الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة – العدد 108 ( 24 ماي 1915): قراءة تحليلية في اتفاقيات البريد الدولي وانضمام المغرب للاتحاد البريدي ودبلوماسية الحرب

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 مقدمة

تواصل الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة المغربية تقديم إسهاماتها الوثائقية الثمينة في رسم صورة متكاملة لمغرب مطلع القرن العشرين. وإذا كانت الأعداد السابقة قد أولت عنايتها للتنظيم الإداري الداخلي من تعيين الموظفين وضبط السجون وتنظيم الجباية، فإن العدد الثامن بعد المئة الصادر في العاشر من رجب عام 1333 هجرية الموافق للرابع والعشرين من مايو 1915 يُقدّم منظوراً مختلفاً ومُثيراً للاهتمام، إذ يتجه نحو الخارج ليُعالج العلاقات الدولية للمغرب في مجال البريد والاتصالات، ويستعرض الروابط الدبلوماسية الطارئة التي فرضتها الحرب العالمية الأولى 

.

يتضمّن هذا العدد أربعة محاور رئيسية تتشابك في سياق تاريخي غني: أوّلها اتفاقية البريد الفرنسية المغربية المُضافة إلى الاتفاق الأصلي لأكتوبر 1913، التي تنظّم تبادل الرسائل والطرود والحوالات البريدية بين البلدين وامتداداتهما الإقليمية في أفريقيا الشمالية وما وراءها. وثانيها ظهيران شريفان يُقرّران الموافقة على العمل بهذه الاتفاقيات. وثالثها تبادل برقي دبلوماسي نادر بين السفير الإيطالي والمقيم العام ليوطي يتعلق بإعلان إيطاليا الحرب على النمسا، يكشف عن الأبعاد الدولية للحرب وتداعياتها على العلاقات الدبلوماسية في المغرب. ورابعها صفحات المدالية الحربية التي تُسجّل بطولات جنود مسلمين وتونسيين في ساحات القتال الأوروبية.

يُقدّم هذا العدد استثناءً لافتاً في مسار الجريدة الرسمية إذ يرفع البصر من الشأن الداخلي إلى أفق العلاقات الدولية، ويكشف عن كيفية إدماج المغرب في المنظومة البريدية الدولية وتحوّله من دولة مغلقة إلى طرف في اتفاقيات متعددة الأطراف.

تحميل العدد  108  بتاريخ  24  ماي 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

أولاً: السياق التاريخي لصدور العدد 108

1.1. مايو 1915 ودخول إيطاليا الحرب: حدث دولي يصل صداه إلى الرباط

شكّل شهر مايو 1915 منعطفاً في مسار الحرب العالمية الأولى بدخول إيطاليا الحرب إلى جانب الحلفاء ضد النمسا في الثالث والعشرين منه. وكان لهذا الحدث صدى مباشر في المغرب تجلّى في التبادل البرقي الدبلوماسي المُدرج في هذا العدد بين السفير الإيطالي بطنجة والمقيم العام ليوطي بالرباط. وقد استقبل ليوطي الخبر بحفاوة بالغة معرباً عن ارتياح الإدارة الفرنسية لانضمام حليف جديد يُعزز موقف الحلفاء في ساحات المعارك.

يُكشف هذا التبادل الدبلوماسي النادر أن الجريدة الرسمية لم تكن مجرد أداة للنشر الإداري الداخلي، بل كانت تحمل أحياناً وثائق ذات طابع دبلوماسي دولي تُجسّد الموقع الجيوسياسي للمغرب في خضم الصراعات الكبرى للحرب العالمية.

1.2. الاتفاقية البريدية: خطوة في مسار الانفتاح الدولي

جاء الاهتمام بتنظيم الخدمات البريدية وإدماج المغرب في المنظومة البريدية الدولية في سياق مشروع تحديثي أشمل كانت إدارة الحماية تتبنّاه. فتوسيع شبكة البريد وتنظيم الحوالات البريدية الدولية كان يخدم متطلبات التجارة والاستثمار الأوروبي في المغرب، ويُسهّل تدفق رؤوس الأموال ومراسلات رجال الأعمال والمسؤولين الإداريين.

كذلك كان لهذا التنظيم البريدي أثر اجتماعي مُهمّ في حياة الجنود المغاربة المجنّدين في الجيش الفرنسي على الجبهات الأوروبية، إذ كانت الرسائل البريدية الوسيلةَ الوحيدة للتواصل بينهم وبين ذويهم في المغرب. وقد أضفى هذا السياق الإنساني أهميةً إضافية للتنظيم البريدي الذي كان في ظاهره مجرد إجراء تقني إداري.

1.3. موقع هذا العدد في مسار التشريع الدولي للمغرب

يتميّز العدد 108 بأنه الأكثر انفتاحاً على الأبعاد الدولية من بين جميع الأعداد السابقة. فبينما تمحورت الأعداد السابقة حول التشريع الداخلي والتنظيم الإداري، فتح هذا العدد نافذة على المشهد الدولي عبر اتفاقيات البريد والتبادل الدبلوماسي. ويُجسّد هذا التوجه مرحلة من مراحل اندماج المغرب التدريجي في المنظومة الدولية للقانون والاتصالات والتجارة، وإن ظلّ هذا الاندماج في إطار التبعية الاستعمارية التي رسمتها الحماية.

ثانياً: اتفاقية البريد الفرنسية المغربية – تنظيم شامل لتبادل البريد على المستوى الدولي

2.1. الإطار التأسيسي للاتفاقية وأطرافها

تستند الاتفاقية البريدية المُدرجة في هذا العدد إلى اتفاق أصلي أُبرم في الفاتح من أكتوبر 1913 بين إدارة البريد الفرنسي وإدارة البريد المغربي. وتُعدّ هذه الاتفاقية ملحقاً بالعقد المبرم في العاشر من أكتوبر 1913 والمتعلق بتسيير إدارة البريد بمنطقة الحماية الفرنسية بالمغرب، وقد وُقّعت في باريس بتاريخ التاسع من يونيو 1914 ودخلت حيّز التنفيذ في الثاني والعشرين من مارس 1915.

وقد حمل العدد ظهيرَين شريفَين يُقرّران الموافقة على هذا الملحق وإجراء العمل به: أولهما يتعلق باصلاح ما وقع من الخطأ في النص الفرنساوي بالاتفاق البريدي الفرنساوي المغربي الموقع عليه بباريس، وثانيهما يتعلق بالعقد المضاف إلى الاتفاق الأصلي بشأن اعمال ادارة البريد في منطقة الحماية الفرنساوية بالمغرب.

2.1.1. المبدأ الجوهري للاتفاقية: التكاملية بين إدارتَي البريد

يقوم المبدأ الجوهري للاتفاقية على مبدأ تكامل الإدارتَين البريديتَين الفرنسية والمغربية في إطار إشراف موحّد، مع الحفاظ على استقلالية شكلية لإدارة البريد المغربي. وقد نصّ الفصل الأول على أن إدارة البريد الفرنساوي وإدارة البريد المغربي تجريان مبادلة في الرسائل البريدية في البلدان الاجنبية بلدان غير بواسطة بلدان سواء كانت هذه الرسائل اعتيادية أو مضمونة أو مفتوحة.

2.1.2. الشمولية الجغرافية للاتفاقية

تتميّز الاتفاقية بشموليتها الجغرافية الواسعة إذ تُنظّم تبادل البريد ليس فقط بين فرنسا والمغرب مباشرةً، بل أيضاً مع الجزائر وتونس والدول الأجنبية الأخرى التي ترتبط بها هاتان الإدارتان باتفاقيات بريدية مشتركة. وهذا ما جعل المغرب طرفاً غير مباشر في شبكة بريدية دولية معقدة تمتد عبر القارتَين الأوروبية والأفريقية وربما تتجاوزهما.

2.2. تنظيم المراسلة الاعتيادية والمضمونة – الباب الأول

يُفرد الباب الأول من الاتفاقية أحكاماً تفصيلية لتنظيم تبادل الرسائل الاعتيادية والمضمونة بين الإدارتَين.

2.2.1. آلية تبادل الرسائل ومسؤولية النقل

نصّ الفصل الأول على أن الرسائل تُنقل من مكاتب البريد الفرنسية إلى مكاتب البريد المغربية، إما عبر المراكب الجزائرية بواسطة المراكب الفرنساوية أو الأجنبية أو بواسطة البريد البري من مكتب مغربي أو إلى مكتب مغربي. وتتولى إدارتا البريد الفرنسي والمغربي بناءً للوسائل المذكورة التي لديهما في المستقبل وتتحمل كل منهما ما ينتج عن ذلك من الصوائر بالنسبة لقدر المسافة الكائنة بين حدود الإيالة الشريفة وبين مكاتب المبادلة المغربية.

ويكشف هذا الحكم عن نظام توزيع المسؤوليات الذي يقوم على مبدأ تحمّل كل طرف تكاليف الجزء الجغرافي الواقع في نطاق مسؤوليته، وهو مبدأ اقتصادي عادل يُحقق التوازن بين الطرفين.

2.2.2. إعادة توزيع الرسائل المُعادة

أولت الاتفاقية عناية خاصة لحالة الرسائل التي لم تصل إلى وجهتها النهائية وأُعيدت إلى المرسِل. فقد نصّت على أن إدارة البريد الفرنسي تتحمل مسؤولية الرسائل المُعادة من البلدان الأجنبية إلى الإيالة الشريفة وتتحمل التعويضات التي تنفذها الإدارة المسؤولة بالنسفها عند ضياعها، إلا أنه لا يمكن لها أن تمنع الحجة على القيمات التي تمنع أصحابها من دفعها. وتُجسّد هذه القاعدة نظاماً متكاملاً لتحديد المسؤولية القانونية والمالية في حالات الضياع، يُوفّر ضمانات للمرسِلين ويُشجّع على استخدام الخدمة البريدية.

2.3. الحوالات البريدية والإرساليات ذات القيمة – الباب الثاني والثالث

يُكرّس الباب الثاني من الاتفاقية جُلّ أحكامه للحوالات البريدية وتنظيم إرسال الأشياء ذات القيمة، وهو قطاع بالغ الأهمية الاقتصادية.

2.3.1. نظام الحوالات البريدية وآليات التحصيل

نصّت المادة العشرون على أن إدارة البريد المغربي في علاقاتها مع فرنسا والجزائر والقطر التونسي ترسل الاشياء الراجعة له والتي يمكن التحويل بشمنا على المرسلة، وتكون هذه الاشياء خاضعة فيما يتعلق بايداعها ونقلها وتوزيعها وتصفة حساباتها للاجور والشروط الجاري العمل بها في فرنسا. ويُجسّد هذا الحكم مبدأ توحيد التعريفات البريدية بين المغرب وفرنسا في ما يخص التعاملات المشتركة، وهو مبدأ يُسهّل التجارة ويُقلّص التعقيدات الإدارية للمرسِلين.

أما الفصل الواحد والعشرون فقد نصّ على إمكانية التحويل بقيمة الثمن في الاشياء المضمونة أو المبينة قيمتها في علاقات إدارة البريد المغربي مع البلدان المشتركة بالاتحاد البريدي التي قد رضيت بما ذُكر أعلاه من أمور الضمان وتبين القيمة وتكون هذه الاشياء خاضعة لشروط الاتحاد البريدي العام والضابط المتعلق بتنفيذه.

2.3.2. آلية تعيين مكاتب تحصيل الحوالات

نصّ الفصل التاسع عشر على أن إدارة البريد المغربي تدفع إلى إدارة البريد الفرنساوي قائمة بأسماء مكاتبها التي تتعاطى تحصيل الحوالات في علاقاتها مع فرنسا والجزائر والقطر التونسي، كما تسلم لها إيضاً قائمة بأسماء المكاتب التي تتعاطى تحصيل الحوالات في علاقاتها مع البلدان الاجنبية. ويُقرّر هذا الحكم نظاماً للشفافية الإدارية يُلزم الطرفَين بتبادل قوائم المكاتب المعتمدة تحديثها بصفة منتظمة، ما يضمن وحدة المعلومات ويُتيح للمرسِلين معرفة المكاتب المخوّلة باستقبال حوالاتهم.

2.4. القطع البريدية ونظام تبادل الطوابع – الباب السادس

يُفرد الباب السادس من الاتفاقية نصوصاً خاصة بتبادل القطع البريدية بين المغرب وفرنسا والجزائر والقطر التونسي.

2.4.1. حقوق تبادل القطع البريدية

نصّ الفصل الثاني والعشرون على أن مبادلة القطع البريدية بين المغرب وبين فرنسا والجزائر والقطر التونسي تجري وفقاً للشروط الجاري العمل بها في فرنسا فيما يتعلق بمبادلة القطع البريدية مع المغرب والجزائر والقطر التونسي. وأما قيمة الحقوق الراجعة لإدارة البريد المغربي عن القطع البريدية المتبادلة بين المغرب وبين فرنسا والجزائر والقطر التونسي فيكون قدرها خمسة وعشرون سانتيما عن كل قطعة تزن لا يزيد وزنها على خمسة كيلو، وأربعمائة سانتيما عن كل قطعة تزن من خمسة إلى عشر كيلو.

وتضمّ الاتفاقية تنظيماً دقيقاً لحقوق تبادل القطع البريدية عبر الحدود البحرية والبرية. فالفصل الثالث والعشرون نصّ على أن تتبع ادارة البريد المغربي متاعها الخصوصية التي يتعامل بها مع البلدان المشتركة بالاتفاق البريدي الراجع للضابط المتعلق بمبادلة القطع مع البلدان الاجنبية أو الاتفاقيات الخصوصية المعقودة بمقتضى عقد الاتحاد المذكور والضابط المتعلق بتنفيذه.

2.4.2. الطوابع البريدية المغربية وهويتها الخاصة

تضمّن الفصل الحادي عشر الخاص بالبريد المغربي حكماً لافتاً يتعلق بطوابع البريد المغربي، إذ نصّ على أن مكاتب البريد المغربي تستعمل صورة مخصوصة في إنشاء الحوالات التلغرافية والبريدية دفعها في فرنسا والجزائر. وكانت هذه الطوابع تحمل شعاراً خاصاً يُميّز إدارة البريد المغربي عن نظيراتها الفرنسية والجزائرية، وهو ما يُجسّد بقاء قدر من الهوية المؤسسية المغربية حتى في خضم الإدارة الاستعمارية المزدوجة.

2.5. الشروط العامة وآليات دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ

يُكمل الباب السابع الاتفاقيةَ بمجموعة من الشروط العامة التي تُحكم الإطار القانوني لتطبيقها وتُحدّد آليات التعديل والانتهاء.

2.5.1. مبدأ التدريج في تطبيق الاتفاقية

نصّ الفصل السادس والعشرون على أن يجري العمل تدريجاً بمقتضى الفصول السابقة على قدر الامكان ويبقى العمل جارياً بها إلى أجل غير محدود غير أنه لتلغى حتما الشروط المتعلقة بعلاقات إدارة البريد المغربي مع البلدان المشتركة بالاتحاد البريدي عند اشتراك الايالة المغربية بالاتحاد المذكور. ويُجسّد هذا الحكم رؤيةً استشرافيةً تُشير إلى إمكانية انضمام المغرب مستقبلاً إلى الاتحاد البريدي الدولي بصفة كاملة، وهو ما سيُغني عن هذه الاتفاقيات الخصوصية ويُدرج المغرب في المنظومة البريدية العالمية مباشرة.

2.5.2. صلاحيات التعديل الاتفاقي

نصّ الفصل السادس والعشرون ذاته على أنه يمكن للإدارات المتعاقدة أن تجري في هذا الاتفاق التغييرات التي تراها لازمة وذلك بعد الاتفاق بينها، وأيضاً يُمكن أن تجري التغييرات كما تراها لازمة بما ذكر بالاتفاق الأصلي. ويُقرّر هذا الحكم مبدأ المرونة الاتفاقية الذي يُتيح تكييف الاتفاقية مع المتغيرات التقنية والاقتصادية المستجدة دون الحاجة إلى إعادة التفاوض الكامل من الصفر.

ثالثاً: الظهيران الشريفان للموافقة على الاتفاقيات البريدية

3.1. ظهير الموافقة على إصلاح الخطأ في النص الفرنساوي

يُمثّل الظهير الأول وثيقةً إدارية نادرة النوع تتعلق بتصحيح خطأ مادي وقع في النص الفرنسي للاتفاق البريدي المُوقَّع عليه بباريس. وقد حُرّر هذا الظهير بالرباط في الثالث والعشرين من جمادى الثانية 1333 الموافق لثامن مايو 1915، ودُوّن بأسلوبه الخطابي المعتاد مُشيراً إلى أن الأمر يتعلق بما وقع من الخطأ في النص الفرنساوي بالاتفاق البريدي الفرنساوي المغربي المؤرخ بفاتح أكتوبر سنة 1913 والموقع عليه في باريس في أول مايو سنة 1914 وبالرباط في تاسع يونيو سنة 1914 وفي إجراء العمل بالعقد المذكور.

3.1.1. دلالة وجود خطأ في النص الأصلي

وجود خطأ مادي في النص الفرنسي لاتفاقية دولية مُوقَّعة من طرفَين يُثير تساؤلاً حول دقة المسار القانوني للتفاوض على هذه الاتفاقيات في تلك المرحلة. وكان تصحيح هذا الخطأ يستلزم إصدار ظهير شريف جديد يُضفي الشرعية القانونية على النص المُصحَّح، وهو إجراء يُكلّف وقتاً وجهداً إداريَّيْن غير ضروريَّيْن كان يمكن تجنّبهما بمراجعة أكثر دقة للنص قبل التوقيع.

3.2. ظهير الموافقة على العقد المضاف للاتفاق الأصلي

جاء الظهير الثاني ليُقرّ الموافقة على العقد المضاف إلى الاتفاق الأصلي لأكتوبر 1913 والمتعلق بشأن اعمال إدارة البريد في منطقة الحماية الفرنساوية بالمغرب. وقد نصّ الفصل الأول على أن الموافقة تتمّ وفاقاً تاماً على العقد المتعلق باصلاح ما وقع من الخطأ في النص الفرنساوي للاتفاق البريدي المغربي الفرنساوي المؤرخ بفاتح أكتوبر سنة 1913 والموقع عليه في باريس في أول مايو سنة 1914 وبالرباط في تاسع يونيو سنة 1914 وفي إجراء العمل به كغيره من الظهايير الشريفة الجاري بها العمل في ايالتنا السعيدة.

والجدير بالملاحظة أن الظهير يُضمّن قاعدةً مرجعيةً صريحة وهي أن يجري العمل به كغيره من الظهايير الشريفة الجاري بها العمل في ايالتنا السعيدة، مما يُدرج هذا الملحق البريدي الدولي في منظومة التشريع الشريفي ويُضفي عليه الطابع نفسه من الشرعية الذي تتمتع به الظهائر المنظِّمة للشؤون الداخلية.

رابعاً: التبادل البرقي الدبلوماسي – وثيقة نادرة في تاريخ العلاقات الدولية للمغرب

4.1. المبادلة البرقية بين السفير الإيطالي وليوطي: خلفية الحدث

يُمثّل التبادل البرقي المُدرج في هذا العدد وثيقةً دبلوماسيةً نادرة تكشف كيف كانت الأحداث الدولية الكبرى تُخلّف صدىً فورياً في الإدارة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب. فقد أبلغ السفير الإيطالي بطنجة المقيمَ العامَّ ليوطي بالرباط عبر برقية أن جلالة ملك إيطاليا أعلن الحرب على النمسا والمجر وأني أنهي لمقامكم هذا الاعلام وأغتنم الفرصة لأعبر لكم يا سعادة الجنرال عن إحساساتي مواطني الموجودين بالمغرب من الفرح بما يخامرنا جميعاً من الفرح بوجود امتيننا اللتين تربطهما علايق الجنسية والدم متحدتين الآن في ساحة القتال في الانعطاف على حماية الحق والعدل والمدنية والإنسانية. دي لاكو.

4.1.1. ردّ ليوطي: صدى الفرح الاستراتيجي

جاء ردّ المقيم العام ليوطي على هذا الخبر حاملاً دفءَ الاستقبال الاستراتيجي لحليف جديد. فقد أجابه: شعرنا هنا بفرح عظيم بالنبأ العظيم الهام الذي بلّغته لنا بعبارة تدل على شدة ارتباط الأختين اللاتينيتين فرنسا وإيطاليا واتحادهما مرة أخرى كما كانا منذ نصف قرن وقيامهما في وجه العدو لخلاص حرية الشعوب، وقد بادرت حالاً بتبليغ الخبر الهام إلى جلالة السلطان الذي استقبله بكل سرور كمقدمة البشرى في الانتصار.

4.1.2. الدلالات الدبلوماسية للنشر في الجريدة الرسمية

إن نشر هذا التبادل البرقي في الجريدة الرسمية ليس فعلاً عفوياً، بل هو قرار دبلوماسي وسياسي واعٍ. فنشر ردّ ليوطي الذي أفاد بأنه بادر بتبليغ الخبر إلى جلالة السلطان يُوجّه رسالةً ضمنية مفادها أن الحكومة المغربية تقف إلى جانب الحلفاء وترحّب بانضمام إيطاليا. كما أن نشر هذا التبادل في الجريدة الرسمية يُحوّله من مجرد تراسل دبلوماسي خاص إلى وثيقة رسمية ذات طابع إعلامي يُخبر قرّاء الجريدة بالتطورات الدولية ويُجسّد انتماء المغرب إلى المعسكر الذي تختار له إدارة الحماية الانتماء.

خامساً: الظهير المتعلق بتنظيم الآجال والرسوم القضائية للأجانب

5.1. سياق الحاجة إلى تنظيم استئناف الأجانب

يُدرج العدد أيضاً ظهيراً شريفاً يتعلق بتعيين الآجال والأداءات المتعلقة بمطالب الاستيناف التي يرفعها الأجانب والمحمييون من قِبل الدول الأجنبية أمام المحاكم الشرعية الكائنة بالإيالة الشريفة المتعاملة بالعقار.

5.1.1. المشكلة القانونية التي يُعالجها الظهير

كانت إشكالية الاستئناف القضائي للأجانب من أعقد الإشكاليات القانونية في مغرب الحماية. فمن جهة، كان الأجانب يتمتعون بحقوق قنصلية تُجعلهم في الأصل خارج الاختصاص القضائي للمحاكم المغربية. ومن جهة أخرى، كانت قضايا العقارات في بعض الحالات تستلزم إجراءات أمام المحاكم الشرعية المختصة بالعقار المغربي. وقد نظر الظهير الجديد في الحلول الإجرائية لهذا التداخل القضائي.

5.1.2. نظام الآجال والرسوم في مطالب الاستيناف

نصّ الفصل الأول على أنه يجب على الأجانب ومحميي الدول الاجنبية أن يقدموا مطالبهم بشأن استئناف الأحكام الصادرة من المحاكم الشرعية المتعاملة بالعقارات بالعقارات الكائنة بمنطقة الحماية الفرنساوية من ايالتنا الشريفة في خلال الشهرين المواليين لصدور الحكم إن كان حضرياً وفي خلال الشهرين الموالين لتبليغه إن كانوا غايبياً ابتداء من تاريخ هذا الظهير.

وحدّد الفصل الثاني أن الأجل المذكور يمتد إلى ثلاثة أشهر مبدؤها تاريخ نشر هذا الظهير بالجريدة الرسمية فيما يتعلق بالأحكام الصادرة قبل هذا التاريخ. وتكشف هذه الإشارة إلى أثر الظهير الرجعي على الأحكام السابقة عن حرص المشرع على عدم إضاعة حقوق من لم تُبلَّغ إليهم الأحكام بسبب القواعد الجديدة.

أما الفصل الثالث فقد نصّ على أنه يستخلص على كل مطلب استيناف أداء معين قدره خمسمائن بسيطة حسنية ويدفع عنه الأداء معين ويكون المطلب مصحوباً بالأداء وكان مصحوباً لوزير العدلية وأن يُظهر المالية كيفية نهائية بكيفية صادر لوزير العدلية وأن يُحيل إلى القاضي آخر قمع مطلب الاستيناف الصادر من القاضي المشار اليه في خلال شهر واحد شهر واحد ويدفع فيع المعين وإلا فقع سقط حق مطلب الاستيناف المشار اليه.

سادساً: المدالية الحربية – شهادات على بطولة الجنود

6.1. التوسع في دائرة التكريم: جنود تونسيون إلى جانب المغاربة

يُواصل العدد 108 تقليد نشر قوائم المدالية الحربية التي بدأت في الأعداد السابقة، غير أنه يتميز بتوسيع دائرة التكريم لتشمل جنوداً تونسيين وجزائريين إلى جانب المغاربة، مما يعكس الطابع العابر للحدود الاستعمارية في تجنيد جنود شمال أفريقيا للمشاركة في الحرب.

6.1.1. الحسن الجيلالي: جندي وطني من الآلاي الأول

تفتتح قائمة المكرَّمين بشخصية الحسن الجيلالي جندي وطني من آلاي الأول من آلاي آلاي الأول من جنود الترايور الأول من الطابور الأول الذي كُتب اسمه في عام 1914 فيما بين المرشحين لاستحقاق المدالية الحربية وحاز بخدمه بعد هذا الاستحقاق.

6.1.2. عمر بن محمد التلقادي: المقاتل العجوز الذي لا يُثنيه الجرح

تُعدّ شهادة عمر بن محمد التلقادي جندي من الطبقة الاولى من آلاي المختلط من الزواف والترايور واحدةً من أكثر القصص إنسانيةً في هذه القائمة. فقد جُرح وعقب جرحه براء جرحه عاد إلى ساحة القتال، وهو جندي طاعن في السن زاول المهنة الحربية مدة طويلة من عمره مع احترام واعتبار من عمره موقد، وظهرت شجاعته في جميع ظروف القتال سنه سبعة وأربعين أبيض الشعر لكنه كالشاب في الإقدام والصبر على القتال.

6.1.3. شهادات أخرى من جبهات القتال

ويُسجّل العدد شهادة عبد القادر موار معاون في الآلاي الأول من جنود الترايور الأول من الطابور الأول، وهو جندي قديم في الصفوف مخلص شجاع غير تقدمت له سنون في الخدمة جُرح في الرابع والعشرين من أغسطس في الخدمة وعاد إلى ساحة الحرب منذ شفائه. وكذلك الاخضر بن أحمد الروجامي من جنود الترايور السابع من الطابور الاول، جندي شجاع مثال في الشجاعة قاد الجنود الشباب على مهاجمة العدو وجُرح في رأسه. وعمر بن محمد اللويسي سرجان من الطابور الأول من ترايور الجزائر الطابور الأول متقاعد بعد اثنى عشر عاماً للخدمة للسلاح اشتهر الحرب بشجاعته وفي كل ظروف القتال كان يقود العسة من الألمان وأسر ثلاثة منهم ويعرض نفسه دائماً للأمور الخطرة. ومحمد بن أحمد السيداني معاون من الآلاي الثالث من الترايور الجزائري من الطابور الثاني قديم جندي جُرح في الثاني والعشرين من أغسطس في ملازمته الثبات تحت نيران العدو رغماً عن الأوامر الصادرة بالانتقهة إلى الرفقة وواقف ثزحف فرقة المانية أمام الخنادق وبذل جهده المانيم من في إصابته فلم يفلحوا ومقاتايهم حتى ردهم.

6.2. الدلالات التاريخية لقوائم المدالية الحربية

تُشكّل قوائم المدالية الحربية أرشيفاً حياً للبطولة الإنسانية في ساحات معارك الحرب العالمية الأولى. فهي تُوثّق بأسلوب رسمي جافّ قصصَ رجال من مختلف أنحاء شمال أفريقيا، من المغرب إلى الجزائر إلى تونس، وجدوا أنفسهم في خضم مذبحة أوروبية لم تكن حربهم.

6.2.1. التنوع الجغرافي والعرقي في القوائم

يكشف تنوع أصول الجنود المُكرَّمين عن السياسة الفرنسية في تجنيد المقاتلين من مختلف مستعمراتها الأفريقية. فكانت آليات التيرايور (مشاة الصيادين) تضمّ جنوداً من المغرب والجزائر وتونس والسنغال ومناطق أخرى من أفريقيا جنوب الصحراء، مُشكِّلةً جيشاً متعدد الجنسيات يُقاتل تحت الراية الفرنسية.

سابعاً: الربط الدولي والبُعد الإقليمي في اتفاقية البريد

7.1. علاقة المغرب بالاتحاد البريدي الدولي

تُشير الاتفاقية البريدية في عدة مواضع إلى الاتحاد البريدي العام والشروط الجاري بها العمل في إطاره. وكان الاتحاد البريدي الدولي الذي تأسّس في عام 1874 يُمثّل أحد أوائل المنظمات الدولية متعددة الأطراف في التاريخ، وكان يُنظّم قواعد تبادل البريد بين الدول الأعضاء على أسس موحّدة.

7.1.1. الوضع القانوني للمغرب في ما يتعلق بالاتحاد البريدي

كان وضع المغرب بالنسبة للاتحاد البريدي الدولي في تلك المرحلة غير واضح المعالم: فهو لم يكن عضواً مستقلاً فيه، غير أنه كان يستفيد من الاتفاقيات الخاصة المُبرمة مع فرنسا التي كانت دولةً مؤسِّسة في الاتحاد. وكانت هذه الاتفاقيات الثنائية تُوفّر للمغرب جزءاً من فوائد العضوية دون أن تمنحه الوضع الكامل لدولة عضو. وقد أشار الفصل السادس والعشرون صراحةً إلى إمكانية أن تُلغى هذه الاتفاقيات متى اشترك المغرب في الاتحاد البريدي بصفة دولة عضو، وهو ما يكشف عن نظرة مستقبلية تتصوّر المغرب عضواً كاملاً في المنظومة البريدية الدولية.

7.1.2. التداعيات الاقتصادية للاندماج البريدي

أسهم الاندماج البريدي للمغرب في المنظومة الفرنسية في تيسير التجارة والاتصالات بين المغرب والعالم الخارجي. فقبل الحماية، كانت الخدمات البريدية محدودة ومتقطّعة، وكان تبادل الرسائل مع الخارج يتطلب وسائل غير منتظمة. ومع إرساء هذه الاتفاقيات، أصبح التجار والمسؤولون والأفراد في المغرب يستفيدون من شبكة بريدية موثوقة تمتد عبر فرنسا إلى البلدان الأعضاء في الاتحاد البريدي.

ثامناً: القراءة التركيبية لمحاور العدد 108

8.1. التقاطع بين البُعد الداخلي والبُعد الدولي

يتميز العدد 108 بأنه يجمع في صفحاته الاثنتَي عشرة بين مستويات متعددة من الفعل الإداري والدبلوماسي: من التفاصيل التقنية لأجور نقل الطرود البريدية، مروراً بالإجراءات القانونية لاستئناف الأجانب، وصولاً إلى التبادل البرقي الدبلوماسي الذي يُعلن انضمام إيطاليا إلى الحرب. ويُجسّد هذا التنوع الموضوعاتي الطبيعةَ المتشعّبة لدور الجريدة الرسمية بوصفها وعاءً شاملاً لجميع مناحي الحوكمة الاستعمارية.

8.1.1. منظومة الاتصالات بوصفها أداة سيادة وهيمنة

يكشف هذا العدد بصورة لافتة كيف كانت إدارة الحماية تنظر إلى منظومة الاتصالات والبريد بوصفها أداةً للسيادة والهيمنة قبل أن تكون خدمةً عامة. فالتحكم في تدفق المراسلات والحوالات المالية كان يُتيح للإدارة الفرنسية مراقبة حركة المعلومات والأموال عبر الحدود، والسيطرة على ما يصل إلى المغرب من أفكار وتوجيهات قد تُغذّي المقاومة.

8.2. الموقع الجيوسياسي للمغرب في خضم الحرب

يُبيّن التبادل البرقي الدبلوماسي المُدرج في هذا العدد أن المغرب، رغم كونه مجرد منطقة حماية في نظر القانون الدولي، كان يحتل موقعاً جيوسياسياً مُهمّاً يجعله نقطة تلاقٍ للمصالح الدولية وساحةً لتجلّي التحولات الكبرى في توازنات القوة العالمية. فتبليغ السفير الإيطالي المقيمَ العامَّ الفرنسي بباطن دخول إيطاليا الحرب قبل إعلانه الرسمي يُشير إلى أن الرباط كانت محطةً دبلوماسية جادة على خريطة العلاقات الدولية في تلك المرحلة.

خاتمة

يُقدّم العدد 108 من الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة، الصادر في الرابع والعشرين من مايو 1915، مادةً وثائقيةً استثنائية تجمع بين أبعاد متعددة ومتكاملة. فمن خلال الاتفاقية البريدية التفصيلية التي تُنظّم العلاقات البريدية بين المغرب وفرنسا والعالم، إلى الظهيرَين الشريفَين اللذَين يُضفيان الشرعية المخزنية على هذه الاتفاقيات الدولية، مروراً بالتبادل البرقي الدبلوماسي الذي يُعلن انضمام إيطاليا للحرب، ووصولاً إلى قصص بطولة الجنود المغاربة والتونسيين والجزائريين في خنادق الحرب الأوروبية، يُجسّد هذا العدد انخراطَ المغرب المتعدد الأبعاد في عالم 1915 المتحوّل بعمق.

يُكشف التحليل المعمّق لهذه الوثائق عن ثلاث حقائق جوهرية تميّز هذا العدد: أولها أن المغرب في عهد الحماية لم يكن كياناً مُغلقاً بل كان يندمج تدريجياً في الشبكات الدولية للاتصالات والبريد والتجارة وإن ظلّ هذا الاندماج في إطار تبعية استعمارية واضحة. وثانيها أن الحرب العالمية الأولى كانت حاضرة بقوة في كل صفحة من هذه الجريدة، من الاتفاقيات البريدية المُعدَّلة في ظل ظروف الحرب، إلى التبادل البرقي الدبلوماسي الذي يُعلن تحوّلات ميزان القوى، إلى قصص جنود مغاربة يُقاتلون على الجبهات الأوروبية. وثالثها أن الجريدة الرسمية كانت في الوقت ذاته وثيقةً للحوكمة وأداةً للمعلومات ومرآةً للأحداث الكبرى التي تعيشها البلاد والعالم.

تحميل العدد  108  بتاريخ  24  ماي 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 01/06/2026
تحديث 01/06/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث