مقدمة
في مطلع شهر مارس من عام 1915م الموافق لربيع الثاني من عام 1333هـ، صدر العدد السادس والتسعون من الجريدة الرسمية للدولة الشريفة المغربية، وهو عددٌ يُشكّل في مجموعه وثيقةً تاريخيةً ذات طابع مزدوج يُجمع بين موضوعين بالغَي الأهمية في تاريخ المغرب الحديث: موضوع المشاركة المغربية في الحرب العالمية الأولى من خلال كتاب عسكري يُوثّق شجاعة الجنود والرماة المغاربة في ساحات القتال الأوروبية، وموضوع الحفاظ على التراث المعماري الإسلامي في مدينة فاس من خلال سلسلة ظهائر شريفة تُدرج مدارس تاريخية عريقة في عداد الأبنية التاريخية المحمية قانونياً.
إن هذا التزامن بين وثيقة حربية ووثائق تراثية في عدد واحد من الجريدة الرسمية ليس اجتماعاً عشوائياً للموضوعات، بل هو انعكاس حقيقي لطبيعة اللحظة التاريخية التي كان يعيشها المغرب في تلك الحقبة: دولة تُرسل أبناءها للقتال في ميادين أوروبا البعيدة، وفي الوقت ذاته تُواصل بناء مؤسساتها الداخلية وصون موروثها الحضاري. وقد جاء هذا العدد في سياق متواصل من الأعداد التي تناولت موضوع الجنود المغاربة في الحرب، مما يُشير إلى أن الإدارة الفرنسية كانت تُدير حملةً تواصليةً ممنهجة لتكريس صورة محددة للجندي المغربي في الوعي العام الداخلي.
يتناول هذا المقال الموضوعين الرئيسيين اللذين يطرحهما هذا العدد بالتحليل المعمّق: الكتاب العسكري بشجاعة الجنود المغاربة بوصفه وثيقة سياسية وإيديولوجية بقدر ما هو شهادة عسكرية، وظهائر صون مدارس فاس التاريخية بوصفها تعبيراً عن رؤية ثقافية وسياسية لدور التراث في المشروع الاستعماري الفرنسي في المغرب. كما يُسلّط الضوء على القرارات الإدارية المُرفقة بهذين الموضوعين من تعيينات وتنظيمات تكشف عن تفاصيل الحياة الإدارية المغربية في تلك الحقبة.
تحميل العدد 96 بتاريخ 01 مارس 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: الجنود المغاربة في الحرب العالمية الأولى — كتاب وزير الحرب وتوثيق البطولة الفردية
1.1. الكتاب العسكري الثاني وأبعاده التوثيقية والإيديولوجية
1.2.
يستهلّ العدد السادس والتسعون من الجريدة الرسمية بكتاب موجّه "من وزير الحرب إلى المقيم العام الجنرال ليوطي المقيم العام لفرنسا في المغرب ـ رباط الفتح"، وهو الكتاب الثاني في سلسلة الكتب المُوثِّقة لأداء الجنود المغاربة في ساحات القتال الأوروبية بعد الكتاب الأول الذي نُشر في الأعداد السابقة. يُشير وزير الحرب إلى أنه يُرسل "نسخة من الأمر الحربي تمرة 105 الذي أرسله لي الجنرال القايد العام وفيه يشير إلى حسن سلوك الضباط والجنود من آلاي رماة المغاربة بباريس في 16 فبراير عام 1915م".
إن طبيعة هذا الكتاب ومضمونه تُثيران تساؤلاً محورياً: ما الفرق بين كتاب الشجاعة بوصفه وثيقةً عسكريةً داخلية وبين نشره في الجريدة الرسمية للدولة الشريفة المغربية؟ الجواب أن النشر يُحوّل الوثيقة العسكرية إلى خطاب سياسي موجّه للرأي العام المغربي، وأن غايته الضمنية إنتاج إجماع حول مشروعية مشاركة المغاربة في حرب لا مصلحة مباشرة لهم فيها. وكل اسم يُذكر وكل بطولة تُوثَّق تُشكّل حجةً ضمنية لصالح الاندماج في المنظومة العسكرية الفرنسية.
1.2. القبطان ستفاني وقيادة الهجوم على الخنادق الألمانية
يُفرد الكتاب مساحةً واسعة لتوثيق بطولات القادة المغاربة في معركة الثالث عشر من يناير 1915م. ومن أبرز هؤلاء "القبطان ستفاني من آلاي رماة المغاربة"، الذي "كان يقود حملة هجوم في صدر الجيش بتاريخ 8 يناير فحمل قومه إلى الأمام بسير عجيب ووثب أمامهم نحو العدو تحت المطر والقرطلاس فأصيب بذراعه". يُبرز هذا الوصف نموذجاً للقيادة الشخصية التي تُلهم المحاربين بالمثل قبل القول: فالقائد الذي يسبق جنوده في الهجوم ويُصاب أمامهم يُجسّد قيمة الشجاعة في أرقى صورها.
أما "القبطان دي لاسكان قايد الفرقة الثامنة من آلاي رماة المغاربة" فقد "قتل بكل فخر في مقاتلته صدر فرقته في 13 يناير". وهذا الوصف يُدرج قتال القائد في خانة الشرف والكرامة لا المأساة والخسارة، مما يعكس الثقافة العسكرية الفرنسية في تأطير الموت القتالي بوصفه نهايةً مشرّفة جديرة بالاحتفاء.
1.3. الليتنان فرنسوا وبطولة الثالث عشر من يناير
يستأثر "الليتنان فرنسوا من آلاي رماة المغاربة" بنصيب وافر من الإطراء في هذا الكتاب، إذ وصفه بأنه "أظهر في معركة 13 يناير أفضل صفات الشجاعة والحماسة وحمل فرقته على رد هجوم الألمان ومهاجمتهم بينما كانوا يتقدمون بناحية بيسيلالون وجُرح جرحاً خطراً". يُجمع هذا الوصف بين بُعدَين متكاملَين: البُعد الهجومي الذي يُجسّد الشجاعة الفعّالة، والبُعد الدفاعي الذي يُجسّد الاستعداد للتضحية في سبيل صون المواقع.
والجدير بالملاحظة أن الكتاب يُمزج بين تكريم القادة الفرنسيين وتكريم الجنود المغاربة في نسيج واحد متّسق، مما يُنتج رسالةً ضمنية واضحة: أن المغاربة والفرنسيين يُقاتلون معاً ويتساوون في الشرف العسكري. وهذه المساواة المُصطنعة تُخفي بالطبع التفاوتات الحقيقية في درجات الرتب والامتيازات والصلاحيات التي كانت تُفرّق بين الضباط الأوروبيين والمنتسبين المغاربة.
1.4. قصص الصمود والبطولة الفردية للجنود المغاربة
تتضمن صفحات هذا الكتاب العسكري نماذج بطولية فردية لجنود مغاربة من الرتب الأدنى، وهي نماذج تُميّز هذا الكتاب عن سابقه بتركيزها على أسماء عربية صريحة لجنود مغاربة:
الجندي من الدرجة الثانية أحمد بن الحسن من آلاي رماة المغاربة: "حافظ في ساحة مكشوفة للرمي على المواصلات بين الخنادق الفرنساوية تحت نيران حامية وعند هبوط الليل تطوع لاكتشاف مركز مواصلات العدو فالتقى ببعض الألمان فقتل أحدهم وهزم الباقين". هذا الوصف يُبرز بطولةً مُضاعفة: بطولة الثبات النهاري في مكان مكشوف للنيران، وبطولة المبادرة الليلية بالتطوع للاستطلاع.
المعاون ميمون الحسن بن عمر: "من آلاي رماة المغاربة قاد قسماً من فرقته بكل شجاعة مهاجماً العدو وجرح جرحاً بليغاً حين وصوله إلى خنادق الألمان وصبر هناك يشجع رجاله ولم يرجع إلى مركز التداوي إلا بعد أن خار عزمه وبأمر من قايد الحملة". يُجسّد هذا النموذج صفةً خاصةً تتكرر في وصف الجنود المغاربة في هذه الوثائق: رفض الانسحاب للعلاج قبل استنفاذ كل ما في الجسد من قدرة على القتال.
الطبيب الماجور من الدرجة الثانية: "من آلاي رماة المغاربة طلب أن يرافق في 25 ديسمبر وفي 8 يناير حملة الهجوم وقام تحت النار بتضميد الجروح ونقل الجرحى بكل شجاعة وثبات". يكشف هذا المثال عن بُعد آخر للمشاركة المغربية في الحرب: مشاركة الكادر الطبي المغربي الذي لم يقتصر على تقديم الرعاية الصحية في مأمن من المعارك، بل كان يُواكب حملات الهجوم ميدانياً.
ثانياً: الدلالات السياسية والإيديولوجية لتوثيق البطولة المغربية
2.1. الكتاب العسكري أداةً لإنتاج الهوية الوطنية المُتَخيَّلة
يُعدّ نشر الكتاب العسكري في الجريدة الرسمية ضرباً من ضروب ما يُسمّيه المنظّرون "اختراع التقليد": أي خلق مرجعيات رمزية مشتركة تُشعر الناس بالانتماء إلى مجتمع متخيّل. فالجندي المغربي الذي يُقاتل في أوروبا بات رمزاً للانتماء إلى منظومة أوسع تشمل المغرب وفرنسا معاً، وهو انتماء تحرص الإدارة الفرنسية على ترسيخه في الوعي الجماعي المغربي من خلال وسائل التواصل الرسمية المتاحة كالجريدة الرسمية.
والمُلاحَظ في هذا الكتاب أن الأسماء المغربية (أحمد بن الحسن، ميمون الحسن بن عمر) تُذكر إلى جانب الأسماء الفرنسية (ستفاني، دي لاسكان، فرنسوا) في خطاب تكريمي موحّد يُعامل الجميع معاملةً متساويةً من حيث الشرف العسكري. هذه المساواة في الإشادة تخدم هدفاً سياسياً واضحاً: إنتاج صورة انسجام مزعوم بين المحارب المغربي ونظيره الفرنسي تحت راية واحدة.
2.2. القيم العسكرية المستحضَرة ومرجعيتها الثقافية
ثمة تساؤل جوهري يطرحه هذا الكتاب: هل القيم العسكرية التي يُثني عليها في الجنود المغاربة (الشجاعة، الإقدام، الثبات، الاستهانة بالجراح) هي قيم مُسقطة عليهم من الثقافة العسكرية الفرنسية، أم أنها قيم يتعرّف عليها القارئ المغربي من موروثه الخاص؟
الجواب أن هذه القيم تنتمي في واقع الأمر إلى تراث مشترك عابر للثقافات: فقيم الشجاعة في مواجهة الأعداء والتضحية بالنفس دفاعاً عن الجماعة حاضرة في التراث الإسلامي والمغربي بأبعادها الدينية والأدبية والاجتماعية. وهذا ما يُتيح للكتاب العسكري استثمارها بصدقية لدى القارئ المغربي، الذي يتعرف فيها على قيم يعرفها ويُقدّرها من منظوره الثقافي الخاص، حتى وإن كانت السياق الذي تُعاد فيه صياغتها مختلفاً جوهرياً.
2.3. الجنود المغاربة بين البطولة الموثَّقة والجهل المُقصود
إن ما تُوثّقه الجريدة الرسمية من بطولات الجنود المغاربة يُقابله قصورٌ مقصود في توثيق الوجه الآخر للحضور المغربي في ميادين الحرب: أعداد القتلى والجرحى الذين لم يحظوا بوثائق تُخلّد ذكراهم، وظروف التجنيد التي كانت في أحيان كثيرة قسريةً لا طوعيةً، وفجوة المعاملة بين الضباط الأوروبيين والمنتسبين المغاربة الذين كانوا في أغلب الأحيان في المقدمة دون الحصول على مكافآت مساوية.
والجريدة الرسمية بطبيعتها وثيقة سلطة لا وثيقة تاريخ شامل، ولذلك فهي تحتفي بما يخدم السلطة وتُسكت ما قد يُثير التساؤل. إن استيعاب هذا الانحياز المنهجي شرط لازم لأي قراءة نقدية لمضامين هذه الأعداد.
ثالثاً: مدارس فاس التاريخية وسياسة صون التراث المعماري
3.1. فاس بوصفها عاصمةً للتراث الإسلامي المغربي
تُخصّص الصفحات الكبرى من العدد السادس والتسعون لسلسلة ظهائر شريفة تُعنى كلها بتقييد مدارس تاريخية في مدينة فاس ضمن عداد الأبنية التاريخية. واختيار فاس بالذات لهذه السياسة التراثية المركّزة ليس اعتباطياً: فهي عاصمة العلم والثقافة الإسلامية في المغرب، موطن جامعة القرويين وخزينة التراث المعماري الإسلامي الأندلسي والمغربي بامتياز. وبذلك يكتسب الاهتمام الفرنسي بصون تراثها طابعاً رمزياً يتجاوز الحفاظ على الحجارة إلى تأسيس علاقة خاصة مع الذاكرة الحضارية الإسلامية المغربية.
يُشير كل ظهير من ظهائر صون المدارس إلى استناده إلى "استشارة مدير ادارة الآثار القديمة والفنون الجميلة والأبنية التاريخية"، وهو توجّه إداري يُدرج التراث في إطار منظومة حكومية متخصصة. وقد انتهت هذه الاستشارة إلى توصية بالتقييد "بناء على ما يظهر من المنفعة الفنية والتاريخية الناتجة عن صيانة" كل مدرسة من المدارس المعنية.
3.2. المدارس الخمس المُقيَّدة في عداد التراث التاريخي بفاس
يتضمن هذا العدد ظهائر خمسة مستقلة، كل واحد منها يختص بمدرسة من مدارس فاس التاريخية المعروفة:
مدرسة المطارين: تُقيَّد "مدرسة المطارين الموجودة بفاس في عداد الأبنية التاريخية والسلام"، وقد حُرّر الظهير في ربيع الثاني من عام 1333هـ الموافق لعشرين فبراير 1915م.
مدرسة الشراطين: تُقيَّد "مدرسة الشراطين الموجودة بفاس في عداد الأبنية التاريخية والسلام"، وحُرّر ظهيرها في نفس التاريخ.
مدرسة الصهريج: تُقيَّد "مدرسة الصهريج الموجودة بفاس في عداد الأبنية التاريخية والسلام"، ويتشابه ظهيرها بصياغة متطابقة تقريباً مع سابقيه.
مدرسة البوعنانية: تُقيَّد "مدرسة البوعنانية الموجودة بفاس في عداد الأبنية التاريخية والسلام". وللبوعنانية مكانة استثنائية في تاريخ العمارة المغربية الوسيطة، إذ شيّدها السلطان المريني أبو عنان فارس في القرن الرابع عشر الميلادي.
مدرسة الصفارين: تُقيَّد "مدرسة الصفارين الموجودة بفاس في عداد الأبنية التاريخية والسلام"، والصفارين من أعرق أسواق مدينة فاس التاريخية.
مدرسة المصباحية: تُقيَّد "مدرسة المصباحية الموجودة بفاس في عداد الأبنية التاريخية والسلام"، وهي التسمية السادسة التي تُضافر مع سابقاتها لتُشكّل خريطةً تراثيةً شاملة لكبرى مدارس فاس التعليمية الإسلامية.
3.3. الصياغة القانونية الموحّدة وما تكشفه عن استراتيجية التراث
يستوقف الباحث في هذه الظهائر توحّد صياغتها القانونية توحّداً لافتاً: فكل ظهير يبدأ بـ"يعلم الواقف على شريف كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره من كافة خدامنا وولاة شريف أمرنا أنه بمقتضى ما يظهر من المنفعة الفنية والتاريخية الناتجة عن صيانة مدرسة [الاسم] بمدينة فاس المحروسة وبمقتضى ظهيرنا الشريف المؤرخ بالسابع عشر ربيع الأول عام 1332 وبناء على استشارة مدير ادارة الآثار القديمة والفنون الجميلة والأبنية التاريخية وعلى استشارة مدير ادارة الأحباس وعلى طلب وزيرنا الأعظم أصدرنا أمرنا الشريف بما يأتي".
هذه الصياغة المتكررة بمفرداتها كاشفة في حد ذاتها: فهي تُبيّن أن إدراج المدارس في التراث لم يتم بناءً على دراسة فردية لكل مدرسة بمفردها، بل كان يتّبع إجراءً موحّداً ومُقنَّناً يُطبَّق على المدارس الفاسية بصورة شاملة. وهذا يُشير إلى وجود مسح تراثي منهجي أجرته إدارة الآثار القديمة لمدينة فاس قبل إصدار هذه الظهائر، وقررت بناءً عليه انتخاب هذه المدارس الست وإدراجها في القائمة التراثية الرسمية.
رابعاً: قراءة نقدية في سياسة صون التراث الفرنسية في المغرب
4.1. العلاقة بين صون التراث وسياسة الفصل العمراني
لا يمكن فهم سياسة صون التراث المعماري الفرنسية في المغرب بمعزل عن السياق الأشمل للتخطيط العمراني الذي تبنّاه ليوطي. فقد اختارت الحماية الفرنسية في المغرب مساراً مختلفاً عمّا اعتمدته في الجزائر مثلاً، حيث جرى هدم أجزاء واسعة من المدينة العتيقة لإفساح المجال أمام التوسع الاستعماري. في المغرب، أرست الحماية سياسة الفصل بين المدينة القديمة (المدينة العتيقة) والمدينة الجديدة المُخصّصة للمستوطنين الأوروبيين، مع الاستثمار في صون طابع المدينة القديمة وتحويلها إلى فضاء تراثي.
وقد أدركت الإدارة الفرنسية أن هدم مدارس فاس كان سيُثير ردود فعل شعبية ودينية وعلمية عارمة لا يمكن السيطرة عليها، لا سيما وأن هذه المدارس كانت مرتبطة بالتعليم الديني الإسلامي وإعداد القضاة والعلماء. وفي المقابل، فإن إدراجها في التراث المحمي يُفيد الحماية من جهتين: يمنع تدهورها ويُبقيها شاهداً على الحضارة الإسلامية الذي تُعلن فرنسا احترامه وصونه، ويُحكم في الوقت ذاته قبضة الدولة على إدارة هذه المنشآت وتحديد مصير استخداماتها.
4.2. الأحباس الإسلامية وعلاقتها بالمدارس المُقيَّدة
تكشف الإشارة في صياغة الظهائر إلى "استشارة مدير ادارة الأحباس" (الأوقاف الإسلامية) عن بُعد قانوني دقيق في سياسة صون التراث. فمعظم مدارس فاس التاريخية كانت تنتمي إلى نظام الأوقاف الإسلامية التي كانت تُموّل صيانتها وتُدير شؤونها من ريع الأوقاف المخصّصة لها. وبإدراج هذه المدارس في قائمة التراث التاريخي تحت إشراف الدولة، كانت الحماية تُوجد إطاراً قانونياً مزدوجاً يجمع بين نظامَي الوقف الإسلامي والتراث الحكومي في إدارة هذه المنشآت.
هذا التشارك في الإدارة لم يكن خالياً من التوترات: فمن جهة، كان نظام الأحباس يستند إلى شرعية دينية وقانونية راسخة في التقليد الفقهي الإسلامي. ومن جهة أخرى، كانت الدولة الحامية ترغب في ضمان سيطرتها على المنشآت التي تخضع لسلطتها الإدارية. والمُلاحَظ أن إشراك مدير الأحباس في الاستشارة كان يُضفي على القرارات شرعيةً دينيةً إسلامية لازمة لقبولها من قِبَل العلماء والأهالي.
4.3. الاهتمام الانتقائي بالتراث وما يكشفه من أولويات
إن انتخاب هذه المدارس الست بالذات دون سواها يدفع إلى تساؤل حول معايير الانتقاء. فالجواب الذي يوحي به النص هو أن "المنفعة الفنية والتاريخية" كانت المعيار المُعلَن. لكن القراءة النقدية تُشير إلى معايير أخرى ضمنية: أهمية هذه المدارس في الوعي الجمعي المغربي والإسلامي، وقيمتها في الخطاب الترويجي الفرنسي المُشيد بالحضارة الإسلامية، واستراتيجيتها الجغرافية في قلب المدينة القديمة التي كان يُراد الحفاظ على طابعها العام لأغراض سياحية واقتصادية طويلة الأمد.
فالمدارس التاريخية كانت أيضاً مغنطة للزوار الأوروبيين الذين راحوا يتوافدون على المغرب مع تنامي الحركة الاستشراقية، وكان صونها يُخدم اقتصاداً سياحياً في طور النشأة ستتطور معالمه في العقود اللاحقة.
خامساً: التعيينات الإدارية وما تكشفه عن الجهاز الوظيفي
5.1. تعيين المتطوع رسمياً في الإدارة
يتضمن العدد السادس والتسعون قراراً وزيرياً في "تعيين منشيء متطوع رسمياً في وظيفه"، وذلك بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ بجمادى الأولى عام 1331هـ الموافق لثامن عشر أبريل سنة 1913م المتعلق بتنظيم حزب الموظفين الاداريين بالإيالة الشريفة. وقد عُيِّن "المسيو مرتينو فرنسوا رسمياً في وظيفه وانخرط في سلك الدرجة الخامسة ابتداء من فاتح ديسمبر عام 1914".
يكشف هذا القرار عن سمة مميزة للخدمة المدنية في المغرب في تلك الحقبة: وجود نظام التطوع المؤقت الذي يسبق التعيين الرسمي. فالموظف الجديد كان يبدأ عمله كمتطوع قبل أن يُرسَّم ويُدرَج رسمياً في سلك الدرجات. وكان هذا الترسيم أمراً يُتطلّع إليه لما يُرتّبه من ضمانات وظيفية وحقوق قانونية لم تكن متاحة لغير الموظفين المُرسَّمين.
5.2. مرجعية 1913 في تنظيم الجهاز الإداري
لافت أن قرار التعيين يستند إلى "الظهير الشريف المؤرخ بجمادى الأولى عام 1331هـ الموافق لثامن عشر أبريل سنة 1913م المتعلق بتنظيم حزب الموظفين الاداريين بالإيالة الشريفة". وهذا الظهير الصادر في أبريل 1913م يُمثّل من الناحية التشريعية الإطارَ القانوني الجامع للخدمة المدنية في مغرب الحماية، إذ وُضع بعد أقل من عام على توقيع معاهدة الحماية (مارس 1912م). وبالنظر إلى كثرة الإحالات إلى هذا الظهير في القرارات اللاحقة، يتضح أنه كان الوثيقة التأسيسية لنظام الوظيفة العمومية في المغرب، وأنه استمر معياراً مرجعياً طوال السنوات الأولى للحماية.
سادساً: فاس في المخيال الحضاري الفرنسي والمغربي — تكامل أم تعارض؟
6.1. فاس من منظور الاستشراق الفرنسي
كانت فاس تحتل مكانةً خاصة في المخيال الاستشراقي الفرنسي طوال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فبوصفها من أكثر المدن الإسلامية في العالم احتفاظاً بطابعها المعماري الوسيطي، وبوصفها حاضنةً لجامعة القرويين العريقة ومجمعاً للحرف اليدوية التقليدية والتجارة القديمة، كانت فاس تُجسّد في العقل الأوروبي صورة "المدينة الإسلامية الأصيلة" التي يتوق إلى مشاهدتها المستشرق والرسام والروائي.
وقد انعكس هذا الاهتمام الاستشراقي في القرارات السياسية والعمرانية للحماية: فليوطي الذي كان يُدرك قيمة فاس في الوعي الاستشراقي الأوروبي حرص على صونها بوصفها متحفاً حياً للحضارة الإسلامية في المغرب، لا لأن ذلك يخدم مصلحة المغاربة فحسب، بل لأنه يخدم مصلحة فرنسا في تقديم نفسها بوصفها حامية الحضارة الإسلامية لا قاهرتها.
6.2. فاس من منظور المغاربة — المدينة المُحتجَزة
يختلف منظور المغاربة إلى فاس اختلافاً جوهرياً عن المنظور الاستشراقي الفرنسي. فمن الوجهة المغربية، كانت فاس تمثل عاصمة العلم والفكر والشرعية الدينية، ومصدر العلماء والقضاة والكتّاب الذين كانوا يُشكّلون العمود الفقري للمؤسسة المخزنية. وقد أثار نقل العاصمة السياسية إلى الرباط في عهد الحماية مرارةً علمية واجتماعية عميقة لدى فاسيين رأوا في ذلك إزاحةً لمدينتهم من مركز الثقل السياسي إلى هامشه.
وفي هذا الإطار، يُمكن قراءة سياسة صون مدارس فاس بوصفها تعويضاً رمزياً: فبينما سُلبت فاس دورها السياسي، احتفظت بمكانتها التراثية والثقافية بل وأُضيف إليها طابع رسمي تُقرّه الدولة وتُؤطّره قانونياً. وهذا التعويض الرمزي كان في حقيقته وسيلةً ذكيةً لاستيعاب النخبة الفاسية من خلال إظهار الاحترام لموروثها الحضاري.
6.3. المدارس التاريخية بين الوظيفة التعليمية الحية والموروث الحضاري الجامد
يطرح إدراج مدارس فاس في عداد التراث التاريخي توتراً عملياً جديراً بالتأمل: فهذه المدارس كانت في أصل وجودها مؤسساتٍ تعليميةً حيةً لا متاحف جامدة. وقد كانت مدرسة البوعنانية وغيرها تستقبل طلاب العلم وتُدرّس فيها المعارف الإسلامية وتستضيف العلماء. فهل أدى إدراجها في التراث إلى تحويلها من فضاءات تعليمية نابضة بالحياة إلى قطع أثرية مُحنّطة تنتمي إلى ماضٍ لا يُعاد فتحه؟
هذا التوتر بين الحفظ التراثي والاستمرارية الوظيفية يُشير إلى إشكالية عميقة لم يجد لها الظهير الشريف حلاً واضحاً: ما الضمانات التي تُقدّمها الدولة لضمان أن تبقى هذه المدارس فضاءات للعلم والمعرفة لا مجرد مواضع للزيارة والاستكشاف السياحي؟
سابعاً: أثر الظهائر التراثية في المنظومة القانونية المغربية
7.1. البنية القانونية لنظام حماية التراث
تُرسي ظهائر صون المدارس الفاسية بنيةً قانونيةً أساسيةً لحماية التراث المعماري تستند إلى أحكام "ظهيرنا الشريف المؤرخ بالسابع عشر ربيع الأول عام 1332 الموافق للثالث عشر من فبراير سنة 1914م". وهذا الظهير المرجعي الصادر في عام 1914م هو "قانون الآثار" الأول في تاريخ المغرب الحديث، الذي أنشأ المنظومة القانونية الأساسية لصون الموروث المعماري وحمايته من التدمير أو التعديل غير المشروع.
بنشر ظهائر إدراج المدارس في الجريدة الرسمية، يُنتج هذا التشريع أثراً عاماً يُلزم جميع الأطراف: فلا يحق لأي جهة كانت هدم هذه المدارس أو إجراء تعديلات جوهرية في بنيتها المعمارية دون الرجوع إلى مدير إدارة الآثار والحصول على موافقة رسمية. وهذا التحوّل من الحماية العرفية القائمة على الاحترام الاجتماعي غير المكتوب إلى الحماية القانونية المكتوبة يُعدّ تحولاً جوهرياً في طريقة إدارة التراث الثقافي في المجتمع المغربي.
7.2. المسار التشريعي ومآلات الحماية
يُتيح الظهير لمن له حق في المعترضة على إدراج أي مبنى في عداد التراث أن "يعرض على المخزن ملاحظاته فيما ذكر أعلاه وذلك بواسطة الكاتب العام للدولة الشريفة المكلف بهذا الفرض". هذا المسار الطعني المُقنَّن يُنشئ بُعداً تشاركياً صورياً في منظومة صون التراث، إذ يُتيح اعتراضاً نظرياً يبقى في واقع الأمر مُقيَّداً بالبيروقراطية الإدارية التي يصعب اختراقها من قِبَل الجماعات المحلية أو أصحاب الحقوق الخاصة في هذه المنشآت.
ثامناً: قراءة في الأثر الطويل الأمد لهذه الظهائر
8.1. استمرارية سياسة التراث من الحماية إلى الاستقلال
أدّت السياسة التراثية التي أرستها الحماية الفرنسية في المغرب من خلال ظهائر مثل تلك الواردة في هذا العدد دوراً محورياً في تشكيل موقف الدولة المغربية المستقلة من التراث المعماري. فبعد عام 1956م، لم تنقطع المغرب مع هذه السياسة بل واصلت تطويرها وتعميقها ضمن قانون للتراث مُستلهَم في جزء كبير من التقاليد التشريعية التي أرستها الحماية.
وقد أثمرت هذه الاستمرارية عن تسجيل مدينة فاس العتيقة على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1981م، وهو تتويج دولي لمسيرة طويلة من العناية بهذا الموروث الحضاري بدأت بظهائر مثل تلك التي ننشرها هذا العدد عام 1915م.
8.2. المدارس الفاسية في المسار التاريخي الطويل
إن المدارس الفاسية التي حظيت بالحماية القانونية في هذا العدد لم تكن مجرد مبانٍ تاريخية، بل كانت وجوهاً متعددة لحضارة بأسرها. فمدرسة البوعنانية المرينية تحمل في رخامها وزليجها وأخشابها المنقوشة شاهداً على ذروة من ذرى الفن المعماري الإسلامي في المغرب الوسيط. ومدرسة الصفارين تنتمي إلى تراث الحرف والصناعات التقليدية الراسخ في قلب الحياة الاقتصادية لفاس العتيقة.
وبإدراج هذه المدارس في التراث المحمي عام 1915م، وإن كان ذلك جاء في إطار منظومة استعمارية مُعقّدة الدوافع، فإن النتيجة الفعلية كانت الحفاظ على هذه الروائع المعمارية لتكون شاهدةً اليوم على عظمة الحضارة الإسلامية في المغرب وقدرتها الاستثنائية على إنتاج الجمال والمعنى الإنساني.
تاسعاً: المقاربة التركيبية — العدد 96 في سياق السلسلة
9.1. الخيط الرابط بين الكتاب العسكري وظهائر التراث
قد يبدو في ظاهره التزامن في العدد الواحد بين كتاب عسكري يُمجّد الجنود المغاربة في أوروبا وظهائر تصون مدارس فاس تزامناً عشوائياً لا يجمع بين موضوعَيه رابط. غير أن التأمل النقدي يكشف عن خيط جامع: كلا الموضوعَين يُجسّدان استراتيجية الشرعية التي تعتمدها الحماية الفرنسية على مستويَين متوازيَين.
فمن جهة، تُشرعن الكتابات العسكرية مشاركة المغاربة في المجهود الحربي الفرنسي وتُقدّم ذلك بوصفه تعبيراً عن ولاء طوعي لا خضوع قسري. ومن جهة أخرى، تُشرعن ظهائر صون التراث الحضور الفرنسي في المغرب بوصفه وصاية حضارية حريصة على الموروث الإسلامي لا استغلالاً متوحشاً. والرسالتان معاً تُنتجان خطاباً مُتكاملاً: الفرنسي الذي يحمي البنيان ويكرّم المحاربين، والمغربي الذي يُقاتل ببطولة ويُبني حضارةً جديرة بالحماية.
9.2. العدد 96 في مسار تطور الجريدة الرسمية
إن متابعة الجريدة الرسمية من أعدادها الأولى في 1915م حتى العدد السادس والتسعين تكشف عن مسار تطوري واضح في مضامينها وأولوياتها. فقد بدأت في الأعداد الأولى بالاهتمام الغالب بالتعيينات والتعويضات والأملاك القبلية والرعاية الصحية، ثم تدرّجت نحو موضوعات أكثر اتساعاً وأعمق أثراً: من الشأن الحربي وتوثيق بطولات الجنود، إلى التراث المعماري والشأن الديني والزراعي والقضائي.
هذا التدرّج يعكس نضج المشروع التشريعي للحماية وتمدّده من دوائر المصلحة الآنية العاجلة نحو إرساء منظومة متكاملة تُنظّم كل جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. والجريدة الرسمية في هذا المسار ليست وعاءً سلبياً يستقبل القرارات ويُذيعها، بل هي أداةٌ فاعلة في صناعة الشرعية وإنتاج الخطاب العام حول طبيعة الدولة ومآل المجتمع.
خاتمة
يُقدّم العدد السادس والتسعون من الجريدة الرسمية للدولة الشريفة المغربية الصادر في مارس 1915م نموذجاً بليغاً للكيفية التي تُجمع بها وثيقة رسمية واحدة بين الوجوه المتعددة لمشروع الحماية الفرنسية في المغرب. فمن خلال كتاب وزير الحرب المُوثِّق لبطولات الجنود المغاربة في خنادق الحرب العالمية الأولى، تُحاول الجريدة صياغةً معينةً للهوية الوطنية المغربية تجعل الانتماء إلى المنظومة العسكرية الفرنسية شرفاً قومياً لا امتهاناً قسرياً. وفي المقابل، تُقدّم ظهائر صون مدارس فاس التاريخية الحماةَ الفرنسيين بوصفهم أوصياء على الحضارة الإسلامية يصونون ما أنشأه الأسلاف ويحمون ما تركه العظماء.
وبين الرسالتين تُخفي الجريدة الرسمية ما تُخفيه كل وثيقة سلطة عن حقيقة ما تُديره: التفاوتات الحقيقية بين المحارب المغربي الذي يُرسَل إلى أمامية الجبهة ونظيره الفرنسي، والتوترات الحقيقية بين إدارة حضرية وطنية تُريد صون تراثها ووصاية خارجية تُحدّد طريقة هذا الصون وشروطه. ولكن هذا الإخفاء ذاته، بكل ما ينطوي عليه من دلالات سياسية ومنهجية، هو جزء من محتوى هذه الوثيقة الذي يُتيح قراءتها بعمق وثراء يتجاوزان ظاهر نصوصها إلى أعماق الواقع الذي أنتجها.
تحميل العدد 96 بتاريخ 01 مارس 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق