مقدمة
في منتصف شهر مارس من عام 1915م الموافق لربيع الثاني من عام 1333هـ، صدر العدد السابع والتسعون من الجريدة الرسمية للدولة الشريفة المغربية، وهو عددٌ يتسم بطابع تقني وبيروقراطي متخصص يُميّزه عن سابقيه التي كانت تُشيع فيها الروايات الاحتفالية والوثائق الدبلوماسية. إذ يُفرز هذا العدد حيزه الأكبر لتنظيم المنظومة الوظيفية في إدارات الأشغال العمومية وصون البناء، ولجملة من القرارات الإدارية الدقيقة المتعلقة بتعيين موظفين في مختلف الرتب والتخصصات، فضلاً عن قرارات متعلقة بضريبة المباني والترجمة الرسمية وتنظيم الأطباء في الإدارة الصحية.
يُشكّل هذا العدد لحظةً تاريخيةً دالة في مسيرة بناء الدولة المغربية الحديثة: فهو يُجسّد المرحلة التي تنتقل فيها منظومة الحماية من الاهتمام بإرساء الشرعية الرمزية ومعالجة الملفات الأمنية والعسكرية إلى الانشغال الحثيث بالتفاصيل البيروقراطية التقنية للجهاز الإداري. وهذا التحول بحد ذاته يُخبر عن تحوّل في طبيعة المشروع الاستعماري: فبعد أن أرسى نظام الحماية سلطته العسكرية وشرعيته السياسية خلال السنوات الأولى (1912-1914م)، بات يتجه نحو بناء الدولة بمعنى أعمق وأكثر ديمومة، من خلال إنشاء جهاز بيروقراطي تقني متخصص يستطيع إدارة البلاد وتنميتها باستقلالية متصاعدة عن إمكانيات المتروبول الفرنسية.
يتناول هذا المقال الموضوعات الكبرى لهذا العدد بالتحليل والاستقصاء: نظام تنظيم الأشغال العمومية وشروط الالتحاق به، والقرارات الضريبية المتعلقة بالمباني، وتعيينات إدارة الشرطة والصحة والترجمة، في محاولة لاستجلاء دلالاتها التاريخية وأبعادها السياسية والاجتماعية.
تحميل العدد 97 -98 بتاريخ 15 مارس 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: نظام تنظيم موظفي إدارة الأشغال العمومية — التأسيس لدولة التقنية الحديثة
1.1. الإطار القانوني لقرار تنظيم الأشغال العمومية وسياقه التاريخي
يُعدّ قرار تنظيم موظفي إدارة الأشغال العمومية بالإيالة الشريفة من أهم الوثائق التشريعية في هذا العدد، إذ يُؤسّس لمنظومة متكاملة تحكم التوظيف في قطاع حيوي يرتبط ارتباطاً مباشراً بالبنية التحتية المادية للدولة. ويستند هذا القرار إلى "الظهير الشريف المؤرخ بجمادى الأولى عام 1331هـ الموافق لثامن عشر أبريل سنة 1913م المتعلق بتنظيم حزب الموظفين الاداريين بالإيالة الشريفة"، وهو الظهير التأسيسي ذاته الذي وردت إليه إحالات متكررة في الأعداد السابقة من الجريدة.
والحقيقة أن سنة 1913م تمثّل نقطة التأسيس التشريعي الكبرى للجهاز البيروقراطي المغربي في عهد الحماية: ففي غضون أشهر معدودة من تلك السنة، أُصدرت ظهائر تُرسي الهيكل العام للوظيفة العمومية، وتُحدّد آليات التعيين والترقي والتأديب، وتُفرّق بين فئات الموظفين وتُحدّد حقوق كل فئة. وقد جاءت قرارات 1915م امتداداً وتفصيلاً لهذا الإطار، مع تكييفه مع متطلبات قطاعات متخصصة كالأشغال العمومية.
1.2. تصنيف موظفي إدارة الأشغال العمومية وهيكلها الوظيفي
يُحدّد الفصل الأول من القرار تصنيفاً محكماً لموظفي إدارة الأشغال العمومية في الإيالة الشريفة، يجمع فيه بين أربع فئات وظيفية كبرى:
الفئة الأولى: نواب المهندسين والمعاون. يترتّب على هذه الفئة مسؤولية الإشراف الميداني على مشاريع البنية التحتية، من طرق وجسور وقنوات وشبكات صرف. وهي تُمثّل الكادر التقني المتوسط الذي يُترجم قرارات المهندسين العليا إلى تعليمات تنفيذية على أرض الواقع.
الفئة الثانية: المكلفون بأشغال الطرقات والقناطر ومراقبو الأشغال العمومية وأشغال المعادن. وتضمّ هذه الفئة التقنيين المتخصصين في مجالات محددة، وهي فئة تُجسّد التخصص التقني الذي تستلزمه إدارة قطاعات متمايزة كالتعدين والطرق والمنشآت الفنية.
الفئة الثالثة: المعينون المتازنون للمكلفين بأشغال الطرقات والقناطر بإدارة الأشغال العمومية. وهم المساعدون التقنيون الميدانيون الذين يُؤدّون المهام التنفيذية تحت إشراف الفئة الثانية.
الفئة الرابعة: الكتّاب المتازنون بإدارة الأشغال العمومية. وتمثّل هذه الفئة العمود الفقري الإداري والتوثيقي للإدارة، إذ يتولى أعضاؤها مهام الكتابة والأرشفة وحفظ الوثائق والتراسل الرسمي.
1.3. الفصل الثاني وشروط الالتحاق بإدارة الأشغال العمومية
يُحدّد الفصل الثاني من القرار شروطاً صارمة للالتحاق بإدارة الأشغال العمومية، وهي شروط تكشف عن رؤية تقنوقراطية واضحة ترفض قبول موظفين غير مؤهّلين مهنياً حتى لو كانوا مرشّحين بتزكيات سياسية:
الشرط الأول يتعلق بالجنسية والانتماء: "لا يُقبل في أحزاب الموظفين بإدارة الأشغال العمومية بالمغرب الا من كان فرنساوياً أو رعية أو جنساً أو كان تحت حماية الدولة الفرنساوية بشرط أن يكون قد فضى الواجب العسكري وأن تكون سيرته وأخلاقه حميدة وأن تمكنه حالته الصحية من الخدمة بالمغرب". هذه الاشتراطات الثلاثة (الواجب العسكري، الأخلاق، الصحة) تُؤسّس لمعيار شمولي يتجاوز الكفاءة التقنية ليشمل الالتزام المدني والإداري والجسدي بالمعنى الكامل.
أما الفصل الثالث، فيُحدّد أن "يقع تعيين الموظفين بقرارات وزيرية"، وهو ما يُؤكّد أن الالتحاق بالإدارة ليس مجرد قرار تقني، بل هو فعل سياسي يمرّ بمصفاة وزارية تضمن سيطرة الجهاز الإداري على تركيبة مواردها البشرية.
ثانياً: نظام الترشيح والتوظيف — آليات مُعقّدة لاختيار الكفاءات
2.1. الفصل الرابع وآليات ترشيح نواب المهندسين
يكشف الفصل الرابع من قرار تنظيم الأشغال العمومية عن آلية ترشيح مزدوجة المصدر: فنواب المهندسين يُرشَّحون من جهتين متكاملتين: أولاً من بين "نواب مهندسي الطرقات والقناطر بفرنسا"، وهو ما يُشير إلى توظيف الكوادر الفرنسية المدرّبة في الوطن الأم. وثانياً من بين "المكلفين باشغال الطرقات والقناطر بإدارة الاشغال العمومية بالمغرب الذين هم من الدرجة الأولى". وهذا المسار الثاني يُتيح ترقي الكوادر المحلية المكتسبة خبرتها في الميدان المغربي تحديداً.
وثالثاً، وهو الأكثر دلالةً، "من بين المتخرجين من مدرسة الفنون والصنايع ومدرسة القناطر والطرقات وأنجي وشالون وليل بشرط تحصيلهم على النجاح في امتحانهم النهائي وقيامهم مدة خمس سنوات على الأقل بوظيف في إدارة عمومية مدنية أو عسكرية أو في مشروع كبير يتعلق بأشغال عمومية". هذا الشرط الأكاديمي والتجربي معاً يُجسّد فلسفة توظيف تربط بين المعرفة النظرية والخبرة العملية وترفض كلاً منهما منفرداً.
2.2. الفصل الخامس وشروط التأهيل لوظائف المكلفين بالطرقات
يُخصّص الفصل الخامس لوضع شروط مفصّلة للترشيح لوظيفة المكلفين بأشغال الطرقات والقناطر، وهي الفئة المتوسطة في السلّم الوظيفي للإدارة. وقد تنوّعت مصادر الاستقطاب لهذه الفئة تنوعاً لافتاً:
المسار الأول يستهدف الحاملين بشهادات التخصص من المدارس الفرنسية التخصصية كمدارس الآلة والصنايع ومدرسة الفنون وأنجي وشالون وليل، مع اشتراط النجاح في الامتحانات النهائية. أما المسار الثاني فيستوعب المكلفين باشغال الطرقات والقناطر بفرنسا وبالجزائر من الذين يُرهنون خدمة لا تقل عن خمس سنوات في إدارة تعهد بتسيير مشاريع كبرى. وثالثاً يُفتح الباب أمام من سبق لهم تولّي مراقبة أحدى المقاطعات الفرنسية لمدة لا تقل عن خمس سنوات. ورابعاً يُشمل المكلفون بالطرقات قديماً الذين تولّوا إدارة أحدى المقاطعات بفرنسا الذين تولوا ادارة إحدى المقاطعات.
2.3. جداول الرواتب والدرجات — دراسة في الاقتصاد السياسي للوظيفة
يتضمن العدد جداول مفصّلة تُحدّد الرواتب الشهرية بالفرنك لكل رتبة ودرجة من درجات السلّم الوظيفي في إدارة الأشغال العمومية، وهي أرقام تكشف عن الهيكل الاقتصادي الكامل للخدمة المدنية في ذلك الزمن:
نواب المهندسين بإدارة الأشغال العمومية والمعادن: من كل درجة (12000 فرنك)، من الدرجة الأولى (11000 فرنك)، من الدرجة الثانية (10000 فرنك)، مع حدّ أدنى لمدة الترقي 18 شهراً.
المكلفون بأشغال الطرقات والقناطر وادارة الاشغال العمومية والمراقبون: من الدرجة الأولى (9000 فرنك)، من الدرجة الثانية (8000 فرنك)، من الدرجة الثالثة (7000 فرنك)، من الدرجة الرابعة (6000 فرنك)، مع حدّ أدنى لمدة الترقي 12 شهراً.
المعينون المتازنون للمكلفين بأشغال الطرقات والقناطر: من كل درجة (7000 فرنك)، من الدرجة الأولى (6500 فرنك)، من الدرجة الثانية (6000 فرنك).
الكتّاب المتازنون بادارة الأشغال: من الدرجة الأولى (4500 فرنك)، من الدرجة الثانية (4000 فرنك).
الكتاب بادارة الاشغال العمومية: من الدرجة الأولى (3500 فرنك)، من الدرجة الثانية (3000 فرنك)، من الدرجة الثالثة (2500 فرنك)، من الدرجة الرابعة (2000 فرنك).
تكشف هذه الأرقام عن فجوة راتبية كبيرة بين القمة والقاعدة في السلّم الوظيفي: إذ تبلغ نسبة راتب نائب المهندس من الدرجة العليا إلى راتب الكاتب من الدرجة الرابعة نسبة 6 إلى 1. وهذا التفاوت يُعكس تراتبية اجتماعية وظيفية حادة تُرسّخ امتيازات الكوادر التقنية العليا وتُعيد إنتاج التمييز بين المهارات المختلفة.
ثالثاً: الفصول الجوهرية في نظام الأشغال العمومية — من التأهيل إلى الانضباط
3.1. الفصل السابع وشروط الموظفين الوافدين من فرنسا
يُعالج الفصل السابع من القرار إشكاليةً عملية دقيقة تتعلق بالموظفين الفرنسيين الذين يُعيَّنون في المغرب بعد أن أمضوا سنوات في الخدمة بفرنسا: "أن الموظفين بفرنسا يُحوّلون عند دخولهم للخدمة بالإيالة الشريفة ما كانوا عليه من الدرجة والرتبة بفرنسا وأما المعيّنون الفنيون فينظمون في طبقة معيني المكلفين باشغال الطرقات والقناطر وخلافاً لما قرّر اعلاه يمكن للموظفين الاثنين من فرنسا انتزعوا الأول بالمغرب في الوقت الذي كان يمكنهم الحصول عليه لو بقوا بفرنسا مهما كانت المدة التي قضوها بخدمة الإيالة الشريفة إذا اضيف لمدة خدمتهم بالمغرب مدة خدمة بفرنسا يحسب درجتهم بفرنسا حسب الرتبة الاتينللتين كانوا فيها في ذلك وبذلك يصير مجموع ذلك 30 شهراً بشرط أن لا يكونوا قد قضوا بالمغرب أقل من ستة أشهر".
هذا الفصل يكشف عن معضلة عملية كانت تُواجهها الإدارة الفرنسية: كيف تُقنع موظفيها بالتنازل عن وضعيتهم المستقرة في فرنسا والذهاب إلى المغرب دون خسارة الترقيات التي كانوا سيحصلون عليها لو بقوا في الوطن الأم؟ والجواب الذي يُقدّمه القرار هو ضمان أن مدة الخدمة في المغرب تُحتسب في مسار الترقي الفرنسي، بل إن الموظف المتميّز قد يحصل على ترقيه في المغرب قبل الوقت المقرّر له في فرنسا. وهذا يُنشئ حافزاً مادياً وظيفياً للقبول بخدمة استعمارية لم تكن تفتقر إلى السخاء في الحوافز المادية.
3.2. الفصل التاسع وحقوق الموظفين في الرعاية والاستراحة
يُحدّد الفصل التاسع جملةً من الحقوق الوظيفية التي تُشكّل في مجملها نظاماً متكاملاً لرفاه الموظفين في المغرب: "أن الضوابط العمومية التي تجري على سائر موظفي الإيالة الشريفة فيما يتعلق بالتعويضات اللازمة لاستقرارهم في البلاد وتعويضات السكنى وغلاء اسعار المعيشة وتعويضات السفر والانتقال وصواير السفر بالبادية والحصول على رخص الاستراحة والإجازات للتغيب وكذلك فيما يتعلق بالعقوبات التأديبية المشار إليه بالفصل السادس من الظهير الشريف المؤرخ في 18 أبريل".
هذا الحرص على النص الصريح على حقوق الموظفين في الرعاية والاستراحة وتعويضات السفر يكشف عن وعي الإدارة الفرنسية بأن استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها في بلد كالمغرب يستلزم تقديم منظومة متكاملة من الحوافز تتجاوز الراتب الشهري.
3.3. الفصل العاشر ومبدأ عدم نقل الموظف تأديبياً
يُرسي الفصل العاشر مبدأً قانونياً جوهرياً في نظام الخدمة المدنية: "لا يعتبر نقل أحد الموظفين عقاباً تأديبياً"، وهو مبدأ يُحمي الموظفين من التوظيف التعسفي للنقل بوصفه عقوبة غير رسمية. فالنقل في الأنظمة الإدارية المتخلفة كثيراً ما يُستخدم وسيلةً للانتقام من الموظفين الذين يعترضون على قراراتهم أو يُشيرون إلى مخالفات. وبالنص الصريح على أن النقل ليس عقوبة، يُحصّن القرار الموظفين من هذا الاستخدام التعسفي.
غير أن الفصل الحادي عشر يُقيّد هذا الحق بعبارة واضحة: "يلغى كل من يخالف منطوق هذا القرار"، وهو ما يُعني أن حرية الموظف تبقى في نهاية المطاف مُقيّدة بالامتثال الكامل لأحكام نظامه الوظيفي.
رابعاً: قرار ضريبة المباني — نظام الضرائب العقارية وتحديث المالية العامة
4.1. قرار تحديد طريقة الحصول على التخفيض في ضريبة المباني
يُعدّ القرار المتعلق بـ"تعيين الطريقة الواجب اتخاذها للحصول على التخص في ضريبة المباني بمقتضى الظهير الشريف المتعلق بدفع الأكرية" من الوثائق التشريعية ذات الأبعاد الاجتماعية العميقة في هذا العدد. ويستند القرار إلى "الظهير الشريف المؤرخ بسادس عشر ديسمبر سنة 1914م الصادر باتخاذ وسايل لدفع الأكرية المنعقدة"، وهو ظهير الكراء الذي أشارت إليه أعداد سابقة من الجريدة.
يُحدّد الفصل الأول مفهوم التخفيض الضريبي الممنوح لأصحاب المباني: "أن التخص من ضريبة المباني الممنوح لأرباب الاملاك الذين تجري عليهم شروط الظهير الشريف بسادس عشر ديسمبر 1914م يكون مساوياً للفرق الحاصل بين قدر الضريبة المعيّنة بالدفتر وقدر الضريبة الراجعة للجزء الباقي من الكراء من الجزء الباقي من الكراء بحيث يُقدّر الجزء المذكور طبق القوانين الجاري العمل بها".
هذه الصياغة القانونية تُجسّد آلية لإعادة توزيع الأعباء الضريبية بحيث لا يُعاقَب صاحب العقار على فقدان دخله الكرائي بسبب الحرب. والقرار في جوهره يُقرّ بأن الضريبة يجب أن ترتبط بالدخل الفعلي لا بالدخل المُتوقَّع، وهو مبدأ اقتصادي يُعبّر عنه بأسلوب قانوني دقيق.
4.2. الفصل الثاني ومسطرة تقديم المطالبات الضريبية
يُحدّد الفصل الثاني من القرار إجراءً إدارياً مُفصّلاً لتقديم طلبات التخفيض الضريبي، وهو إجراء يُجسّد النمط البيروقراطي الفرنسي في توثيق كل خطوة توثيقاً مزدوجاً: "تسلّم المطالب لرؤساء الادارات البلدية مبينا فيها كل تدقيق المكان الموجود به المحل مع بيان الزقاق والثمرة وكذلك قدر كرائه قبل تاريخ ثالث أغشت 1914م وقدر جزء الكراء الباقي بعد التاريخ المذكور مع بيان التاريخ الذي يجب دفعه فيه طبق هذه القواعد الجاريءة".
وتُضاف إلى هذه المطالبة "نسخة من الحكم المدنية الصادر من المحاكم المدلية مصادقاً عليها كاتب المحكمة كما يُضاف للمطالب للمطالب المختصة بالتخص الواقع بحكم المحاكم المدلية نسخة مكتوبة من قبل المكتري مبيناً فيها قدر الكراء السالف وقدر الجزء الباقي منه بعد التخص". هذا التوثيق المتعدد الطبقات يعكس فلسفة إدارية تقوم على التحقق والتثبت قبل منح أي استثناء أو تخفيف ضريبي.
4.3. الفصل الثالث والرقابة القضائية على التخفيضات
يُؤسّس الفصل الثالث لدور الرقابة القضائية في منظومة التخفيضات الضريبية: "تضاف لهذه المطالب فيما يتعلق بالتخص الواقع بحكم المحاكم المدلية نسخة من الحكم الصادر من المحاكم المدلية مصادقاً عليها كاتب المحكمة". وهذا الإدراج للشهادة القضائية في الملف الضريبي يُؤسّس لتعاون بين السلطتين الإدارية والقضائية في إدارة ملف الضريبة العقارية.
ومن المحاور الجوهرية في هذا الفصل إدراج شهادة المكتري الخطية المؤكّدة لقدر التخفيض، وهو ما يُدخل طرفاً ثالثاً في الإجراء الضريبي بصفة شاهد. هذه الثلاثية (صاحب العقار + المحكمة + المكتري) تُنشئ منظومة تحقق متبادل تُصعّب الاحتيال من أي طرف.
خامساً: تعيينات كومسار البوليس العام — إرساء الأمن الحضري
5.1. تعيين المسيو كاريط كمسار البوليس العام وأهميته المؤسسية
يُفرد العدد حيزاً للإعلان عن تعيين "المسيو كاريط كمسار البوليس العام في رتبة كمسار البوليس خارجاً عن كل درجة"، وذلك بمقتضى منظومة القرارات المتعاقبة المتعلقة بتنظيم البوليس العام. وهذا التعيين يكتسب أهمية مزدوجة: من حيث الشخص (موظف أوروبي يحمل كفاءات أمنية تخصصية) ومن حيث المنصب (قمة الهرم الأمني في الإدارة الشرطية المغربية).
إن إنشاء منصب "كمسار البوليس العام" وشغله بموظف أوروبي متخصص يُجسّد توجهاً إدارياً عاماً كانت الحماية تنتهجه في القطاعات ذات الحساسية الأمنية: الإمساك بالقمة الإدارية في يد فرنسية، مع استيعاب موظفين مغاربة في المستويات الأدنى التي تتيح التواصل الميداني مع السكان.
يستند هذا التعيين إلى "القرار الوزيري المؤرخ بسادس شوال عام 1331هـ الموافق لثامن سبتمبر سنة 1913م الصادر في شأن تنظيم ادارة البوليس العام" ثم إلى سلسلة من القرارات اللاحقة المعدّلة، مما يُبيّن أن إنشاء جهاز الشرطة الحديثة في المغرب قد مرّ بمراحل متعددة من التطوير التشريعي قبل أن يستقر على هيكله النهائي.
5.2. المسيو نادووا دبليار كاتباً بالآلة الكاتبة وما يكشفه من تقنيات العمل الإداري
يتضمن العدد تعييناً طريفاً يكشف عن جانب تقني دقيق من جوانب العمل الإداري في تلك الحقبة: "قد عين المسيو نادووا دبليار كاتباً بالآلة الكاتبة من الدرجة الرابعة ابتداء من تاريخ 15 مارس سنة 1915م". إن وجود وظيفة مستقلة ومُصنّفة في سلّم درجات بعنوان "كاتب بالآلة الكاتبة" يُشير إلى أن الآلة الكاتبة كانت في ذلك الزمن وسيلةً تقنيةً متخصصة تستلزم تأهيلاً خاصاً وتُحتلّ رتبةً محددة في الهيكل الوظيفي.
وهذه الشهادة المؤسسية لتاريخ الآلة الكاتبة في المغرب تُلمّح إلى مرحلة تحوّل في ثقافة التوثيق الإداري: من الكتابة اليدوية التقليدية نحو الميكنة الكتابية الأولى. وفي العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، ستُصبح الآلة الكاتبة معياراً إلزامياً في الإدارات الحديثة، لكن في 1915م كانت لا تزال مهارةً تقنيةً نادرة تستحق تصنيفاً وظيفياً مستقلاً.
سادساً: تعيينات الطاقم الطبي — بناء منظومة الصحة الحديثة
6.1. تعيين طبيب في الدرجة الأولى بإدارة الصحة والإعانة الطبية العمومية
يُعلن العدد عن تعيين "المسيو بوبير طبيباً من الدرجة الأولى بادارة الصحة والإعانة الطبية العمومية"، وذلك بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ بجمادى الأولى عام 1331هـ والقرار الوزيري المكمّل له. ويُحدّد القرار أن المسيو بوبير كان قد "عيّن المسيو بوبير ماري لوى من الدرجة الأولى بادارة الصحة والإعانة الطبية العمومية"، مع تحديد دقيق لتاريخ بداية مفعول التعيين.
يكشف هذا التعيين عن طبيعة المنظومة الصحية في المغرب في تلك الحقبة: إدارة صحية مركزية تنضوي تحتها مستشفيات وفرق صحية متنقلة، تعتمد في كوادرها الطبية العليا على الأطباء الفرنسيين المُدرَّبين في الجامعات الفرنسية، بينما تستعين بكوادر مساعدة أو ممرضين مغاربة في المستويات الأدنى. وهذا النمط يعكس الحاجة العملية إلى الكفاءة الطبية الأوروبية في قطاع لا يمكن المساومة فيه على مستوى التأهيل.
6.2. المنظومة الصحية ومحدودية الاستقطاب المغربي للكفاءات الطبية
يُشير غياب أي اسم مغربي بين الأطباء المُعيَّنين في هذا العدد إلى معطى تاريخي مهم: أن التعليم الطبي الحديث لم يكن قد وصل بعد إلى المغرب بالمعنى المؤسسي الكامل. فالأطباء المغاربة التقليديون كانوا يعتمدون على تراث الطب العربي الكلاسيكي المُدرَّس في جامعة القرويين وما شابهها، وهو تراث ذو قيمة تاريخية وعلمية لا تُنكر، لكنه لم يكن مُجهَّزاً لمواجهة الأوبئة الحديثة أو إجراء الجراحات المعقدة وفق المعايير الطبية في مطلع القرن العشرين.
وهذا الفراغ في الكوادر الطبية الوطنية كان له تداعيات تمتد إلى ما بعد الاستقلال: فالمغرب وجد نفسه أمام مهمة بناء كليات طب وطنية من شبه العدم لإنتاج أطباء مغاربة يُمكنهم إدارة منظومة الصحة العامة باستقلالية تامة، وهي مهمة استغرقت عقوداً كاملة.
سابعاً: ترقية المترجم عبد الرحمن بن عبد القادر — التقدير المؤسسي للكفاءة الثقافية
7.1. قرار ترقية المترجم المغربي وما يكشفه من سياسات
يُعدّ قرار "ترقية مترجم معيّن إلى الدرجة الثانية" المتعلق بالسيد عبد الرحمن بن عبد القادر من القرارات التي تنطوي على دلالة ثقافية خاصة. يُحدّد القرار أن "السيد عبد الرحمن بن عبد القادر مراد المترجم المعيّن من الدرجة الثانية الثالثة قد رُقي إلى الدرجة الثانية ابتداء من تاريخ هذا القرار".
إن وجود مترجم مغربي بسمه العربي يحمل اسماً ثلاثياً واضحاً ضمن السلك الوظيفي الرسمي للدولة الشريفة، ويُرقَّى بموجب قرار رسمي منشور في الجريدة الرسمية، يُشير إلى جانب لافت من جوانب التركيب الإداري في مرحلة الحماية: لم يكن الجهاز البيروقراطي فرنسياً خالصاً، بل كان يضمّ كوادر مغربية متخصصة في وظائف لا غنى عنها كالترجمة.
7.2. أهمية الترجمة في منظومة الإدارة الاستعمارية
كانت الترجمة عصباً حيوياً في إدارة المغرب في عهد الحماية: فالإدارة الفرنسية التي لا تتقن العربية والدارجة المغربية والأمازيغية بحاجة ماسّة إلى وسطاء لغويين موثوقين يُتيحون لها التواصل مع الأعيان والقضاة والتجار والقبائل. وبالمثل، كانت المؤسسات القضائية والإدارية المغربية تحتاج إلى مترجمين يُنقلون الوثائق والأوامر الفرنسية بدقة ويمنعون أي التباس في الفهم قد ينجم عنه نزاعات أو سوء تطبيق.
وقد أفرز هذا الدور الحيوي للمترجمين طبقةً وسيطة ذات صلاحيات غير رسمية واسعة: فالمترجم الذي يُترجم بدقة أو بتلاعب يستطيع التأثير فعلياً في مسار القرارات والنزاعات. ومن هنا يتضح لماذا كانت الإدارة الفرنسية تُولي أهميةً كبيرة لاختيار مترجميها واختبار ولائهم وكفاءتهم.
7.3. مسار المترجم المغربي في النظام الوظيفي
يكشف ترقي عبد الرحمن بن عبد القادر من الدرجة الثالثة إلى الدرجة الثانية عن أن المترجمين المغاربة كانوا يندرجون ضمن سلك وظيفي منظّم خاضع لمعايير الترقي ذاتها التي تنطبق على سائر موظفي الدولة. وهذا يُشير إلى أن الترجمة كانت تُعامَل بوصفها مهنةً وظيفيةً رسميةً تستحق التقنين والترقي والمكانة المؤسسية، لا مجرد خدمة عرضية يُستعان بها حين الحاجة.
ثامناً: نظام تنظيم الموظفين بإدارة الأشغال العمومية — قراءة اقتصادية وسياسية
8.1. الرتب والرواتب بوصفها أداة لتشكيل المجتمع الوظيفي
إن القراءة المتأنية للجداول التفصيلية للرواتب الواردة في هذا العدد تُتيح استخلاص ملاحظات بالغة الأهمية حول الهيكل الاجتماعي للجهاز البيروقراطي في المغرب:
أولاً، إن الفجوة الواسعة بين رواتب القمة والقاعدة (من 12000 فرنك إلى 2000 فرنك شهرياً) تُشكّل تراتبيةً اجتماعية وظيفية حادة تُعيد إنتاج التمييز الطبقي داخل الجهاز الإداري ذاته. ثانياً، إن الحدّ الأدنى لمدة الترقي (12 أو 18 شهراً) يُنشئ نظاماً لصنع الولاء: فالموظف الذي يُتقن عمله ويحصل على تقييم إيجابي يرقى بسرعة نسبية، في حين يبقى ذو الأداء العادي في درجته لفترة أطول. ثالثاً، إن ربط الترقي بقرار وزيري يُبقي السلطة السياسية مُتحكّمةً في مسارات الحياة الوظيفية حتى في القطاعات ذات الطابع التقني البحت.
8.2. الموظف المغربي في منظومة الأشغال العمومية
تُشير نصوص القرار بصورة ضمنية إلى أن الأشغال العمومية في المغرب كانت تضمّ إلى جانب الموظفين الفرنسيين الوافدين من فرنسا أو من الجزائر موظفين محليين يمكن وصفهم بـ"رعايا الدولة الشريفة الخاضعين لحماية فرنسا". غير أن النصوص لا تُصرّح صراحةً بوجود موظفين مغاربة في هذا القطاع، مما يُرجّح أن مناصب التقنيين العليا كانت محتكرةً للكوادر الأوروبية في المرحلة الأولى، بينما اقتصر الموظفون المغاربة على الوظائف الكتابية والمساعدة.
هذا النمط من التوزيع العرقي والثقافي للمناصب سيكون له تداعيات بعيدة المدى على هيكل الاقتصاد المغربي بعد الاستقلال: فالمغرب سيجد نفسه في حاجة ماسة إلى تأهيل مهندسين مغاربة وتقنيين وطنيين قادرين على استلام المشاريع الكبرى التي كانت تُديرها الكوادر الفرنسية، وهو تحدٍّ استنفد جهوداً تعليميةً وتنمويةً ضخمة في عقود ما بعد الاستقلال.
تاسعاً: قراءة تركيبية في دلالات العدد 97-98
9.1. العدد 97-98 وانتقال نظام الحماية من التأسيس إلى الصيانة
يُمثّل هذا العدد بموضوعاته وتفاصيله شاهداً بليغاً على مرحلة الانتقال التي كان يعيشها نظام الحماية في المغرب: الانتقال من مرحلة التأسيس القانوني الكبرى (2012-1914م) التي شهدت إصدار الظهائر الأم المُرسِّخة لبنية الدولة، إلى مرحلة الصيانة والتفصيل (1915م وما بعدها) التي تعكف على تكييف هذه الظهائر الكبرى مع الواقع التفصيلي لكل قطاع وكل إدارة.
ففي حين كانت الأعداد الأولى تُعلن عن ظهائر تؤسّس لنظام الوظيفة العمومية أو تُنشئ مجلس العلماء الأعلى أو تُنظّم الأملاك القبلية، يُعنى هذا العدد بمسائل أكثر تفصيلاً: شروط ترشيح نواب المهندسين، وآلية تقديم طلبات التخفيض الضريبي، وجداول الرواتب بالفرنك لكل درجة ورتبة. هذا التحول من العام إلى الخاص ومن الكلي إلى الجزئي يعكس نضجاً في المشروع التشريعي ووصوله إلى مرحلة التطبيق الفعلي.
9.2. التقنوقراطية والسيطرة الاستعمارية — جدل لم يُحسم
يطرح هذا العدد في جوهره جدلاً كلاسيكياً لم تحسمه أي تجربة استعمارية في التاريخ: هل يمكن فصل التقنوقراطية الوظيفية الرشيدة عن منطق السيطرة الاستعمارية التي تُنتجها وتوظّفها؟
فمن جهة، يُقدّم الباحث الليبرالي تنظيم الأشغال العمومية بشروطه التقنية وجداول رواتبه المتدرجة بوصفه نمطاً إدارياً حديثاً ومحايداً يخدم التنمية بصرف النظر عن السياق السياسي. ومن جهة أخرى، يُؤكد الباحث النقدي أن هذا التنظيم البيروقراطي الرشيد كان يخدم أولاً مصالح الحماية الاستعمارية في استغلال الموارد المغربية، وأن شروط قصر المناصب العليا على الفرنسيين وإبعاد المغاربة من الكوادر التقنية المتخصصة كانت قراراً سياسياً لا تقنياً.
9.3. التراكم التشريعي وبناء منظومة قانونية متكاملة
ختاماً، يُسهم العدد السابع والتسعون في مشروع التراكم التشريعي الذي تُرسيه الجريدة الرسمية عدداً بعد عدد: فهو يُحيل إلى ظهائر سابقة ويُكمّلها بتفاصيل جديدة، ويُضيف فصولاً إلى قوانين قائمة ويُعدّل في أحكام مُقرَّرة. وهذا التراكم ليس مجرد تضخّم بيروقراطي، بل هو عملية بناء لنظام قانوني متكامل يُغطّي تدريجياً كافة أوجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية والإدارية في المغرب.
خاتمة
يُقدّم العدد السابع والتسعون من الجريدة الرسمية للدولة الشريفة المغربية الصادر في مارس 1915م نموذجاً استثنائياً لما يمكن تسميته "الحوكمة التفصيلية": أي تلك اللحظة في مسيرة بناء الدولة التي تتجاوز فيها الطموحات الكبرى والخطابات الافتتاحية إلى التشريع الصبور لأدقّ التفاصيل البيروقراطية.
وما يُميّز هذا العدد هو انتقاله من موضوع كبير كالحرب والتراث إلى موضوعات تبدو في ظاهرها اعتيادية: من شروط ترشيح مهندسي الطرقات إلى رواتب الكتاب المتازنين، ومن آليات طلب التخفيض في ضريبة المباني إلى ترقية مترجم من الدرجة الثالثة إلى الثانية. لكن هذه التفاصيل المتراكمة هي التي تُكوّن في مجموعها الدولة الحديثة بمعناها الفعلي لا الرمزي: دولة تُنظّم مواردها البشرية، وتُدير ضرائبها، وتُشرف على مشاريع بنيتها التحتية، وتُحافظ على أمنها الحضري، وتُدير منظومتها الصحية بأجهزة متخصصة وكوادر مُؤهَّلة وإجراءات موثّقة.
تحميل العدد 97 -98 بتاريخ 15 مارس 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق