مقدمة
تُعدّ الجريدة
الرسمية للمغرب في طبعتها الصادرة في السنوات الأولى من عهد الحماية الفرنسية من
المصادر الأولية الثمينة التي تُضيء جوانب بالغة الدقة من تاريخ التشريع والإدارة
في مغرب ما بين الحربين. وإذا كانت الأعداد السابقة قد كشفت عن الإطار القانوني
الذي أرسته إدارة الحماية في مجالات الوظيفة العمومية والدخان والأسلحة، فإن العدد
114 الصادر بتاريخ الخامس من يوليو سنة 1915م الموافق الثاني والعشرين من شعبان
عام 1333هـ يفتح أمام الباحث آفاقاً جديدة في فهم المنطق التشريعي للحماية من خلال
مجموعة متنوعة من الظهائر الشريفية والقرارات الوزارية التي تعالج قطاعات مختلفة
ومتكاملة.
يحتوي هذا العدد على جملة من النصوص القانونية الأساسية تشمل: ظهيراً شريفاً يتعلق بحراسة السكك الحديدية وضبط قواعد الاستخدام الآمن لها وتحديد العقوبات المترتبة على المخالفين، وظهيراً ثانياً يُنظّم إجراء العمل بمقتضيات قانون الأشياء المسروقة في منطقة الحماية الفرنساوية بالمغرب، وظهيراً ثالثاً يُعدَّل ويتمّم أحكام تنظيم السجون، إضافةً إلى قرارات وزارية تتعلق بتعيين موظفين وترقيتهم، وتخصيص اعانة سنوية للحكومة الجمهورية الفرنسية لتربية الخيل، وتحديد حدود مرسى الدار البيضاء، وتخصيص أراضي لسكنى الوطنيين بالقنيطرة، وتنظيم مبادلة الحوالات البريدية، وتعيين الأجرة عن الحوالات البريدية بالمغرب. كما يتضمن القسم غير الرسمي ثلاثة طلبات تسجيل عقارية تخصّ محافظة الدار البيضاء.
يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه النصوص تحليلاً معمّقاً ومنهجياً، مستحضراً السياق التاريخي والاجتماعي الذي أفرزها ومُقدّماً قراءةً نقدية في دلالاتها ومضامينها، لإماطة اللثام عن أبعادها القانونية والاقتصادية والاجتماعية في مغرب مطلع القرن العشرين.
تحميل العدد 114 بتاريخ 05 يوليوز 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: السياق التاريخي العام لصدور العدد 114 من الجريدة الرسمية
1.1. المغرب في صيف 1915: بين ضغوط الحرب العالمية ومتطلبات البناء الداخلي
صدر العدد 114 من الجريدة الرسمية في يوليو 1915م، في خضمّ الحرب العالمية الأولى التي كانت في أوج اشتعالها على الجبهة الغربية الأوروبية. وكانت فرنسا في تلك الفترة تُنفّذ عمليات تجنيد واسعة من مستعمراتها وأقاليم حمايتها، بما فيها المغرب، مما وضع الإدارة الاستعمارية أمام معادلة صعبة: الحفاظ على الاستقرار الداخلي وضمان استمرارية الإنتاج الاقتصادي في الوقت الذي كانت تُحوّل فيه موارد بشرية معتبرة نحو الجبهة الأوروبية.
وقد انعكس هذا الضغط المزدوج على طبيعة التشريعات الصادرة في تلك المرحلة؛ فالحاجة الماسّة إلى تأمين شبكات النقل الداخلية وفي مقدمتها السكك الحديدية التي تُشكّل الشريان الرئيسي لنقل البضائع والأفراد والمواد الحيوية، دفعت إلى إصدار ظهير متخصص لحراسة السكك الحديدية. كما أن تزايد ظاهرة السرقة واضطراب الأمن الداخلي في ظروف الحرب استدعيا تفعيل قانون الأشياء المسروقة وتكييفه مع الواقع المغربي.
1.2. التنسيق بين المؤسسات الفرنسية والمغربية في إنتاج النص التشريعي
يُبيّن استقراء وثائق هذا العدد بصورة واضحة كيف كانت آليات إنتاج النص التشريعي في مغرب الحماية تجمع بين مستويين متكاملين: مستوى المبادرة الفرنسية التي كانت تصدر عادةً عن الإقامة العامة أو عن الوزارات الفرنسية المختصة، ومستوى التصديق المخزني الذي كان يُضفي على النصوص الطابع الشرعي اللازم من خلال توقيع السلطان أو وزرائه.
وتتجلى هذه الآلية بوضوح في الظهائر الثلاثة الكبرى الواردة في هذا العدد، إذ تنتهي جميعها بعبارة "قد سجل هذا الظهير الشريف بالوزارة الكبرى بتاريخ كذا"، مُصحوبةً بتوقيع محمد بن محمد الجباص الوزير المغربي المختص، ثم بتوقيع ليوطي المقيم العام الفرنسي الذي كان يمثّل الإذن الفعلي بالنشر والتطبيق.
1.3. الطابع المتكامل للتشريعات: من الأمن إلى الاقتصاد فالعمران
يتميز العدد 114 بطابع تكاملي لافت يجمع بين تشريعات أمنية صرفة كظهير حراسة السكك الحديدية وظهير الأشياء المسروقة، وتشريعات ذات بُعد اقتصادي كقرار إعانة تربية الخيل وقرارات تنظيم البريد والتلغراف، وتشريعات ذات طابع اجتماعي وعمراني كقرارات تحديد حدود المدن وتخصيص الأراضي السكنية. وهذا التنوع يعكس الطموح الشامل للإدارة الاستعمارية في بناء دولة حديثة بالمفهوم الأوروبي على الأرض المغربية.
ثانياً: ظهير حراسة السكك الحديدية - حماية شريان النقل الحيوي
2.1. أهمية السكك الحديدية في مغرب الحماية وضرورة حمايتها
تحتل السكك الحديدية مكانة محورية في المنظومة الاقتصادية والأمنية لمغرب الحماية الفرنسية. فمنذ السنوات الأولى للحماية، شرعت الإدارة الفرنسية في بناء شبكة سككية تربط المدن الرئيسية ببعضها البعض وتُيسّر نقل البضائع والجنود والمواد الاستراتيجية. وكان هذا الاستثمار الضخم في البنية التحتية يستلزم حمايةً قانونيةً مُحكمة تُردع كل من تُسوّل له نفسه الإضرار بهذه المنشآت أو تعطيل حركة قطاراتها.
وقد جاء ظهير حراسة السكك الحديدية استجابةً لهذه الحاجة الملحّة، مُتضمِّناً أحكاماً تفصيلية تُغطي طيفاً واسعاً من السلوكات المُهدِّدة لسلامة السكك، من التخريب المتعمد إلى الإهمال وعدم الانتباه، ومن الاعتداء على العاملين في السكك إلى التجاوزات المتعلقة بالسفر بدون تذكرة أو ركوب القطار بصورة غير قانونية.
2.2. الأحكام الجوهرية لحماية المنشآت السككية
نصّ الباب الأول من الظهير على جملة من الأحكام الأساسية المتعلقة بحماية منشآت السكك الحديدية من التلف والتخريب. فالفصل الأول أكد بصورة مطلقة أن كل من أزال جزءاً من السكة الحديدية أو غير نظامها أو استعمل وسيلة لمنع سير القطار أو إخراجه عن الخط الحديدي يُعاقَب بعقوبات تتناسب مع حجم الفعل وخطورته.
وميّز الظهير في العقوبات بين حالتين: الحالة الأولى تتعلق بالأفعال التي تُسبّب فعلاً ضرراً لشخص ما أو وفاته، والحالة الثانية تتعلق بالأفعال التي تستهدف تعريض السلامة للخطر دون أن تُسفر بالضرورة عن ضحايا. ففي الحالة الأولى، رتّب الظهير أشدّ العقوبات إذ نصّ على الحكم بالموت على من جرح أو بالإشغال الشاقة لمدة معينة بحسب جسامة الفعل وانعكاساته.
وفي الفصل الثاني، ضبط الظهير حالات العقوبات الجماعية المترتبة على الجرائم التي تصدر عن جماعة من الأشخاص بدلاً من فرد واحد، مُقرِّراً أن المسؤولية تقع على الرؤساء والمحرضين والمتورطين في جريمة النهب أو الهيجان الجماعي.
2.3. قواعد الاستخدام الآمن للسكة ومحيطها
خصّص الظهير بابه الثاني للأحكام التفصيلية المتعلقة بقواعد الاستخدام الآمن لمحيط السكك الحديدية. وقد اشتمل هذا الباب على أحكام بالغة الأهمية من الناحية العملية، إذ حدّد بدقة نطاق الحظر الجغرافي المحيط بالخط الحديدي، ونصّ في الفصل السادس على أنه لا يمكن لأحد من يوم صدور هذا الظهير الشريف أن يبني على بعد ميترين اثنين بقياس هذه المسافة من الخط الأعلى لضفة الطريق أو من خط الضفة السفلى أو من الحرف الخارج للطريق.
كما تناول الفصل السابع وضع الأشخاص الذين كانوا قبل نشر هذا الظهير يمتلكون بناءات على بعد ثلاثة أمتار امتداد عرض المسافة المذكورة من هذه الخطوط المذكورة، ولم يوجد بين هذه الخطوط المذكورة على بعد ميتر ونصف من قضيان السكة أو أبنية تتحدث فيتبدّد بقياس المسافة من هذه الخطوط المذكورة.
والفصل الثامن الذي يُقرّر بشكل صريح أنه لا يجوز جمل التبن ونوائل التين والكلا من المواد القابلة للالتهاب إلا على بعد عشرين ميترا من السكة الحديدية إلا أن كانت آلاتها المتحركة نارية ويستثنى من ذلك الغلال التي توضع وقت الحصاد يُرسم بوضوح الهموم الأمنية المتعلقة بخطر الحرائق التي كانت تُشكّل أحد أخطر التهديدات لسلامة السكك.
2.4. التقاطع بين الاعتبارات الأمنية والضرورات الاقتصادية
الجدير بالملاحظة في ظهير حراسة السكك الحديدية أنه لم يكتفِ بالنهج الزجري القائم على الردع والعقاب، بل حرص على إيجاد توازن دقيق بين الاعتبارات الأمنية والاحتياجات الاقتصادية للسكان المجاورين لخطوط السكك. فالفصل التاسع يُصرّح بأنه لا يجوز لمن جاور سكة حديدية ثلاثة أمتار امتداد عن الأرض أن يجعل حفراً بدون رخصة في منطقة يكون عرضها في منقطة كون عرضها من المنطقة المذكورة بقياس المسافة من هذه الخطوط المذكورة. والفصل العاشر الذي يُقرّر بحظر دخول عربات السكة الحديدية إلا إذا كانت ورقة السفر المختصة به أو يمن رافقه.
وهكذا يتضح أن المُشرِّع كان يُدرك تمام الإدراك أن المناطق المحيطة بالخطوط السككية كانت في معظمها أراضيَ زراعية يعيش عليها سكانٌ محليون لهم حقوق تقليدية ومصالح مشروعة، وأن تجاهل هذا الواقع في صياغة التشريع كان سيُفضي إلى توترات اجتماعية غير محسوبة العواقب.
ثالثاً: ظهير إجراء العمل بقانون الأشياء المسروقة - حماية الملكية وردع الجريمة
3.1. السياق الجنائي لقانون الأشياء المسروقة في مغرب الحماية
يُمثّل ظهير إجراء العمل بالفصلين الأول والثاني والثالث والخامس والسادس والسابع والثامن من القانون المُؤرَّخ بالثاني والعشرين من مايو سنة 1915م المتعلق بإخفاء الأشياء المسروقة في منطقة الحماية الفرنساوية بالمغرب امتداداً طبيعياً للمنظومة القانونية الجنائية التي كانت الإدارة الفرنسية تُوظّفها لمكافحة الجريمة في المجتمع المغربي.
وقد جاء هذا الظهير وفق ما صرّح به نصّه من دواعٍ مُحدّدة تتمثل في ضرورة زجر المتعدّين على أملاك الغير مبنياً على قواعد العدل والانصاف ولمّا لجنابتنا الشريف من الاهتمام برفع ما عساه يحدث من الاشتباه عند تطبيق القوانين. ويعكس هذا النص الاستهلالي محاولةً واضحةً لتقديم التشريع الجنائي الفرنسي في قالب إسلامي ومخزني مقبول، من خلال استحضار منطلقات الشريعة كالعدل والانصاف لتبرير اقتباس مبادئ القانون الفرنسي.
3.2. تطبيق القانون على ظروف المغرب: الخصوصية والتعديل
وجد المشرّع نفسه أمام تحدٍّ جوهري يتمثل في تكييف أحكام قانون الأشياء المسروقة الفرنسي الأصلي مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي المغربي، الذي يختلف اختلافاً جذرياً في كثير من جوانبه عن الواقع الفرنسي الذي صِيغ القانون أصلاً من أجله. وتتجلى هذه المحاولة في صياغة الفصل الفريد من الظهير الذي نصّ على أنه يجري العمل بالفصول الأول والثاني والثالث والخامس والسادس والسابع والثامن من القانون المؤرخ بالثاني والعشرين من مايو سنة 1915م المتعلق بإخفاء الأشياء المسروقة المدرج بالجريدة الرسمية للدولة الفرنساوية.
وهذا الأسلوب في التشريع بالإحالة إلى قانون فرنسي سابق واعتماده بكليته أو في بعض فصوله يُعدّ من أكثر تقنيات التشريع شيوعاً في منظومة الحماية الفرنسية. فعوضاً عن إنشاء قوانين جنائية مغربية خالصة، كانت الإدارة الفرنسية تُحيل إلى النصوص الفرنسية المعمول بها في المتروبول أو في الجزائر وتُكيّفها مع الواقع المغربي من خلال ظهائر مختصرة.
3.3. العقوبات المقررة وفلسفتها الجنائية
تجدر الإشارة إلى أن ظهير الأشياء المسروقة يُكمّل ظهير حراسة السكك الحديدية في بناء منظومة جنائية متكاملة. فبينما يُعالج الظهير الأول الجرائم الماسّة بالمنشآت العامة ووسائل النقل، يُعالج الظهير الثاني جرائم إخفاء الأشياء المسروقة والتجارة في السلع المنهوبة. والمنطق الجنائي الجامع بين الظهيرين هو الاقتناع بأن ردع الجريمة يتطلب معالجة منظومية تشمل الفاعل الأصلي والشريك والمُخفّي على حدٍّ سواء.
رابعاً: ظهير تغيير أحكام تنظيم السجون - إصلاح منظومة العقوبة السالبة للحرية
4.1. خلفيات إصلاح منظومة السجون في مغرب الحماية
يُمثّل ظهير تغيير الظهير المتعلق بتنظيم السجون المؤرَّخ بالحادي عشر من إبريل سنة 1915م جزءاً من مسعى أوسع لإصلاح المنظومة العقابية في المغرب وجعلها متوافقةً مع المعايير الحضارية التي كانت تدّعي الحماية الفرنسية تجسيدها على أرض المملكة المغربية. وقد جاء هذا الظهير التعديلي بعد أشهر قليلة فحسب من صدور الظهير الأصلي، مما يُشير إلى وجود ثغرات عملية أو قصور تشريعي تبيّن بسرعة بعد الشروع في تطبيق الظهير الأصلي.
وينصّ هذا الظهير الجديد صراحةً على أنه مبني على زجر المتعدين على أملاك الغير مبنياً على قواعد العدل والانصاف ولما لجنابتنا الشريف من الاهتمام برفع ما عساه يحدث من الاشتباه عند تطبيق القوانين. ويُبيّن هذا التعليل الرسمي المُدرَج في متن الظهير أن الدافع المُعلَن للإصلاح هو معالجة اللبس والغموض اللذين ثبتا عملياً في تطبيق الظهير الأصلي.
4.2. إلغاء الفصل التاسع من الظهير الأصلي
النقطة الجوهرية في هذا الظهير التعديلي هي إلغاء الفصل التاسع من الظهير الأصلي المتعلق بتنظيم السجون. وقد نصّ الفصل الفريد من الظهير الجديد على أنه يُلغى الفصل التاسع من الظهير الشريف المؤرخ بالخامس والعشرين من جمادى الأولى عام 1333هـ الموافق للحادي عشر من أبريل سنة 1915م المتعلق بتنظيم السجون.
ولفهم دلالة هذا الإلغاء كاملاً، يتعيّن استحضار مضمون الفصل التاسع الملغى الذي كان يتعلق على الأرجح بأحكام العقوبات البديلة أو ببعض الاستثناءات المقررة لفئات معينة من المحكوم عليهم. والحذف الكلي لهذا الفصل دون استبداله بنص آخر يُشير إلى أن الإدارة ارتأت أن الإبقاء عليه كان يُشكّل ثغرة في المنظومة العقابية يُمكن أن يُستغلّها المتهمون للإفلات من العقوبة.
4.3. فلسفة العقوبة بين الزجر والإصلاح
يُثير ظهير إصلاح السجون تساؤلات عميقة حول فلسفة العقوبة التي كانت تعتمدها الإدارة الفرنسية في المغرب. فهل كانت السجون في مغرب الحماية مؤسسات إصلاحية تستهدف إعادة تأهيل المحكوم عليهم وإدماجهم في المجتمع؟ أم كانت مجرد أدوات للزجر والردع والعقاب الصرف؟
يُلمّح نصّ الظهير إلى أن الاعتبار السائد كان زجرياً بامتياز، وهو ما يتوافق مع المنطق العام للتشريع الجنائي الاستعماري الذي كان يضع الاستقرار الأمني ومنع الجريمة في مقدمة أولوياته بدلاً من إصلاح المجرمين وتأهيلهم اجتماعياً.
خامساً: قرار تخصيص الإعانة السنوية لتربية الخيل - الاستثمار في الاقتصاد الريفي
5.1. أهمية قطاع الخيل في الاقتصاد المغربي وفي الخطة العسكرية الفرنسية
يُمثّل قرار وزيري في تخصيص اعانة سنوية لحكومة الدولة الجمهورية الفرنساوية وذلك على وجه الاشتراك فيما تنفقه من الصوائر ادارة تربية الخيل الكائنة بالمغرب واحداً من أكثر القرارات الواردة في هذا العدد كاشفيةً للبُعد الاقتصادي الاستراتيجي للوجود الاستعماري الفرنسي في المغرب.
فتربية الخيل في المغرب لم تكن مجرد قطاع اقتصادي عادي، بل كانت تنطوي على أبعاد متشعّبة: فمن جهة، كان الجيش الفرنسي يعتمد اعتماداً كبيراً على الخيل في عملياته العسكرية وفي نقل المعدات والإمدادات، لا سيما في المناطق الجبلية والنائية التي يتعذّر على المركبات الآلية الوصول إليها. ومن جهة أخرى، كانت تجارة الخيل تُشكّل مصدراً مهماً للدخل لعدد كبير من قبائل المغرب التي اشتُهرت بتربية الخيل العربي الأصيل على مدى قرون.
5.2. الإطار القانوني للإعانة وآليات تحديد قيمتها
نصّ الفصل الأول من القرار على أن تدفع كل سنة الدولة الشريفة للوزارة الحربية الفرنساوية بلغا قدره أربعون ألف فرنك على وجه الاشتراك في الصوائر للازمة للانشاءات الفرنساوية المعدة لتربية الخيل الموجودة بالمغرب. وقد حرص الفصل الثاني على تحديد جهة التصفية بأن تُقيَّد هذه الاعانة بميزانية الدولة الشريفة وذلك في الفصل لراجع لصوائر ادارات الفلاحة.
وتُحيل هذه القرارات على واقع أوسع يتمثل في أن إدارة الحماية كانت تُسيّر قطاع تربية الخيل من خلال إنشاءات متخصصة تضمّ محطات للتلقيح الاصطناعي وإسطبلات للخيول الفحول المنتقاة وبرامج لتحسين الأنواع. وكانت تكلفة هذه المنشآت مرتفعة، مما استلزم المشاركة في تمويلها بين الوزارة الحربية الفرنسية التي كانت تستفيد منها أكثر من غيرها وخزينة الدولة المغربية.
5.3. الأبعاد الاجتماعية لتربية الخيل: بين التحديث والتقليد
كشف قطاع تربية الخيل عن توتر حقيقي بين منطق التحديث الذي دفعت به الإدارة الفرنسية عبر إدخال سلالات جديدة وأساليب علمية حديثة في التلقيح والرعاية، والموروث التقليدي المغربي الذي كان يُقدّس الخيل العربي الأصيل وفق أنساب موثّقة ومعارف متوارثة عبر الأجيال. وقد تجلّى هذا التوتر في موقف عدد من الفرسان المغاربة وملاك الخيل من برامج التهجين التي كانت تُروّج لها الإدارة الفرنسية، إذ كانوا يرون في تخليط السلالات تهديداً لقيمة خيولهم ولمكانتهم الاجتماعية المرتبطة بامتلاك الخيول العربية الأصيلة.
سادساً: قرار تحديد حدود مرسى الدار البيضاء - رسم الجغرافيا العمرانية للمدينة الجديدة
6.1. الدار البيضاء في 1915: من قرية صيد إلى مدينة استعمارية ناهضة
في عام 1915م، كانت الدار البيضاء في خضمّ تحوّل جذري يُحوّلها من مدينة مغربية صغيرة نسبياً إلى مركز اقتصادي وتجاري متنامٍ على المستوى المغربي والإفريقي. فمنذ بداية القرن العشرين، وبشكل مُتسارع منذ إقرار الحماية في 1912م، كانت المدينة تستقطب موجات متتالية من المهاجرين الأوروبيين والمغاربة وتشهد ورشة بنائية لا تهدأ.
وقد فرضت هذه الديناميكية العمرانية المتسارعة ضرورة وضع حدود واضحة للمرسى وتوابعها لتنظيم التوسع ومنع الفوضى العمرانية. فالمرسى بوصفه البوابة الرئيسية لنقل البضائع والمسافرين كانت تتقاطع عنده مصالح الإدارة والتجار والملاك والمستثمرين، مما كان يُولّد حتماً نزاعات حدودية تستوجب ضبطاً قانونياً دقيقاً.
6.2. الأحكام التفصيلية لحدود مرسى الدار البيضاء
حدّد قرار تعيين حدود مرسى الدار البيضاء وتوابعها الصادر بمقتضى الظهير الشريف الصادر في فاتح يوليو سنة 1915م نطاق ميناء الدار البيضاء بتفصيل جغرافي دقيق. فنصّ الفصل الأول على أن يحد مرسى الدار البيضاء وتوابعها غربا الرصيف الكبير في السكة المبني وتسبب عن ذلك جرح شخص فيعاقب بالسجن لمدة من ثمانية أيام إلى ستة أشهر وبذعيرة تتراوح من خمسمائة فرنك إلى خمسة آلاف فرنك وإذا كانت الجريمة موت شخص واحد أو أكثر فتكون مدة السجن من سنة إلى خمس سنوات.
ومن أبرز ما يُميّز هذا القرار الجغرافي أنه أشار في حدوده الغربية إلى خط البحر ويستثنى من ذلك ما هو داخل في الحدود المذكورة العسكرية الإسلامية والمجاوز لها التجارية المقصود بها للنظر. وحدّد الفصل الثاني أن المدير العام للاشغال العمومية هو المكلف بتنفيذ هذا القرار، وهو ما يُبرز المكانة المحورية لهذه الوزارة في الإشراف على التهيئة العمرانية والبنية التحتية في المغرب الاستعماري.
6.3. دلالات قرار تحديد الحدود في إطار السياسة العمرانية الاستعمارية
يكشف قرار تحديد حدود مرسى الدار البيضاء عن بُعد استراتيجي مهم في السياسة العمرانية لإدارة الحماية، يتمثل في الحرص على الفصل القانوني بين الفضاءات العمرانية المختلفة وإخضاعها لأنظمة إدارية متمايزة. فالمرسى كفضاء اقتصادي تجاري وإداري خضع لمنطق مختلف عن الأحياء السكنية والمناطق الزراعية المحيطة به.
وكان هذا الفصل يخدم في جوهره مصلحة المستثمرين والتجار الفرنسيين والأوروبيين الذين كانوا يُسيطرون على معظم النشاط الاقتصادي في الميناء، إذ كان التحديد الدقيق للحدود يُرسي حقوقهم القانونية على المنشآت التي شيّدوها أو الأراضي التي اقتنوها في محيط الميناء ويُقيّد بالمقابل الحقوق التقليدية للسكان المغاربة المحيطين بهذه المناطق.
سابعاً: قرار تخصيص الأراضي السكنية للوطنيين بالقنيطرة - الأبعاد الاجتماعية للسياسة العمرانية
7.1. القنيطرة: مدينة وليدة الحماية الفرنسية
تُعدّ القنيطرة من المدن التي وُجدت فعلياً في عهد الحماية الفرنسية وبفضلها، إذ كانت قبل ذلك مجرد نقطة عبور نهرية ذات أهمية محدودة. ومع إقرار الحماية، رأت الإدارة الفرنسية في موقع القنيطرة على مصبّ نهر أبي رقراق إمكانيةً لإنشاء ميناء نهري يُسهم في فتح المناطق الداخلية أمام التجارة والتبادل الاقتصادي، فشرعت في بناء المدينة بمنطق عمراني استعماري تنظيمي.
وفي هذا الإطار، جاء قرار تخصيص اراضي لسكنى الوطنيين بالقنيطرة طبقا للمنفعة العمومية ليُجسّد توجهاً إدارياً يُقرّ ضمنياً بأن الوطنيين المغاربة يحتاجون إلى سكن منظّم في المدن الجديدة الناشئة. ولكن هذا الإقرار جاء في سياق الفصل العمراني الذي كان يُميّز بين أحياء الأوروبيين وأحياء الأهالي المغاربة في كل المدن التي طوّرتها الحماية.
7.2. الأحكام القانونية لتخصيص أراضي القنيطرة
نصّ قرار تخصيص الأراضي على أنه قد اقتضت المنفعة العمومية تخصيص اراضي سكنى الوطنيين بالقنيطرة. وقد حدّد الفصل الأول بدقة حجم الأراضي المُعدَّة لهذا التخصيص إذ نصّ على تخصيص الاذن باكتساب مساحة قدرها خمسة عشر هكتارا من الاراضي التي يشغلها جماعة الساكنية الكائنة شرقي القنيطرة التي تحيط بقصبة المخزن الخاصة بالمخزن شرقي القنيطرة والمحددة المذكورة لهذا القرار.
والفصل الثاني أوضح أن الحكومة الادارية تحول الاذن باكتساب بأكتسابها اعلاه الاذن لانشاء ما ذكر في الفصل الأول اعلاه الاذن بمساحة قدرها خمسة عشر هكتارا من الاراضي المذكورة بالطريقة ادارية أو بطريقة نزع الملكية.
7.3. نزع الملكية والتعويض: إشكاليات العدالة العمرانية
يستوقف الباحث في هذا القرار اللافت اعتماده على آلية نزع الملكية لمصلحة الغير أو بتراض إذ أشار صراحةً إلى إمكانية اللجوء إلى نزع الملكية القسري. وكانت هذه الآلية في كثير من الحالات تُفضي إلى نزاعات طويلة ومؤلمة مع الجماعات السلالية والأسر المغربية التي كانت تمتلك حقوقاً عرفية راسخة على الأراضي المُستهدَفة بالتخصيص.
وتُشير الدراسات التاريخية المتعلقة بالتطور العمراني للمدن المغربية في عهد الحماية إلى أن عمليات نزع الملكية لم تكن دائماً مصحوبةً بتعويضات عادلة أو بإشراك فعلي للمتضررين في صياغة الحلول البديلة، مما أفضى إلى تهجير قسري لعدد من الجماعات الريفية التي كانت تُسكن المناطق المُخصّصة لتوسّع المدن الاستعمارية الجديدة.
ثامناً: قرارات البريد والتلغراف - تحديث منظومة الاتصالات
8.1. أهمية شبكة البريد والتلغراف في إدارة مغرب الحماية
يُمثّل قرارا تنظيم مبادلة الحوالات البريدية وتعيين الأجرة عن الحوالات البريدية بالمغرب نافذةً مهمة على مسعى إدارة الحماية نحو تحديث منظومة الاتصالات في المغرب وربطها بالشبكة البريدية الدولية. فالبريد والتلغراف كانا يُشكّلان في تلك المرحلة ما يُعادل الاتصالات الرقمية في عصرنا الراهن: وسيلة التواصل والتنسيق والرقابة بين المراكز الإدارية المتفرقة وبين المغرب والمتروبول الفرنسي.
وقد كانت شبكة البريد والتلغراف في المغرب تخضع قبل الحماية لمفاوضات دولية معقدة شملت الدول الأوروبية المختلفة التي كانت تمتلك مراكز بريدية في المدن المغربية الكبرى. ومع إقرار الحماية، سعت فرنسا إلى توحيد هذه الشبكة تحت سيطرتها وإخضاعها لمنطق البريد الفرنسي.
8.2. نظام مبادلة الحوالات البريدية وتعريفاتها
نظّم قرار مبادلة الحوالات البريدية بين مكاتب البريد المغربية وبين المكاتب البريدية الكائنة في فرنسا والجزائر والمكاتب البريدية الكائنة بالمنطقة الاصبنيولية بالمغرب الأسسَ القانونية لعمليات تحويل الأموال عبر البريد داخل المغرب وخارجه. وقد حدّد الفصل الأول المبدأ العام بأنه يمكن لكل أحد أن يرسل في كل يوم واحد لشخص واحد عدداً غير محدود من الحوالات البريدية المبيّنة قيمتها قيمة مثل السكة الفرنساوية بشرط أن لا يتجاوز كل حوالة واحدة منها ألف فرنك.
أما الفصل الثاني فيُحدّد القدر الأقصى للحوالات قائلاً: ينبغي أن لا يتجاوز قدر كل حوالة عشرة آلاف فرنك ويُقيَّد ذلك بأنه في المبادلة في مبادلة الحوالات البريدية بين المكاتب البريدية المغربية وبين المكاتب الألمغربية بفرنسا والجزائر والمكاتب البريدية الكائنة الكائنة بطنجة والمنطقة الاصبنيولية بالمغرب وذلك ما مضى من الفصل الثالث.
8.3. تعريفات الحوالات البريدية وسلّم الأجرة التصاعدي
خصّص قرار تعيين الأجرة عن الحوالات البريدية بالمغرب الفصلَ الثالث لبيان سلّم تعريفة الأجرة المُطبَّق على الحوالات وفق قيمتها. ونصّ على أن تعيين الاجرة التي تستخلص من الحوالات البريدية كما يأتي: خمسة سنتيمات عن كل خمسة فرنكات أو جزء منها غاية عشرين فرنك، وخمسة وعشرون سنتيما من عشرين فرنك وسنتيم واحد إلى خمسين فرنك، وخمسون سنتيما من خمسين فرنك وسنتيم واحد إلى مائة فرنك.
ثم يتواصل سلّم التعريفة: سبعون وخمسة سنتيما من مائة فرنك وسنتيم واحد إلى مائة وخمسمائة فرنك، وفرنك واحد من مائة وخمسين فرنك وسنتيم واحد إلى مائتين، وفرنك واحد وخمسة وعشرون سنتيما من مائتين وسنتيم واحد إلى خمسمائة فرنك، وذلك بزيادة خمسة وعشرين سنتيما من خمسمائة فرنك وسنتيم واحد إلى مائة الف فرنك.
والملاحظ في هذا السلّم التعريفي أنه يعتمد نسباً متناقصة كلما ارتفعت قيمة الحوالة، مما يُشير إلى محاولة تشجيع التعاملات المالية الكبيرة عبر البريد الرسمي عوضاً عن التهريب غير الرسمي للأموال.
تاسعاً: قرارات التعيين والترقية - تشكيل الكادر الإداري
9.1. قرار تعيين المسيو كود جوزيف اوربا رئيساً للمكتب
يتضمن العدد 114 قراراً وزارياً بتعيين المسيو كود جوزيف اوربا رئيساً للمكتب في وظيفته. وقد صدر هذا القرار بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331م الموافق للخامس عشر إبريل سنة 1913م المتعلق بتنظيم حزب الموظفين الاداريين بالإبالة الشريفة.
وقد ورد في الفصل الفريد من هذا القرار أن المسيو كوز جوزيف اوربا الذي هو رئيس ادارة من الدرجة الثالثة من المستعمرات قد عين مكتب من الدرجة الثانية بالادارة المدنية الشريفة وذلك ابتداء من فاتح مارس سنة 1914م فيما يخص الاقدمية فقط. وقد نوّه القرار إلى أن الراتب الراجع لوظيفه الجديد فيدفع له من فاتح مايو سنة 1915م.
9.2. قرار تعيين منشئ متطوع رسمياً في وظيفه
نصّ القرار الثاني على تعيين المسيو كرسون ديلا فيلتوف اوليفي شارل ماري فيكتور منشئاً متطوعاً رسمياً في سلك الدرجة الخامسة وانخرط في وظيفه وذلك ابتداء من تاريخ نشر هذا القرار. ويُوضّح هذا القرار جانباً مهماً من سياسة التوظيف في الإدارة الاستعمارية، يتمثل في تحويل الموظفين المتطوعين الذين ثبتت كفاءتهم في الميدان إلى موظفين رسميين بعد فترة اختبار.
9.3. قرار ترقية مدير المالية العام عضواً في لجنة ترقي موظفي البوليس العام
تضمّن العدد أيضاً قراراً بتعيين مدير المالية العام أو نائبه عضواً في لجنة ترقي موظفي ادارة البوليس العام. وجاء هذا القرار بمقتضى القرار الوزيري المؤرخ بسادس شوال عام 1331هـ الموافق لثامن سبتمبر سنة 1913م المتعلق بتنظيم ادارة البوليس العام.
والبُعد اللافت في هذا القرار هو إدراج مدير المالية في لجنة الترقيات المتعلقة بالبوليس، مما يُبيّن أن سلطة الترقية لم تكن مقصورة على الجهاز الأمني وحده، بل كانت تشمل ممثلين عن الوزارات الأخرى، في حرص واضح على ربط الاعتبارات الأمنية بالاعتبارات المالية وضمان التوازن بين مختلف أجنحة الجهاز الإداري.
عاشراً: القسم الغير رسمي - الأملاك العقارية وتنامي الاستثمار الأجنبي
10.1. طلبات التسجيل العقاري: مؤشر على التحولات الديموغرافية والاقتصادية
يتضمن القسم غير الرسمي من العدد 114 ثلاثة طلبات تسجيل عقاري تخصّ جميعها محافظة الدار البيضاء، وهو ما يعكس التنامي المتسارع للتعاملات العقارية في المدينة التي كانت تشهد في تلك المرحلة أسرع وتيرة توسع عمراني على المستوى المغربي.
الطلب الأول يتعلق بتسجيل عقار لمصلحة السيد دومانكو بيريا يبالبوأ الأميركاني الملاك الساكن بالدار البيضاء في حومة التلغراف اللاسلكي والمتزوج مع الولية أنطولنيا بيريا في سنطكروز لدى قنصلية اميريكا بالدار البيضاء. وقد طلب هذا المالك تسجيل أرض مشيد عليها بنيان في حومة التلغراف اللاسلكي تبلغ مساحتها ألفاً وخمسة وعشرين مترا مربعاً تقريباً وقد وقع تسليمه للمحافظة في اليوم نفسه.
الطلب الثاني يتعلق بتسجيل عقار لمصلحة السيو بول مراج الوكيل عن زوجته ماري فيكطاودين لقبها فودني، لا حرفة لها والمتزوجة معه حسبما هو مذكور في رسم أمومي المذكور وقد وقع تقديمه للمحافظة في اليوم نفسه. ويتعلق الملك بالدار البيضاء في محج الحرية بسفلية وطبقتين وقد مساحته اثنتان وأربعون مترا مربعاً وثلاثمائة وخمسة وثلاثون ذراعا مربعاً.
الطلب الثالث بمقتضى مطلب تسجيل مؤرخ في السادس والعشرين من يونيو سنة 1915م يتعلق بتسجيل عقار لمصلحة الكمندان بروفو من البنكة التجارية المغربية وهو عازب عند الأستاذ مشويطز الوكيل كلف بصفة كونه ملاكا تسجيل الملك الذي يسمّيه ـ التونسية. ويمثل الملك عبارة عن أرض وكاين بالدار البيضاء بشارع مرسى السلطان وذلك الملك الذي مساحته سبعمائة وخمسة وسبعون مترا مربعاً وخمسة وثلاثون ذراعاً مربعاً.
10.2. التنوع الجنسي لطالبي التسجيل وما يعكسه
يُلفت الانتباه في طلبات التسجيل الواردة في هذا العدد التنوع الجنسي الكبير لأصحابها، إذ تضمّ أمريكياً وفرنسياً وشخصاً من البنك التجاري المغربي. ويعكس هذا التنوع واقع الدار البيضاء في تلك المرحلة بوصفها فضاءً متعدد الجنسيات تتقاطع فيه مصالح المستثمرين والتجار والمضاربين العقاريين من شتى الجنسيات الأوروبية والأمريكية.
وكان وجود المواطنين الأمريكيين في المغرب في تلك المرحلة مثيراً للاهتمام، إذ يُذكّر بأن المغرب كان ما يزال يتمتع بموجب معاهدة الجزيرة الخضراء بوضع دولي معقّد تُحتفظ فيه لعدد من القوى الأجنبية بحقوق قنصلية وتجارية. وكانت الولايات المتحدة واحدة من هذه القوى التي حرصت على الإبقاء على حضورها الاقتصادي في المغرب حتى في ظل هيمنة الحماية الفرنسية.
10.3. الأملاك العقارية ودورها في بناء الاقتصاد الاستعماري
تُقدّم طلبات التسجيل العقاري الواردة في هذا العدد شاهداً قوياً على ظاهرة تراكم الملكية العقارية في أيدي الأجانب في مدينة الدار البيضاء. فثلاث قطع أرضية جديدة تُضاف في يوم واحد إلى سجل الأملاك المحفّظة لمصلحة أجانب، وهو نمط تكرّر على مدى سنوات وكان من أبرز سماته التوسّع الرهيب في المساحة العقارية المملوكة للأجانب على حساب الملكية المغربية التقليدية.
ولا يُمكن قراءة هذه الطلبات المتكاثرة بمعزل عن المنظومة القانونية التي أتاحتها الحماية الفرنسية لتيسير انتقال الملكية العقارية من الأيدي المغربية إلى الأيدي الأجنبية، سواء من خلال عقود البيع الاختيارية أو من خلال آليات نزع الملكية لأغراض المنفعة العامة التي أشار إليها قرار القنيطرة المذكور أعلاه.
خاتمة
تُجسّد الجريدة الرسمية للمغرب عدد 114 الصادرة في يوليو 1915م وثيقةً تاريخيةً متعددة الأبعاد تُتيح للباحث الولوج إلى عمق المشروع الاستعماري الفرنسي في المغرب من أكثر أبوابه صراحةً وكاشفيةً. فمن خلال التحليل المعمّق لنصوصها المتنوعة، تبرز ثلاثة محاور رئيسية تُجسّد جوهر هذا المشروع في تلك المرحلة.
المحور الأول هو الهيمنة الأمنية: إذ تتضافر أحكام ظهير حراسة السكك الحديدية وظهير الأشياء المسروقة وتعديلات تنظيم السجون في رسم منظومة قانونية شاملة تستهدف ضمان النظام والاستقرار وتأمين المصالح الاقتصادية الاستعمارية من أي تهديد داخلي.
المحور الثاني هو الاستغلال الاقتصادي المنظّم: ويتجلى في قرارات تربية الخيل وتنظيم البريد والتلغراف والأملاك العقارية، التي تكشف مجتمعةً عن مسعى ممنهج لاستثمار موارد المغرب البشرية والطبيعية والجغرافية لصالح الاقتصاد الفرنسي.
المحور الثالث هو إعادة رسم الجغرافيا العمرانية والديموغرافية: ويتمثل في قرارات تحديد حدود مرسى الدار البيضاء وتخصيص أراضي القنيطرة وما يُصاحبها من ضغوط على الأراضي التقليدية لصالح التوسع العمراني الاستعماري.
إن فهم هذه المحاور الثلاثة في تشابكها وتعاضدها يُمثّل مدخلاً ضرورياً لاستيعاب الجذور التاريخية العميقة لكثير من الإشكاليات التي لا يزال المغرب المعاصر يُعاني من انعكاساتها البعيدة، من التفاوت العمراني بين المدن والبوادي، إلى إشكاليات الأراضي السلالية، وصولاً إلى الاختلالات الهيكلية في المنظومة الأمنية والاقتصادية التي تمتد جذورها إلى تلك الحقبة التأسيسية التي رسمت بدقة معالم المغرب الحديث.
تحميل العدد 114 بتاريخ 05 يوليوز 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق