مقدمة
تُشكّل الجريدة الرسمية للدولة الشريفة المغربية مرصداً تاريخياً استثنائياً لمن يُريد أن يفهم طبيعة المغرب في سنواته الأولى تحت نظام الحماية الفرنسية. فهي ليست مجرد نشرة قانونية جافة تحمل قرارات إدارية، بل هي سجلٌ حيٌّ يعكس التحولات الجوهرية التي شهدها المجتمع المغربي والدولة المخزنية معاً في خضم واحدة من أكثر الحقب اضطراباً في التاريخ الحديث: حقبة الحرب العالمية الأولى.
إن العددين الرابع والتسعين والخامس والتسعين من هذه الجريدة، الصادرَين في فبراير من عام 1915م الموافق لشهر ربيع الثاني من عام 1333هـ، يحملان في طياتهما شهادةً نادرة على لحظة تاريخية بالغة الدقة والتعقيد. فمن جهة، يُفصح هذان العددان عن صورة الجندي المغربي المحارب في ميادين أوروبا ضمن الجيوش الفرنسية، من خلال خطاب رسمي يحتفي بشجاعته ويُعلي من تضحياته. ومن جهة أخرى، يكشفان عن آليات اشتغال الدولة في الداخل: من تعيين أعضاء مجلس العلماء الأعلى، إلى تنظيم الصيد البري، ومراقبة البادية، وضبط مسارات الكتّاب المسجّلين أمام المحاكم الفرنسية، وصون التراث المعماري بتقييد التصرف في الأبنية التاريخية.
يتناول هذا المقال الموضوعات الكبرى التي يطرحها هذان العددان بالدراسة والتحليل، مستحضراً السياق التاريخي الذي أُنجزا فيه، ومستثمراً ما ورد فيهما من نصوص للكشف عن جوانب خفية من تاريخ المغرب في تلك الحقبة. والهدف من ذلك ليس مجرد وصف المحتوى، بل تحليل ما يُقوله هذا المحتوى من حيث الدلالات السياسية والاجتماعية والقانونية، ومحاولة الإجابة عن سؤال محوري: ما الذي تُخبرنا به هذه الوثائق عن طبيعة الدولة والمجتمع في المغرب عام 1915م؟
تحميل العدد 94 -95 بتاريخ 22 فبراير 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: المغاربة في الحرب العالمية الأولى — توظيف الخطاب الرسمي لتكريس صورة الجندي البطل
1.1. كتاب وزير الحرب إلى المقيم العام وأبعاده الرمزية
يستهلّ العدد الرابع والتسعون من الجريدة الرسمية بوثيقة بالغة الأهمية: كتاب رسمي موجَّه من وزير الحرب الفرنسي إلى المقيم العام الجنرال ليوطي، يتضمن "بيان سلوك الجنود المغربية في الحرب". وهذا الكتاب لا يحمل طابع التقرير العسكري الجاف، بل يأتي بصيغة الاحتفاء والمديح ليُنشر في الجريدة الرسمية للدولة الشريفة، أي للاستهلاك الداخلي المغربي في المقام الأول.
تكشف هذه الحيلة التواصلية عن وعي سياسي حاد: إذ يريد الكاتب من الكتاب أن يصل إلى القراء المغاربة والأعيان والمثقفين وحاملي الجريدة الرسمية ليُثبت لهم أن المغاربة المحاربين في صفوف الجيش الفرنسي إنما يُمثّلون وجه المغرب الشريف وكرامته. وفي هذا توظيف ماكر للخطاب الرسمي: فبدلاً من أن يُدان نظام التجنيد وإرسال المغاربة للقتال في حرب أوروبية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، يُقدَّم الأمر في صورة الإسهام الطوعي والشريف في مسعى حضاري مشترك.
يُشير الكتاب صراحةً إلى أنه يتضمن نسخة من الأمر الحربي رقم 556 الصادر من القائد العام "فيه احسن سلوك سلكه في القتال عدد من الرماة المغاربة"، وهو ما يُضفي على الوثيقة طابعاً تكريمياً رسمياً يُدرج المغاربة في سجل البطولة العسكرية الفرنسية.
1.2. قصص الشجاعة الفردية وبُعدها الإيديولوجي
لا تكتفي الجريدة الرسمية بالإشارة العامة إلى شجاعة الجنود المغاربة، بل تنزل إلى مستوى القصص الفردية الملموسة، مما يُضفي على الخطاب صدقيةً أكبر وأثراً أعمق في النفوس. ومن أبرز هذه القصص:
قصة محمد بن الحافظ: جندي وصفته الجريدة بـ"الشجاع" تعرّض للجرح مرةً أولى في ثاني ديسمبر، ثم عاد بعد شفائه إلى ساحة القتال وكان "مثلاً يُقتدى به في اقتحام المخاطر"، حتى أصيب في تاسع ديسمبر بشظية قنبلة فهرست عروق اليد العظمى "فاضطر الأطباء لقطع يده". هذا الوصف الجراحي الدقيق لا يُهدف منه إثارة التعاطف فحسب، بل تصوير الجندي المغربي في صورة المحارب الصلب الذي يتحمل الألم في سبيل النصر.
قصة النجم ولد الظاهر: ضابط أو جندي رفيع "امتاز بكل المواقع في بسالته وإقدامه"، أُصيب بجرح أبقاه على حافة الموت، لكنه "كان ينادي رفاقه بالتقدم إلى الأمام وهو قاتل لهم"، ورفض الانسحاب رغم جراحاته. هذا النموذج البطولي النمطي يستحضر الإرث الثقافي المغربي الإسلامي في تقديس الشهادة والإقدام، ويُوظّفه في خدمة المشروع الحربي الفرنسي.
قصة بوشعيب بن عمر: جندي "الأجأش" طُرح جريحاً في خامس ديسمبر ثم شفي وعاد إلى ساحة القتال، ولم يزل حتى جُرح مجدداً في الخامس والعشرين من ديسمبر، ووُكر اسمه في الأوامر العسكرية. وهذا التكرار في الجرح والعودة يُجسّد نموذج الجندي المثالي في الخطاب العسكري: الذي لا تُثنيه الجراح ولا يُرعبه الألم.
1.3. المنح العسكرية وإدراج المغاربة في منظومة التكريم الفرنسية
في السادس والعشرين من يناير 1915م، منح الجنرال القائد العام "المدالية الحربية للحربيين" الآتية أسماؤهم، ومنهم أحمد بن الحمداني "جندي من رماة المغاربة" تميّز بـ"الشجاعة والكياسة بين القتال والتطوع في هجمة اختيارية على خنادق العدو". ومنح هذه الميداليات بأسماء مغاربة صريحة يُدرجهم رسمياً في سجل التاريخ العسكري الفرنسي، وهو ما يُعني استحواذ المنظومة الاستعمارية على تضحياتهم وتحويلها من تضحية قسرية إلى فخر قومي.
وتجدر الإشارة إلى أن نشر هذه القصص والأسماء في الجريدة الرسمية المغربية لم يكن موجهاً لعائلات الجنود أو لمجتمعاتهم القبلية فحسب، بل كان يهدف إلى بناء صورة مقبولة اجتماعياً للمشاركة في الحرب، وتجنيب الإدارة الفرنسية ردود الفعل الشعبية السلبية على نظام التجنيد الإجباري الذي كان يُثير في بعض الأحيان مقاومةً صامتة.
ثانياً: مجلس العلماء الأعلى — بنيته ودوره في منظومة الشرعية المخزنية
2.1. التعيين في مجلس العلماء الأعلى وما يكشفه من توازنات
يُفرد العدد الخامس والتسعون حيزاً مهماً لقرارَي تعيين أعضاء في "مجلس العلماء الأعلى"، وهو المجلس الذي يُمثّل المرجعية الدينية والفقهية العليا للدولة المغربية. وقد صدر قرار وزيري بتعيين "الفقيه السيد محمد بن الطيب البدروي عضواً بمجلس العلماء الأعلى"، وقرار آخر بتعيين "الفقيه السيد مبارك بن محمد الودغيري نائب عضو بمجلس العلماء الأعلى". وقد جرى العمل بهذين القرارين من فاتح فبراير 1915م.
اللافت في هذه التعيينات أنها تستند إلى معاهدة مدريد وظهير شريف مؤرَّخ من محرم 1332هـ (ديسمبر 1913م)، وقرار وزيري منشور في العدد الثمانين من الجريدة الرسمية، وهو ما يُبيّن أن مجلس العلماء الأعلى كان مؤسسةً مستحدثة في إطار نظام الحماية، وليس امتداداً طبيعياً لمجالس الفقهاء التقليدية التي عرفها المغرب تاريخياً. فقد أرادت الحماية إنشاء مجلس علماء يمنح القرارات شرعيةً دينية، لكنه يبقى ضمن نطاق الرقابة الإدارية الفرنسية.
2.2. ظاهرة الإحلال الوظيفي في المناصب الدينية
يكشف قرار التعيين المتعلق بالفقيه الودغيري عن ظاهرة جديرة بالدراسة: إذ يُعيَّن "نائباً عضو" عوضاً "عن الفقيه السيد علي التغراوي المعين في وظيف آخر". هذه الصيغة تُشير إلى أن المناصب في مجلس العلماء الأعلى كانت تُدار بطريقة بيروقراطية تُحيل إلى قواعد الخدمة المدنية الفرنسية، لا إلى معايير الكفاءة الفقهية والدينية التقليدية وحدها.
وهذا التداخل بين منطق الاختيار الديني ومنطق التعيين الإداري يعكس الطابع الهجين لنظام الحماية الذي حرص على الإبقاء على الواجهة الدينية والفقهية للمؤسسات التقليدية مع إعادة توجيهها وفق الاحتياجات الإدارية الجديدة.
2.3. دور مجلس العلماء الأعلى في السياق السياسي
إن منح مجلس العلماء الأعلى حضوراً بارزاً في الجريدة الرسمية ليس مجرد إجراء شكلي، بل يُجسّد سياسةً مقصودة في إدارة الشرعية الدينية. فالحماية الفرنسية التي كانت تحكم بلاداً إسلامية بامتياز أدركت منذ البداية أن التعامل مع المؤسسة الدينية شرط لازم لتجنب الانتفاضات المستندة إلى الخطاب الديني. فوجود مجلس علماء معيَّن بقرار رسمي ومُدرج في إطار المنظومة الإدارية يُتيح توظيفه لتبرير السياسات وإسباغ الطابع الديني عليها.
وقد تجلّت أهمية هذا التوجه بشكل خاص في سياق الحرب العالمية الأولى، إذ كانت الحماية تحتاج إلى تسويغ التجنيد الإجباري للمسلمين المغاربة للقتال في حرب لا صلة لها بالجهاد الإسلامي، وهو مسعى استدعى إشراك العلماء لتليين الرأي الديني في هذه المسألة الحساسة.
ثالثاً: تنظيم الصيد البري والحفاظ على البيئة — قراءة في أولى التشريعات البيئية
3.1. ظهير تنظيم الصيد وسياقه الزراعي والأمني
يُشكّل ظهير انتهاء أمد الصيد الصادر في فبراير 1915م واحدةً من أكثر الوثائق الواردة في هذين العددين ثراءً من الناحية القانونية والاجتماعية. فهذا الظهير لا يُنظّم الصيد من زاوية الهواية الترفيهية كما قد يتبادر إلى الذهن، بل يُدير علاقة وثيقة الصلة بالاقتصاد الريفي والأمن الغذائي للمغرب: إذ يستهدف أساساً صون الزراعة من الآفات الطائرة وصون التوازن البيئي للبادية من الصيد الجائر.
يُنصّ الفصل الأول على أنه "يُمنع الصيد في الأراضي غير المحاطة بسور الزروعة أو المهملة الكائنة بمنطقة الحماية الكائنة بالإيالة الشريفة ابتداء من يوم الأحد الحادي والعشرين من فبراير سنة 1915". هذا التحديد الدقيق لتاريخ بداية حظر الصيد يكشف عن إدراك لطبيعة دورات الحياة البيولوجية للطيور والحيوانات، وعلاقتها بمواسم التكاثر والزراعة.
3.2. أصناف الحيوانات وأنظمة حمايتها وصيدها
يُميّز الظهير بوضوح بين أصناف متعددة من الحيوانات، ويُخصّص لكل صنف نظاماً مغايراً. فالفصل الثاني يسمح باستثناء "ببيد الطيور القواطع أو التي تعيش بقرب المياه التي ذكرها بواسطة اطلاق البارود"، وهي طيور من أمثال "سمان الماء والدجاج البري والقطقاط والكورلي وأنيمام والقططاة والبط والشرشير".
أما الفصل الثالث فيُجيز صيد الخنزير البري في أي وقت إذا اتّبع الصياد طريقة المطاردة في مكان معين، مع اشتراط الحصول على إذن خصوصي من حاكم الناحية وبعد استشارة إدارة المياه والغابات. وهذا الاشتراط يُجسّد نموذج الرقابة الإدارية المزدوجة التي أرستها الحماية، إذ يُوزَّع صلاحية الإذن بين جهتين مختلفتين لضمان رقابة متبادلة.
الفصل الرابع يذهب أبعد في الحماية، إذ يُحظر "في أي وقت كان إتلاف البيض والعشاش والافراخ والصغار وحبسها ونقلها بقصد البيع وعرضها بقصد الانتظار"، مع الاستثناء الوحيد المتعلق بجمع الطيور الحية بإذن رسمي "بقصد تكثيرها بمنطقة الحماية الفرنساوية بالمغرب". وهذه الصياغة الأخيرة تُشير إلى مشاريع إعادة توطين الأنواع أو تربيتها في بيئات خاضعة للرقابة، وهو توجه حديث في إدارة الموارد الطبيعية.
3.3. منظومة العقوبات والجهاز التنفيذي
يُتيح الفصل الخامس من الظهير لمحة ثاقبة على منطق العقوبات في المنظومة القانونية المغربية في تلك الحقبة. فكل من يخالف مضمون القرار يُحكم عليه "بغرامة من ستة عشر فرنكاً إلى ثلاثمائة فرنك وبالسجن من ستة أيام إلى شهر واحد". أما الأسلحة والأدوات فتُصادر لصالح الدولة، أو تُعوَّض قيمتها وفق ما يُبيّن الحكم.
ويُبيّن الفصل السادس الجهاز التنفيذي المُخوَّل بتطبيق القرار، وهو جهاز واسع ومتشعّب: "الكاتب العام للدولة الحامية وحكام النواحي والمراقبين المدنيين ورؤساء الادارات البلدية وأعوان القوة العمومية وأعوان ادارة المياه والغابات"، وهو ما يُشير إلى رغبة في تطبيق مُشدَّد وشامل عبر شبكة إدارية متكاملة.
رابعاً: مراقبة البادية وتنظيم الحياة الريفية
4.1. ظهير مراقبة البادية وأهدافه الأمنية والاجتماعية
يُعدّ ظهير مراقبة البادية الصادر في فبراير 1915م من أهم الوثائق التشريعية في هذين العددين، إذ يُجسّد التدخل الممنهج للدولة في تنظيم الحياة اليومية للسكان الريفيين. يبدأ الظهير بتفويض صريح: "قد أعطى الصدر الأعظم التفويض بكل ما يتعلق بتنظيم المراقبة بالبادية والسلام"، وهو ما يُنشئ منظومة سلطة واضحة المعالم.
إن مفهوم "مراقبة البادية" في هذا السياق لا يعني الرقابة الأمنية وحدها، بل يشمل جانباً اقتصادياً جوهرياً يتمثل في "المحافظة على الحال من المحافظة على الزروعات وعلى ما يُصاد". ويتضمن الظهير أيضاً إشارةً إلى "الأمن والراحة"، مما يُجمع في وثيقة واحدة الأبعاد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية للسياسة الريفية في تلك المرحلة.
4.2. التنظيم الفصلي للصيد ودلالاته الموسمية
يتناول ظهير مراقبة البادية الصيدَ من منظور مختلف عن ظهير انتهاء أمد الصيد. فهو يُركّز على الرقابة الموسمية المرتبطة بدورات الزراعة لا بدورات التكاثر البيولوجي. ومن المقتضيات المُدرجة في هذا الظهير منع الصيد في الأراضي الزراعية خلال مواسم معينة حماية للمحاصيل، وهو ما يكشف عن وعي بالتوترات القائمة بين الصيادين والمزارعين في الفضاء الريفي المغربي.
هذه التوترات لم تكن وليدة الحماية، بل كانت قائمةً في المجتمعات الريفية المغربية قبلها، وكانت تُدار عادةً عبر التقاليد القبلية والعرف المحلي. غير أن تدوينها في ظهير رسمي ومنشور في الجريدة الرسمية يعني إحلال القانون الوضعي المكتوب محل العرف الشفهي، وهو تحوّل جوهري في طريقة إدارة النزاعات الاجتماعية في الريف المغربي.
4.3. شبكة المسؤوليات الإدارية في تنظيم البادية
إن الشبكة الإدارية المُخوَّلة بتطبيق أحكام مراقبة البادية تكشف عن عمق التغلغل الإداري في الفضاء الريفي. فإلى جانب الأجهزة الرسمية المذكورة آنفاً، يُشير الظهير ضمنياً إلى دور الأشياخ والمقدّمين المحليين في التطبيق الميداني، وهو ما يُجسّد نموذج "الإدارة غير المباشرة" الذي كانت الحماية تعتمده في المناطق البعيدة عن مراكز السلطة.
هذا النموذج يعني بعبارة أخرى أن القوانين والظهائر لم تكن تُطبَّق دائماً بأدوات مركزية، بل كانت كثيراً ما تُنفَّذ عبر الوسطاء المحليين ذوي النفوذ التقليدي. وهذا الواقع يُفسّر لماذا كانت نتائج التطبيق تتباين أحياناً تبايناً كبيراً بين منطقة وأخرى، وفق درجة النفوذ المحلي ومدى التنسيق مع الإدارة المركزية.
خامساً: تنظيم القضاء والمحاكم في المغرب (1915) — التشريع بين المؤسسة المخزنية والمنظومة الفرنسية
5.1. ظهير الدوائر المختصة بتحرير الرسوم القانونية
يُعدّ ظهير "تحديد الدوائر التي يُباشر فيها الكتاب المسجلون بالمحاكم الفرنسية تحرير الرسوم القانونية" من أكثر وثائق هذين العددين دلالةً على الطابع الهجين لمنظومة القضاء في مرحلة الحماية. ويستند هذا الظهير إلى "الفصل السادس والعشرين من ظهيرنا الشريف المتعلق بالمرافقات المدنية وهو الملحق الثالث للظهير الشريف المؤرخ في التاسع من رمضان عام 1332" الموافق لأغسطس 1914م.
ينصّ الظهير على أن الكتاب المسجّلين الأولين بالمحاكم الفرنسية يُحررون الرسوم القانونية المذكورة على يد الكاتب المسجّل الأول للمحكمة العليا للاستئناف بالرباط، وأن كل واحد منهم يُحرّر في منطقته المحكمة وكذلك الرسوم المتعلقة بـ"محاكم الصلح" من زملائه. هذا التوزيع الجغرافي لصلاحيات التحرير يُنشئ نظاماً من الاختصاص القضائي متعدد المستويات يجمع بين المحاكم الابتدائية ومحاكم الصلح ومحكمة الاستئناف العليا بالرباط.
5.2. الازدواجية القضائية وإشكالياتها العملية
تعاني المنظومة القضائية المغربية في هذه الحقبة من ازدواجية هيكلية لم يكن أي نظام قانوني في التاريخ المعاصر يُجسّدها بهذه الدرجة من التعقيد: فإلى جانب القضاء الإسلامي الشرعي الممثَّل في القضاة والمحاكم الشرعية التقليدية، نشأت محاكم فرنسية تعمل وفق أحكام القانون الفرنسي، وكلٌّ منها كانت لها اختصاصات محددة تتقاطع أحياناً وتتعارض أحياناً أخرى.
الظهير المنشور في الجريدة يحاول تنظيم هذه الازدواجية من جانب واحد: تحديد من يحق له تحرير الرسوم القانونية أمام أي جهة قضائية. وهذه مسألة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تخفي جوهراً سياسياً مهماً يتعلق بالسيطرة على وصول المتقاضين إلى العدالة: فمن يتحكم في توثيق العقود ومحاضر التقاضي يتحكم بصورة غير مباشرة في إمكانية الوصول إلى العدالة.
5.3. انعكاسات التنظيم القضائي على حياة المواطنين
كان للتنظيم القضائي الوارد في هذا الظهير انعكاسات ملموسة على حياة المواطنين المغاربة اليومية. فالتمييز بين الدوائر الجغرافية المحددة لاختصاص كل كاتب مسجّل معناه أن المواطن في أطراف البلاد أو في مدن بعيدة كان عليه أحياناً قطع مسافات طويلة للوصول إلى الكاتب المختص بمنطقته. وهذا يُشير إلى أن نظام العدالة في تلك المرحلة لم يكن يُصمَّم بالضرورة انطلاقاً من منظور المواطن واحتياجاته، بل انطلاقاً من منطق الكفاءة الإدارية والرقابة المؤسسية.
سادساً: صون التراث المعماري التاريخي — نموذج باب سيدي أبي العباس في سلا
6.1. ظهير تقييد باب جامع سيدي أبي العباس بين الرؤية الفنية والحماية القانونية
يُمثّل ظهير "تقييد الباب المعروف بباب جامع سيدي أبي العباس بسلا في عدد الأبنية التاريخية" وثيقةً متفردة في سياقها وأهميتها، إذ يُجسّد الوجه الثقافي لسياسة الحماية التي كثيراً ما تُهيمن عليها في الأدبيات التاريخية جوانبُها السياسية والأمنية والعسكرية. فوجود ظهير يختص بحماية بوابة تاريخية في مدينة سلا يُشير إلى وعي مؤسسي بأهمية التراث المعماري وضرورة صونه من التدهور والإهمال والتعدي.
يستند الظهير إلى استشارة "مدير ادارة الآثار القديمة والفنون الجميلة والأبنية التاريخية"، وهو تخصص مؤسسي في الإدارة يُشير إلى قيام جهاز متخصص يعتني بالتراث، وهو مؤشر متقدم لذلك الزمن. ويُحدد الظهير أن تقييد هذا الباب في عداد الأبنية التاريخية يهدف إلى "ما يظهر من المنفعة الفنية والتاريخية الناتجة عن صيانة الباب المعروف ببباب جامع سيدي أبي العباس بمدينة سلا".
6.2. صيانة الإرث المعماري الإسلامي وتوظيفه في خطاب الحماية
إن حرص الحماية الفرنسية على صون التراث المعماري الإسلامي في المغرب كان يُدار وفق منطق مزدوج: من جهة، كانت ثمة رغبة جينوينة لدى بعض المسؤولين الفرنسيين كليوطي نفسه في الحفاظ على الطابع المعماري والحضاري للمدن المغربية. ومن جهة أخرى، كان هذا الاهتمام يُوظَّف في الخطاب الاستعماري دليلاً على الطابع الحضاري للحماية وتمييزها عن الاستعمار الاقتصادي الخالص.
وقد تجلّت هذه السياسة المزدوجة في قرار ليوطي الشهير ببناء المدن الأوروبية الجديدة خارج أسوار المدن العتيقة، بدلاً من هدم الأحياء القديمة واستبدالها ببنيات حديثة كما جرى في مدن استعمارية أخرى. غير أن المنتقدين أشاروا إلى أن هذا الفصل المعماري بين المدينة القديمة والمدينة الجديدة كان في جوهره فصلاً اجتماعياً وعرقياً يُعيد إنتاج التراتبية الاستعمارية في الفضاء العمراني.
6.3. دلالة ذكر سلا في السياق الأرشيفي
إن ذكر مدينة سلا بالاسم في سياق ظهير حماية التراث يُشير إلى أن الاهتمام المؤسسي لم يكن حكراً على الرباط عاصمة الحماية أو فاس عاصمة العلم التقليدي، بل امتد إلى مدن أخرى ذات قيمة تاريخية. وسلا تحديداً تحمل إرثاً معمارياً وحضارياً عميقاً مرتبطاً بتاريخ المغرب الوسيط والحديث، كانت تُوظّفه الحماية في إطار خطاب الشرعية الثقافية.
سابعاً: الإدارة المدنية وتعيين الموظفين — الاستمرارية والتحولات
7.1. التعيينات الإدارية وقراءة في تنوع الكفاءات
تتضمن قرارات التعيين الإداري الواردة في هذين العددين طيفاً واسعاً من الوظائف والمستويات. فإلى جانب المناصب الكبرى كعضوية مجلس العلماء الأعلى، تبرز قرارات تتعلق بتعيين "منشئ" أو "كاتب بالآلة" أو "كاتب ناسخ"، وهي رتب في السلّم الوظيفي الأدنى. ومن أبرز التعيينات: تعيين "المسيو لاكورس فرنسوا كزافي بول شادل رسمياً في وظيفه بالالادارة المدنية بالمملكة الشريفة في سلك الدرجة الخامسة ابتداء من اليوم التاسع من يناير 1915".
وتعيين "الفتاة بيرت يروني رسمياً في وظيفها وانخرطت في سلك الدرجة الرابعة ابتداء من اليوم الرابع والعشرين من فبراير عام 1915". وهذا التعيين ذو دلالة استثنائية لكونه يتعلق بامرأة في جهاز الإدارة، وهو أمر لم يكن شائعاً في مجتمع المغرب التقليدي لتلك الحقبة، مما يُشير إلى أن الحضور النسائي في الإدارة الاستعمارية كان من العوامل التي أسهمت في تدريجية فتح الفضاء الإداري أمام المرأة.
7.2. التمييز بين التعيين الرسمي والتعيين المؤقت
تُفرّق نصوص قرارات التعيين الواردة في الجريدة الرسمية بشكل منهجي بين نوعين من التعيين: التعيين "رسمياً في وظيفه" الذي يُفيد بالثبات والرسوخ القانوني، والتعيين في صيغة الانتداب أو الوكالة. هذا التمييز يعكس منطق القانون الإداري الفرنسي الذي يميّز بدقة بين "الموظف الرسمي" (fonctionnaire titulaire) و"الموظف المتعاقد" (fonctionnaire contractuel)، ولكل منهما حقوق وواجبات مختلفة.
وقد كان هذا التمييز ذا أبعاد اجتماعية مهمة: فالموظف الرسمي يتمتع بالاستقرار الوظيفي والحماية القانونية، في حين بقي كثير من الموظفين في وضع التعاقد المحدود لفترات طويلة قبل أن يُرسَّموا، وكان هذا الترسيم يشكل في كثير من الأحيان موضع تفاوض ومناورة إدارية.
7.3. الاختلاف في تواريخ سريان القرارات وما يُفيده من انعكاسات قانونية
يلفت الانتباه في قرارات التعيين الواردة في هذين العددين الانفصالُ الزمني بين تاريخ توقيع الظهير أو القرار الوزيري وتاريخ نشره في الجريدة الرسمية وتاريخ سريانه الفعلي. فعلى سبيل المثال، قد يُوقَّع ظهير في محرم 1332هـ ويُشار إليه كمرجع في قرار منشور في ربيع الثاني 1333هـ. هذا الفارق الزمني قد يعني أن بعض القرارات كانت تُنفَّذ فعلياً قبل نشرها رسمياً، مما يُثير إشكالية قانونية جوهرية تتعلق بمبدأ الأثر الإنشائي للنشر في الجريدة الرسمية.
ثامناً: الخطاب الرسمي كمرآة للتوازنات السياسية في مرحلة الحماية
8.1. التوازن الدقيق بين السلطتين المخزنية والفرنسية في النص
يُجسّد خطاب الجريدة الرسمية في كلّ صفحة من صفحاته ذلك التوازن الدقيق والهشّ بين الشرعية المخزنية وسلطة الحماية الفرنسية. فمن جهة، تُفتتح الظهائر والقرارات بـ"الحمد لله وحده" وتُوقَّع من الوزير الأول المغربي محمد بن محمد الجباص بصيغة "أمرنا الشريف"، مما يُبقي الطابع المخزني الأصيل لمصدر التشريع. ومن جهة أخرى، لا يُنشر أي ظهير أو قرار في الجريدة الرسمية إلا وفي ذيله عبارة "اطلع عليه المقيم العام وأذن بنشره" يتبعها توقيع "ليوطي".
هذه العبارة الختامية هي في الواقع أكثر من إذن بالنشر: إنها إعلان صريح بأن السلطة الفعلية لا يملكها الوزير المخزني، بل يملكها المقيم العام. وأن التشريع لا يكتسب قوّته الملزِمة إلا بموافقة ممثل فرنسا في المغرب. وبهذا المعنى، فإن الجريدة الرسمية ذاتها بترويستها المخزنية ومحتواها الإداري الهجين تُجسّد بنيوياً واقع نظام الحماية.
8.2. التحولات اللغوية والمصطلحية في النصوص الرسمية
إن تتبّع المصطلحات المستخدمة في هذين العددين يُتيح ملاحظة التحولات اللغوية التي كانت تُعيد تشكيل الثقافة الإدارية المغربية. فمصطلحات مثل "منشئ" (بدلاً من "كاتب المجلس" التقليدي) و"كاتب بالآلة" (مصطلح مُستحدث) و"محكمة الاستئناف" و"الرسوم القانونية" تُشير إلى دخول مصطلحات قانونية وإدارية جديدة لم تكن جزءاً من المعجم المخزني قبل الحماية.
وفي الوقت ذاته، تُحافظ النصوص على استخدام مصطلحات عربية وإسلامية راسخة مثل "الظهير الشريف" و"المجلس الإداري" و"أمرنا الشريف". هذا التعايش المصطلحي يعكس نفس الازدواجية الهيكلية التي وسمت كل مؤسسات الدولة المغربية في تلك المرحلة، وإن كان الميزان كان يميل تدريجياً نحو سيطرة المصطلح الإداري الغربي المُعرَّب على حساب المصطلح المخزني الأصيل.
8.3. التناقض بين المسكوت عنه والمُصرَّح به في النص الرسمي
إن أدق ما يمكن ملاحظته عند قراءة هذين العددين هو ما لا تقوله الجريدة الرسمية بقدر ما تقوله. فهي تُصرّح بشجاعة الجنود المغاربة في أوروبا دون أن تُشير إلى ظروف تجنيدهم ودرجة اختيارهم. وتُنشر قصص الجرحى والمُكرَّمين دون أن تُذكر أعداد القتلى أو الأسرى. وتُنظَّم انتخابات وتعيينات في هيئات وطنية عليا دون الإشارة إلى أن سلطة القرار الحقيقية تبقى في يد المقيم العام.
وتُصدر قوانين تنظيمية للحياة الريفية والحضرية والقضائية دون الإقرار بوجود مناطق واسعة خارج سيطرة هذه الأنظمة. وكل هذا المسكوت عنه يُكمل الصورة التي تُريد الجريدة الرسمية رسمها: صورة دولة مستقرة تعمل بانتظام وتُنظّم حياة مواطنيها بكفاءة في خضم حرب عالمية وتحولات تاريخية جسيمة.
تاسعاً: الأعداد 94-95 في المنظومة التشريعية للحماية — موقعها ودلالاتها
9.1. الاستمرارية التشريعية وتراكم الطبقات القانونية
تكشف الإحالات المتعددة في هذين العددين إلى أعداد سابقة وظهائر سالفة عن سمة بنيوية للمنظومة التشريعية في مرحلة الحماية: التراكم التشريعي المتواصل الذي يبني القانون الجديد على أسس القانون القديم. فكل ظهير يستدعي ظهيراً سابقاً، وكل قرار يُحيل إلى قرار آخر، في سلسلة لا تنقطع تُنشئ ما يُسمّيه علماء القانون بـ"الترسانة التشريعية".
هذا التراكم كان يُخدم غرضاً مزدوجاً: الغرض القانوني المتمثل في ضمان الانسجام التشريعي وتجنب التناقضات، والغرض السياسي المتمثل في إضفاء الطابع المستدام على المنظومة التشريعية للحماية وجعلها تبدو مُتجذّرة وراسخة لا مؤقتة وعابرة. فكلما تراكمت الطبقات التشريعية وتشابكت الإحالات، كلما أصبح التراجع عن هذه المنظومة أكثر تعقيداً وتكلفةً.
9.2. الجريدة الرسمية بوصفها أداة للتنشئة الإدارية
كان من الوظائف الضمنية للجريدة الرسمية في تلك الحقبة تنشئة جيل من المديرين والموظفين المغاربة والفرنسيين على ثقافة إدارية مشتركة. فالموظف الذي يقرأ الجريدة الرسمية بانتظام يستوعب تدريجياً أسلوب الكتابة الإدارية، والمرجعية التشريعية، ومنطق تسلسل السلطة، وصيغ الإصدار الرسمي. وكل هذا يُسهم في نشر ثقافة بيروقراطية موحدة تُشكّل "الدم الموحِّد" لأجهزة الدولة.
وقد استمر هذا الدور التنشيئي للجريدة الرسمية بعد استقلال المغرب عام 1956م، إذ ورثت الدولة المغربية الحديثة كثيراً من أسس التقليد الإداري الذي رسّخته الحماية، بما فيه الجريدة الرسمية ذاتها التي ظلت الوعاء الدستوري والقانوني الأعلى للتشريع المغربي.
9.3. قراءة مقارنة: أعداد 94-95 مقارنةً بأعداد سابقة
إذا ما قارنّا مضامين العددين 94-95 بما ورد في الأعداد السابقة (92-93)، تتجلى تحولات ملحوظة في البؤر الاهتمامية: فبينما تمحورت الأعداد 92-93 حول الاحتفالات والتعيينات الإدارية والأملاك القبلية، تنفتح الأعداد 94-95 على موضوعات جديدة كالشأن العسكري (بيان سلوك الجنود) وتنظيم الصيد والبادية وصون التراث والتنظيم القضائي. هذا التوسع الموضوعي يعكس تعمّق المشروع التشريعي للحماية وتمدّده من المستوى الإداري الخالص نحو تنظيم الحياة الاجتماعية والبيئية والثقافية بوجه عام.
خاتمة
تُقدّم أعداد الجريدة الرسمية للدولة الشريفة المغربية الصادرة في فبراير 1915م — وبالتحديد العددان الرابع والتسعون والخامس والتسعون — طيفاً ثرياً ومتنوعاً من الموضوعات التي تُتيح مقاربةً متعددة الزوايا لفهم المغرب في تلك الحقبة البالغة الأهمية.
فمن الشأن العسكري وبيان شجاعة الجنود المغاربة في ميادين الحرب العالمية الأولى، إلى تعيينات في مجلس العلماء الأعلى ومنح الشرعية الدينية للسياسات الإدارية، ومروراً بتنظيم الصيد البري والمحافظة على التوازن البيئي للبادية، وصولاً إلى ضبط اختصاصات الكتّاب القضائيين وحماية الأبنية التاريخية، ثم الاستمرار في تعيينات الإدارة المدنية الشريفة — تُشكّل كل هذه الموضوعات معاً لوحةً تاريخية متكاملة لا يمكن اختزالها في بُعد واحد.
إن المغرب الذي يُطالعنا من بين سطور هذين العددين هو مغرب تتشابك فيه المرجعيات وتتعدد مستويات السلطة: سلطان مغربي يمنح الشرعية الرمزية، ووزير مخزني يُوقّع القرارات، ومقيم عام فرنسي يُقرّها ويأذن بنشرها. ومجلس علماء تُحيط به البيروقراطية الحديثة. وجنود مغاربة يُحاربون في خنادق أوروبا بينما تُنشر قصصهم في الجريدة الرسمية أداةً للتأثير في الرأي العام المحلي. وبادية تُنظَّم فيها الأنظمة البيئية ومراقبة الفضاء الريفي. وعقارات تاريخية تُصان بظهائر رسمية، وكتّاب قضائيون تُحدَّد اختصاصاتهم بدقة متناهية.
كل هذا يُؤكد أن قراءة الجريدة الرسمية المغربية لعام 1915م ليست مجرد قراءة في وثائق أرشيفية جافة، بل هي استحضار حيّ لتاريخ المغرب في لحظة من أعقد لحظاته وأكثرها تأثيراً في مساره اللاحق: لحظة تشكّل الدولة الحديثة، وصراع الهوية، وتداخل المرجعيات، وبذور الوعي الوطني الذي سيُفضي بعد أربعة عقود إلى استرداد السيادة الكاملة وإعادة بناء الدولة المغربية المستقلة.
تحميل العدد 94 -95 بتاريخ 22 فبراير 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق