هي الحماية والصون بمعناهما القانوني أي منع التعدي على الغابات والأنهار والمياه والحدّ من الرعي غير المنظّم وصون التنوع البيولوجي، والثانية هي الاستغلال الاقتصادي المنظّم أي تطوير موارد الخشب والفحم النباتي والصيد والسقي واستثمارها لصالح الاقتصاد الاستعماري.

ثانياً: تنظيم حزب موظفي إدارة المعارف - هيكلة الجهاز التعليمي

2.1. تركيب الحزب وفئاته الوظيفية المتعددة

نصّ قرار تنظيم احزاب موظفي ادارة المعارف على أن هذا الحزب يتألف من الطبقات الآتية: موظفو المدرسة العليا للغات العربية والبربرية وموظفو التعليم الثانوي، وموظفو التعليم الابتدائي، والمعيّنون الأهليون. وقد جاء هذا التقسيم الثلاثي متدرجاً هرمياً من الأعلى إلى الأدنى، مما يعكس المنطق البيروقراطي القائم على التمييز بين مستويات التأهيل والمسؤولية.

وقد أولى القرار عناية خاصة لموظفي المدرسة العليا للغات العربية والبربرية، إذ خصّص لها نصاً مستقلاً في الفصل الثاني. فهذه المدرسة كانت تمثل في التسلسل الهرمي للمنظومة التعليمية الاستعمارية مؤسسةً متميزة مُكلَّفة بتأهيل الأطر المتخصصة في اللغتين العربية والبربرية، وهي كفاءة كانت في غاية الأهمية لإدارة الحماية التي كانت تحتاج باستمرار إلى موظفين مُلمّين بالمشهد اللغوي المغربي بتنوعه واتساعه.

2.2. الباب الأول: شروط الترشيح وآليات الانتقاء

خصّص القرار بابه الأول لتحديد شروط الترشيح للانتساب إلى احزاب ادارة المعارف بالمغرب. وقد اشترط الفصل الرابع جملةً من الشروط الجامعة: أن يكون المرشح فرنساوياً أو حمايةً أو تبعاً وأن يبلغ عمره ثمان عشرة سنة كاملة وأن لا يزيد عمره على ثلاثين سنة، إنما يُستثنى من ذلك الطالبون الذين قضوا بالخدمة العسكرية فإنه ينقص من عمرهم السنون التي قضوها بالخدمة بشرط أن لا ينقص من عمرهم الا خمس سنين.

كما اشترط الفصل ذاته أن يكون المرشح ذا سيرة حسنة وأن يستظهر بصحيفته. وأفاد الفصل الخامس بأن الطالبين الذين يرغبون في الذهاب إلى فرنسا أو الجزائر أو تونس للتعليم بمدارس الإبالة الشريفة تُعطى لهم ولعائلتهم ورقة السفر على البواخر على البحر بسعر منقص، وكل موظف قضى بالمغرب ثلاث سنين متوالية في الخدمة يُدفع له تعويضات وصواير السفر براً وبحراً مع الزيادات القانونية.

والملاحظ في هذه الشروط أنها تجمع بين معايير السن والجنسية والسيرة الذاتية، وهو مزيج يُجسّد المنطق الشمولي لإدارة الحماية التي كانت تُدرك أن الأهل الذين يلتحقون بالسلك التعليمي لن يكونوا مجرد موظفين تقنيين بل سيكونون وسطاء ثقافيين بين المجتمع المغربي ومنظومة القيم الفرنسية التي تُروّج لها المدرسة.

2.3. الفصل الثالث: إجراءات الترشيح وملف القبول

حدّد الفصل الثالث الإجراءات التفصيلية للترشيح، ونصّ على أن الموظفين المذكورين يُبيّنون بالقرارات الآتية بيانها وزيرية بناء على طلب مدير ادارة المعارف ما عدا المعلمين والملمعات المتطوعين والأهليين المعيّنين المُعيّنين فإنه يقع تعيينهم بموجب تفويض من مدير أدارة المعارف.

ونصّ الفصل التاسع على أنه لا يمكن أن يكلّف أحد بوظيف في المدارس الابتدائية ما لم يكن حائزاً على احدى اجازات الكفاءة المشار لها بالقانون الفرنسي الصادر في 30 اكتوبر سنة 1886 أو على اجازة ثانوية أو على الاجازة النهائية في الدروس الثانوية المختصة بالنساء أو على اجازة الدروس الاولية المالية أو على الاجازة التي تمنحها مدارس الجزائر أو قسنطينة أو تلمسان.

ويكشف هذا الاشتراط بالحصول على إجازة قانونية محددة عن الحرص على معايير الجودة في تكوين المعلمين، وهو حرص مُشوَّب في الوقت نفسه بطابع استعماري صريح يتمثل في اشتراط اجازات فرنسية صرفة أو اجازات من مدارس الجزائر الخاضعة للنفوذ الفرنسي المباشر.

2.4. الباب الثاني: سُلّم الرواتب والتدرج الوظيفي

خصّص القرار بابه الثاني لتنظيم الرواتب والدرجات والترقي، وقد جاء هذا الباب من أكثر الأقسام تفصيلاً وثراءً من الناحية القانونية. فقد رسم جدولاً واضحاً للرواتب موزَّعاً على درجات متعددة تتراوح من الدرجة السادسة إلى الدرجة الأولى، مع تحديد راتب كل درجة بدقة ترقيمية مُعبَّر عنها بالفرنكات السنوية.

ووفق الجدول الذي تضمنه الفصل الرابع عشر، تتوزع الرواتب كالتالي:

  • للمديرين والنظار والأساتذة الرسميين: من الدرجة السادسة (7200 فرنك) إلى الدرجة الأولى (10600 فرنك).
  • للأساتذة المكلفين بالقاء الدروس وكلاء الصوائر ومدير مدارس المعلمين: من 5100 فرنك إلى 8400 فرنك.
  • للمدرسين المعيدين: من 3200 فرنك إلى 6200 فرنك.
  • للمديرات والمدرسات الرسميات ووكيلات الصوائر: من 4800 فرنك إلى 7800 فرنك.
  • للمفتشين: من الدرجة الأولى والثانية 4000 فرنك.
  • للمعلمين: راتب قدره 2000 فرنك إلى 3000 فرنك.
  • للمعلمات: من 3000 إلى 5000 فرنك.
  • للمعلمين المعيدين: من 2700 فرنك إلى 4000 فرنك.
  • للمعلمات المعيدات: من 2700 فرنك إلى 4100 فرنك.
  • للمعلمين والمعلمات المتطوعين: درجة واحدة راتبها 2400 فرنك.
  • للمعيّنين الأهليين: من 2000 فرنك إلى 3000 فرنك.

وقد نصّ الفصل الخامس عشر على أنه تُنفذ لموظفي ادارة المعارف وللمدرسين الحائزين على الاجازة المشار لها اجازة استاذية زيادة عما ذكر تعويض سنوي قدره 750 فرنك في مقابلة اجازة استاذية.

2.5. جدول مدة الخدمة اللازمة للترقي وآلياته

حدّد القرار في الفصل الخامس عشر مدة الخدمة اللازمة للترقي من درجة إلى أخرى، مُعتمِداً على نظامين متوازيين للترقي: الترقي بالانتخاب والترقي بموجب الأقدمية. وجاء الجدول كالتالي:

  • الدرجة الرابعة والخامسة: عامان بحسب الانتخاب، وخمسة أعوام بموجب الأقدمية.
  • الدرجة السادسة: عامان بحسب الانتخاب، وخمسة أعوام بموجب الأقدمية.
  • الدرجة الثانية والثالثة: ثلاثة أعوام بحسب الانتخاب، وخمسة أعوام بموجب الأقدمية.

وقد نصّ القرار على أن أما ترقي رؤساء المدارس العالية والمفتشين فيقع من الوقت للحصول على الترقي بالانتخاب فقط وفقا لشروط الأقدمية المبيّنة أسفله وهي أقل.

والملاحظ في هذا الجدول أنه يجمع بين معيارَي الاستحقاق والأقدمية، وهو ما يعكس الجدل القائم في الفكر الإداري الفرنسي في تلك الحقبة بين المدرستين: مدرسة الاستحقاق التي ترى أن الترقي يجب أن يستند إلى الكفاءة والأداء، ومدرسة الأقدمية التي ترى أن الخبرة المتراكمة تستوجب تقدماً تلقائياً في السلّم الوظيفي.

2.6. الباب الثالث: الانتقال من مركز لآخر والخروج من الحزب

نظّم الباب الثالث الأحكام المتعلقة بانتقال موظفي التعليم من مركز لآخر والخروج من حزبهم. ونصّ الفصل الخامس عشر على أن انتقال موظفي ادارة المعارف من كل الطبقات من مركز لآخر يقع على طرف رئيس ادارة المعارف وتُنفذ لهم التعويضات المشار لها بالضوابط الراجعة لموظفي الحماية بشرط أن يقع الانتقال بالخدمة لا مر يتعلق بشؤون خصوصية.

وخصّص الفصل السادس عشر للأسباب المؤدية إلى الخروج من أحد طبقات الأحزاب وهي: أولاً الاستعفاء، وثانياً الاحالة على راتب التقاعد، وثالثاً اعادة الموظف تحت نظر وزير المعارف أو المقيم العام بتونس، ورابعاً اعفاء الموظف الذي يقع طبق الشروط المقررة بالفصل الثامن من الظهير الاساسي الصادر في 18 أبريل سنة 1913م مع دفع التعويضات بعد اخذ رأي لجنة الترقي والتأديب، وخامساً العزل.

ثالثاً: لجنة الترقي والتأديب - الضبط الداخلي للجهاز التعليمي

3.1. تركيب لجنة الترقي والتأديب وصلاحياتها

خصّص القرار الباب الرابع لتنظيم لجنة الترقي والتأديب بوصفها هيئةً محوريةً في ضبط سير الجهاز التعليمي وصون هيبته الإدارية. وقد نصّ الفصل الثامن عشر على أن لجنة الترقي تتألف من الأعضاء الآتية أسماؤهم: الكاتب العام للدولة الحامية أو نائبه، والكاتب العام للدولة الشريفة أو نائبه، ومدير المالية العام أو نائبه، ومدير ادارة الموظفين، وناظر المدرسة الثانوية بالدار البيضاء، ومدير المدرسة الثانوية بالدار البيضاء، والمفتشون المدارس الاولية. وكما أضاف القرار ومن موظف من ادارة المعارف المركزية بصفة كاتب للجنة.

وتتجمع هذه اللجنة على دعوة من مدير ادارة المعارف الذي هو كعضو دايم فيها. وتحرر اللجنة المشار لها بيانا على البيان المقدم لها من رئيس ادارة المعارف باسماء الموظفين الذين قررت ترقيتهم وتُقدم للجنة الأوراق المختصة بكل موظف مع الطلبات المقدمة من مفتشي المدارس الاولية ورؤسائها والمدارس العالية المالية ويقع ترقي الموظف منفردة من درجة إلى أخرى ويقع ترقي المعلمين بقرار وزيري.

3.2. إجراءات التأديب وضمانات الموظف

أولى القرار اهتماماً بالغاً بضمانات الموظف في مواجهة قرارات التأديب. فنصّ الفصل السابع عشر على أن كل موظف في احدى ادارات المعارف اهمل واجباته يُعرّض نفسه لعقوبة تأديبية أما العقوبات فهي معينة تدريجياً كما يأتي بحسب اهمية الذنب: أولاً التنبيه، ثانياً الملام، ثالثاً الملام الشديد، رابعاً التعطيل عن الخدمة، خامساً التعطيل عن الخدمة بدون قطع الراتب، سادساً التعطيل عن الخدمة لمدة تتراوح من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، سابعاً التأخير من درجة إلى ادنى منها، ثامناً العزل.

وحرص القرار على إرساء ضمانات إجرائية للموظف الخاضع للتأديب، إذ نصّ على أنه تكتب بانه قد اطلع عليها ويُمنح اجل قدره ثمانية ايام لتقديم بيان في الدفاع عن نفسه يضاف إلى اوراقه وعليه ان يحضر الشهادات المتعلقة بالمتهم وعليه أن يحضر أيضاً كل التعليمات اللازمة وعليه أيضاً أن يسمع الشهادات المتعلقة بقضيته بعد اجتماع اللجنة بقضيتها تسمع لديها بيانا متعلقا بها ويقرأ امامها المكلف بالبحث التقرير الذي حرده رأيه في القضية.

3.3. الباب الخامس: رخص الاستراحة وضمانها للموظفين

خصّص الباب الثامن لتنظيم رخص الاستراحة بأنواعها المختلفة. ونصّ الفصل الواحد والعشرون على أنه لا يمكن للموظف أن يغيب عن مركز وظيفه بدون إذن قانوني وكل غيبة لم يؤذن بها أو لم تصادق عليها الادارة. ومن بين الرخص المُقرَّرة للموظفين: رخص الاستراحة للأغراض الخاصة أو الأسرية أو العسكرية، ورخص الولادة للموظفات، وذلك وفق أحكام الشروط العامة للخدمة.

وأفادت الفقرة الخاصة برخص الولادة بأن الموظفات اللواتي يقضي عليهن ترك الخدمة بسبب الولادة يمكنهن أن يحصلن على رخصة الولادة على حساب شهر واحد قبل الولادة وشهر آخر للاستراحة. وهذا الحكم يُعدّ ملحوظاً من الناحية الاجتماعية لأنه يُدرج حماية الأمومة في التشريع الإداري الاستعماري، وإن كانت هذه الحماية مقيّدةً بشروط صارمة ومحدودة النطاق.

3.4. الباب التاسع: الرخصة المدرسية الكبرى وشروطها

نظّم الباب التاسع نظام الرخصة المدرسية الكبرى الممنوحة لموظفي التعليم الراغبين في الذهاب إلى فرنسا أو الجزائر أو تونس. وقد نصّ الفصل الثاني والعشرون على أن موظفي التعليم الذين يرغبون في الذهاب إلى فرنسا أو الجزائر أو تونس للتعليم بان الرخصة المدرسية الكبرى تُعطى لهم ولعائلتهم ورقة السفر على البواخر على البحر بسعر منقص.

وأتاح الفصل الثالث والعشرون للموظف الذي سافر بالرخصة أن تُنفَّذ له التعويضات التي تُنفَّذ للموظف بالرخصة بقصد الرجوع إلى وظيفه السابق إلى عائلته إذا مات أو كان في الخدمة واضطرت عائلته للرجوع إلى فرنسا أو الجزائر أو تونس. وهذا الحكم يُعبّر عن قلق إداري حقيقي من مخاطر الوفاة في مهمة بعيدة عن الوطن، وهو واقع كان يُمثل مصدر قلق فعلياً للموظفين الفرنسيين المُعيَّنين في البلدان الاستعمارية.

رابعاً: تنظيم حزب موظفي إدارة المياه والغابات - بناء الكفاءة في تسيير الموارد الطبيعية

4.1. تركيب الحزب: من الفرنسيين إلى الأهالي المغاربة

نصّ قرار تنظيم حزب موظفي ادارة المياه والغابات بمنطقة الحماية الفرنساوية بالمغرب في الفقرة الأولى من الفصل الأول على أن حزب الموظفين الفرنساويين بادارة المياه والغابات بالمغرب يتركب الحزب المذكور مما يأتي: من أعوان كبار مثل الحراس العامين والمفتشين المعيّنين ومطلق المفتشين الذين احتيج إليهم، ومن أعوان صغار مثل الحراسي والبركاديه اي المقدمين والبركاديه ونواب البركاديه وقوادهم.

وبيّن الفصل الثاني أن تعيين هؤلاء الموظفين يقع بقرارات وزيرية. وتبرز في هذا التقسيم الهرمي الواضح ثلاث طبقات: طبقة الإطار العالي المُكوَّنة من المفتشين والحراس العامين الذين كانوا في الغالب من الفرنسيين الحائزين على شهادات عليا، وطبقة الإطار الأوسط المتمثلة في البركاديه أي الرتبة التي تُقابل درجة الرقيب في المنظومة العسكرية، وطبقة الحراس الدنيا المُشكَّلة أساساً من العمال المحليين المغاربة والجزائريين والتونسيين.

4.2. شروط الترشيح وفق الفئة الوظيفية

ميّز القرار بدقة بين فئتين رئيسيتين في شروط الترشيح لإدارة المياه والغابات: الفئة الأولى هي البركاديه الكبار من الاعوان الفرنسيين القادمين من فرنسا والجزائر وتونس المستخدمين تحت نظر الدولة الشريفة، والفئة الثانية هي الحراس المتطوعون المغاربة.

ونصّ الفصل الثالث الفقرة الأولى على أنه يُجري ترشيحهم كما يأتي: من أعوان كبار البركاديه الكبار الكبار المنخرطين في الحزب الفرنساوي بادارة المياه والغابات بالمغرب. ويتركب الحزب المذكور مما يأتي من اعوان الحراس العامين والمفتشين المعيّنين، ومن اعوان الحراسي ونواب البركاديه وقواد البركاديه وحصلوا على الشروط المطلوبة بالقوانين الفرنساوية بتلك الالقاب ونجحوا في الامتحان المؤسس بالفصل الأساسي الخامس والعشرين من هذا القرار.

وبالنسبة للفئة الثانية وهي الحراس المتطوعون، فإنهم يُنتقون من بين الاعوان الكبار المتطوعين الذين قضوا بالمغرب الشروط اللازمة، وأما الحراس المتطوعون فلا يقع ترشيحهم إلا من بين قدماء العساكر الفرنساويين الذين يزيد عمرهم على احدى وعشرين سنة ولا يتجاوز خمساً وثلاثين سنة وكانت لهم عند خروجهم من الخدمة العسكرية رتبة معيّن أو مقدم.

4.3. نظام الرواتب وجداول الدرجات

أورد القرار في الفصل الخامس جدولاً تفصيلياً للرواتب المقررة لمختلف فئات موظفي إدارة المياه والغابات:

للمفتشين المعيّنين:

  • من الدرجة المتمازة: 9000 فرنك
  • من الدرجة الأولى: 8000 فرنك
  • من الدرجة الثانية: 7000 فرنك
  • من الدرجة الثالثة: 6000 فرنك

للحراس العامون:

  • من الدرجة المتمازة: 9000 فرنك
  • من الدرجة الأولى: 8000 فرنك
  • من الدرجة الثانية: 7000 فرنك
  • من الدرجة الأضعة: 6000 فرنك

لقواد البركاديه:

  • من الدرجة الأولى: 5000 فرنك
  • من الدرجة الثانية: 4600 فرنك

للبركاديه:

  • من الدرجة الأولى: 4200 فرنك
  • من الدرجة الثانية: 3800 فرنك
  • من الدرجة الثالثة: 3400 فرنك

لنواب البركاديه:

  • من الدرجة الخارجة عن كل درجة: 4000 فرنك
  • من الدرجة الأولى: 3700 فرنك
  • من الدرجة الثانية: 3400 فرنك

للحراس:

  • من الدرجة الأولى: 3100 فرنك
  • من الدرجة الثانية: 2800 فرنك
  • من الدرجة الثالثة: 2500 فرنك
  • من درجة التطويع: 2200 فرنك

ويُلفت النظر في هذا الجدول أن الرواتب كانت أكثر تقارباً بين الدرجات المختلفة في إدارة المياه والغابات مقارنةً بإدارة المعارف، مما يدل على أن الطابع الميداني والتقني الموحّد لمهام إدارة المياه والغابات كان يستوجب تقارباً في الرواتب.

4.4. الفصل الرابع: شروط الترقي في سلك البركاديه

تضمّن الفصل الرابع أحكاماً تفصيلية تُنظّم الترقي في سلك الكبار والحراس. ونصّ على أنه لا يمنح الترقي بحسب الرتبة للأعوان الكبار إلا بعد ما يقع ترقيتهم بصورة موافقة من لدن إداراتهم الفرنساوية وعند الارتقاء لا يمينون إلا من الدرجة الاعتيادية.

كما حدّد الفصل أن الموظفين الذين رواتبهم الحالية غير موافقة لهذا الجدول فيستمرون على اخذ رواتبهم السابقة وعند الارتقاء لا يميّنون إلا من الدرجة التي يكون راتبها اعلى من رواتبهم وأن الدرجة التي يجب على الموظف قضاؤها بالمغرب ليمكن له الارتقاء بالامتخاصي إلى الدرجة التي تعلو منها هي اثنا عشر شهرا على الأقل من هذه الدرجة وثلاثة عشر شهرا على الأقل من الدرجة الأعلى.

4.5. الفصل السابع: تعيين الدرجات لموظفي فرنسا عند دخولهم المغرب

نصّ الفصل السابع على أنه في تعيين الدرجات لموظفي فرنسا عند دخولهم للخدمة بالمغرب: الاعوان الكبار وغيرهم من الاعوان الكبار يقولون عند دخولهم للخدمة بادارة المياه والغابات بالمغرب ما كانوا عليه من الرتبة والدرجة الحرس فرنسا وأما حرس الدرجة الرابعة فرنسا فيعتبرون مفتشين معيّنين. وكان الموظفون الجدد القادمون من فرنسا يقولون بالمغرب بالمرتبة على الصورة الآتية خلافا لما قرر بالفصل الخامس.

خامساً: المنظومة التأديبية في إدارة المياه والغابات

5.1. العقوبات التأديبية وتدرجها

نصّ الفصل التاسع من القرار على أن العقوبات التأديبية التي تجري على موظفي ادارة المياه بالمغرب على ما يأتي: التوبيخ الشفاهي أو الكتابي أو الملام وعلى كلا الحالين يُقيّد في اوراق الموظف أو الاسقاط من الترقي أو التأخير عن الترقي بالاقدمية إلى لائحة الأقدمية أو الاسقاطمن درجة ادنى منها أو التعطيل المحدودة أو التعطيل على الخدمة لمدة غير محدودة أو العزل ويمكن للرئيس الادارة في جميع الاحوال المهمة أن يُبطل التعجيل بمصلحة الخدمة.

والملاحظ هنا أن سُلّم العقوبات التأديبية في إدارة المياه والغابات يُشبه إلى حدٍّ بعيد نظيره في إدارة المعارف، مما يدل على وجود منطق تأديبي موحّد يُهيمن على مختلف أجهزة الحماية الفرنسية بصرف النظر عن طبيعة الإدارة المعنية.

5.2. المجلس التأديبي وضمانات الموظف

نصّ الفصل العشرون على الإجراءات المتعلقة بالمجلس التأديبي، وأكد أن يقع البحث عن الأمور التأديبية والحكم بها من طرف لجنة الترقي ويُضاف إلى أعضائها عضوان من نفس رتبة المتهم يُنتخبان بطريق القرعة ثم يُبلَّغ المتهم كتابةً بانعقاد اللجنة التأديبية كما أنه يبيّن للجنة التأديبية أن يريد الاطلاع على الأوراق المتعلقة بقضيته. وهذا النص يعكس الالتزام بمبدأ حق الدفاع الذي كان يُعدّ من المبادئ الراسخة في المنظومة القانونية الفرنسية.

5.3. الضوابط العمومية والتعويضات الجارية على موظفي الإبالة الشريفة

نصّ الفصل الثامن على أن الضوابط العمومية التي تجري على سائر موظفي الإبالة الشريفة تجري أيضاً على موظفي ادارة المياه والغابات فيما يتعلق بالتعويضات اللازمة لاستقرارهم في البلاد وتعويضات السكنى وغلاء الأسعار القوت واسترجاع الصوائر السفر بالبادية وصوائر الانتقال والحصول على رخص الاستراحة والاجازات التغيّب وأيضاً فيما يتعلق بالمتأدّبين مع مراعاة الفصل التاسع التالي المتعلق ببيان المجلس التأديبي.

سادساً: قسم الأملاك العقارية - خمسة طلبات تسجيل وما تكشفه

6.1. الطلب السادس: أرض حداد فرنسي في الرباط

يتعلق مطلب التسجيل عدد 6 بأرض لمصلحة السيو بوسكي كليكسط الحداد الفرنساوي الساكن بالرباط والعازب الذي جعل محل إقامته العدلي بالدار البيضاء عند الأمير المذكور دفيد ارمان. ويُقيَّد الملك المُراد تسجيله ببوسكي وهو عبارة عن أرض من لوح تُقع في زنقة الهلال وغرباً زنقة الهلال، وذلك الملك الذي مساحته مائة وسبعون مترا مربعاً.

وقد وقع تسليمه للمحافظة في اليوم نفسه يوم الخامس والعشرين من يوليو سنة 1915م. ويكشف هذا الطلب عن أن العمال الفرنسيين من الطبقة المتوسطة أو الوسطى كالحدادين كانوا بدورهم يسعون إلى تملّك العقارات في المغرب وتسجيلها لأسمائهم، مما يدل على أن ظاهرة استثمار الأجانب في العقارات المغربية لم تكن حكراً على الرأسماليين الكبار.

6.2. الطلب السابع: أرض فرنسية بالدار البيضاء في محج الحرية

يتعلق مطلب التسجيل عدد 7 بأرض لمصلحة السيو بونيفاس مريوس المتزوج بالمرأة فردليون جولي من غير عقد بينهما الساكن بالدار البيضاء بمحج الجنرال مواتيي. وقد طلب هذا المالك تسجيل الملك الذي اراد ان يسميه بفيرم سان جورج والذي يحتوي على ارض يوجد فوقها بناء من خشب. وكاين على بعد ستة كيلومترات تقريباً من فضالة من جهتها الشرقية.

ووضح مطلب التسجيل أن ذلك الملك الذي مساحته خمسة وأربعون هكتاراً يحده جوفا الأرض المروفة بكود الكبير الجيلالي بن التهامي والرولي ابن احمد وموسى بن احمد. وتُثير هذه الحدود المُشار فيها إلى جيران مغاربة بأسمائهم تساؤلاً مهماً عن طبيعة العلاقة بين هذا المالك الفرنسي وجيرانه المغاربة، وما إذا كانت الأرض قد انتقلت إليه بصفقة طوعية أم بضغط ما.

6.3. الطلب الثامن: أرض البيطار العسكري في محج الجنرال مواتيي

يتعلق مطلب التسجيل عدد 8 بأرض لمصلحة انطوان تيوفيل البيطار العسكري الساكن بالدار البيضاء بمحج الليبرتي نمرة 217. وقد طلب هذا المالك تسجيل ملكاً اراد أن يسميه الحاج ادريس ولد الحاج التهامي الساكن بالدار البيضاء بمحج الجنرال مواتيي وذلك بملك منوا وهو الذي يحتوي على أرض وبناءات كائنة بالدار البيضاء ومساحته ألفان وثلاثة وسبعون مترا مربعاً.

ومن اللافت أن صاحب هذا الطلب كان بيطاراً عسكرياً، مما يُذكّر بأن الضباط والعساكر الفرنسيين المُعيَّنين في المغرب كانوا من أكثر الفئات تسارعاً نحو الاستثمار العقاري في المدن المغربية، إذ كانوا يتمتعون بمعرفة مسبقة بالفرص المتاحة وبإمكانية الوصول إلى المعلومات العقارية قبل غيرهم من المدنيين.

6.4. الطلب التاسع: أرض واسعة لمواطن فرنسي قرب الدار البيضاء

يتعلق مطلب التسجيل عدد 9 بأرض لمصلحة لكران موريس ريمون جستان اكيست الساكن بالدار البيضاء بدار برنشفيك بدورب الجنرال الذي قد عين وكيله المحامي الذي يسمه عين جيبوب والذي يحتوي على ارض بور وحرائية الكائنه.

ووضح المطلب أن ذلك الملك الذي مساحته ثلاثمائة وخمسة وسبعون هكتاراً وسبعة وخمسون كارات يشتمل على ثلاث قطع متصلة ببعضها بعضا يحد القطعة عدد 1 منها المسمات بطريجيس المسيو لكران واحمد بن محمد والقايد حسن والحاج محمد بن محفل العمروني والقايد حسن والشيخ محمد السكيني واولاد الحاج قدور والحاج عبدالله والحاج قدور الحريزى وقبلة الحاج محمد بن محمد واولاد شيت.

وتُلفت انتباه الباحث مساحة هذا الملك الشاسعة التي تبلغ ثلاثمائة وخمسة وسبعين هكتاراً، وهي مساحة تُعادل مزرعة كبيرة بالمقياس الفرنسي. ويُثير الطلب أيضاً تساؤلات حول كيفية وصول هذا المواطن الفرنسي إلى هذه المساحة الشاسعة في محيط الدار البيضاء.

6.5. الطلب العاشر: أرض زراعية لمتزوج فرنسي في ضواحي الدار البيضاء

يتعلق مطلب التسجيل عدد 10 بأرض لمصلحة نزار اروش المتزوج بالمرأة المسماة كليرمون بران في 4 يونيو عام 1910م بالولية بركطولد لويز، والذي كلف بصفة كونه ملاكاً تسجيل الملك الذي اراد ان يسميه بفيرم سان جورج. يحده جوفا طريق الموصل وشرقاً أولاد يوسف وقبلة الخرط وغرباً طريق سيدي بن جنون الموصل إلى زمودية.

ووضح المطلب أن ذلك الملك مساحته خمسة هكتارات ويحده جوفا طريق الموصل من جماعة الحوافات إلى سيدي بن داود وشرقاً الطريق الموصل من المحطة إلى أولاد يوسف.

سابعاً: دلالات قسم الأملاك العقارية في إطار الاستراتيجية الاستعمارية

7.1. التنوع الاجتماعي والمهني لأصحاب طلبات التسجيل

تكشف القراءة المقارنة لطلبات التسجيل الخمسة الواردة في هذا العدد عن أصحابها ذوي تنوع اجتماعي ومهني واضح: حداد، وفلاح، وبيطار عسكري، ومواطن عادي، وآخر يسعى إلى تسجيل مزرعة. وهذا التنوع يعكس حقيقة مهمة مفادها أن ظاهرة الاستيلاء على الأراضي المغربية لم تكن حكراً على الرأسماليين الكبار والشركات العقارية، بل كانت ظاهرة مجتمعية واسعة شملت عموم المستوطنين الأوروبيين من مختلف الطبقات والمهن.

7.2. الحضور المغربي في وثائق التسجيل

تتضمن وثائق التسجيل إشاراتٍ متكررة إلى أسماء مغاربة بوصفهم مجاورين للأملاك المُراد تسجيلها أو شهوداً على الصفقات العقارية. وهذا الحضور المغربي في الوثائق يُمكن قراءته من منظورين متباينين: فمن منظور إيجابي يُمكن القول إنه يشهد على تعاملات اقتصادية حقيقية وليست مجرد استيلاء أحادي الجانب، ومن منظور نقدي يُمكن التساؤل عما إذا كانت هذه المعاملات تمت في ظروف تفاوضية متكافئة.

7.3. التحفيظ العقاري كأداة لتوطيد الهيمنة الاستعمارية

يُعدّ تحفيظ الأملاك العقارية وتسجيلها في سجلات رسمية من أكثر الآليات القانونية فاعليةً في ترسيخ الهيمنة الاستعمارية على الأرض، وذلك لأن التحفيظ يُحوّل الحيازة الفعلية إلى حق قانوني مُعترَف به رسمياً ويُصعّب الطعن فيه من قِبل المجتمعات الأصلية. ومن هذا المنطلق، فإن الطلبات الخمسة الواردة في هذا العدد ليست مجرد معاملات إدارية روتينية، بل هي لحظات في مسيرة تحويل الأرض المغربية من ملكية جماعية عرفية إلى ملكية فردية مُقنَّنة.

ثامناً: المقارنة بين تنظيم إدارتَي المعارف والمياه والغابات

8.1. أوجه التشابه في الهيكل والمنطق الإداري

تبرز بالمقارنة بين القرارين المتعلقَين بإدارتَي المعارف والمياه والغابات أوجه تشابه بنيوية عميقة تعكس وحدة المنطق الإداري لإدارة الحماية. فكلا الإدارتين تعتمد نظام الدرجات المتعددة المتدرجة من الدنيا إلى العليا، وكلتاهما تُميّز بين الترقي بالاستحقاق والترقي بالأقدمية، وكلتاهما تُعيّن لجنةً متخصصة للترقي والتأديب، وكلتاهما تشترط في الملتحقين بها اجتياز اختبارات محددة أو الحصول على شهادات مؤهّلة.

8.2. أوجه الاختلاف: طبيعة الكفاءات المطلوبة

غير أن ثمة فوارق جوهرية تُميّز التنظيمين عن بعضهما، وهي فوارق تعكس اختلاف طبيعة الكفاءات المطلوبة في كل قطاع. فإدارة المعارف تحتاج أساساً إلى كفاءات فكرية وتربوية وأكاديمية يُجسّدها المعلمون والأساتذة والمفتشون، في حين تحتاج إدارة المياه والغابات إلى كفاءات ميدانية وتقنية وعملية يُجسّدها الحراس والمفتشون والبركاديه.

ويتجلى هذا الاختلاف بوضوح في طريقة الاختبار للالتحاق بالإدارتين: فاختبار إدارة المعارف يُركّز على الكفاءات التربوية والأكاديمية، في حين أن اختبار إدارة المياه والغابات يستلزم معرفة الميدان والقدرة على التعامل مع البيئات الطبيعية الوعرة، وهو ما يُفسّر الأهمية التي أولاها القرار للخلفية العسكرية للمتقدمين لسلك الحراسة.

8.3. التمييز بين الفرنسيين والأهالي في كلتا الإدارتين

يُلاحَظ في كلا القرارين وجود تمييز دقيق بين فئتين من الموظفين: الفرنسيون القادمون من فرنسا والجزائر وتونس الذين يتمتعون بشروط توظيف مُفضَّلة وبمزايا مادية أعلى، والأهالي المغاربة الذين ينتمون إلى الطبقات الدنيا من السلّم الوظيفي ولا يحق لهم في الغالب الوصول إلى المناصب القيادية.

تاسعاً: الأثر التاريخي البعيد لتشريعات الوظيفة العمومية في مغرب الحماية

9.1. الإرث المؤسسي في قطاع التعليم

إن تفحّص تشريعات الوظيفة التعليمية الواردة في العدد 115 من الجريدة الرسمية في ضوء التطور اللاحق لقطاع التعليم في المغرب المستقل يكشف عن استمرارية هيكلية لافتة. فكثير من العناصر البنيوية للمنظومة التعليمية المغربية حتى اليوم تمتد جذورها إلى تلك التشريعات المُبكِّرة: التدرج الهرمي في سلك التعليم من الابتدائي إلى الثانوي إلى العالي، ونظام التفتيش التربوي، وإجازات الكفاءة المهنية كشرط للتعليم، ومبدأ الجمع بين الترقي بالاستحقاق والترقي بالأقدمية.

غير أن ثمة عناصر جوهرية كانت تُميّز النظام التعليمي في عهد الحماية عن النظام التعليمي في المغرب المستقل، أبرزها التمييز الصريح بين تعليم الأوروبيين وتعليم الأهالي المغاربة، وهو تمييز ألغته إدارة ما بعد الاستقلال وعوّضته بخطاب تعليم موحّد للجميع.

9.2. إرث إدارة المياه والغابات في المغرب المعاصر

تُمثّل إدارة المياه والغابات من المؤسسات التي يُمكن القول إنها أكثر الإدارات الموروثة عن عهد الحماية استمرارية حتى يومنا هذا، وإن كانت قد تطورت هيكلاً واسماً وصلاحياتٍ. فمديرية المياه والغابات في المغرب المعاصر تضطلع بالمهام ذاتها التي حدّدتها لها تشريعات الحماية من حماية الغابات وتنظيم الصيد وإدارة الموارد المائية، وإن كان المنطق المُوجِّه لعملها قد تحوّل من خدمة المصلحة الاستعمارية إلى خدمة التنمية الوطنية.

عاشراً: خلاصة قراءة نقدية في النصوص التشريعية

10.1. التشريع الإداري بوصفه أداةً للهيمنة وللتحديث في آن واحد

تُقدّم قراءة القرارين الواردين في الجريدة الرسمية عدد 115 درساً تحليلياً بالغ الأهمية مفاده أن التشريع الإداري الاستعماري كان في آن واحد أداةً للهيمنة وأداةً للتحديث بمعنى مُعيَّن لهذه الكلمة. فمن جهة، كان هذا التشريع يُكرّس التراتبية العرقية والجنسية بين الموظفين الفرنسيين والأهالي المغاربة، ويُبقي المغاربة في الدرجات الوظيفية الدنيا. ومن جهة أخرى، كان يُرسي منظومة إدارية مهنية قائمة على معايير الكفاءة والاستحقاق والمساءلة، مما أسهم موضوعياً في بناء كفاءات بشرية وهياكل مؤسسية دامت آثارها بعد الاستقلال.

10.2. الفجوة بين النص والتطبيق

تجدر الإشارة إلى أن النصوص التشريعية المُحكمة الصياغة لا تُرادف بالضرورة حسن التطبيق على أرض الواقع. فكثير من الأحكام المتعلقة بضمانات التأديب وحقوق الدفاع ومعايير الترقي كانت تواجه في تطبيقها الفعلي قيوداً تعسفية مرتبطة بالسلطة التقديرية للمديرين الفرنسيين الذين كانوا يتمتعون بهامش واسع من الصلاحيات غير المقيّدة.

خاتمة

تُمثّل الجريدة الرسمية للمغرب عدد 115 الصادرة في يوليو 1915م وثيقةً إدارية غنية تُجسّد مرحلة محورية في بناء الأجهزة الإدارية لمغرب الحماية الفرنسية. فقرارا تنظيم حزب موظفي إدارة المعارف وحزب موظفي إدارة المياه والغابات اللذان يُشكّلان العمود الفقري لهذا العدد يكشفان معاً عن نهج تشريعي متكامل يسعى إلى تأطير المسار المهني للعاملين في القطاعين الحيويين للتعليم والموارد الطبيعية.

وقد كشف التحليل المعمّق لهذين القرارين عن ثلاثة أبعاد محورية تحكم منطق التشريع الإداري لمغرب الحماية: البعد الأول هو التنظيم البيروقراطي الذي يُعبّر عنه الهيكل المتدرج الدقيق من الدرجات والرواتب والشروط، والبعد الثاني هو التمييز التراتبي الذي يُفرّق في منظومة الحقوق والواجبات بين الفرنسيين والأهالي، والبعد الثالث هو الرهان التحديثي الذي يظهر في اشتراط الكفاءات الأكاديمية والمهنية المُقنَّنة.

إن فهم هذا الثلاثي في تشابكه وتناقضاته يُعدّ مفتاحاً جوهرياً لاستيعاب الجذور التاريخية للمنظومة الإدارية المغربية في أبعادها التعليمية والبيئية، والانطلاق من هذا الفهم نحو إصلاح متجدد يتجاوز إشكاليات الإرث الاستعماري ويُرسي أسس حوكمة عمومية أكثر عدالةً وكفاءةً ومواطنةً حقيقية.


                  تحميل العدد 115 بتاريخ   12 يوليوز 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF 

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 03/06/2026
تحديث 03/06/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث