الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة المحمية عدد 109-110 في عهد الحماية الفرنسية (بتاريخ 7 ماي 1915): قراءة تاريخية وتحليلية في الوثائق الإدارية والتشريعية

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
نبذة عن المقال: الجريدة الرسمية المغربية، الحماية الفرنسية، تسجيل العقار، الظهير الشريف، الإدارة العقارية، القانون العقاري، 1915، المغرب الحديث، الإصلاح الإداري

مقدمة

تُعدّ الجريدة الرسمية لأي دولة المرآة الأمينة التي تعكس واقعها السياسي والقانوني والاجتماعي في لحظة تاريخية بعينها. فمن خلال صفحاتها المتراكمة يمكن للباحث أن يقرأ خريطة السلطة، ويفهم آليات الحكم، ويتتبع مسار الإصلاح وطبيعة التحولات التي شهدتها البلاد. وإذا كان ذلك صحيحاً في الأحوال العادية، فإنه يغدو أشد صحةً وأوفر دلالةً حين يتعلق الأمر بحقبة بالغة الحساسية كحقبة الحماية الفرنسية على المغرب، وهي الحقبة التي تمثّل وثائق الجريدة الرسمية فيها سجلاً فريداً لطبيعة النظام الذي أُرسيت قواعده تحت مظلة معاهدة الحماية عام 1912.

العددان 109 و110 من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة، الصادران في 7 يونيو 1915، أي في رحاب السنة الثالثة من الحماية، يضمّان وثائق لا تقدّر قيمتها لمن يروم استيعاب الطريقة التي نُظِّمت بها الإدارة المغربية في تلك الحقبة الانتقالية العسيرة. ففيهما ظهائر شريفة تتعلق بتسجيل العقار وإصلاح القانون العقاري، وقرارات وزارية متعددة تشمل تعيين الموظفين والمشرفين، فضلاً عن مبادلات دبلوماسية لافتة أجراها السلطان مولاي يوسف مع رئيس جمهورية فرنسا بمناسبة اشتهار الحرب العالمية الأولى على النمسا، وشؤون إدارة الأملاك العقارية والسور الجديد لمدينة الدار البيضاء وغيرها من القضايا المتشعبة.

ينطلق هذا المقال من قراءة دقيقة لهذه الوثائق بوصفها مادة أوّلية خاماً، ليعيد بناء السياق الذي أُنتجت فيه، ويحلّل ما تنطوي عليه من دلالات تشريعية وإدارية وسياسية. ويسعى المقال إلى تقديم إجابات شافية عن عدة إشكاليات: كيف وظّف نظام الحماية الظهائر الشريفة أداةً لإضفاء الشرعية على الإصلاحات القانونية؟ وما طبيعة المنظومة العقارية التي كان يُرسيها؟ وكيف تجلّت الديناميكية المغربية-الفرنسية في النصوص الإدارية الرسمية؟ وأيّ أثر كانت الحرب العالمية الأولى تُلقيه على السياسات المحلية؟

تحميل العدد 109-110بتاريخ 07 ماي 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF 

 

أولاً: السياق التاريخي والإطار العام للجريدة الرسمية المغربية عام 1915

1.1 نشأة الجريدة الرسمية في ظل الحماية الفرنسية

لم تكن الجريدة الرسمية المغربية وليدة الحماية الفرنسية من فراغ، إذ كان المخزن المغربي قد عرف أشكالاً من الإعلانات الرسمية والمراسيم الشريفة قبل ذلك. غير أن استحداث جريدة رسمية منظّمة ومدوّرة وفق معايير التشريع الحديث يُعدّ في جوهره من ثمرات عهد الحماية الذي شرعت فرنسا في ترسيخه بعد 30 مارس 1912. فقد كان المقيمون العامون، ولا سيما الجنرال ليوطي وبعده سانتولار ثم آخرون، يُدركون أن مأسسة النظام الإداري تقتضي وجود مرجع قانوني رسمي يُضفي على القرارات صفة الإلزام والنفاذ.

الجريدة الرسمية الصادرة عام 1915، والتي تنتمي إلى "السنة الثالثة" وفق تسلسلها الزمني الخاص، كانت تُصدر من الرباط وتوزَّع داخل المملكة وخارجها بأسعار اشتراك محددة: ثلاثة فرنكات وخمسون سنتيماً داخل المملكة لمدة ثلاثة أشهر، وأربعة فرنكات وستون سنتيماً خارجها للمدة ذاتها. وهذه الأسعار البسيطة تُشير إلى أن الجريدة كانت تستهدف جمهوراً موسعاً يشمل رجال القانون والإدارة والتجار والأعيان داخل المغرب، فضلاً عن المتتبعين الأجانب خارجه.

تجدر الإشارة إلى أن أعداد الجريدة الرسمية كانت تصدر باللغتين العربية والفرنسية في آنٍ واحد، مما يجعلها نموذجاً للثنائية اللغوية التي ميّزت إدارة الحماية عموماً. فالنص العربي كان يستند إلى الشرعية السلطانية ويُوجَّه إلى الجمهور المغربي، في حين كان النص الفرنسي يُوفّر المرجعية التقنية والإدارية التي يحتاج إليها الموظفون والخبراء الفرنسيون. وهذا التوازي اللغوي يعكس في عمقه التوازن الهش الذي قام عليه نظام الحماية نفسه: الاعتراف الشكلي بالسيادة المغربية من جهة، والهيمنة الفعلية الفرنسية من جهة أخرى.

1.2 السياق الدولي: الحرب العالمية الأولى وانعكاساتها على المغرب

لا يمكن قراءة وثائق عام 1915 دون استحضار الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في صيف 1914 وكانت لا تزال تستعر بكل زخمها حين صدرت هذه الأعداد من الجريدة الرسمية. وقد انخرط المغرب في هذا الصراع الدولي بصورة مباشرة، إذ كانت فرنسا تستقطب المجندين المغاربة للمشاركة في جبهات القتال الأوروبية، وقد كان الجنود المغاربة يُبدون شجاعة استثنائية وسط المعارك الضارية.

وتكشف وثائق الجريدة الرسمية عن هذا السياق الحربي في صورة جلية من خلال مبادلة التلغرافات التي جرت بين السلطان مولاي يوسف وبين رئيس الجمهورية الفرنسية بمناسبة إعلان الحرب على النمسا. فقد بعث السلطان ببرقية دعم وتضامن أكد فيها وقوف المغرب ومواطنيه إلى جانب فرنسا حتى الظفر بالنصر، متحدثاً عن الجنود المغاربة الذين يقاتلون الجنودَ الإيطاليين دفاعاً عن الحق والمدنية. وقد ردّ رئيس الجمهورية بتلغراف شكر ومؤازرة، مُعرباً عن ثقته بأن الانتصار القريب كفيل بتحقيق الخير لكلا البلدين.

هذه المبادلة الدبلوماسية ذات دلالة بالغة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية المتعارف عليها؛ إذ تُبرز الطريقة التي كانت السلطة الاستعمارية تُوظّف فيها الشرعية السلطانية المغربية لتبرير مشاركة المغاربة في حرب لا مصلحة مباشرة لهم فيها. كما تكشف عن مدى التداخل بين الشأن المغربي الداخلي والمشهد الدولي الخارجي، وهو تداخل كان يُرخي ظلاله على القرارات الإدارية المحلية كافة.

وعلى الصعيد الميداني، تحتوي أعداد الجريدة على تنويه رفيع المستوى يتعلق بمنح الميدالية الحربية لعدد من الجنود المغاربة المتميزين في ميادين القتال. وقد تضمّن هذا التنويه وصفاً تفصيلياً لبطولات بعض الأفراد، كالجندي المغربي عباس بن الجيلالي من قبيلة ترايبود الذي جُرح إثر هجومه المستميت على خنادق العدو وحده، وكالمقدّم اليزيد بن سعيد الذي اشتُهر بشجاعته وصبره في أكثر من معركة.

1.3 بنية الجريدة الرسمية ومحتوياتها في عام 1915

كان العدد المزدوج 109-110 يتضمن طيفاً واسعاً من الوثائق التشريعية والإدارية يمكن تصنيفها في فئات متمايزة. فهناك أولاً الظهائر الشريفة، وهي أعلى درجات التشريع في التراتبية القانونية المغربية، إذ تصدر بإرادة السلطان مباشرةً وتحمل طابعاً دينياً وقانونياً في آنٍ معاً. وقد اشتمل هذا العدد على ظهائر تتعلق بتعيين شروط وقتية لإجراء العمل بالظهير الأساسي المتعلق بتسجيل العقار، وظهائر تتعلق بالقوانين المنطبقة على العقارات المسجلة، وظهير يُحدد إجراء العمل بالسور الجديد المروف لمدينة الدار البيضاء.

وتشكّل القرارات الوزارية الفئة الثانية من الوثائق، وهي أكثر عدداً وتنوعاً، وتشمل تعيينات في المناصب الطبية والقضائية والإدارية، كتعيين الدكتور برونو طبيباً من الدرجة الخامسة لدى إدارة الصحة والإعانة العمومية، وتعيين الأستاذ لينو لوي ادوار كاتباً بالالالة الكتابة، وتعيين المسيو دولاوردان أكتور كاتباً متطوعاً. أما الفئة الثالثة فتشمل الوثائق الدبلوماسية كمبادلة التلغرافات مع الجانب الفرنسي. وتمثّل الفئة الرابعة التنويهات والمكافآت والأوسمة الممنوحة.

 

ثانياً: الإصلاح العقاري في ضوء وثائق الجريدة الرسمية لعام 1915

2.1 الظهير الأساسي لتسجيل العقار وجذوره التاريخية

يحتل ملف تسجيل العقار مكانة محورية في وثائق الجريدة الرسمية لعام 1915، وهو ما يعكس أولوية قصوى في سياسة الحماية الفرنسية على المغرب. فمنذ اللحظات الأولى لاستقرار نفوذها، عملت فرنسا على وضع منظومة قانونية عقارية حديثة تُوفّر الأمان اللازم للمستثمرين والمستوطنين الأوروبيين، وتُقلّص مساحة النزاعات حول الملكية التي كانت شائعة في ظل الفقه التقليدي.

تستند وثائق عام 1915 إلى ظهير أساسي صدر في التاسع من رمضان عام 1331 الهجري، الموافق 12 أغسطس 1913م، وهو الظهير المؤسِّس للقانون العقاري المغربي الحديث. وقد جاء هذا الظهير في الواقع مستوحى من نظام تورانس الأسترالي لتسجيل الأراضي، الذي يقوم على مبدأ الشهر العيني الذي يجعل من تسجيل العقار في السجل العقاري أمراً قاطعاً في مواجهة الجميع ويمنح صاحبه سنداً غير قابل للطعن. وقد أرسى هذا الظهير قطيعةً جوهرية مع التقاليد الفقهية الإسلامية المتعلقة بإثبات الملكية التي كانت تقوم على شهادة عدد الشهود والعقود الموثّقة.

الوثائق المتعلقة بهذا الملف في الجريدة الرسمية تتضمن تعديلات وظهائر مكمّلة تسعى إلى تطوير المنظومة القانونية العقارية الأساسية ووضع تفاصيلها التطبيقية. وقد أشارت إحدى هذه الوثائق صراحةً إلى أن الظهير الأساسي الصادر عام 1913 يتضمن في فصله 108 أحكاماً كان ينبغي تطبيقها على مناطق محددة، غير أن الظروف لم تسمح بذلك، مما أوجب إصدار تعديلات مكمّلة.

2.2 الظهير الشريف المتعلق بشروط تسجيل العقار: قراءة في المضمون

تحتل مسألة "الشروط الوقتية لتسجيل العقار" حيزاً بارزاً في العدد المحلَّل. وقد جاءت هذه الشروط في صورة ظهير شريف مستقل يحدد آليات تطبيق الظهير الأساسي لعام 1913 ويسدّ الثغرات والنواقص التي كشف عنها التطبيق الميداني. والملاحظ في هذه الوثيقة أنها تحمل توقيع السلطان مولاي يوسف الذي يتصدّرها بالبسملة والحمد، ثم يستند إلى صلاحياته الملكية في إصدار الأوامر الشريفة التي تجري على الرعية.

وقد نصّت الوثيقة على أن العمل بهذه الشروط الوقتية يبدأ من تاريخ نشرها ويجري بها العمل حتى يصدر الظهير الشريف المتعلق بتعيين شروط لاجراء العمل بالظهير الصادر في رمضان عام 1331. وقد أشارت الوثيقة كذلك إلى مقتضيات الظهير المؤرخ بثامن عشر رجب عام 1333 في تعيين شروط وقتية لاجراء العمل بالظهير الشريف الصادر في 9 رمضان عام 1331 الموافق 12 أغشت سنة 1913 المتعلق بتسجيل العقار. ونظراً لاقتضاء الحال من تنظيم التفاصيل المتعلقة بإجراء العمل بالقانون المقادري المختص بالتسجيل، صدر الأمر الشريف بما يأتي.

ثمة ما يستوقف في هذه الوثيقة من حيث الشكل والمضمون. فمن الناحية الشكلية، تُلاحَظ العناية بإرساء توقيت محدد لسريان أحكام الظهير بدءاً من تاريخ نشره. وهذا المبدأ الذي يُعدّ اليوم من بديهيات القانون الحديث كان آنذاك إضافةً نوعية مقارنةً بالممارسات التقليدية. أما من الناحية الموضوعية، فيتضح أن المنظومة القانونية العقارية كانت تُبنى بصورة تدريجية ومتراكمة، يُضاف فيها بعضها فوق بعض، وهو ما يعكس ضرورات التكيّف مع الواقع المحلي المعقّد.

2.3 القوانين المنطبقة على العقارات المسجلة: نحو نظام عقاري موحّد

إلى جانب الظهير الأساسي وشروط التطبيق، احتوى العدد المزدوج على ظهير شريف متعلق بتعيين القوانين المنطبقة على العقارات المسجلة. وتكمن أهمية هذا الظهير في أنه يتناول إشكالية التنازع القانوني التي كانت تنشأ حين يتعلق الأمر بعقار مسجّل تتنازع بشأنه أحكام قانونية متعددة، من بينها أحكام الفقه الإسلامي التقليدي ومقتضيات القانون المدني الفرنسي المطبَّق على الأوروبيين.

وقد كان هذا التنازع القانوني من أعقد الإشكاليات التي واجهها نظام الحماية، لاسيما أن المغرب شهد تعايشاً لفئات مختلفة من السكان: مسلمون ويهود مغاربة يخضعون للقانون المغربي التقليدي، ومواطنون فرنسيون وأوروبيون آخرون يطالبون بتطبيق قوانين بلدانهم. وقد كان تسجيل العقار في هذا السياق بمثابة تعبير أوضح عن هوية صاحب العقار وانتمائه القانوني.

أما الظهير الشريف بإجراء العمل بالتعليمات العمومية الصادرة من الصدر الأعظم المتعلقة بسير القانون العقاري المختص بالتسجيل، فقد جاء ليسدّ الفراغ التطبيقي الناجم عن صدور التشريع دون مواكبة إجرائية كافية. وقد أشارت مقدمة هذا الظهير إلى النص المدرج بالجريدة الرسمية الفرنساوية عدد 137 صفحة 345 تحت عنوان تعليمات عمومية صادرة من الصدر الأعظم في سير القانون العقادري المختص بالتسجيل يجري العمل به من تاريخ نشره والسلام. وهذه الإشارة الصريحة إلى النسخة الفرنسية من الجريدة الرسمية تكشف عن الطابع المزدوج الذي ميّز المنظومة التشريعية في عهد الحماية.

2.4 إدارة الأملاك العقارية وإصلاح بنيتها المؤسسية

لم تقتصر الجهود الإصلاحية في الملف العقاري على الجانب التشريعي البحت، بل امتدت إلى الجانب المؤسسي المتمثّل في تنظيم الإدارة القائمة على حراسة الأملاك العقارية وتسييرها. وقد تجلّت هذه الجهود في جملة من الظهائر والقرارات الوزارية المتعلقة بتنظيم الإدارة المحافظة على الأملاك العقارية.

فقد أصدر المقيم العام ليوطي قراراً وزيرياً صادراً بالقرار الوزيري يُنظّم الإدارة المتعلقة بالمحافظة على الاملاك العقارية، يجري العمل به من يوم تاريخ نشره. وقد استند هذا القرار في ديباجته إلى الظهير الأساسي الصادر في 9 رمضان عام 1331 الموافق 12 أغشت سنة 1913 المتعلق بتسجيل العقار، ولاسيما الفصل المئة والتاسع والثمانين منه. كما تضمّن إشارة مهمة مفادها أن الظهير الشريف الصادر في نواحي الايالة الشريفة لا يجري العمل به الا في نواحي الايالة الشريفة التي ستعين فيما بعد، مما يوضح الطابع التدريجي لتطبيق هذه الإصلاحات.

وفي السياق ذاته، يتعلق ظهير آخر بإحداث إدارة ببالدار البيضاء للمحافظة على الاملاك العقارية وباجراء العمل في بعض النواحي من الايالة الشريفة بالظهير المتعلق بتسجيل العقار وبباقي النصوص المنظمة للقانون العقادري الجديد. وهذا يُشير إلى أن مدينة الدار البيضاء كانت تحظى باهتمام خاص بوصفها المركز الاقتصادي الرئيسي الذي كان الأوروبيون يتركّزون فيه ويمتلكون فيه حصصاً عقارية ضخمة.

 

ثالثاً: التنظيم الإداري وبنية الوظيفة العمومية في عهد الحماية

3.1 منظومة التعيينات في الوظائف الإدارية

تكشف قرارات التعيين الواردة في الجريدة الرسمية عن بنية إدارية هجينة تجمع بين موظفين مغاربة وآخرين فرنسيين وأوروبيين، وإن كان الوظائف العليا والحساسة قد انفرد بها الفرنسيون في الغالب. ومن أبرز التعيينات الواردة في العدد المحلَّل، تعيين المسيو روسيل شارل ماري محافظاً على الاملاك العقارية بالمغرب، ليحلّ محل المسيو الذي كان يتقلد هذا المنصب من قبل. وتجدر الإشارة إلى أن منصب المحافظ على الأملاك العقارية كان من أكثر المناصب حساسيةً وأهميةً في الهيكل الإداري، نظراً لارتباطه المباشر بالتوثيق العقاري وضمان حقوق الملكية.

وقد نصّ ظهير التعيين على أن المسيو روسيل دوسيل ينفذ له مسيو روسيل دوسيل راتباً سنوياً قدره ستة عشر ألف فرنك مع تعويض سنوي قدره ألف فا فرنك في مقابلة ما كان يتقاضاه في وظيفته السابق مع انتقاضه خاضعاً للقوانين الجارية على جميع الموظفين بالايالة الشريفة. وهذا النص يُوضّح آلية التعيين وما يصاحبها من تحديد الأجور والامتيازات المالية، كما يُبيّن أن الموظفين الأجانب كانوا يُعيَّنون بموجب ظهائر شريفة تمنحهم بذلك شرعية ملكية مغربية رسمية.

وإلى جانب التعيينات العقارية، تضمّن العدد تعيينات في قطاعات إدارية أخرى، كتعيين الدكتور برونو في منصب طبيب بالدرجة الخامسة بالعشرين من الدرجة الخامسة إبتداء من الرابع والعشرين من يونيو سنة 1915 في شأن إدارة الصحة والاعانة العمومية. وكذلك تعيين المسيو لينو لوي ادوار كاتباً بالالالة الكتابة رسمياً في وظيفه وانخرط في سلك الدرجة الرابعة ابتداء من السابع والعشرين من مايو سنة 1915.

3.2 الكتّاب والمحاسبون وصغار الموظفين

لا تقتصر وثائق التعيين في الجريدة الرسمية على كبار المناصب، بل تمتد إلى الفئات المتوسطة والدنيا من الموظفين التي كانت تُشكّل العمود الفقري للآلة الإدارية اليومية. فقد تضمن العدد قراراً وزيرياً في تعيين كاتب بالالالة الكتابة رسمياً في وظيفه بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ بالحادي عشر من جمادى الاولى عام 1331 الموافق لثامن عشر ابريل سنة 1913 المتعلق بتنظيم حزبالموظفين الاادريين بالايالة الشريفة. وقد جاء هذا التعيين تطبيقاً للقرار الوزيري المؤرخ بالرابع والعشرين من مارس سنة 1915 المتعلق باجراء العمل بالضابط المكلفان بتنفيذ هذا القرار كل منهم افيما يخصه.

وثمة قرار وزيري آخر يتعلق بحسابات ادارة الاشغال البلدية بفاس، إذ يُخوّل رئيس ادارة الاشغال البلدية بفاس بصفة مستمرة من الاختصاص بتصفية الصوايا البلدية بتحصيلها وانشاء الرسوم المتعلقة بتحصيلها والسلام. وهذا التفويض الإداري يُشير إلى نزوع نظام الحماية نحو اللامركزية الإدارية في بعض القطاعات، وإن ظلّ القرار النهائي دائماً في يد السلطات الفرنسية العليا.

3.3 تعيين المحافظ على الأملاك المخزنية: دلالات ورمزية

من أكثر التعيينات إثارةً للاهتمام في هذا العدد، تعيين المحافظ على العقار المخزني الكائن بأسفي. فقد نصّ القرار الوزيري على ضم العقار المخزني الكائن بأسفي والمقيد بدفتر املاك المخزن تحت نمرة367 الى الاملاك العمومية. وقد صدر هذا القرار بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ بسابع شعبان عام 1332 الموافق لفاتح يوليو سنة 1914 الصادر في شأن الاملاك الكائنة بالمنطقة الفرنساوية بالايالة الشريفة.

ما يستوقف في هذا النص هو الطابع الاستيلائي الضمني الذي ينطوي عليه، إذ يتضمن قرار ضم أملاك مخزنية تاريخية إلى دائرة الأملاك العمومية، وهي عملية كانت تُفضي عملياً إلى إدارتها بموجب قواعد القانون العام الفرنسي لا بموجب المفاهيم التقليدية للأملاك المخزنية المغربية. ويبدو في هذا الإجراء أحد التجليات الصامتة لعملية أوسع كانت تستهدف إعادة صياغة بنية الملكية العمومية في المغرب.

3.4 إدارة الصحة والإعانة العمومية: نموذج للإدارة المزدوجة

يكشف تعيين الدكتور برونو طبيباً في منصب الدرجة الخامسة لدى إدارة الصحة والإعانة العمومية عن ملامح نموذج الإدارة المزدوجة الذي ميّز الحماية الفرنسية. فمن جهة، كان الجهاز الإداري يضم أطباءً وفنيين فرنسيين يحملون مؤهلات مدرسية عالية، ومن جهة أخرى، كانت السلطة الشريفة المغربية تُضفي على تعييناتهم الشرعيةَ القانونية اللازمة من خلال توقيع الوزراء المغاربة على قرارات التعيين.

وهذا النموذج المزدوج كان يُتيح لنظام الحماية تحقيق هدفين في آنٍ واحد: تحديث المرافق العمومية باستقدام كفاءات أوروبية متخصصة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مظهر السيادة المغربية الذي كانت المعاهدة تُلزم به. وقد كان هذا الازدواج يعكس توتراً حقيقياً في صميم مشروع الحماية بين منطق التحديث ومتطلبات إدارة السكان المستعمَرين.

 

رابعاً: السور الجديد للدار البيضاء وإشكالية التعمير في المغرب الحديث

4.1 ظهير السور الجديد للدار البيضاء: قراءة في الدلالات

يحتل ظهير شريف بشأن تقييد السور المعروف بالسور الجديد المتصل بسور مدينة الدار البيضاء في عدد الاسوار المستوجبة للحرمات مكانةً خاصة في الأعداد المحلَّلة من الجريدة الرسمية. فقد جاء هذا الظهير المؤرخ في بجادي وعشري قمدة عام 1330 الموافق لفاتح نوفمبر سنة 1912، ليُدرج السور الجديد المتصل بسور مدينة الدار البيضاء في عداد الاسوار التي تستوجب الحرمات وفق الأحكام التقليدية المتعارف عليها.

إن تضمين هذا الظهير في أعداد الجريدة الرسمية لعام 1915، رغم صدوره في عام 1912، يوحي بأنه كان موضوع تطبيق إضافي أو توسيع لنطاقه. وتأتي أهمية هذا الظهير من عدة وجوه: فمن الناحية العمرانية، كان يُحدد المدى الذي يمتد إليه السور الجديد للمدينة، وبالتالي يرسم حدود المناطق الخاضعة للقواعد الخاصة المتعلقة بالحرمات. ومن الناحية القانونية، كان يُضفي على الأبنية والأراضي الواقعة داخل هذا النطاق وضعاً قانونياً خاصاً، وهو ما كان يرتّب آثاراً مهمة على مسائل الملكية والبناء والاستخدام.

4.2 الدار البيضاء نموذجاً للمدينة الاستعمارية الحديثة

لا يمكن فهم ظهير السور الجديد للدار البيضاء في معزل عن المشروع العمراني الأشمل الذي كان يُشيّد فيها في ظل الحماية الفرنسية. فقد كانت الدار البيضاء تُمثّل النموذج الأمثل للمدينة الاستعمارية التي حرصت فرنسا على إنشائها وفق مبادئ التخطيط العمراني الحديث، بما في ذلك الفصل الصارم بين المدينة العربية القديمة (المدينة) والأحياء الأوروبية الجديدة.

في هذا السياق، كان تحديد نطاق السور الجديد وتقنينه في الجريدة الرسمية يُعبّر عن سياسة عمرانية واضحة المعالم تهدف إلى: ضبط التوسع العمراني وتوجيهه، وتوفير الحماية القانونية اللازمة للاستثمارات العقارية التي يُنجزها الأوروبيون في المناطق الجديدة، والحفاظ في الوقت نفسه على الطابع التقليدي للأحياء المغربية القديمة التي كان ليوطي يُكنّ لها شيئاً من الاحترام التاريخي.

وقد كانت الدار البيضاء تنمو بوتيرة متسارعة في تلك السنوات، مع تدفق المهاجرين الأوروبيين والمغاربة على حدٍّ سواء، وما يترتّب على ذلك من ضغوط على البنية التحتية والخدمات العمومية. وهذا السياق الديموغرافي والعمراني المتحوّل يُفسّر الاهتمام الكبير الذي أولته الوثائق الرسمية لمسائل التوثيق العقاري وتحديد الحدود الجغرافية للمناطق الحضرية.

 

خامساً: الدبلوماسية والسياسة الخارجية في مرآة الجريدة الرسمية

5.1 مبادلة التلغرافات بين السلطان وفرنسا: السياق والمضمون

وردت في الجريدة الرسمية وثيقة دبلوماسية بالغة الأهمية تحت عنوان "مبادلة التلغرافات ما بين جلالة السلطان مولاي يوسف ورئيس جمهورية دولة فرنسا بمناسبة اشهار الحرب من طرف إيطاليا على النمسا". وتُشير هذه الوثيقة إلى لحظة فارقة في الحرب العالمية الأولى، حين أعلنت إيطاليا الحرب على النمسا في مايو 1915، وهو ما دفع السلطان المغربي إلى إرسال برقية تضامن إلى رئيس الجمهورية الفرنسية.

ويتضح من نص الوثيقة أن جلالة السلطان مولاي يوسف قد بعث الى لرئيس جمهورية دولة فرنسا بعد اشهار الحرب من طرف إيطاليا على النمسا تلغرافاً جاء فيه التأكيد على الوقوف الكامل إلى جانب فرنسا. وقد أعلمنا وكيل اشغال دولة إيطاليا السياسي بطنجة باشهار الحرب من طرف دولته على النمسا وعليه فإنا نبير لفخامتكم عما خامرنا من الحبور وتفاءلنا بذلك وعددناه مقدمة نهاية النصر الاخير التام للدفاع عن مبدأ شريف نحن ورعيتنا اشتركنا به قلبا وقالبا.

5.2 التلغراف الملكي: قراءة تحليلية للخطاب الرسمي

إن قراءة التلغراف الملكي بتمعّن تكشف عن بنية خطابية لافتة تستحق التحليل. فمن حيث اللغة، يلجأ التلغراف إلى الأسلوب المخزني الرسمي الرفيع الذي يجمع بين الأسلوب الديني والبلاغي. ومن حيث المضمون، يُبدي السلطان فرحاً صريحاً باشتهار الحرب على النمسا، وهو ما يعكس الانحياز الكامل لفرنسا في الصراع الدولي. كما يُوظّف التلغراف مفهوم "المبدأ الشريف" للدلالة على القيم التي يُدّعى أن فرنسا تُمثّلها وتدافع عنها في هذا الصراع.

وقد ردّ رئيس الجمهورية الفرنسية بتلغراف مشابه في الدفء والمودّة، مؤكداً فيه أنه لا اشك في الجبور الذي خامر جلالتكم عند معرفتكم بأن الجنود الإيطالية تحارب منذ الان الى جنب الجنودالفرنسوية والجنود المغربية دفاعا عن الحق والمدنية. والملاحظ في هذا الرد إدراج الجنود المغاربة ضمن المنظومة الحربية الحليفة المدافعة عن الحق والحضارة، وهو خطاب سعى إلى إضفاء بعد حضاري وأخلاقي على مشاركة المغاربة في حرب كانت في جوهرها صراعاً أوروبياً.

5.3 مشاركة المغاربة في الحرب العالمية الأولى: بين الإكراه والمكافأة

تتضمّن الجريدة الرسمية إلى جانب التبادل الدبلوماسي وثيقة ذات طابع مختلف، هي التنويه بالمدالية الحرية من الجنود المغربية العسكري عباس بن الجيلالي. وهذه الوثيقة تُوفّر نافذة نادرة للاطلاع على الطريقة التي كانت سلطات الحماية تُوظّف بها الشجاعة المغربية في المعركة وتُحوّلها إلى رأس مال رمزي.

تصف الوثيقة الجندي المغربي عباساً من جنود المغابرة نمرة 1816 بأنه جندي شجاع، واصفةً إياه بأنه كان في الهجوم على خنادق العدو وحده حتى الخنادق، وأنه أبدى بشجاعته شجاعة لا توصف قيادي مغربي. ويتضح من هذا الوصف أن الحضور المغربي في ساحات المعركة كان فعلياً ومؤثراً، لكنه كان في الوقت ذاته موظَّفاً في خدمة أهداف استراتيجية فرنسية.

ويُثير هذا الجانب من وثائق الجريدة الرسمية تساؤلات أعمق حول طبيعة التجنيد الاستعماري وحدوده الأخلاقية: هل كان الجنود المغاربة مدفوعين بالإكراه أم بالمبادرة؟ وإلى أي حدٍّ كانوا يدركون أبعاد الصراع الذي يُقاتلون فيه؟ وهل كانت المكافآت والأوسمة كافية تعويضاً عن التضحيات الجسيمة التي قدّموها؟

 

سادساً: مقاربة تحليلية شاملة: نظام الحماية في مرآة الجريدة الرسمية

6.1 توظيف الشرعية الشريفة خدمةً للمشروع الاستعماري

يكشف التحليل الدقيق لوثائق الجريدة الرسمية لعام 1915 عن آلية محورية في نظام الحماية الفرنسية على المغرب، تتمثّل في التوظيف الممنهج للشرعية الشريفة السلطانية لإضفاء القبول على الإصلاحات والقرارات التي كانت تُملي كثيراً منها المصالح الاستعمارية الفرنسية. فجميع الظهائر والقرارات الواردة في الجريدة تصدر بالبسملة وتُوقَّع من السلطان أو وزرائه، مما يُوحي بأن المبادرة التشريعية تنبع من القمة الشريفة المغربية.

غير أن المتأمّل في هذه الوثائق يُدرك أن كثيراً من هذه الظهائر كانت تُشير صراحةً إلى النصوص الفرنسية الموازية، وأن قسماً وافراً منها كان يُطبّق توصيات الخبراء الفرنسيين أو قرارات المقيم العام. وهذا يُؤشّر إلى الفصل الحقيقي بين الشكل (الظهير الشريف الذي يُوحي بالسيادة المغربية) والجوهر (القرار الذي تُمليه الإدارة الفرنسية). وقد كان هذا الفصل شرطاً أساسياً لنجاح نظام الحماية واستمراريته: أن يُقدّم نفسه بوصفه شراكةً بين دولتين سياديتين لا استعماراً مباشراً.

6.2 القانون العقاري نموذجاً للتحديث الاستعماري

يُشكّل ملف إصلاح القانون العقاري في المغرب نموذجاً بالغ الوضوح على ما اصطُلح على تسميته بـ"التحديث الاستعماري"، أي التحديث الذي يُخدم في الأساس مصالح المستعمِر حتى حين يُرافقه نفع لبعض أبناء المجتمع المستعمَر. فنظام تسجيل العقار الذي أُرسيت أُسسه في 1913 وواصل تطوّره عبر ظهائر عام 1915 كان يُوفّر من حيث المبدأ ضمانات قانونية للجميع، غير أن المستفيدين الأكبر منه كانوا المستوطنين الأوروبيين والشركات الفرنسية التي وجدت في هذا النظام سنداً قانونياً متيناً لعمليات الشراء والاستثمار.

وهذا لا ينفي أن النظام الجديد قد أفاد بصورة نسبية بعض المغاربة الذين سبق أن تضرّروا من غياب الوثائق القانونية الصريحة، أو الذين كانوا عرضة لنزاعات عقارية معقّدة. لكن الميزان الإجمالي يُشير إلى أن التحديث القانوني كان يُسرّع وتيرة تحوّلات بنية الملكية العقارية لصالح الوافدين الأجانب.

6.3 اللغة الإدارية وصناعة الهوية المؤسسية

تُتيح قراءة وثائق الجريدة الرسمية استجلاءَ سمات اللغة الإدارية التي كانت سائدة في تلك المرحلة، وهي لغة تُعبّر في بنيتها الأسلوبية والمعجمية عن طبيعة النظام الذي أفرزها. فمن ناحية، تحتفظ هذه اللغة بعناصر الإنشاء المخزني التقليدي في مستهل الوثائق: "الحمد لله وحده"، "يعلم من كتابنا هذا اسماه الله واعز امره انا اصدرنا امرنا الشريف بما يأتي". ومن ناحية أخرى، تتضمّن مصطلحات جديدة ذات حمولة قانونية وتقنية حديثة كـ"التسجيل العقاري" و"المحافظ على الأملاك" و"المقادري المختص بالتسجيل".

وهذا التمازج اللغوي يعكس في العمق الهوية المركّبة للمؤسسة الإدارية في عهد الحماية: مؤسسة تُوظّف رمزية المخزن المغربي التقليدي وتُحوّلها في الوقت ذاته نحو نموذج بيروقراطي غربي الطابع. وفي هذه العملية، كانت اللغة العربية ذاتها تتبنّى مفردات مستحدثة وتراكيب دخيلة لم تكن مألوفة في الكتابات الإدارية والقضائية المغربية التقليدية.

6.4 الجريدة الرسمية بوصفها فضاءً للذاكرة والتاريخ

إن الجريدة الرسمية ليست مجرد أداة إعلام قانوني آني يفقد قيمته بمجرد انتهاء أثره الإلزامي، بل هي في الوقت ذاته وثيقة تاريخية من الدرجة الأولى تحفظ لنا تفاصيل غنية عن المجتمع الذي أنتجها وعن التحولات التي شهدتها. فمن خلال أعداد الجريدة الرسمية لعام 1915، يستطيع الباحث اليوم أن يتعرف على أسماء الموظفين وشُحّ رواتبهم، وأن يُتتبع تطور المنظومة القانونية العقارية، وأن يُعيد بناء خيوط الدبلوماسية السلطانية في زمن الحرب، وأن يُلقي الضوء على مصائر الجنود المغاربة في الميادين الأوروبية.

ومن هنا تتضح قيمة هذه الوثائق للمؤرخين والحقوقيين والباحثين في الإدارة العامة والسياسة العامة، إذ توفّر لهم مادة خاماً موثوقة لا يستطيع أي تحليل إجمالي عن حقبة الحماية أن يستغني عنها. وفي الوقت الراهن الذي تنفتح فيه النقاشات على مسائل الإرث الاستعماري وتبعاته، تكتسب هذه الوثائق راهنيةً إضافية تتجاوز حدود الاهتمام الأكاديمي.

 

سابعاً: إسهام الوثائق في فهم تطور النظام القانوني المغربي الحديث

7.1 من الظهير الشريف إلى القانون الوضعي: مسار التحوّل

يُبرز تحليل وثائق الجريدة الرسمية لعام 1915 مساراً تحوّلياً بالغ الأهمية في طبيعة التشريع المغربي، يتمثّل في الانتقال التدريجي من نموذج الظهير الشريف الذي كان يُجسّد في التقليد المغربي إرادة السلطان بوصفه أمير المؤمنين الراعي للشريعة والعدل، إلى نموذج القانون الوضعي الحديث الذي يُقنّن الحقوق والواجبات وفق منهجيات تقنية متخصصة مستوحاة من التجارب الأوروبية.

فقد مثّل الظهير الأساسي لتسجيل العقار الصادر عام 1913 وما تلاه من ظهائر تكميلية انعطافةً حاسمة في تاريخ القانون المغربي، إذ أرسى منظومةً قانونية عقارية قائمة على مبادئ الشهر العيني ووحدة السجل العقاري وحجية القيد المطلقة، وهي مبادئ لم تكن مألوفة في الفقه الإسلامي التقليدي. ومن المفارقات اللافتة أن هذه المبادئ لقيت قبولاً اجتماعياً نسبياً حين تبيّن لعموم المغاربة أن التسجيل يوفّر لهم ضماناً قانونياً أمتن لأملاكهم في مواجهة المستوطنين الأجانب أنفسهم.

7.2 القانون العقاري المغربي: الجذور وامتدادات الحاضر

إن ظهير 12 أغسطس 1913 الذي تستند إليه وثائق الجريدة الرسمية لعام 1915 باستمرار لا يزال يُشكّل إلى يومنا هذا الركيزة الأساسية للمنظومة العقارية المغربية. فقد أبقى عليه المغرب بعد الاستقلال عام 1956 مع تعديلات جوهرية متتالية، مما يجعل هذه الوثائق التأسيسية ذات صلة مباشرة بفهم الواقع القانوني والعقاري المعاصر.

وقد شكّلت تقاليد الإدارة العقارية التي أُرست في سنوات الحماية بنيةً مؤسسية راسخة، ظلّت قائمة في مضمونها حتى بعد تعريب الإدارة وتأميم الهياكل الموروثة عن الحماية. وهذا يُشير إلى إحدى الخاصيات الكبرى للاستعمار، وهي قدرته على الإبقاء على نفسه في الهياكل القانونية والإدارية حتى بعد انتهاء الوجود الجسدي للمستعمِر.

7.3 الإرث التشريعي: دروس للراهن

تدفع قراءة وثائق الجريدة الرسمية لعام 1915 إلى استخلاص درس تاريخي بالغ الراهنية، مفاده أن الإصلاحات التشريعية حين تُبنى بعيداً عن مشاركة المجتمع الحقيقية، أو حين تُفرز أصلاً خدمةً لمصالح خارجية، فإنها تظل هشّة في عمقها حتى وإن اتّسمت بالنجاعة الشكلية. فالقانون العقاري المغربي المستوحى من نظام الحماية قد خدم في مرحلته الأولى في المقام الأول مصالح المستوطنين الأوروبيين، وقد استلزم تصحيح هذا الاختلال سنوات طويلة بعد الاستقلال.

كما تُذكّر هذه الوثائق بقيمة الذاكرة الأرشيفية ودورها في ترسيخ سيادة القانون: فالجريدة الرسمية بمحتوياتها التفصيلية تُوفّر للمواطنين والباحثين إمكانية التحقق من مدى تطبيق النصوص القانونية واتّساق الممارسات الإدارية مع المبادئ المُعلنة، وهو ما يجعل منها ضمانةً مؤسسية لمبدأ الحكامة الجيدة.

 

خاتمة

تُقدّم الأعداد 109 و110 من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة الصادرة في 7 يونيو 1915 وثيقةً تاريخيةً استثنائية تُضيء من الداخل طبيعة نظام الحماية الفرنسية على المغرب في مرحلة تأسيسه الحرجة. فمن خلال قراءة مستمرة ومتأنية لهذه الوثائق، تتكشّف أمامنا صورة معقّدة ومتشعّبة لحقبة كانت تتقاطع فيها مسارات التحديث والاستعمار والسيادة المنقوصة والتحولات البنيوية العميقة.

أبرز ما يُميّز هذه الوثائق هو الجمع المدروس بين الشكل المغربي التقليدي في صياغة الظهائر الشريفة والجوهر الإصلاحي الحديث المستوحى من التجارب القانونية الأوروبية، لاسيما الفرنسية والأسترالية. فالقانون العقاري الذي رافقت هذه الوثائق تطويره كان يُحدث ثورة هادئة في مفهوم الملكية ووثائقها وضماناتها، ثورة كانت تُعيد رسم خريطة توزيع الثروات والحقوق في البنية الاجتماعية المغربية.

ولا يمكن استيعاب هذه الوثائق في معزل عن سياقها الدولي المرتبط بالحرب العالمية الأولى، إذ تكشف مبادلة التلغرافات بين السلطان والرئيس الفرنسي عن انخراط المغرب الكامل في آليات الصراع الأوروبي، وعن الجنود المغاربة الذين كانوا يسقطون على جبهات بعيدة في سبيل قضية لم يكن لهم في الأصل دور في صنعها.

في نهاية المطاف، يبقى للجريدة الرسمية قيمة تاريخية وحقوقية وثقافية لا تُضاهى. فهي بالنسبة للمؤرخ خزانة لا تنضب من المعطيات الواقعية الموثّقة. وهي بالنسبة للحقوقي المرجعُ الأمين الذي يُثبت حقوق الأجيال الماضية ويُرسي سوابق لا تزال ذات أثر. وهي بالنسبة لأي مواطن مغربي تُريد أن يفهم تاريخ بلده، سفرٌ مفتوح على أعماق حقبة صنعت الكثير مما نحن عليه اليوم. إن قراءة الجريدة الرسمية بعيون ناقدة وبصيرة تاريخية متجدّدة ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي في تقديرنا ضرورة وطنية تستهدف استيعاب الإرث القانوني والإداري الذي آل إلينا من تلك الحقبة، والتعامل معه بالحكمة والوعي الكافيين.

 

المراجع والمصادر:

  • الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة، العددان 109-110، 24 رجب 1333 هـ / 7 يونيو 1915م.
  • وثائق الأرشيف الملكي المغربي المتعلقة بالظهائر الشريفة لعهد السلطان مولاي يوسف.
  • ظهير 12 أغسطس 1913 المتعلق بتسجيل العقار.
  • دراسات في تاريخ الحماية الفرنسية على المغرب وإصلاحاتها التشريعية.

 

 

 

تحميل العدد 109-110بتاريخ 07 ماي 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF 

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 01/06/2026
تحديث 01/06/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث