مقدمة
تُعدّ الوثائق الإدارية الرسمية من أهمّ المصادر التاريخية التي يعتمد عليها الباحثون لاستجلاء طبيعة الأنظمة القانونية والإدارية التي كانت سائدة في حقب معيّنة، لا سيما تلك الحقب التي شهدت تحوّلات جذرية في هياكل الدولة ومؤسساتها. وتأتي الجريدة الرسمية للمغرب في مقدّمة هذه الوثائق، إذ كانت تضمّ منذ تأسيسها إبان عهد الحماية الفرنسية القرارات والمراسيم والتعليمات الوزارية التي تُنظّم الحياة الإدارية للبلاد وتُقنّن حقوق الموظفين وواجباتهم.
ويُمثّل العدد 111 من هذه الجريدة الصادر بتاريخ 14 يونيو 1915م وثيقةً تاريخيةً نفيسة تكشف بجلاء عن المنطق الإداري والمالي الذي كان يُحكم قبضته على الجهاز البيروقراطي المغربي في فجر عهد الحماية. فهو يحتوي على قرار وزاري مفصّل يُحدّد تعويضات صوائر السفر والإقامة للموظفين المرتبطين بالإبالة الشريفة، مفرّقاً بدقة بين فئات مختلفة من الموظفين بحسب جنسياتهم ووضعيتهم العائلية ومهامهم الوظيفية.
يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه الوثيقة الإدارية التاريخية بأدوات المنهج التاريخي والقانوني، والكشف عن الأبعاد الاجتماعية والقانونية والإدارية التي تنطوي عليها، وذلك من خلال تفكيك بنيتها وإظهار دلالاتها في السياق التاريخي والإداري لمرحلة تأسيس الحماية الفرنسية في المغرب. وسيتناول المقال تفصيلاً طبيعة هذه التعويضات وأنواعها والفئات المستهدفة منها وشروط استحقاقها والإجراءات المتعلقة بتصفيتها، مع استحضار المقارنة بين مختلف فئات الموظفين.
يستمدّ هذا المقال أهميته من كونه يُعيد تسليط الضوء على إرث إداري طيّ النسيان، في زمن باتت فيه دراسة الإدارة العمومية وأنظمة الوظيفة العمومية تستأثر باهتمام متزايد لدى الباحثين والممارسين على حدٍّ سواء. كما أن فهم الجذور التاريخية للتنظيم البيروقراطي في المغرب يُعين على استيعاب مسار الإصلاحات الإدارية اللاحقة التي توالت منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا.
تحميل العدد 111 بتاريخ 14 يونيو1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: السياق التاريخي والإداري لنشأة نظام تعويضات الموظفين في المغرب
1.1. تأسيس نظام الحماية الفرنسية وانعكاساته على الإدارة المغربية
في السادس والعشرين من رجب عام 1330هـ، الموافق للثلاثين من مارس 1912م، وقّعت الدولة المغربية معاهدة فاس التي أفضت رسمياً إلى إخضاع المملكة الشريفة لنظام الحماية الفرنسية. وبموجب هذه المعاهدة، استلم الجانب الفرنسي إدارة الشؤون الخارجية وتنظيم القوات المسلحة والإصلاح الإداري والمالي، مع الإبقاء ظاهرياً على السيادة الشكلية للسلطان وعلى بعض مؤسسات الدولة المخزنية.
غير أن الواقع أثبت أن الإدارة الفرنسية سرعان ما شرعت في بناء جهاز بيروقراطي موازٍ يُهيمن فعلياً على تسيير البلاد. وقد كان اللوزير الجنرال ليوطي، المقيم العام الفرنسي الأول والأكثر تأثيراً في تشكيل الهياكل الإدارية للمغرب، يُدرك أن نجاح مشروع الحماية رهينٌ بتأطير الجهاز الإداري وتحديد حقوق موظفيه وواجباتهم بصورة قانونية واضحة.
في هذا السياق، جاء إنشاء الجريدة الرسمية لإمارة المغرب بوصفها الناقلَ القانوني الرسمي لكافة القرارات والمراسيم الصادرة عن الإدارة الحامية، ليكون ذلك خطوةً أساسية في منظومة التقنين الإداري التي حرصت عليها السلطات الفرنسية منذ الأيام الأولى لتأسيس الحماية. وقد استهدفت هذه المنظومة في جوهرها استقطاب الكفاءات الفرنسية والجزائرية والتونسية والمغربية للخدمة في الإدارة الحديثة الناشئة، مع ضمان حقوقها المادية وتحديد مساراتها الوظيفية.
1.2. الطبيعة القانونية للقرارات الوزارية في منظومة الحماية
اتّسم الإطار القانوني للحماية الفرنسية في المغرب بازدواجية مؤسسية واضحة، تجلّت في تعاشق نوعين من المرجعية التشريعية: المراسيم الظهيرية الصادرة باسم السلطان الشريف، والقرارات الصادرة بتوقيع المقيم العام أو الوزراء الفرنسيين. وكان لكلٍّ من هذين النوعين مجاله المحدد والفئات الخاضعة له.
وتندرج الوثيقة محلّ الدراسة ضمن هذه الفئة الثانية، إذ هي قرار وزاري بامتياز يصدر عن الوزارة المعنية بتسيير شؤون الموظفين الإداريين، ويحدد تفصيلياً طبيعة التعويضات الممنوحة لهم في إطار تنقلاتهم الوظيفية. ويتضح من خلال النص أن هذه القرارات كانت تستند في مضمونها إلى ظهائر شريفة سابقة وإلى قرارات وزارية أخرى، مما يُبيّن الطابع التراكمي والمتكامل لمنظومة التشريع الإداري في تلك الحقبة.
والملاحظ أن صياغة هذه القرارات كانت تتسم بدقة قانونية لافتة، وبتفصيل دقيق يشمل الفئات المستفيدة وشروط الاستفادة والمبالغ المحددة وإجراءات الصرف ومراحل التصفية، مما يكشف عن مستوى عالٍ من الاحترافية القانونية والإدارية التي جاء بها المشرع الفرنسي إلى تجربة الحماية في المغرب.
1.3. فئات الموظفين في الإدارة الشريفة وإشكالية التعدد البشري
واحدة من أبرز سمات الجهاز الإداري في مغرب الحماية هي التنوع الكبير في تركيبة موظفيه، سواء من حيث الجنسية أو الوضعية القانونية أو طبيعة المهام الموكلة إليهم. فإلى جانب الموظفين الفرنسيين المُعيَّنين مباشرةً من فرنسا، كانت الإدارة الشريفة تضمّ في صفوفها موظفين جزائريين وتونسيين ومغاربة من الأهالي، إضافةً إلى مستخدَمين أوردباويين وأعوان وطنيين يُشكّلون الطبقة الدنيا من سلّم الوظيفة العمومية.
وهذا التعدد البشري كان يطرح تحدياً إدارياً حقيقياً يتمثل في ضرورة وضع أطر قانونية تراعي خصوصية كل فئة وتُعاملها بالقدر من العدالة والانسجام. وقد عالج القرار الوزاري موضوع دراستنا هذا التحدي بأسلوب قانوني متدرج يميّز بين فئات المستفيدين مع الحرص على الانسجام الداخلي للمنظومة التعويضية برمّتها.
ثانياً: أنواع تعويضات السفر والإقامة وطبيعتها القانونية
2.1. تعويضات صوائر السفر للموظفين المرشحين خارج الإبالة
يُفرّق القرار الوزاري ابتداءً بين تعويضين رئيسيين يستحقهما الموظفون المُعيَّنون خارج نطاق الإبالة الشريفة التي ينتمون إليها إدارياً: تعويض عن نقل الأثاث من بلادهم إلى البلاد التي يستقرون فيها للخدمة، وتعويض في مقابل صوائر السفر من البلاد إلى المغرب، وذلك لأول مرة عند الالتحاق بالخدمة.
وفيما يتعلق بتعويض النقل، نصّ القرار على أن الموظف يستحق عند أول مرة يقدم فيها إلى المغرب تعويضاً عن صوائر سفره وعن نقل أثاثه وصاحبيه من بلاده. كما أحقّ له بتعويض يُمنح في حال عودته مجدداً إلى المغرب لمرة أخرى أو في مقابلة مغادرته له بسبب غير العزل أو الاستعفاء. وعلى نفس النهج، منح القرار تعويضاً في مقابلة صوائر السفر والإقامة لأغراض الشؤون الرسمية داخل المغرب.
والملاحظ أن هذه التعويضات صُمِّمت بحيث تُغطي جانبين رئيسيين: الأول يتصل بصوائر السفر البحرية والبرية التي يتكبّدها الموظف أثناء انتقاله من وطنه إلى المغرب أو العودة منه، والثاني يتصل بصوائر نقل أثاثه وممتلكاته الشخصية التي لا يمكن الاستغناء عنها في مكان إقامته الجديد.
2.2. التعويض اليومي وشروط استحقاقه
نظّم القرار بصورة مفصّلة التعويضَ اليومي الذي يُمنح للموظف خلال فترة سفره في أداء مهام خدمته الرسمية داخل المغرب. وقد نصّ صراحةً على أن هذا التعويض يُمنح في مقابلة صوائر السفر للأغراض الرسمية وفق معدلات محددة تتباين بحسب الدرجة الوظيفية للمستفيد وبحسب الوسيلة المستخدمة في السفر.
وحدّد القرار هذا التعويض في ثمانية آلاف ألف فرنك يومياً للعون المسافر، مع التمييز الدقيق بين وضعيات السفر المختلفة: التنقل براً أو بحراً، والسفر بالسكك الحديدية، والسفر في القطار مع ما يترتب على ذلك من حجز مقاعد في الدرجات المختلفة. ومن اللافت أن القرار ربط هذه المعدلات بمستوى الراتب، إذ حدّد لمن يتقاضى أقل من سبعة آلاف فرنك راتباً معدلاً متفاوتاً يُراعي وضعهم المادي.
كما تناول القرار حالة خاصة تتعلق بالموظفين الذين يُضطرّون إلى البقاء على الباخرة بسبب هيجان البحر، إذ ألزم شركة الباخرة بدفع أجرة زائدة في مقابلة الطعام، مع استمرار صرف التعويض المحدد له في الفصل الرابع خلال المدة التي يقضيها على ظهرها.
2.3. تعويضات نقل الأثاث وصوائر السفر للمنتقلين بين المراكز
خصّص القرار الوزاري حيزاً مهماً لتنظيم التعويضات الممنوحة للموظفين الذين تفرض عليهم ظروف العمل الانتقال من مركز خدمة إلى آخر داخل التراب المغربي. وقد ميّز في هذا الشأن بين نوعين من التعويض: تعويض يُصرف للموظف الأعزب المنتقل، وتعويض مُعزّز يُصرف للموظف المتزوج الذي يتنقل برفقة أسرته.
فالموظف المتزوج الذي ينتقل مع زوجته وأولاده القاصرين يستحق وفق القرار تعويضاً يُغطي صوائر نقل أثاثه وصاحبيه كاملاً، وذلك على الشروط المبيّنة بالفصل الحادي عشر من هذا القرار. غير أنه إذا انتقل دون أسرته، فلا تُرجع له هذه الصوائر إلا إذا تم نقل الأثاث فعلاً وتقدّم بطلب مصحوب بالوثائق المثبتة لذلك داخل ستة أشهر من تاريخ وصول الإرسالية الأولى.
وتجدر الإشارة إلى أن القرار فرّق أيضاً بين حالتين: حالة الانتقال الاختياري الذي يطلبه الموظف بمحض إرادته، وحالة الانتقال الإجباري المفروض عليه لأسباب إدارية تتعلق بمصلحة الخدمة. ففي الحالة الأولى، قد تكون الصوائر محدودة أو غير قابلة للاسترداد الكامل، في حين تُمنح الصوائر كاملةً في الحالة الثانية باعتبارها حقاً مكتسباً للموظف المُنقَّل قسراً.
ثالثاً: الفئات المستفيدة من التعويضات وشروط استحقاقها
3.1. الموظفون والأعوان الفرنسيون: الفئة ذات الامتياز
شكّل الموظفون الفرنسيون المُعيَّنون من خارج المغرب أو المُرشَّحون من الجزائر أو تونس للخدمة في المغرب الفئةَ الأكثر استفادةً من منظومة التعويضات بموجب هذا القرار. وقد أتاح لهم القرار جملةً من الامتيازات المادية التي تعكس مكانتهم المتميزة في السلّم الوظيفي لإدارة الحماية.
فالموظفون والأعوان الفرنسيون المُرشَّحون من خارج الإبالة الشريفة لا تجري عليهم خصوصية التعويضات التي تسري على الأصناف الأخرى، وإنما تُنفَّذ لهم عند ترشيحهم تعويضاتٌ يُساوي مجموعها جزءاً معتبراً من راتبين شهريين. وهذا الحكم يعكس الرغبة الفرنسية الصريحة في تحفيز الكفاءات المتخصصة على قبول التعيين في منطقة الحماية الفرنساوية، الأمر الذي كان يستلزم تقديم ضمانات مادية جذّابة تُخفّف وطأة مغادرة الوطن والاستقرار في مستعمرة غير مألوفة.
والجدير بالملاحظة أن القرار منح الموظفين الفرنسيين الذين يغادرون وظائفهم بسبب غير العزل أو الاستعفاء الحقَّ في الحصول على تعويض مغادرة مناسب، بما في ذلك صوائر العودة إلى فرنسا وصوائر نقل أثاثهم، شرط أن يثبت ذلك بالوثائق اللازمة.
3.2. الموظفون والأعوان الجزائريون والتونسيون: الفئة الوسيطة
يتناول القرار فئةً وسيطة مثيرة للاهتمام تمثّلها الموظفون والأعوان الأهليون الجزائريون والتونسيون الذين يُرشَّحون من المغرب للخدمة في بلادهم أصلاً. وقد خصّص لهم القرار الفصل الخامس والفصل التاسع عشر، اللذان يحددان شروطاً خاصة تختلف جزئياً عن تلك المطبّقة على الزملاء الفرنسيين.
فهؤلاء الموظفون الذين يُرشَّحون من المغرب للخدمة خارج المغرب يستحقون تعويضاً عن صوائر مغادرتهم ووصواير نقل أثاثهم وأنتلهم، وذلك بحسب الشروط المبيّنة بالفصل الحادي عشر من القرار. كما منحهم القرار تعويضاً عن صوائر السفر في مقابلة نقل أثاثهم إلى المغرب عند انتهاء خدمتهم خارجه.
وقد ربط القرار بوضوح بين هذا التعويض ومبدأ التبادلية، إذ نصّ على أن الأهليين الجزائريين والتونسيين المرشحين خارج المغرب يستفيدون من تعويض يُساوي نصف التعويضات التي تُمنح للموظفين الفرنسيين المشار إليهم. وهذا التمييز يعكس بوضوح التراتبية الهرمية التي كانت تُميّز إدارة الحماية في تعاملها مع مختلف فئات موظفيها.
3.3. الموظفون المغاربة من الأهالي: حقوق في إطار النظام الاستعماري
تُفصح الوثيقة التاريخية محلّ الدراسة عن الوضعية القانونية الخاصة للموظفين المغاربة من الأهالي في منظومة التعويضات الرسمية. وقد أفرد القرار لهذه الفئة أحكاماً متمايزة تعكس الطبيعة التراتبية للنظام الإداري الاستعماري.
فموظفو الأهالي الذين كانوا موجودين في المغرب وقت التوقيع على معاهدة الحماية، والموظفون الذين كانوا مستخدَمين في خدمة الحماية الفرنساوية والأهليون الذين كانوا مستخدَمين بإدارة المخزن السابق، وذلك دون أن يدخلوا في أحزاب موظفي الحماية ولم يزالوا في حالة مستخدمين بها أو سيدخلون فيها، كانوا يخضعون لنظام تعويضي محدود النطاق.
وبموجب النصوص المتعلقة بهم، كان الموظفون من الأهالي المغاربة يستفيدون من تعويضات السفر تبعاً لمراكزهم الوظيفية، لكن القرار نصّ صراحةً على أن هذه التعويضات لا تُعطى لهم إلا نصف التعويضات التي تُمنح للموظفين الفرنسيين المشار إليهم. وهذا التفريق يُجسّد ميزاناً يعكس حقيقة أن إدارة الحماية كانت تتعامل مع الأهالي المغاربة كفئة إدارية ثانوية حتى في ما يتعلق بالحقوق المادية المرتبطة بالوظيفة.
3.4. المستخدمون من الطبقة السفلى والأعوان الوطنيون
خصّص القرار فصلاً مستقلاً للفئة الدنيا من سلّم الوظيفة العمومية، المُشكَّلة من المستخدمين والأعوان الذين تُنفَّذ لهم أجرة معيّنة بموجب شروط خصوصية. وقد ميّز القرار بوضوح بين من يتقاضى سبعة آلاف فرنك سنوياً أو أكثر، ومن يتقاضى أقل من ذلك المبلغ.
فالأعوان الذين رواتبهم أقل من سبعة آلاف فرنك تُحدَّد لهم صوائر السفر وفق الدرجة الثانية في السكك الحديدية وفي المائة من ثمن ورقة السفر في البحر، وذلك دون أن تُشترط فيهم شروط عائلية بعينها. أما هؤلاء الأعوان ذوو الرواتب الأدنى الذين يُسافرون بالبوليس، فيحق لهم ثمانية آلاف آلاف فرنك يومياً للموظف والعون الذي له راتب سنوي أدنى من خمسة آلاف فرنك، مع إضافة ثلاثة وعشرين فرنكاً في المائة من ثمن ورقة السفر في السكة الحديدية وعشرين في المائة في البحر.
رابعاً: التفريق في التعويضات بحسب الوضعية العائلية للموظف
4.1. التعويضات للموظف المتزوج وصاحبيه
أولى القرار الوزاري عناية بالغة لتحديد حقوق الموظف المتزوج وما يستحقه من تعويضات تُغطي صوائر سفره وسفر عائلته. فنصّ على أن صوائر السفر تُرجع على الكيفية المبيّنة بالفصل السابع على الأشخاص المذكورين أدناه، وهم: الزوجة والأولاد القاصرون والوالدان والمصاحب، إذا كانوا مقيمين في منزل واحد مع الموظف.
وعلى المستوى التطبيقي، ميّز القرار بين ثلاث درجات من الوضعية العائلية: أولاً الموظف غير المتزوج، ثانياً الموظف المتزوج دون ولد، ثالثاً الموظف المتزوج والمصحوب بعائلته المؤلفة من والدين وأولاد. وكان لكل درجة معدّلٌ تعويضي محدد يُراعي الواقع المادي الفعلي لصوائر نقل الأشخاص والأثاث في الحالتين.
وحرصاً على منع التلاعب بالحقوق التعويضية، اشترط القرار أن ترجع صوائر السفر للأشخاص المذكورين في حال اصطحاب عائلة الموظف معه، مع إلزامه بتقديم وثائق مثبتة لذلك لمكتب الأدوات وإبلاغ اللوازم المنوط بادارة المالية العامة. ومن شأن هذا الاشتراط تحقيق شفافية المنظومة التعويضية وصون المال العام من الهدر.
4.2. تعويضات السفر لأفراد العائلة وحدود الاستحقاق
تناول الفصل التاسع من القرار تعويضات صوائر السفر لأفراد العائلة المكفولين بصورة مفصّلة، موضّحاً الحالات التي يستحق فيها الموظف الحصول على التعويض عن سفر زوجته وأولاده وغيرهم من الصاحبين.
ونصّ القرار على أن الموظف لا يستحق إلا نصف الزيادة المُشار إليها للزوجة إذا لم تُسافر معه في نفس الباخرة أو بنفس وسيلة النقل، أي إذا سافر أفراد العائلة المذكورون في الدرجة الثالثة. كما اشترط القرار ألا ترجع صوائر السفر المختصة به الموظف إلا إذا كان مرافقاً للعائلة التي يسافر فيها الصاحب وإلا إذا كان مرافقاً لها.
وفيما يتعلق بصوائر نقل الأثاث لأفراد العائلة، فنصّ القرار على أن الموظف الذي ينتقل بعائلته يستحق جملةً أكبر من صوائر النقل مقارنةً بالموظف الذي ينتقل بمفرده. وقد حرص القرار على سدّ ثغرات التلاعب بالنص الصريح من خلال اشتراط تقديم الوثائق المثبتة لسفر أفراد العائلة فعلاً.
4.3. الوضعية الخاصة بالموظفين غير المتزوجين وتعديلات التعويض
أفرز القرار منطقاً تعويضياً خاصاً للموظفين غير المتزوجين أو الذين لا يُصاحبهم أحد من أفراد عائلتهم في سفرهم، مراعياً في ذلك فوارق الصوائر الفعلية. فصوائر السفر للموظف الأعزب تكون دائماً أقل من مثيلتها للموظف المتزوج لكون الطرف الأخير يتحمّل إضافةً عبء صوائر سفر أشخاص متعددين.
وقد أتاح القرار في الفصل الرابع عشر للموظفين والأعوان الذين يعطون مسكناً أثناء سفرهم صرفَ تعويض يومي مُخفَّض يُساوي ثلاثة أرباع التعويض المعتاد، وذلك بعد مرور خمسة عشر يوماً من انطلاق السفر إذا لم يصدر عن المدير أو عن رئيس إدارته ما يخالف ذلك. وهذا الحكم يرمي إلى معاقبة الامتداد غير المبرر لفترة الغياب وتحفيز الموظفين على إنجاز مأموريتهم في أقصر وقت ممكن.
خامساً: إجراءات تصفية صوائر السفر والأجراءات الإدارية المرتبطة بها
5.1. آلية تحرير قائمة صوائر السفر وتصفيتها
نظّم الفصل السادس عشر من القرار بدقة آليةَ تحرير الصوائر وتصفيتها وصرفها، وأناط بالمسؤولية الإدارية هذه الأطرافَ الثلاثة الآتية: رئيس الإدارة الذي يُصادق عليها، ومكتب الأدوات الذي يُضاف إليه الأمر بالصرف، والخازن الذي يقوم بالصرف الفعلي.
ونصّ القرار على أن قائمة صوائر السفر يجب أن تُرسل بعد احضار قائمة مصحوبة بأوراق مُثبتة وتتقدر هذه الصوائر بوسائل السفر المختص بالتعريف الاعتيادي وذلك على الاوتوموبيلات والخيل والبغال وغيرها والأمر في السفر بالأوتوموبيلات لا يمكن السفر في الاوتوموبيلات إلا برخصة خصوصية. كما حدد القرار في الفصل السابع عشر صراحةً أنه لا يجري العمل بما تقدم من الشروط على المراقبين المدنيين لوجود قرارات خصوصية تتضمن الشروط المتعلقة بسفرهم لشؤون إدارتهم.
وتتضمن آلية التصفية ثلاث مراحل متتابعة: المرحلة الأولى يُحرّر فيها الموظف المعني قائمةً بجميع صوائره موضّحاً مصادرها ومبرراتها، والمرحلة الثانية يُراجع فيها الرئيس الإداري هذه القائمة ويُصادق عليها أو يُدخل عليها التعديلات التي يراها ضرورية، والمرحلة الثالثة يُحيل فيها الأمر إلى الخزينة لصرف المبالغ المستحقة.
5.2. شروط وثائق الإثبات ومسؤوليات الموظف
حرص القرار الوزاري على إرساء مبدأ الشفافية والمحاسبة في ما يتعلق بصرف التعويضات، من خلال اشتراطه تقديم وثائق إثبات دقيقة لمختلف أنواع الصوائر. فورقة السفر وورقة الركوب من السفن تُعدّ المستندات الأساسية في هذا الشأن، وقد نصّ القرار على وجوب الاحتفاظ بها وتقديمها عند التصفية.
والموظف الذي يُطالب بصوائر سفره بحراً ملزمٌ وفق القرار بأن يُحضر ورقة الركوب وفيها يُذكر اسم الموظف واسم الباخرة التي ركب عليها وهل يحق له السفر مجاناً بموجب رخصة خصوصية وهل يرغب في ورقة رخصة للذهاب أو للذهاب والإياب معاً، مع توجيه الطلب المتعلق برخصة السفر بورقة سفر الباخرة التي يرغبون الركوب عليها وذكر الباخرة أيضاً التي تسافر فيها حتى يعلمان عليها رئيس مكتب الأدوات واللوازم المنوط بادارة المالية العامة.
وإلى جانب ذلك، أكد القرار في الفصل الثامن عشر أنه إذا اُضطرّ الموظف أو العون المسافر بحراً لشؤون الخدمة فعليه وجوب أن يدفع للشركة البحرية أجرة زائدة في مقابلة الطعام، مع إضافة هذه المبالغ إلى صوائره الإجمالية القابلة للاسترداد.
5.3. الرقابة الإدارية ودور رئيس الإدارة في التحقق
استحوذ رئيس الإدارة على دور محوري في منظومة الرقابة على صرف تعويضات السفر وفق ما نصّ عليه القرار. فهو يملك صلاحية المصادقة على قوائم الصوائر أو ردّها أو تعديلها، وبموجب هذه الصلاحية يتحمّل مسؤولية التثبت من أن الموظف المُطالب بالتعويض كان في مأمورية فعلية وأن الصوائر المُدوَّنة تطابق الواقع.
وقد حرص القرار على صون هذه الرقابة من التجاوزات باشتراط أن يُذكر في الأمر الصادر للموظف بالسفر أو في القرار المُنشِئ لمأموريته بالاختصار في الأمر أو القرار المذكور سبب سفره والخطة التي عليه أن يسلكها. وهذا الاشتراط يُفضي إلى توثيق مزدوج للمأمورية: من جهة في وثيقة التكليف بالسفر، ومن جهة أخرى في قائمة الصوائر المُقدَّمة للتصفية.
وتتجلى عناية القرار بمبدأ الشفافية الإدارية كذلك في الفصل السابع عشر الذي نصّ على أنه لا يجري العمل بما تقدم من الشروط على المراقبين من المدنيين لوجود قرارات خصوصية تتضمن الشروط المتعلقة بسفرهم. وهذا الاستثناء يكشف عن وجود منظومة تعويضية متفرعة ومعقدة تختلف أحكامها تبعاً للوضعية الإدارية الخاصة لكل فئة.
سادساً: أوراق دخص السفر وامتيازات السفر المجاني
6.1. الحق في أوراق دخص السفر المجاني وشروطه
أفرد القرار باباً خاصاً يُنظّم مسألة أوراق دخص السفر المجاني التي تتحمّل تكلفتها خزينة الدولة عوضاً عن الموظف المسافر. وقد حدد القرار الفئات المستحقة لهذا الامتياز والشروط المتعلقة باستخدامه بصورة دقيقة تمنع التوسع غير المبرر في الاستفادة منه.
فالفئة الأولى من الموظفين التي يحق لها الحصول على أوراق دخص السفر مجاناً هي الموظفون والأعوان الذين يحق لهم ذلك طبق القرارات الجارية بحقهم، وكذلك لعائلتهم أو لمصاحبيهم السفر مجاناً على سواحر الشركات البحرية التي تقبل هذه الأوراق في براخ. ولكن ثمة شرطاً جوهرياً مُقيّداً للاستفادة من هذا الامتياز هو أنه لا يُمكن للموظفين والمستخدمين الموقتين الذين ليسوا في سلك الموظفين أو الذين تنفذ لهم أجرة يومية أو شهرية الحصول على أوراق دخص السفر مجاناً.
وللحصول على هذه الأوراق، ألزم القرار الموظف بتقديم طلب يُوجَّه بواسطة مدير السفر الذي يُبدي رأيه فيه مما يُصل الطلب المذكور للرباط في الوقت المناسب وإذا تأخر الموظف عن مغادرته للمغرب فيحق له أن يُغيّر تاريخ سفره وفيما يُبلّغ الباخرة التي يسافر فيها رئيس مكتب الأدوات واللوازم بادارة المالية العامة.
6.2. ثمن ورقة السفر وكيفية حسابه
شرح القرار بتفصيل ملحوظ كيفية تحديد ثمن ورقة السفر التي يستحق الموظف استرجاعها عند التنقل بالسفن أو القطارات. ونصّ على أن الموظفين الذين يُمنح لهم مجاناً أوراق دخص السفر في البحر فيرجع لهم ثمن ورقة السفر في البحر وذلك بثمن نزولهم من البحر وصواير الفوندات والعربات منه إلى المرسى الذي يُزولون فيه إلى المغرب بأحد مراسي المغرب لأول مرة.
كما ميّز القرار بين درجات السفر المختلفة في احتساب ثمن الورقة، إذ حدد أن الموظفين الذين رواتبهم سبعة آلاف فرنك أو أكثر أو كان يزيد من الدرجة الثانية فرنك أو كان عضواً في أحدى المحاكم الجزائري أو حاكماً في المستعمرات أو مهيناً لهذه المحاكم المذكورة أو كان كاتباً مسجلاً كما هو مقرر في الفصل الخامس والعشرين من هذا القرار يستفيد من الدرجة الأولى والباخرة في الفصل الثامن.
والأعوان الذين رواتبهم أقل من سبعة آلاف فرنك تُحدَّد لهم صوائر السفر وفق الدرجة الثانية في السكك الحديدية وفي المائة من ثمن ورقة السفر في البحر في الدرجة الثانية، وذلك ما لم تُرجَع لهم تلك الصوائر بعد حساب اعلاه وتُدفع لهم عربات السفر في العموميات وعلى الخيل والبغال وغيرها بحسب التعريف الاعتيادي ولا يُمكن السفر في الاوتوموبيلات إلا برخصة خصوصية.
6.3. حالات الاستثناء والسفر المشروط بالرخصة
أبرز القرار جملةً من حالات الاستثناء التي تُعلّق فيها أحكام التعويض المعتادة أو تُعدَّل. فالموظف الذي يُسافر بدون إذن مسبق من رئيسه لا يستحق في الغالب التعويض عن صوائر هذا السفر، والأمر ذاته ينطبق على من يُمدّد إقامته في الخارج تعدياً على الإذن الممنوح له.
وكذلك، نصّ القرار على أنه لا ينفذ للموظفين والأعوان الذين يعطون مسكناً إثناء سفرهم إلا ثلاثة أرباع التعويض المذكور، وذلك ما لم يصدر عن المدير أو عن رئيس إدارته ما يخالف ذلك. ويستهدف هذا الحكم منعَ ازدواج الامتياز: فالموظف الذي وفّرت له الإدارة مسكناً بالفعل لا يحتاج إلى مبلغ التعويض الكامل المُقدَّر أصلاً لتغطية صوائر الإيواء.
سابعاً: التعويضات في حالات الانتقال والتحول بين المراكز
7.1. تعويض تغيير مركز الإقامة وصوائره
نظّم القرار في إطار أشمل تعويضات الموظف الذي يُنقَل من مركز خدمة إلى آخر داخل المغرب في ظروف مغايرة لتلك المتعلقة بالتعيين الأول. وقد حدد لهذه الحالة خامساً: يُنفذ لهم تعويض في مقابلة تغيير مركز إقامتهم.
وفيما يتعلق بقيمة هذا التعويض وأسلوب حسابه، راعى القرار تعقيد الوضع من خلال تناوله لحالات متعددة: حالة الموظف الذي ينتقل بمفرده، وحالة من ينتقل مع عائلته كاملةً، وحالة من يُصاحبه بعض أفراد عائلته دون سائرهم. وكان لكل حالة معدّل تعويضي خاص بها يُحدَّد بناءً على عدد الأشخاص المنتقلين ومسافة التنقل وطبيعة الأثاث المُراد نقله.
وقد اشترط القرار في هذه الحالة تقديم قائمة مصحوبة بأوراق مثبتة تتضمن وثائق إثبات صوائر السفر وصوائر نقل الأثاث، مع التقيد بحدود الصوائر الاعتيادية التي يُحددها التعريف الاعتيادي المعتمد، مما يعني أن ثمة سقفاً أعلى لصوائر النقل لا يُمكن تجاوزه حتى لو تجاوزت الصوائر الفعلية ذلك السقف.
7.2. التعويضات في حالات النقل الإجباري والطوعي
ميّز القرار بين نوعين من حالات الانتقال بين المراكز من حيث أثرهما على المستحقات التعويضية: النقل الإجباري الذي تُقرره الإدارة من تلقاء نفسها لأسباب تتعلق بمصلحة الخدمة، والنقل الطوعي الذي يطلبه الموظف بمحض إرادته لدواعٍ شخصية.
ففي حالة النقل الإجباري، يستحق الموظف تعويضاً كاملاً عن صوائر السفر وعن صوائر نقل أثاثه وصاحبيه، باعتبار أنه لم يختر هذا التغيير بنفسه وأن الإدارة هي من فرضته عليه خدمةً للمصلحة العامة. أما في حالة النقل الطوعي، فقد كانت التعويضات مُقيَّدة أو مُخفَّضة نظراً لكون الموظف هو من تطوّع لهذا التغيير.
وقد أضاف القرار قيداً إضافياً على النقل الطوعي من خلال الفصل الحادي والعشرين الذي نص على أنه لا يجري العمل بمقتضى الفصل السابق فيما يخص الأعوان الواقع تبديلهم من محل إلى آخر لأسباب واغراض خصوصية وذلك ما لم يؤذن لهم بالتبديل من رئيسهم الإداري الصريح.
7.3. التعويضات في حالة إنهاء الخدمة أو الاستقالة
أولى القرار اهتماماً خاصاً بتعويضات الموظفين الذين يُغادرون الخدمة سواء بسبب الإحالة على التقاعد أو بسبب العزل أو بسبب الاستعفاء. وقد فرّق بين هذه الحالات الثلاث من حيث طبيعة التعويض المستحق وقيمته وشروط صرفه.
فالموظف الذي يُحال على التقاعد بعد أن خدم مدة كاملة مستوفياً الشروط القانونية يستحق عند مغادرة المغرب تعويض نقل كاملاً يُغطي صوائر سفره وسفر عائلته وصوائر نقل أثاثه إلى بلده الأصلي. أما الموظف الذي يُعزل بسبب تقصير في مهامه، فلا يستحق عموماً سوى تعويض محدود. وأما الموظف المستعفي طواعيةً، فتتحدد حقوقه التعويضية تبعاً لمدة خدمته وطبيعة الإبالة التي كان يعمل فيها والظروف المحيطة باستعفائه.
ثامناً: القرارات الوزارية الأخرى في العدد 111 وارتباطها بمنظومة الوظيفة العمومية
8.1. قرار تعيين مدير البيطرة لإدارة درس تربية الحيوانات
يتضمن العدد 111 من الجريدة الرسمية بالإضافة إلى القرار التفصيلي الخاص بتعويضات صوائر السفر قراراً وزارياً آخر يتعلق بتعيين بيطار بادارة درس تربية الحيوانات ومعرفة أوبئتها. وقد جاء هذا القرار بتاريخ سادس عشر من ذي الحجة عام 1331هـ الموافق للسادس من نوفمبر عام 1913م.
ونصّ هذا القرار على تعيين بيطار اعتمادات تعيّن بالادارة المذكورة موقتاً بالادارة المذكورة ما يأتي: الفصل الاول: يولى المسيو شفلر البيطار العسكري المعين من الدرجة الاولى بيطارا مفتشاً بالادارة المذكورة عوضاً عن المسيو كونيل البيطار العسكري من الدرجة الاولى الذي عين في وظيف آخر ويرزل أيضاً المسيو بوري البيطار العسكري من الدرجة الاولى في وظيف آخر. والفصل الثاني: ينفذ للموظفين المذكورين في مقابلة الصوائر اللازمة لخدمتهما تعويض قدره ألفا فرنك تدفع لهما آخر كل شهر وذلك من تاريخ فاتح مايو سنة 1915.
وقد وُقّع هذا القرار من قِبَل محمد بن محمد الجباص الذي اطّلع عليه المقيم العام وأذن بنشره الرباط في خامس يونيو سنة 1914م، ثم جاء توقيع ليوطي ليُضفي عليه الطابع الرسمي.
8.2. أهمية قرار البيطرة في دراسة بنية الجهاز الإداري الاستعماري
يكتسب قرار تعيين مدير البيطرة أهمية بالغة من منظور تحليل بنية الجهاز الإداري لمغرب الحماية. ذلك أن وجوده إلى جانب قرار التعويضات في نفس العدد من الجريدة الرسمية يُبرز المنطق الشمولي الذي كانت تنتهجه الإدارة الاستعمارية في تسيير الشؤون الإدارية، بما يشمل ليس فقط الهياكل الإدارية التقليدية بل أيضاً المجالات التقنية المتخصصة كالبيطرة والزراعة والتعليم.
فتطوير مجال تربية الحيوانات وتحديث الخدمات البيطرية كان يندرج ضمن مشروع أشمل رامٍ إلى الاستغلال الاقتصادي المنظم للمغرب وتحديث قطاعاته الإنتاجية بما يخدم مصالح الحماية على المدى البعيد. ولهذا الغرض، كانت الإدارة الفرنسية تحرص على استقطاب الكفاءات المتخصصة وتوفير لها الامتيازات المادية اللازمة لضمان استقرارها في المغرب، وهو ما يُفسّر التعويض الشهري المُغري المنصوص عليه في القرار.
8.3. التعاضد بين القرارين في تشكيل المنظومة الإدارية الكاملة
يُظهر التمحيص الدقيق في العلاقة بين القرارين الواردين في الجريدة الرسمية عدد 111 وجود تعاضد وظيفي واضح بينهما. فالقرار الأول يُحدد الإطار المالي العام الذي يُنظّم حقوق الموظفين في مجال صوائر السفر والإقامة، في حين يُجسّد القرار الثاني تطبيقاً عملياً لهذا الإطار في مجال محدد وهو قطاع البيطرة.
وهذا التعاضد يكشف عن أسلوب الإدارة الفرنسية في العمل على مستويين متوازيين: المستوى الأول يتمثل في وضع أُطر قانونية عامة تحكم جميع الموظفين والأعوان، والمستوى الثاني يتمثل في اتخاذ قرارات تطبيقية تُنزّل هذه الأُطر على حالات محددة بصورة لا تُفضي إلى تعارض أو تناقض مع الأحكام العامة.
تاسعاً: القيمة التاريخية والأثر البعيد لنظام التعويضات في الجريدة الرسمية عدد 111
9.1. الجريدة الرسمية بوصفها وثيقة تاريخية للإصلاح الإداري
تُقدّم الجريدة الرسمية عدد 111 أكثر بكثير مما يوحي به ظاهرها من مجرد نشرة إدارية تحتوي على قرارات روتينية. فهي في عمقها وثيقة تاريخية تعكس فلسفة إدارية كاملة في التعامل مع الجهاز البيروقراطي الذي شيّدته سلطة الحماية في المغرب. فكل فصل من فصول قرار التعويضات يكشف عن جانب من جوانب منطق الدولة الاستعمارية: اهتمامها بتحفيز موظفيها مادياً، وحرصها على إرساء نظام رقابي فعّال لمنع الهدر، وتمييزها بين فئات الموظفين وفق تراتبية إثنية وجنسية تعكس الإيديولوجيا الاستعمارية السائدة.
ولا يمكن فهم مسيرة الإصلاح الإداري في المغرب بمعزل عن هذا الإرث. فكثير من الأسس القانونية والإجرائية التي أرستها إدارة الحماية في مجال الوظيفة العمومية استمرت بأشكال مختلفة في المنظومة الإدارية للمغرب المستقل، وبعضها تطور ليُشكّل قاعدة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية الصادر سنة 1958 والذي حكم الإدارة المغربية لعقود طويلة.
9.2. التعويضات وإشكالية العدالة الاجتماعية بين الموظفين
إن التفريق الصريح في منظومة التعويضات بين الموظفين الفرنسيين والموظفين من الأهالي المغاربة والموظفين الجزائريين والتونسيين يُمثّل بُعداً بالغ الأهمية في فهم الطابع التمييزي لإدارة الحماية. فتحديد تعويضات الأهالي بما لا يتجاوز نصف ما يحصل عليه الموظف الفرنسي في ظروف عمل مماثلة يُكرّس إشكالية العدالة الاجتماعية التي كانت من أبرز مظاهر الاحتجاج في السياق الاستعماري.
غير أنه ينبغي قراءة هذه الإشكالية في سياقها الزمني والسياسي الخاص. فعلى الرغم من التمييز المُدرَج رسمياً في القرارات الإدارية، إلا أن مجرد وجود موظفين مغاربة من الأهالي ضمن الجهاز الإداري المنظّم وإدراجهم في منظومة الحقوق والواجبات الوظيفية كان يُمثّل في حدّ ذاته خطوة نحو تأسيس نخبة إدارية وطنية ستُشكّل لاحقاً أحد أهم الرصيدين البشريين التي اعتمد عليها المغرب المستقل في بناء إدارته الوطنية.
9.3. استمرارية الإرث القانوني الإداري وتأثيره على التشريعات اللاحقة
تمتد خيوط التأثير من نصوص الجريدة الرسمية للمغرب عدد 111 إلى صميم التشريعات الإدارية والمالية التي صدرت في المغرب المستقل. فالتمييز بين درجات السفر والتفريق بين الموظف الأعزب والمتزوج في احتساب التعويضات وتحديد نسب السفر في وسائل النقل المختلفة: كل هذه المبادئ استمرت بأشكال محدّثة في أنظمة التعويضات التي اعتمدها المغرب بعد الاستقلال.
بل إن بعض الأساليب الإجرائية المتعلقة بتصفية الصوائر ودور رئيس الإدارة في المصادقة على القوائم التعويضية ومتطلبات وثائق الإثبات، تجد صداها في اللوائح المالية الحديثة التي تُنظّم تعويضات التنقل في المؤسسات العمومية المغربية. وهذا الاستمرار يدفع إلى القول بأن الفهم العميق للتجارب الإدارية لمرحلة الحماية يُعدّ جوهرياً لأي محاولة جادة لإصلاح الإدارة العمومية المغربية في زمننا الراهن.
عاشراً: مقاربة مقارنة بين تجربة المغرب ونظيراتها الاستعمارية
10.1. نظام التعويضات في الجزائر وتونس: أوجه الشبه والاختلاف
يكتسب المقارنةُ بين نظام التعويضات المُعتمَد في مغرب الحماية ونظيراته في الجزائر وتونس أهميةً إضافية نظراً للروابط المشتركة التي كانت تربط هذه الأقاليم الثلاثة بالسلطة الاستعمارية الفرنسية. فالجزائر كانت حينئذٍ مستعمرة فرنسية من الدرجة الأولى خاضعة للقانون الفرنسي المباشر، في حين كانت تونس تخضع لنظام حماية مشابه لنظير المغرب.
ولا يُخفى على المتتبع أن قرار تعويضات الجريدة الرسمية عدد 111 يستند في مواضع عدة إلى قرارات صادرة في إطار الحماية التونسية وإلى أحكام القانون الإداري الفرنسي المطبّق في الجزائر، مما يدل على وجود تنسيق واعٍ بين الإدارات الاستعمارية الثلاث في هذا المجال. وقد كان الموظفون الجزائريون والتونسيون يُعدّون ضمن أول الفئات التي يُلجأ إليها لشغل الوظائف الإدارية الوسيطة في المغرب، بما يعكس منطق التوظيف الاستراتيجي للكفاءات عبر الحدود الاستعمارية.
10.2. مكانة المغرب في سياق المنظومة الاستعمارية الفرنسية
تميّز المغرب عن سائر المستعمرات الفرنسية بخصوصية جوهرية تتمثل في أنه خضع لنظام الحماية لا للاستعمار المباشر. وهذه الخصوصية انعكست بوضوح على الأنظمة الإدارية المُعتمَدة، لا سيما في ما يتعلق بالوظيفة العمومية. فقد حرصت الإدارة الفرنسية على الإبقاء ظاهرياً على المرجعية المخزنية من خلال إصدار بعض القرارات باسم السلطان أو بتوقيع الوزراء المغاربة كمحمد بن محمد الجباص الذي وقّع قرار البيطرة في الجريدة الرسمية عدد 111.
غير أن هذه المرجعية المخزنية الشكلية لم تُغيّر في جوهر الأمر الذي كان يتحدد في نهاية المطاف بإرادة الإدارة الفرنسية المتمثلة في شخص المقيم العام ليوطي. فالقرارات الكبرى المتعلقة بتنظيم الوظيفة العمومية وتحديد التعويضات وغيرها كانت تنعكس على توقيع المقيم العام قبل نشرها في الجريدة الرسمية، مما يُبيّن أن مرجعيتها الفعلية كانت فرنسية بامتياز.
10.3. الدروس المستخلصة من المقاربة المقارنة
يُقدّم التحليل المقارن لتجربة مغرب الحماية في مجال تعويضات الوظيفة العمومية جملةً من الدروس التي يُمكن استحضارها في مجال الدراسات الاستعمارية والإدارة العمومية المقارنة. فثمة نمط مُتكرّر يتجلى في الطريقة التي تُرسي بها الأنظمة الاستعمارية هياكلها الإدارية: البدء بتقنين الحقوق المادية للموظفين بهدف استقطاب الكفاءات وضمان ولائها، ثم الانتقال تدريجياً إلى تنظيم المسار الوظيفي وآليات التأديب ومتطلبات الكفاءة.
كما يكشف التحليل المقارن أن منظومة التعويضات التمييزية التي تُفرّق بين فئات الموظفين وفق معيار الجنسية والأصل الإثني ليست ظاهرة خاصة بالتجربة المغربية، بل إنها سمة مشتركة لجميع تجارب الاستعمار الفرنسي وغيرها من الاستعمارات الأوروبية، وإن تفاوتت في درجة حدّتها وفي أسلوب تبريرها قانونياً وإيديولوجياً.
خاتمة
تُقدّم الجريدة الرسمية للمغرب عدد 111 الصادرة في يونيو 1915م وثيقةً نادرة الثراء لمن يسعى إلى استيعاب حقيقة الإدارة الاستعمارية الفرنسية في مغرب الحماية من الداخل. فهي لا تقتصر على كونها نصاً قانونياً إجرائياً يُنظّم تعويضات صوائر السفر والإقامة للموظفين، بل تنطوي في أعماقها على فلسفة إدارية متكاملة تعكس بصدق منطق سلطة الحماية في التعامل مع ثروتها البشرية.
وقد كشف هذا المقال من خلال تحليله لهذه الوثيقة عن عدة حقائق جوهرية: أولها أن نظام التعويضات لم يكن مجرد إجراء مالي بيروقراطي، بل كان أداةً سياسية واجتماعية للتحكم في تدفق الكفاءات وضمان استقرارها في المغرب. ثانيها أن التمييز بين الفئات المختلفة من الموظفين وفق معيار الجنسية والأصل كان نمطاً إدارياً مُقنَّناً ومُعترَفاً به رسمياً لا حالةً استثنائية. ثالثها أن الإدارة الفرنسية أبدت اهتماماً واضحاً بإرساء منظومة رقابية فعّالة لضمان الحسن استخدام الأموال العامة المُخصصة للتعويضات.
إن دراسة هذا الإرث الإداري لا تُستهدف منها أي نزعة تمجيدية للحقبة الاستعمارية، بل هي ضرورة معرفية موضوعية تُمكّن من فهم الجذور التاريخية للإدارة المغربية والانطلاق منها لبناء رؤية نقدية مستنيرة تُساعد على فهم المسار الطويل للإصلاح الإداري في المغرب. فالتاريخ الإداري ليس حكراً على السلطة التي أنتجت وثائقه، بل هو ملكٌ للأجيال القادمة التي تستحضره لاستخلاص الدروس وتجنّب الأخطاء وبناء غدٍ إداري أكثر عدالةً وكفاءةً وشفافية.
وختاماً، يبقى السؤال الجوهري الذي تُثيره هذه الدراسة في حاجة إلى مزيد من البحث والتأمل: كيف يُمكن للمغرب المستقل اليوم أن يُوظّف هذا الإرث الإداري التاريخي الغني لتطوير منظومة الوظيفة العمومية وتحسين شروط عمل موظفيها وتعزيز مبادئ العدالة والاستحقاق في الوصول إلى الوظيفة العمومية والاستفادة من حقوقها المادية؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تطرحه وثائق كالجريدة الرسمية عدد 111 على قرّائها والمهتمين بشأن الإدارة والتاريخ في المغرب المعاصر.
تحميل العدد 111 بتاريخ 14 يونيو1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق