التشريع الجنائي والاقتصادي في مغرب الحماية: دراسة تحليلية في الظهائر الشريفة الواردة في الجريدة الرسمية عددي 112 و113 (28 يونيو 1915م)

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
نبذة عن المقال: الجريدة الرسمية المغرب 1915، ظهير الدخان والكيف، ضبط الأسلحة المغرب، الإدارة الاستعمارية، الحماية الفرنسية، التشريع الجنائي مغرب، احتكار الدخان، تعويض

مقدمة

تُمثّل أعداد الجريدة الرسمية للمغرب الصادرة في السنوات الأولى من عهد الحماية الفرنسية (1912-1956) كنزاً وثائقياً لا يُستهان به لمن يرومون فهم الكيفية التي بنت بها الإدارة الاستعمارية صرحها القانوني والتشريعي على الأرض المغربية. فهذه الأعداد المتتالية من الجريدة لا تحكي فحسب قصة التأطير القانوني لمؤسسات الدولة الناشئة في ظل الحماية، بل تفضح أيضاً الأولويات السياسية والاقتصادية والأمنية التي كانت تُحرّك آلة التشريع في تلك المرحلة الفارقة من تاريخ المغرب.

وتأتي الجريدة الرسمية عددا 112 و113 الصادران بتاريخ 28 يونيو 1915م الموافق الخامس عشر من شعبان عام 1333هـ في مقدمة هذه الوثائق النفيسة، إذ يجمعان بين دفتيهما جملةً من الظهائر الشريفية والقرارات الوزارية التي تمسّ قطاعات حيوية متعددة، أبرزها: تنظيم الرقابة على الدخان والكيف وحصر تجارتهما وتحديد العقوبات المترتبة على مخالفة نظام هذا الحصر، وضبط الأسلحة والذخائر وتقنين حملها وتداولها واستيرادها، وتنظيم الفراغات السكنية والأماكن التي لم يُعيَّن لها مستأجرون بما يتعلق بتعويضات السكنى وغلاء أسعار القوت، إضافةً إلى قرارات تعيين موظفين في مناصب إدارية مختلفة وطلبات تسجيل عقارية في قسم الأملاك.

يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه الظهائر والقرارات تحليلاً معمّقاً يرصد أبعادها القانونية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في سياق المنهج التاريخي المقارن الذي يربط النص الرسمي بالظروف الموضوعية التي أفرزته. وسيتناول المقال تفصيلاً كل واحد من هذه الظهائر، كاشفاً عن الدلالات العميقة التي ينطوي عليها في فهم طبيعة الدولة الاستعمارية ومنطق اشتغالها في المغرب.

تحميل العدد 112-113 بتاريخ 28 يونيو1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

أولاً: الإطار التاريخي والتشريعي لمغرب الحماية في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين

1.1. السياق العام لصدور الجريدة الرسمية عددي 112 و113

صدرت هذه الجريدة في يونيو 1915م، أي بعد ثلاث سنوات فحسب من إقرار معاهدة الحماية الفرنسية في مارس 1912م. وكانت تلك مرحلة شديدة الدقة والتعقيد في التاريخ المغربي، إذ كانت الإدارة الفرنسية بقيادة المقيم العام ليوطي تسعى بكل طاقتها إلى توطيد سلطتها على التراب المغربي وبسط نفوذها على جميع المناطق التي لم تخضع بعد لسيطرتها الكاملة، وفي الوقت ذاته كانت تنكبّ على بناء منظومة قانونية وتشريعية شاملة تُرسّخ دعائم الحكم الاستعماري وتُقنّن حقوق الدولة واحتكاراتها ورقابتها على المجتمع والاقتصاد.

وكان العالم في تلك الأثناء غارقاً في أتون الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، مما جعل إدارة الحماية تتعامل مع الوضع الأمني الداخلي بمزيد من الحذر والصرامة، خشية أن تُفضي القلاقل الداخلية أو المقاومة المسلحة إلى تعريض المصالح الفرنسية للخطر في وقت كانت فيه فرنسا منهكة في مواجهة القوات الألمانية على الجبهة الأوروبية. ويُفسّر هذا السياق جزئياً التشدد الواضح في الظهائر المتعلقة بضبط الأسلحة والذخائر وتقييد تجارة الدخان والكيف التي وردت في هذين العددين من الجريدة.

1.2. الطابع المزدوج للتشريع في مغرب الحماية: بين الظهير والقرار الوزاري

يتسم النظام التشريعي في مغرب الحماية بطابع مزدوج لافت، يجمع بين نوعين متمايزين من النصوص القانونية: الظهير الشريف الصادر باسم السلطان والمُوقَّع منه شكلياً، والقرار الوزاري الصادر بتوقيع أحد وزراء الإدارة الشريفة أو المقيم العام الفرنسي. وقد كرّس هذا الازدواج وهمَ السيادة المخزنية على البلاد في الوقت الذي كان فيه القرار الفعلي يُصنع في مكاتب الإقامة العامة الفرنسية.

وتبرز هذه الازدواجية بجلاء في وثائق الجريدة الرسمية عددي 112 و113؛ فالظهائر الشريفية الكبرى المتعلقة بتنظيم الدخان والأسلحة تحمل في ختامها عبارة "قد سجل هذا الظهير الشريف بالوزارة الكبرى بتاريخ كذا"، وتوقيع محمد بن محمد الجباص الوزير المغربي المرافق لتوقيع المقيم العام ليوطي. وهذا الأسلوب في التوثيق يمنح النص الرسمي ثقلاً مُقدَّساً مُستمَداً من سلطة السلطان، مع الحرص على الإشارة الضمنية إلى أن هذا النص قد مرّ على مكاتب الإقامة العامة ونال موافقتها قبل نشره.

1.3. أهمية القسم الغير رسمي: الأملاك العقارية وطلبات التسجيل

يتضمن عددا الجريدة قسماً غير رسمي خاصاً بالأملاك العقارية، يحتوي على طلبي تسجيل عقاري يخصان منطقة الدار البيضاء. وقد كان هذا القسم يُمثّل أداةً رئيسية في مسيرة التحفيظ العقاري الذي شرع فيه المشرع الفرنسي منذ الأيام الأولى للحماية، مستنداً إلى ظهير التحفيظ العقاري الصادر في رمضان 1331هـ. وكان التحفيظ يستهدف في جوهره توفير الأمان القانوني اللازم لاستثمارات المُعمِّرين الفرنسيين وتسهيل نزع ملكية الأراضي لصالح مشاريع التوسع العمراني والزراعي.

 

ثانياً: ظهير الدخان والكيف - الاحتكار الاقتصادي والرقابة الاجتماعية

2.1. نشأة احتكار الدخان وخلفياته الاقتصادية

يُعدّ ظهير الدخان والكيف الوارد في الجريدة الرسمية عددي 112 و113 من أبرز النصوص القانونية التي تكشف عن النهج الاحتكاري الذي انتهجته إدارة الحماية في التعامل مع القطاعات ذات العائد الاقتصادي المرتفع. فقد نصّ هذا الظهير صراحةً على منح شركة حصر الدخان بالمغرب حق شراء جميع أنواع الدخان والكيف وصنعهما وبيعهما دون غيرها، وذلك إلى انتهاء مدة الرخصة الممنوحة لها.

وقد استندت هذه المنظومة الاحتكارية إلى الظهير الشريف الصادر في الرابع والعشرين من ديسمبر سنة 1910 بشأن الموافقة على السمسرة المذكورة، وإلى شروط الشركة التي تضمّنها نظام حصر الدخان بالمغرب. وتُشير هذه الإحالة إلى نص سابق يعود إلى ما قبل إعلان الحماية رسمياً، مما يدل على أن المفاوضات حول احتكار الدخان كانت تجري بالتوازي مع التمهيد السياسي لإقرار الحماية، وهو ما يُرجّح أن هذا الاحتكار كان أحد الأوراق التي استخدمها المفاوضون الفرنسيون في انتزاع الموافقة المغربية على الشروط الإجمالية للحماية.

2.2. النظام القانوني لتنظيم استيراد الدخان وتجارته الداخلية

رسم ظهير الدخان والكيف منظومة قانونية مُتشعّبة تُغطي جميع مراحل دورة حياة منتجات الدخان داخل المغرب، من الاستيراد حتى الاستهلاك النهائي. ففي ما يتعلق بالاستيراد، نصّ الفصل الثاني على تحريم إدخال أنواع ورق الدخان والكيف إلى منطقة الحماية الفرنساوية بالمغرب سواء كانت صنمهما أم لا، إلا إذا كانت واردة من شركة حصر الدخان. غير أن الظهير أجاز استثناءً ضيّقاً يتمثل في إمكانية إرسال أنواع الدخان المصنوعة إلى بعض الأفراد بشرط أن تدفع عليها ضريبة تزيد على ضريبة الديوانة الاعتيادية وقدر هذه الضريبة الزائدة سبع وثلاثون بسيطة ونصف عن كل كيلو من الدخان أو المد أو الدخان المد للشم، وأيضاً سبع وثلاثون بسيطة ونصف عن كل ألف كارو وواثنان وعشرون بسيطة ونصف عن كل مائة سيكارو وأما الكيف فيُحسب من الدخان المذكور.

أما في ما يخص التجارة الداخلية، فلم يُجِز الظهير تجارة أوراق الدخان والكيف سواء كانت صنعهما أم لا إلا بإذن خصوصي من شركة الدخان. وشمل هذا الحظر كذلك تجارة أنواع الدخان والكيف المصنوعة إذا لم تكن عليها علامات الشركة، وذلك في إشارة واضحة إلى أن الشركة الاحتكارية كانت تعتمد وسماتها التجارية أداةً للتحقق من مصدر المنتوج وضمان عدم التهرب من الضريبة.

2.3. منظومة الرقابة والتفتيش وآليات تطبيق القانون

أبدى الظهير عناية بالغة بإرساء منظومة رقابة فعّالة تكفل تطبيق أحكام احتكار الدخان على أرض الواقع. فخصّص الفصل الثامن لتحديد مهام الأعوان المكلفين بمراقبة الغشاشين بالدخان والكيف، ونصّ على أن مخالفة القانون وغش الديوانة فيما يختص بالدخان والكيف يقع البحث فيهما والتقرير عليهما بواسطة الأعوان المقبولين من وكيل المخزن الشريف لدى شركة حصر الدخان والمفوضين بهذا الأمر طبقاً للظهير الصادر في خامس جمادى الثانية عام 1333هـ.

وإلى جانب هؤلاء الأعوان الخاصين، أُسند دور الرقابة الميدانية أيضاً إلى أعوان الجندرمة والبوليس ومنهم اثنا عشر من الأعوان الحكومة الشريفة وموظفي الديوانة المدنيين المخزنيين. والملاحظ هنا أن الظهير دمج في منظومة الرقابة بين أعوان الجهاز الإداري المغربي وأعوان شركة الاحتكار الفرنسية، مما يُبيّن التشابك العضوي بين السلطة العامة والمصالح الاقتصادية الخاصة في نموذج الاستعمار الاحتكاري الفرنسي.

2.4. العقوبات المقررة على المخالفات: بنية قانونية جنائية متكاملة

خصّص الظهير بابه الثالث بكامله لتنظيم العقوبات المترتبة على مخالفة أحكامه، معتمداً نظاماً عقابياً متدرجاً يتدرج من الغرامة المالية إلى السجن مروراً بمصادرة البضاعة المهربة. فنصّ الفصل الثاني عشر على أن من خالف هذا الظهير يُعاقَب بذعيرة تتراوح من المائة إلى العشرة آلاف بسيطة حسنية أو يبلغ من السكة الفرنساوية ما لا تقل الذعيرة عن عشر بسيطات حسنية لكل كيلو من الدخان أو من الكيف، والمحجوز كما لا يمكن أن تتجاوز الذعيرة المذكورة عشرة آلاف آلاف بسيطة وزيادة على ذلك فتؤخذ السلع والأشياء والمنقولة خفية.

وقد اهتمّ الظهير بشكل خاص بتنظيم توزيع حصيلة الذعائر المحصّلة من المخالفين، وهي قاعدة تعكس اتجاهاً نحو تحفيز الأعوان على إبلاغ المخالفات من خلال منحهم نصيباً من المبالغ المُستردة. فنصّ الفصل الخامس عشر على أن الذعائر الراقعة على المخالفين تُوزَّع بعد طرح جميع الصوائر على الشركة كما يأتي: تدفع شركة الدخان الثلث للأعوان الذين يبلغون بدون مخالفة، والثلث الثاني للأعوان الذين باشروا حجز السلع، والثلث الباقي لشركة الدخان.

وفيما يتعلق بإمكانية الصلح قبل إجراء المحاكمة، أجاز الفصل السادس عشر للشركة أن تفصل القضية بطريق المصالحة قبل الحكم أو بعد إصداره فيما يتعلق بالمخالفات المتعلقة بالمحكوم فيها بالذعائر فقط بالذعائر والسلم وحجز الدواب والمراد التي يخشى من فسادها. وتكشف هذه الإمكانية عن الطابع الاقتصادي الصرف للمنظومة العقابية المُقرَّرة، إذ كان الهدف الأسمى هو استيفاء الاحتكار لحقوقه المالية أكثر من كونه معاقبة المخالف ورادعاً لغيره.

 

ثالثاً: ظهير ضبط الأسلحة والذخائر - السيطرة الأمنية على التراب المغربي

3.1. خلفيات تشريع ضبط الأسلحة في مغرب الحماية

يُعدّ ظهير ضبط جلب الأسلحة والاسلحة الثمينة للإبالة الشريفة وفي حملها والمتاجرة بها وفيما يلزمها من المؤن من أكثر الظهائر الواردة في هذين العددين من الجريدة دلالةً على الهموم الأمنية التي كانت تُشغل إدارة الحماية. ذلك أن مغرب الحماية كان يشهد في تلك المرحلة مقاومةً مسلحة متفرقة لم تنطفئ جذوتها كلياً، فضلاً عن أن وجود كميات كبيرة من الأسلحة غير المضبوطة بيد القبائل والعشائر كان يُمثّل تهديداً مستمراً لاستقرار الإدارة الاستعمارية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الظهير لم يكن الأول من نوعه في هذا الشأن، بل استند نصّه صراحةً إلى الفصل الثالث والسبعين من عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء، المنعقدة من عام 1906م التي كانت تضمّنت أحكاماً دولية تتعلق بتنظيم تجارة الأسلحة في المغرب. كما أشار الظهير إلى قرارات سابقة صادرة في ديسمبر 1912 وتعديلاتها، مما يدل على أن المسألة الأمنية كانت تتطور تشريعاً بصورة متواصلة منذ اللحظات الأولى لتأسيس الحماية.

3.2. الأحكام الجوهرية لتنظيم استيراد الأسلحة وحملها

نصّ الباب الأول من ظهير الأسلحة على تحريم إدخال جميع أنواع الأسلحة الحربية غير المستعملة كالأسلحة الحرية للصيد والبنادق المسماة بالكبرسون والفرود المسماة بالبستولي ومنها الذخائر والرصاص والرماية إلى مناطق الحماية الفرنساوية بالإبالة الشريفة، إلا بعد الحصول على رخصة خصوصية من السلطات المأذون لها بإصدارها.

وميّز الظهير في هذا الشأن بين نوعين من المُرشَّحين للحصول على رخصة الاستيراد: أربابُ الأسلحة القادمون إلى المغرب للمرة الأولى، وأرباب الأسلحة الموجودون أصلاً في البلاد. فبالنسبة للفئة الأولى، أوجب الظهير عليهم أن يُجروا الرخصة اللازمة في شأنها بجيازوها بالفصل السادس بحيث يأخذوا رخصة في حملها. أما بالنسبة للفئة الثانية، فألزمهم الظهير بأن يُجروا اعتماداتهم لليباطرة العسكريين ويحوزوا رخصة دخص في حملها ظرف أجل قدره ثلاثة أشهر من تاريخ إجراء العمل بهذا الظهير.

3.3. الرقابة على تجارة الأسلحة: شروط المستوردين والتجار

أولى الظهير اهتماماً خاصاً بتنظيم تجارة الأسلحة، نظراً لما تنطوي عليه من أخطار أمنية مضاعفة مقارنةً بمجرد الحيازة الشخصية. فنصّ الفصل الثالث من الباب الثاني على أنه لا تسوغ التجارة في الأسلحة إلا لمن حاز رخصة خصوصية من الدولة الشريفة وتحدد فيها الدكاكين الذين يبيعوا فيها الاسلحة بحيث لا يحق له إيداع الاسلحة عند من ليس معه رخصة فيها.

وقد اشترط الظهير في كل من أراد التجارة المذكورة أن يقدم طلباً للمقيم العام بواسطة الإدارة الإدارية المكلفة بالمراقبة الإدارية في الناحية التي يسكن بها ويجب عليه أن يُضيف إلى طلبه شهادة من حكومته حسن سيرته وإخلاقه وأن يضع بالبنك المخزني ضمانة قدرها خمسة آلاف فرنك. وهذا الاشتراط الأخير لتقديم ضمان مالي كبير كان يُقيّد التجارة في الأسلحة عملياً بالمتموّلين والمُلاءة مالياً، مما كان يُحدّ من إمكانية توسّع هذه التجارة وانتشارها في الأسواق الشعبية.

3.4. التفريق بين أصناف الأسلحة والمعاملة التشريعية المتباينة

أبدى الظهير دقةً تصنيفية ملحوظة في التعامل مع مختلف أصناف الأسلحة، متجنّباً المعالجة الاختزالية الجامعة والمانعة التي كانت ستُغلق نافذة التعامل مع الأسلحة كلياً. فقد ميّز بين الأسلحة الحربية ذات الخطر الأمني العالي كالبنادق والمسدسات، وبين أسلحة الصيد والأسلحة التقليدية التي يحملها المغاربة لأغراض غير عدائية، وبين الأسلحة التي يحق للسكان الوطنيين حملها علناً وتلك التي تحظر.

وفي الفصل السادس من الباب الأول، أقرّ الظهير بأنه لا يسوغ لأحد أن يحمل سلاحاً ظاهراً أو خفياً إلا إذا كانت بيده رخصة، مع تنصيص صريح على عدة استثناءات تُراعي حالات بعينها: أولاً من حكم عليه بجناية، ثانياً من حكم عليه بجريمة وذلك في أثناء العام الذي يلي إطلاق سراحه، ثالثاً للمحجورين، رابعاً للقاصرين الذين لم يتجاوز سنهم سبعة عشر عاماً. وهذا التحديد الدقيق لفئات المحرومين من الحق في حمل الأسلحة يُبرز طابع القانون الجنائي الحديث الذي كانت إدارة الحماية تسعى إلى تأسيسه في المغرب.

3.5. الأحكام الانتقالية: المعاملة الاستثنائية للقادمين إلى المغرب لأول مرة

نصّ الفصل السابع على معاملة خاصة تُستثنى من القاعدة العامة، تتعلق بكل من قدم للمغرب أول مرة وكان معه بعض الأسلحة المبيّنة بالفصل الأول بالشروط المبيّنة بالفصل السادس بحيث يأخذ رخصة في حملها. وقد اعترف الفصل الثامن بإمكانية الترخيص في صنع الأسلحة الوطنية والتجارة فيها كالبندقيات ذات الأشفار وذات الجبة والغير المشروطة والألعاب والأسلحة البيضاء المقررة في شأن بيع الأسلحة المجلوبة ولا يجب على الوطنيين دفع الضمانة كما أنه يجوز حمل الأسلحة الوطنية مجاناً على الوطنيين والولاة المحلية ولهم أن يمنعوا السلاح ولهم أن يمنعوا الرخصة في حمل السلاح لمن يتخذوا على الفور الوسائل اللازمة لحفظ الأمان العام.

 

رابعاً: ظهير تغيير الأحكام الخاصة بالرقابة على الدخان والكيف والصيدلة

4.1. التعديلات التشريعية المُدخَلة على نظام الرقابة

تضمّن العددان 112 و113 من الجريدة الرسمية أيضاً ظهيراً يقضي بتغيير بعض أحكام الظهير الصادر من مايو سنة 1915 المتعلق بمراقبة جلب الدخان والكيف خفيةً وفي منعهما وذلك بالنسبة للصيدلة. وقد جاء هذا التعديل استجابةً لضرورة عملية تتعلق بطبيعة بعض المواد المُستخدَمة في الصيدلة والتي تحتوي على مشتقات التبغ أو الكيف، وهو ما يُحتج به لتبرير الاستثناء.

فنصّ الفصل الرابع المُعدَّل الفقرة الرابعة من الفصل الثاني عشر من ظهيرنا المؤرخ بالتاسع عشر من جمادى الثانية عام 1333هـ المؤرخ بالرابع من مايو سنة 1915م على أنه يُعاقَب من خالف الفصل الخامس من شروط الظهير هذا بذعيرة لا تقل عن ألف بسيطة حسنية وزيادة على ذلك يمكن أن يعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر. وقد أجاز الظهير التعديلي أن يعاقَب بالسجن وجوباً من ثلاثة أيام إلى ستة أشهر من تكررت منه المخالفة.

4.2. الرخص المُمنوحة للصيادلة وشروطها

أفرز الظهير الخاص بالصيدلة نظاماً ترخيصياً خاصاً يختلف في تفاصيله عن نظام الترخيص العام المُعتمَد في ظهير الدخان والكيف الأصلي. فقد أجاز الباب الثالث يرخص للصياديين المذكورين اعلاه بتعاطي حرفة الصيدلة في المحل الذي فتحوه قبل التاسع عشر من سبتمبر سنة 1913، ولكن لا يجوز لهم أن يفتحوا محلاً آخر علي أن يكون ذلك في المدينة نفسها.

كما أضاف الباب أحكاماً خاصة تتعلق بالمشتركين بينهم باستغلال أحدى الصيدليات بما يمنع استغلال صيدلية أخرى لهم لا بمتابعتها نفسها وإذا فسختها فلا يجوز لأحد منهم أن يحدث صيدلية جديدة منفصلة عن التي قد رخص لهم باستغلالها بمقتضى هذا القرار ولا يمكن للذين يتعاطون حرفة الصيدلة مع حايز للإجازة أن يتنقلوا من صيدليتهم إلى أخر بشرط أن يقع ذلك في المدينة نفسها.

4.3. الشروط الإدارية والمالية لصحة الترخيص

حدّد الظهير الإجراءات الإدارية التفصيلية التي يتعيّن على الصيدلي الراغب في الحصول على الرخصة اتباعها. فقد ألزمه بأن يتقدم بطلب للمقيم العام طلباً في الناحية الإدارية بالمراقبة الإدارية التي يسكن بها والتي تعلم بالمراقبة الإدارية التي تكلف بها وأن يضيف إلى طلبه شهادة من حكومته حسن سيرته وإخلاقه وأن يضع بالبنك المخزني ضمانة قدرها خمسة آلاف فرنك. كما أوجب عليه أن يعمل بما تقدم من الشروط على حسب القانون أو بناء على اتفاق خصوصي فلا يرخص له إلا للذين ليس لهم من يمنحوا الرخصة.

 

خامساً: قرار تنظيم السكنى والأماكن غير المُعيَّنة - بُعد اجتماعي وإداري

5.1. إشكالية الفراغات السكنية في سياق التحولات الديموغرافية

تضمّن العددان 112 و113 قراراً وزارياً يُنظّم الأماكن الكائنة بالإبالة الشريفة التي لم يقع تعيينها في أحد الطبقات الخاصة بتعويضات السكنى وغلاء أسعار القوت. وجاء هذا القرار استجابةً لواقع ديموغرافي واجتماعي جديد أفرزته الحماية الفرنسية، يتمثل في الموجات المتواصلة من الأوروبيين القادمين إلى المغرب للعمل في الإدارة أو للاستثمار، إذ كثيراً ما كان هؤلاء القادمون يجدون صعوبةً في إيجاد مساكن ملائمة في المدن المغربية، نظراً لأن البنية العقارية التقليدية لم تكن مُعدَّة أصلاً لاستيعاب هذه الأعداد الجديدة.

وقد نصّ هذا القرار على أن الأماكن الكائنة بالإبالة الشريفة التي لم يقع تعيينها في أحدى الطبقات المشار اليها أعلاه فمن الطبقات المُشار إليها تدخل في الطبقة الثالثة من الطبقات المُشار لها. وهذا الحكم التبسيطي الساعي إلى سدّ فراغ تشريعي يدل على أن المنظومة التصنيفية للمساكن وفق درجاتها كانت لا تزال في طور البناء وأن الواقع العملي كان يُفرز باستمرار حالات غير مُدرجة ضمن الأطر القانونية المرسومة.

5.2. التعويضات السكنية في ضوء السياق الإداري الأشمل

ينبغي فهم هذا القرار في إطاره الأشمل المتعلق بمنظومة تعويضات الموظفين التي سبق التفصيل فيها في العدد 111 من الجريدة الرسمية. فالموظفون الفرنسيون المُعيَّنون في المغرب كانوا يستحقون تعويضات سكنية تُضاف إلى رواتبهم الأساسية، وذلك تبعاً للدرجة الوظيفية والمدينة التي يعملون فيها وطبيعة السكن المُتاح. وكانت تصنيف الأماكن السكنية في طبقات هو الأداة الإجرائية التي تُحدد قيمة هذه التعويضات.

ومن اللافت أن القرار أشار إلى أن هذه الأحكام صادرة بمقتضى الظهيرين المؤرخين بالثامن عشر من أبريل سنة 1913م المتعلقين بتعويضات السكنى وغلاء أسعار القوت، مما يدل على أن تنظيم الفراغات السكنية للموظفين كان جزءاً من منظومة تشريعية أوسع بدأت في السنة الأولى للحماية ولم تتوقف عن التطور والتكامل حتى سنة 1915م على الأقل.

 

سادساً: قرارات التعيين الوظيفي - رسم ملامح الكادر الإداري للحماية

6.1. تعيين المعاونين والكتّاب في المناصب القضائية والإدارية

تضمّنت الجريدة الرسمية عددا 112 و113 جملةً من القرارات الوزارية المتعلقة بتعيين موظفين في مناصب إدارية وقضائية مختلفة، مما يُتيح نظرة استقرائية على طبيعة الكادر البشري الذي كانت إدارة الحماية تسعى إلى بنائه في تلك المرحلة. فقد تضمّن العدد ظهير شريف في تعيين معاون من الدرجة الرابعة بكتابة محكمة الصلح بالدار البيضاء، وكان اسمه المسيو ديلو بول المُعيَّن بمكتب محكمة الصلح بالدار البيضاء والسلام.

وقد وُقِّع هذا الظهير في الرباط بتاريخ الثامن عشر من رجب عام 1333هـ الموافق السابع من يونيو سنة 1915م، وتضمّن توقيعات محمد بن محمد الجباص الذي اطّلع عليه المقيم العام وأذن بنشره في الرباط في الحادي عشر من يونيو 1915م مع توقيع سانتولار.

6.2. قرار تنظيم إدارة المراقبة للقادمين للاستيطان بالإبالة الشريفة

يُمثّل قرار تنظيم إدارة المراقبة للقادمين للاستيطان بالإبالة الشريفة واحداً من أكثر القرارات الواردة في هذين العددين دلالةً على التحديات الأمنية التي كانت تُقلّق إدارة الحماية. فقد نصّ هذا القرار على تنشأ بادارة البوليس العام بالكتابة العامة ادارة مراقبة القادمين للاستيطان بالإبالة الشريفة وذلك تحت ادارة مدير البوليس العام المذكور وبكلف بالقيام بها كميسير أو أكثر واعوان من الفرقة المركزية بالأمن العام.

ويكشف هذا القرار عن القلق الذي كان يُساور الإدارة الفرنسية من تسلّل عناصر غير مرغوب فيها إلى المغرب، سواء كانوا مناضلين مناهضين للاستعمار أو مُهرَّبين أو متورطين في التجسس لصالح الأطراف المعادية لفرنسا في خضم الحرب العالمية الأولى. ومن هذا المنطلق، شكّل إنشاء هذه الإدارة الرقابية خطوةً نحو إقامة منظومة أمنية شاملة تُحكم القبضة على حركة السكان داخل الإقليم الخاضع للحماية.

6.3. قرار تنظيم تعاطي حرفة الصيدلة لصالح الموظفين الإداريين بالإبالة

أفصح قرار تعيين كاتب الكاتبة بالإبالة الشريفة رسمياً في وظيفه عن جانب مهم من السياسة الإدارية لإدارة الحماية في ما يتعلق بتوظيف الكفاءات المغربية في الجهاز الإداري. فقد نصّ هذا القرار على تعيين المسيو صنياص انطونان كاتباً رسمياً في سلك الكاتبة الرابعة وانخرط في وظيفه وذلك في وظيفه ابتداء من عاشر يونيو سنة 1915م. وتكشف هذه القرارات مجتمعةً عن أن إدارة الحماية كانت تميل إلى توظيف موظفين فرنسيين في المناصب الإدارية حتى الدنيا منها.

 

سابعاً: قرارات تعاطي حرفة الصيدلة - تنظيم قطاع الصحة العامة

7.1. السياق الصحي العام ودواعي تنظيم مهنة الصيدلة

أُدرجت في هذين العددين عدة قرارات تتعلق بالرخص الممنوحة لتعاطي حرفة الصيدلة لعدد من الصيادلة في مختلف المدن المغربية. ويندرج هذا التنظيم في إطار المسعى العام لإدارة الحماية نحو تحديث قطاع الصحة العامة في المغرب وإخضاعه لمعايير مهنية واضحة تُراقب جودة الخدمات المقدمة وتُحدد صلاحيات العاملين في هذا القطاع.

وقد أتاحت هذه القرارات رخص الصيدلة لمجموعة واسعة من الصيادلة الفرنسيين، حيث ذكرت أسماء عديدة مثل المسيو أللوزا طيودور في وجدة، والمسيو استيتو نانزيو في آسفي، والمسيو افرنا ارتورو في الدار البيضاء، والمسيو كيا فيليكس بالقنيطرة، وغيرهم كثيرون في مدن مغربية مختلفة.

7.2. توزيع الصيدليات على التراب المغربي وأهميته الصحية والديموغرافية

يكشف رصد المدن التي صدرت فيها رخص الصيدلة عن خريطة التوزيع الجغرافي لصيادلة عهد الحماية. فقد تضمّنت القائمة الواردة في الجريدة عدداً مهماً من الصيادلة في الدار البيضاء والرباط والقنيطرة والبيضاء، بينما كانت المدن الداخلية كمراكش وفاس حاضرة بعدد أقل، مما يعكس التوزيع غير المتكافئ للحضور الأوروبي على التراب المغربي وتمركزه الأساسي في المدن الساحلية والإدارية.

والقرار الصادر بخصوص الرخص الممنوحة للصيدلة يُحدد لمن فتحوا صيدلياتهم قبل التاسع عشر من سبتمبر سنة 1913م، وهذا التحديد التاريخي الدقيق يدل على أن الإدارة كانت تمنح امتيازاً خاصاً لمن سبق لهم ممارسة المهنة قبل صدور التشريع المنظّم لها، حفاظاً على استمرارية الخدمة الصحية وتفادياً لأي فراغ قد ينشأ عن الإغلاق المفاجئ للمنشآت العاملة.

7.3. الرقابة على الصيدليات وضمان جودة الدواء

حرصت قرارات الصيدلة الواردة في الجريدة على التنصيص على جملة من الضمانات المرتبطة بجودة الخدمة الصيدلانية، وذلك من خلال ربط استمرارية الرخصة بمتابعة أعمال الصيادلة المرخَّص لهم بمتابعة اعمالهم على الشروط السابقة وذلك بشرط أن يستمروا على ممارسة المهنة بطمأنينة حيث أن النصوص المذكور لها اعلاه تحول لا تخول للصيادلة حقوقاً أكثر من الحقوق التي كانت لهم بتاريخ التاسع عشر من سبتمبر سنة 1913.

 

ثامناً: القسم الغير رسمي - الأملاك العقارية ودلالاتها في سياق الحماية

8.1. نظام التحفيظ العقاري وأهدافه في مغرب الحماية

يحتوي القسم الغير رسمي من الجريدة الرسمية عددي 112 و113 على طلبي تسجيل عقاري يخصّان منطقة الدار البيضاء، وقد أُودعا لدى محافظ الأملاك العقارية بالدار البيضاء للنشر في تاريخ الخامس عشر من يونيو سنة 1915م.

ويندرج نظام تسجيل الأملاك هذا في إطار المنظومة القانونية للتحفيظ العقاري التي أرساها ظهير التحفيظ العقاري الصادر في التاسع من رمضان عام 1331هـ. وكان الهدف الرئيسي من هذه المنظومة توفير سجل ملكية موثوق به يُيسّر التداول القانوني للعقارات ويمنح الملاك ضماناً قانونياً لحقوقهم في مواجهة المطالبات المتعارضة. وقد كان هذا النظام موجّهاً في المقام الأول لخدمة المُعمِّرين الأجانب الراغبين في الاستثمار العقاري في المغرب، لأن النظام التقليدي للملكية المعتمد على التوثيق العدلي لم يكن يُتيح لهم الضمانات الكافية.

8.2. تحليل طلب التسجيل الأول: أرض لمصلحة السيد بيسي فرنسيس

يتعلق الطلب الأول بتسجيل قطعة أرضية لمصلحة السيد بيسي فرنسيس التاجر بالدار البيضاء المتزوج بالولية مونطاني بلانش على وجه الروكة كما هو ثابت برسم عدلي بمدينة لابليس في الخامس عشر من أكتوبر سنة 1905م الذي جعل محل إقامته العدلي بالدار البيضاء في مكتب الأستاذ فافرو الوكيل بزنقة سوق الملح عدد 28. وتبلغ مساحة هذا الملك المُراد تسجيله سبعاً وخمسين هكتارا تقريباً يحدّه شرقاً أرض قبيلة أولاد بني عمرو وجنوباً أرض قبيلة أولاد بهلول وشمالاً أرض قبيلة اولاد بشو.

والملاحظ في هذا الطلب أن الملك المراد تسجيله يُقع في محيط ريفي مجاور للدار البيضاء وتبلغ مساحته سبعة وخمسين هكتاراً، وهو ما يُرجّح أنه كان أرضاً زراعية أو مرعوية قابلة للاستثمار الفلاحي أو للتطوير العقاري لاحقاً. كما أن التاريخ المُعتمَد في الوثيقة العدلية التي استُند إليها لإثبات الملكية يرجع إلى عام 1905م، أي قبل إعلان الحماية بسبع سنوات، وهو ما يوحي بأن عمليات شراء الأراضي من قِبل الأوروبيين بدأت قبل رسمية الحماية بفترة مديدة.

8.3. طلب التسجيل الثاني: أرض لمصلحة هوفان المدعو بـ"فيرمة دي طواسيط"

يتعلق الطلب الثاني بتسجيل قطعة أرضية لمصلحة السيد هوفان هولاندا الفلاح الساكن بالرباط وُلد في الجزائر يوم السابع من يوليت سنة 1876م المتزوج في مارس سنة 1914م بالولية بركطولد لويز على وجه اشتراك المكتسب كما هو منصوص عليه في رسم عدلي حرده الأستاذ بيسون الموثق بالجزائر في السابع عشر في مارس سنة 1914م وجعل محل إقامته العدلي في الرباط في زنقة سوق الملح عدد 28 طلب الملح عدد 28.

وتبلغ مساحة هذه الأرض احد وسبعون وخمسمائة هكتار وهو مشتمل على اراضي للحرث والمرعى وبيتين وعشرين من النوح واسطبيل وغيرها من المراهق وكاين يخمس كيلومترات من القنطرة ومخمس كيلومترات شمال المحطة والولي سيدي يحيى قرب طريق فاس. والملاحظ هنا أن الملك الثاني أكثر مساحةً وتنوعاً من الأول، إذ يضم أراضيَ للحرث والمرعى إضافةً إلى منشآت عمرانية متعددة، مما يدل على أنه كان خاضعاً فعلاً للاستغلال الزراعي في وقت تقديم طلب التسجيل.


تاسعاً: الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لظهائر العددين 112 و113

9.1. الاحتكار الاقتصادي وأثره على المجتمع المغربي

تبرز قراءة ظهائر هذين العددين من الجريدة الرسمية أن إدارة الحماية الفرنسية اعتمدت نهجاً اقتصادياً احتكارياً ممنهجاً في إدارة الموارد ذات العائد المرتفع. فاحتكار تجارة الدخان والكيف كان يُتيح للشركة الاحتكارية استنزاف الطلب الداخلي المغربي وتحقيق أرباح مضاعفة بفضل الحماية التشريعية التي منعت أي منافسة حرة. ولم يكن عموم المستهلكين المغاربة من الأهالي طرفاً في صياغة هذه المنظومة الاحتكارية ولا في تحديد أسعارها، بل كانوا مجرد مستهلكين مُجبَرين على قبول شروط الشركة إن أرادوا الحصول على المنتج القانوني.

وقد اصطدمت هذه المنظومة الاحتكارية في الواقع بصعوبات تطبيقية جمّة، إذ كانت الشبكات التقليدية لتهريب الدخان والكيف راسخة ومتجذرة في الواقع المغربي، وكان عدد كبير من السكان يُفضّلون التعامل مع هذه الشبكات تفادياً لأسعار الشركة الاحتكارية المرتفعة. ومن هنا، كان التشديد في العقوبات المقررة على المخالفين وتوسيع صلاحيات الأعوان في تطبيق القانون ضرورةً عملية لا يمكن الاستغناء عنها إن أريد للاحتكار أن يُحقق عائداته المأمولة.

9.2. ضبط الأسلحة بين الاعتبار الأمني والبُعد الاجتماعي

كان المغرب في مطلع القرن العشرين مجتمعاً تقليدياً توثّقت فيه الصلة بين الرجولة وحمل السلاح توثّقاً عميقاً في الموروث الثقافي والاجتماعي. فحمل السلاح لم يكن مجرد ممارسة دفاعية أو صيدية، بل كان تعبيراً عن مكانة اجتماعية واستقلالية وسيادة على النفس والبيت والقبيلة. وهكذا فإن ظهير ضبط الأسلحة الذي أخضع هذه الممارسة الراسخة لمنظومة قانونية صارمة من الرخص والضوابط والرقابة لم يكن مجرد إجراء أمني بارد، بل كان في العمق تدخلاً في النسيج الاجتماعي والثقافي المغربي.

غير أن الإدارة الفرنسية أبدت في صياغة هذا الظهير شيئاً من التدرّج والمرونة، إذ أبقت على إمكانية الترخيص وأجازت حمل الأسلحة التقليدية في حالات بعينها، بما يدل على الوعي بضرورة موازنة المتطلبات الأمنية مع مراعاة الخصوصيات الاجتماعية المغربية. وهذا النهج الانتقائي كان سمة مميّزة لأسلوب ليوطي في الحكم الذي اشتُهر بالميل إلى تكييف المنظومة القانونية مع الواقع المحلي بدلاً من إحلال النموذج الفرنسي كلياً محلّه.

9.3. تنظيم الصيدلة ودلالاته في تحديث الصحة العامة

تكشف القرارات المتعلقة بتنظيم مهنة الصيدلة عن جانب مشرق نسبياً في السياسة الاستعمارية الفرنسية، يتمثل في مسعاها نحو بناء منظومة صحة عامة حديثة تستند إلى معايير مهنية موثّقة. فقبل الحماية، كان التطبيب والصيدلة في المغرب يُمارَسان في معظمهما خارج أي إطار قانوني رسمي، مما كان يُعرّض السكان للتضليل والغش في الأدوية والعلاجات المُقدَّمة.

ومن هذا المنظور، كان تنظيم الصيدلة خطوةً نحو حماية المستهلك المغربي وضمان جودة الرعاية الصحية. غير أن هذه الحماية كانت في معظمها موجّهة نحو شرائح المجتمع القادرة على الوصول إلى خدمات الصيادلة الأوروبيين، في حين ظلّ عموم الأهالي في الأرياف والمناطق النائية بعيدين عن هذه المنظومة الصحية الجديدة.

 

عاشراً: الأثر التاريخي البعيد لتشريعات الجريدة الرسمية عددي 112 و113

10.1. استمرارية منظومة احتكار التبغ في المغرب المستقل

شهد المغرب في أعقاب الاستقلال سنة 1956م تحولات جذرية في كثير من المنظومات الاقتصادية الموروثة عن عهد الحماية، إلا أن احتكار التبغ ظلّ قائماً وإن تغيّر التشريع الناظم له. فالشركة الوطنية للتبغ والأعواد التي تأسست في إطار التأميم الجزئي لقطاعات الاحتكار الاستعماري حافظت على جوهر المنطق الاحتكاري القائم على تقييد التجارة الحرة في منتجات التبغ، وإن كانت إيرادات هذا الاحتكار باتت تذهب إلى الخزينة المغربية عوضاً عن أصحاب الشركة الاستعمارية الفرنسية.

ولا يزال إلى يومنا هذا يُعدّ قطاع التبغ في المغرب من القطاعات الخاضعة لرقابة حكومية مشددة، مما يُبيّن أن المنطق التشريعي الذي أرسته تشريعات الحماية ترسّخ في النسيج القانوني المغربي حتى بعد الاستقلال بعقود.

10.2. إصلاح منظومة الأسلحة وانعكاساتها على التشريع الأمني اللاحق

أفرز تشريع ضبط الأسلحة الصادر في عهد الحماية بنيةً إدارية وقانونية للتعامل مع ملف السلاح في المغرب لا تزال آثارها ملموسة في المنظومة القانونية للمملكة المغربية المستقلة. فقانون الأسلحة والذخائر الذي يُنظّم هذا الملف في المغرب الراهن يستند في جوهره إلى مبادئ الترخيص والرقابة والتسجيل التي أرستها تشريعات الحماية، وإن اختلفت الصياغات وتطورت التفاصيل تبعاً للتغيرات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب في القرن الماضي.

10.3. التحفيظ العقاري: من إرث الحماية إلى ركيزة التنمية في المغرب المعاصر

يُمثّل نظام التحفيظ العقاري المُؤسَّس في عهد الحماية من أوضح الأمثلة على استمرارية إرث الحماية القانوني في المغرب المعاصر. فمنظومة التسجيل العقاري التي يتضمّن عدداها من الجريدة الرسمية نماذج عملية منها، ما زالت تُشكّل العمود الفقري للنظام العقاري المغربي حتى اليوم، ولا يزال المحافظون على الأملاك العقارية في مختلف مدن المملكة يُباشرون مهامهم استناداً في جوهرها إلى ظهير التحفيظ العقاري المُعدَّل لعام 1913م.

وقد طُوِّرت هذه المنظومة في المغرب المستقل لتُصبح أداةً فعّالة لتعبئة العقارات في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، غير أن الجدل لا يزال قائماً حول مدى عدالة التحفيظ في حالات متعددة تتعلق بأراضي الجماعات السلالية وحقوق السكان الأصليين.

 

خاتمة

تُقدّم الجريدة الرسمية للمغرب عددا 112 و113 الصادران في يونيو 1915م شهادةً تاريخيةً فريدة على مرحلة بالغة الأهمية في تاريخ المغرب الحديث؛ مرحلة كان فيها المشرّع الاستعماري الفرنسي يعمل بصورة محمومة على بناء منظومة قانونية وإدارية شاملة تُرسّخ هيمنته الاقتصادية والأمنية والاجتماعية على البلاد.

وقد كشف تحليل الظهائر والقرارات الواردة في هذين العددين عن ثلاثة محاور رئيسية في السياسة التشريعية لإدارة الحماية في تلك المرحلة: المحور الأول يتمثل في الاحتكار الاقتصادي الذي جسّده ظهير الدخان والكيف، والمحور الثاني يتمثل في السيطرة الأمنية التي عبّر عنها ظهير الأسلحة والذخائر، والمحور الثالث يتمثل في التحديث الإداري الذي جسّدته قرارات تنظيم الصيدلة والتحفيظ العقاري وتعيين الموظفين.

وتبقى الدراسة التاريخية لهذه الوثائق في غاية الأهمية لأنها تُتيح لنا فهم الجذور البعيدة لكثير من إشكاليات التنمية التي يُعاني منها المغرب الراهن؛ فمن الاحتكارات الاقتصادية الموروثة، إلى التفاوت في توزيع الخدمات الصحية بين المدن والأرياف، مروراً بالإشكاليات العقارية المتعلقة بأراضي الجماعات السلالية. كل هذه الملفات الشائكة تمتد جذورها إلى تلك الحقبة التأسيسية التي رسمت معالم البنية القانونية والاقتصادية للمغرب الحديث، وفهمها في عمقها التاريخي شرط ضروري لمعالجتها بصورة فاعلة ومستدامة.

تحميل العدد 112-113 بتاريخ 28 يونيو1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 02/06/2026
تحديث 02/06/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث