مقدمة
تُعدّ الجريدة الرسمية من أبرز الوثائق الإدارية والقانونية التي تكشف عن طبيعة الدولة ومؤسساتها وآليات اشتغالها في مراحل تاريخية محددة. فهي ليست مجرد نشرة قانونية تُودَع فيها القرارات والمراسيم، بل هي سجلٌ حيٌّ يجمع بين الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري في آنٍ واحد. ومن هذه الوثائق النفيسة، تبرز أعداد الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الصادرة في مطلع القرن العشرين، تحديداً في عام 1915م الموافق لعام 1333هـ، والتي تصادفت مع الأشهر الأولى التي تلت إرساء نظام الحماية الفرنسية على المغرب عقب توقيع معاهدة فاس عام 1912.
إن العددين الثاني والتسعين والثالث والتسعين من الجريدة الرسمية للدولة الشريفة المغربية يمثلان نافذةً تاريخية على واقع إدارة المغرب في تلك الحقبة الدقيقة، وهي حقبة التحولات الجوهرية التي مسّت بنية الدولة والمجتمع معاً. ففي هذه الأعداد يتجلى التمازج الغريب بين الأسلوب الإداري المخزني الأصيل والنظام البيروقراطي الفرنسي المستحدث، مما يجعلها مصدراً لا غنى عنه لكل باحث في تاريخ المغرب الحديث. تشتمل هذه الأعداد على موضوعات متنوعة: من احتفالات عيد المولد النبوي الشريف بالرباط، ووصف الأحداث الاجتماعية والسياسية المرتبطة بها، إلى القرارات الوزارية المتعلقة بتعيين الموظفين وتنظيم الرواتب وتعويضات السكن، مروراً بالتشريعات الخاصة بالأملاك القبلية المشتركة ورعاية الموظفين الصحية.
يتناول هذا المقال بالدراسة والتحليل المحاور الكبرى التي تطرحها هذه الأعداد، مستعيناً بما ورد فيها من نصوص صريحة، ومستحضراً السياق التاريخي الذي نشأت فيه، ليُقدّم في نهاية المطاف صورةً متكاملة عن المغرب في عام 1915: دولةً تسعى إلى إعادة تنظيم نفسها في خضم تحولات عميقة فرضها الواقع الاستعماري الجديد.
تحميل العدد 92 -93 بتاريخ 08 فبراير 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: الجريدة الرسمية المغربية بوصفها وثيقة تاريخية ومصدراً أرشيفياً
1.1. نشأة الجريدة الرسمية في المغرب وتطورها
تُمثّل الجريدة الرسمية ظاهرةً إدارية وقانونية عالمية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنشوء الدولة الحديثة، إذ لا تستقيم دولة القانون من دون وجود منظومة نشر رسمية تضمن إعلان التشريعات والقرارات الإدارية وتُلزم بها المواطنين والموظفين على حدٍّ سواء. وفي المغرب، جاء إنشاء الجريدة الرسمية مقترناً بالمرحلة الانتقالية التي أعقبت معاهدة الحماية الفرنسية، غير أن جذورها تضرب في عمق المؤسسات المخزنية التقليدية التي اعتمدت أساليب مختلفة في التبليغ والإشهار القانوني.
تكشف نسبة الجريدة إلى "الدولة الشريفة" في ترويستها عن تمسّك المؤسسة المخزنية بشرعيتها التاريخية، ورمزية العلاقة بين الملك والرعية في الفكر السياسي المغربي التقليدي. فالسلطان هو المرجعية العليا، وكل قرار يُنشر في الجريدة يستمد قوته الملزِمة من هذه السلطة العليا، حتى وإن كان الواقع السياسي يعكس سيطرة الإدارة الفرنسية الممثلة في شخص المقيم العام "ليوطي". وهذا الازدواج في المرجعية يُعدّ من أبرز السمات التي يلمسها الباحث في هذه الأعداد.
يوضح العنوان الكامل للجريدة أنها صادرة باللغة العربية، وهو ما يُشير إلى وعي سياسي وثقافي بأهمية الحفاظ على العربية لغةً رسمية للتوثيق، بالتوازي مع الإصدارات الفرنسية. وقد كانت هذه الثنائية اللغوية تعكس سياسة الحماية في التعامل مع الهوية المغربية: الاعتراف بها شكلياً مع إعادة تشكيل مضامينها فعلياً.
1.2. السياق التاريخي لصدور الأعداد 92 و93
صدر العددان 92 و93 من الجريدة الرسمية في يناير وفبراير 1915م، أي في خضم الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في أوروبا صيف عام 1914م. وكان المغرب يعيش تداعيات هذه الحرب على أصعدة متعددة: فمن جهة، كانت فرنسا تُوظّف المغاربة في جيوشها، وتستنزف طاقات الحماية في خدمة جبهات أوروبا، ومن جهة أخرى كان المقيم العام ليوطي يُحكم قبضته الإدارية على المناطق الخاضعة، في حين كانت مناطق واسعة من المغرب لا تزال خارج نطاق السيطرة الفرنسية.
هذا السياق يُضفي على مضامين الجريدة الرسمية أبعاداً سياسية واضحة؛ فالاحتفاء بعيد المولد النبوي الشريف لم يكن مجرد فعالية دينية، بل كان رسالةً سياسية موجهة إلى القبائل والأعيان تُجسّد خطاب الولاء للسلطان والطاعة للمخزن. وبالمثل، فإن القرارات الإدارية المتعلقة بتنظيم الموظفين وتحسين أوضاعهم لم تكن منفصلة عن رغبة الإدارة الفرنسية في بناء جهاز بيروقراطي فعّال ومُخلص يضمن استمرار الحكم واستقراره.
1.3. القيمة الأرشيفية والتوثيقية لهذه الأعداد
تتجلى القيمة الأرشيفية لهذه الأعداد في كونها تجمع بين البُعد القانوني والبُعد السردي في آنٍ واحد. فهي تتضمن في الوقت ذاته قرارات إدارية صارمة الصياغة وروايات وصفية للأحداث الاجتماعية والسياسية. هذا التنوع يجعلها مصدراً فريداً يمكن توظيفه في دراسات التاريخ القانوني والتاريخ الاجتماعي والتاريخ السياسي على حدٍّ سواء.
علاوةً على ذلك، تكتسب هذه الأعداد قيمتها من كونها محفوظةً في شكلها الأصلي، بما يتيح للباحثين ملاحظة تفاصيل دقيقة كأسماء الأشخاص والتواريخ والمبالغ المالية والمصطلحات الإدارية المستخدمة آنذاك. فالأسماء الواردة فيها، سواء أكانت أسماء المسؤولين المغاربة أم الموظفين الفرنسيين، تُتيح إعادة تركيب شبكات النفوذ والعلاقات الإدارية في تلك المرحلة.
ثانياً: الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف بالرباط وأبعاده السياسية والاجتماعية
2.1. وصف مراسم الاحتفال ودلالاته الرمزية
يُفرد العدد الثاني والتسعون من الجريدة الرسمية حيزاً واسعاً لوصف الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف الذي أُقيم بالرباط يوم الثامن والعشرين من يناير 1915م. وقد حُدِّد موعد هذا الاحتفال بوصفه "أحد الأعياد الدينية الثلاثة السنوية الإسلامية"، وهو ما يُعكس الأهمية الدينية والاجتماعية الاستثنائية التي كانت تُولَى لمثل هذه المناسبات في الثقافة المغربية.
يصف التقرير المنشور في الجريدة جملةً من التفاصيل الدقيقة: فقد حضر هذه المناسبة "وفود القياد وخلفاء القياد لتقديم مراسيم التهنئة والتبريك لجلالة السلطان"، فاجتمع بالرباط أكثر من أربعة آلاف فارس قادمين من مختلف الجهات، من الشاوية وأغرب والقبائل الضاربة في السهول حول فاس ومكناس وبعض القادمين من مراكش ومناطق جبل البربر. كما تطرق التقرير إلى حضور القبائل الداخلة حديثاً في الطاعة للسلطان، مُشيراً إلى القياد والزعماء الذين "جاؤوا مع الشريف بوجعد" مما كان له تأثير عظيم على الوطنيين، في إشارة إلى الدور التوحيدي الذي أدّاه هذا الحفل على الصعيد السياسي.
إن وصول هذا العدد الضخم من الأتباع والوفود إلى الرباط لم يكن مجرد إجراء عفوي، بل كان يعكس توجهاً سياسياً محسوباً تقوده الإدارة الفرنسية برئاسة المقيم العام، الذي كان يحرص على توظيف المناسبات الدينية الكبرى في خدمة مشروع إرساء الأمن وتثبيت الطاعة. فالجريدة الرسمية لا تُسجّل هذه الأحداث بصيغة الخبر المحايد، بل بصيغة الاحتفاء المُمنهج الذي يُضفي الشرعية على المنظومة السياسية القائمة.
2.2. الأبعاد السياسية للاحتفال في سياق الحماية
تكشف التفاصيل الواردة في الجريدة عن الأبعاد السياسية العميقة لهذا الاحتفال. فبعد انتهاء مراسيم الاستقبال والتهنئة، عاد المقيم العام ليقوم بزيارة العيد لجلالة السلطان، وقد عبّر عن "رضا التام عن الحالة السياسية الدال عليها خضوع القبائل وطاعتها في تلبية الأوامر المخزنية وقدومها للتبرك بزيارة جلالته". ولا يخفى على القارئ المتأمل ما ينطوي عليه هذا الخطاب من توظيف ذكي للخطاب الديني الولائي في خدمة الأهداف السياسية للسلطة الاستعمارية.
وقد كلّف المقيم العام "سعادة المقيم العام" جلالته أن يُعرب لجانب حكومة الجمهورية الفرنسية عن منّته على المساعدة التي أعانته بها في تثبيت الأمن، وذلك من خلال رؤيته برؤية الجنود المغربية الذاهبة للمحاربة في الصفوف الفرنسية، مُقدّمةً دين الجميل والإحسان الذي "تدفعه فرنسا للمغرب"، وهو خطاب يكشف عن التبرير الإيديولوجي للتدخل الاستعماري.
وتُلمّح الجريدة أيضاً إلى حضور الجنود المغاربة في مسيرة العيد، مما يُدمج بين الرمزية الدينية ومظاهر القوة العسكرية. وقد أُديرت على الجنود "كؤوس الآتاي" وكان الجميع يتجول بينهم مُبدياً جملةً وفرداً للسرور والانبساط والبهجة والحبور"، وهو وصف يُقدّم الجندي المغربي بوصفه شريكاً مرتضياً في منظومة السلطة لا مُكرَهاً عليها.
2.3. الاحتفال بين البُعد الديني والبُعد الاجتماعي
لا يقتصر وصف احتفالات المولد في الجريدة الرسمية على الجانب الرسمي والسياسي، بل يتجاوزه إلى وصف الجانب الاجتماعي الشعبي. فقد صار يوم الثلاثين من الشهر المذكور يوم العيد الرسمي، وأمر المقيم العام بإجراء الألعاب المعتادة المرتبطة بظهور الخيل، مما يُحيل إلى تقاليد الفروسية الراسخة في الثقافة المغربية كالفنتازيا والسباقات. وكان حضور هذه الفعاليات يعكس التمازج بين الأعيان والسلطة والعامة في إطار الاحتفال الجماعي.
ومما يُلفت الانتباه أن أصحاب المناصب كانوا يتجولون بين الحشود بفرديّة صريحة، مما يُشير إلى نوع من الانفتاح الاجتماعي المُصطنع الذي يُراد منه تقريب الهوّة بين الحاكمين والمحكومين. وقد صرّح بعضهم "أنهم لم تبصر حفلة مثل هذه حتى في أيام مولاي الحسن قدس الله سره"، وهو شهادة تُدرج هذا الاحتفال في سياق الذاكرة الجماعية المغربية ومقارنته بالعصور الذهبية السابقة لتكريس شرعية النظام الراهن.
ثالثاً: المنظومة الإدارية والوظيفية في المغرب (1915): بين الاستمرارية والتحول
3.1. هياكل الإدارة المدنية وآليات التعيين
يكشف تحليل القرارات الوزارية الواردة في هذين العددين عن طبيعة المنظومة الإدارية المغربية التي كانت في طور إعادة البناء والتشكّل. فقرار تعيين موظفين بالإدارة المدنية الشريفة الصادر في يناير 1915م يُجسّد النمط الهجين للإدارة في مرحلة الحماية، إذ يجمع بين رتب ومصطلحات مستقاة من التقليد الإداري الفرنسي (من منشئ من الدرجة الخامسة، وكاتب ناسخ من الدرجة الثالثة، وكاتب بالآلة من الدرجة الرابعة) في إطار مؤسسي يحمل لقب "الإدارة المدنية الشريفة".
ومن الموظفين الفرنسيين المعيّنين في الجريدة: المسيو "كرتان جان" في رتبة منشئ من الدرجة الخامسة، والمسيو "موبي ايتيل شارل" في رتبة كاتب ناسخ من الدرجة الثالثة، و"رينال إميليان" في رتبة كاتب بالآلة من الدرجة الرابعة، وغيرهم من الموظفين الذين تحمل أسماؤهم الصبغة الأوروبية الصريحة. هذا التعيين المُمنهج للموظفين الفرنسيين في بنية الإدارة المخزنية يُجسّد سياسة إحلال الكفاءة الأوروبية في المواقع الحساسة.
غير أن القرارات لا تقتصر على تعيين الفرنسيين؛ فبعض المناصب خُصصت لموظفين مغاربة، مما يُشير إلى سياسة إدارية تسعى إلى الاستعانة بالكوادر المحلية ذات الكفاءة في الوظائف المساندة، مع الاحتفاظ بالمناصب الحساسة للموظفين الأوروبيين. وهذا التوزيع للأدوار لم يكن بريئاً، بل كان يُرسّخ واقع التبعية الإدارية بطريقة ناعمة.
3.2. التنظيم الإداري لمدينة عرباوة وتصنيفها
يُفرد العددان قرارات خاصة بإدخال قصبة عرباوة ضمن الطبقة الثالثة من المراتب الإدارية. وقد أُدخلت عرباوة في الطبقة الثالثة من المواضع "المنصوص عليها في القرار الوزيري المؤرخ برابع شعبان عام 1332 الموافق للثامن والعشرين من يونيو سنة 1914 ابتداء من تاريخ هذا القرار". هذا التصنيف الإداري التدريجي للمراكز الحضرية يُعكس منهجية الإدارة الفرنسية في تنظيم الفضاء الجغرافي المغربي وفق معايير بيروقراطية محددة.
إن تصنيف المراكز الإدارية في طبقات يرتبط مباشرةً بتحديد مستويات الرواتب والتعويضات المخصصة لموظفيها، وهو ما يُوضح أن هذه القرارات لم تكن مجرد إعادة تنظيم جغرافي، بل كانت تؤثر مباشرةً في حياة الأفراد من حيث الدخل والمكانة الوظيفية. كما يُشير هذا التصنيف إلى عملية أوسع من تراتبية الفضاء المغربي التي كانت الإدارة الفرنسية تُرسيها تدريجياً.
3.3. آليات التوثيق والإصدار الرسمي للقرارات
من الناحية التوثيقية، يتبيّن من القرارات الواردة أن منظومة الإصدار الرسمي كانت تستند إلى ثلاثة مستويات: الظهير الشريف (القرار الملكي)، والقرار الوزيري، والمنشور الإداري. وفي كل حالة، تحرص الجريدة على الإحالة إلى النصوص السابقة ذات الصلة، مما يُنشئ سلسلة تشريعية متواصلة تُعكس أثر المنظومة القانونية الفرنسية التي تُولي أهمية بالغة لمبدأ التراتبية التشريعية.
وفي صيغة توقيع القرارات، تظهر ثنائية السلطة بجلاء: فهي موقّعة من قِبَل الوزير المغربي "محمد بن محمد الجباص"، ومُصادق عليها من المقيم العام "ليوطي". هذا التعاقب في التوقيع يُجسّد بنية الحماية في صورتها الأكثر وضوحاً: السلطة الرمزية للسلطان المغربي وحكومته توقيعاً وإمضاءً، والسلطة الفعلية لفرنسا إذناً وإقراراً.
رابعاً: سياسة التعويضات والرواتب وتنظيم الشؤون المالية للموظفين
4.1. نظام تعويضات السكن وأهميته الاجتماعية
تُشكّل القرارات المتعلقة بتعويضات السكن حيزاً بارزاً في كلا العددين، وهو ما يُشير إلى أن مسألة التوازن الاجتماعي للموظفين كانت من أولويات الإدارة في تلك المرحلة. فقد صدرت قرارات وزارية متعددة تتعلق بـ"تعيين قدر تعويض السكنى المنوح للموظفين والأعوان المدنيين بعرباوة" وبمدينة بوزنيقة، وهو ما يدل على سياسة ممنهجة في توحيد معايير التعويض بحسب التصنيف الإداري لكل مدينة.
إن مسألة تعويض السكن لم تكن قضية مالية بحتة، بل كانت تعكس معضلة هيكلية تواجهها الإدارة الاستعمارية في تجنيد الموظفين وإقناعهم بالعمل في مناطق نائية أو في مراكز حضرية لم تكن قد استكملت بنيتها التحتية بعد. فالسكن الملائم كان شرطاً لازماً لجذب الكفاءات الإدارية الضرورية لتشغيل جهاز الدولة، سواء أكانت هذه الكفاءات فرنسية أم مغربية.
كما تُشير هذه القرارات إلى أن الإدارة كانت تُفرّق في تعويضات السكن بين موظفين من مستويات مختلفة: فالموظفون من الطبقات الدنيا حصلوا على تعويضات أدنى، في حين تمتع الموظفون الأعلى رتبةً بمخصصات أكثر سخاءً. هذا التدرّج في التعويضات يعكس منطقاً بيروقراطياً يُعيد إنتاج التسلسل الهرمي في الحياة اليومية للموظفين.
4.2. تعويضات غلاء أسعار القوت وتداعياتها الاقتصادية
إلى جانب تعويضات السكن، تبرز في الجريدة قرارات تتعلق بـ"تعويض غلاء أسعار القوت المنوح للموظفين والأعوان المدنيين ببوزنيقة وعرباوة". وهذه التعويضات تكشف بجلاء عن الواقع الاقتصادي الصعب الذي كان يعيشه الموظفون في المغرب إبان الحرب العالمية الأولى، إذ أسهم النزاع المسلح في أوروبا في رفع أسعار المواد الأساسية وشُح بعض السلع.
إن وجود "تعويض غلاء أسعار القوت" ضمن منظومة التعويضات الرسمية يُشير إلى وعي الإدارة بأن الراتب الأساسي لم يكن وحده كافياً لضمان مستوى معيشي مقبول للموظفين في ظل ظروف التضخم والغلاء. وكانت هذه السياسة تُعكس تجربة الإدارة الفرنسية في دول أخرى، إذ درج على تبني هذا النوع من التعويضات التكميلية للحفاظ على قدرة الموظفين الشرائية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التعويضات كانت مرتبطة بالموضع الجغرافي للموظف لا برتبته وحدها، مما يُشير إلى اعتراف ضمني بوجود تفاوتات في تكاليف المعيشة بين المدن والمراكز الإدارية المختلفة. وهذه نظرة واقعية وبراغماتية تُعكس نضج المنظومة الإدارية الفرنسية في التعامل مع إشكاليات التوزيع الجغرافي للموارد البشرية.
4.3. الأبعاد القانونية لتنظيم الرواتب والتعويضات
أما من الناحية القانونية، فقد استندت قرارات التعويضات إلى منظومة مرجعية معقدة من الظهائر والقرارات الوزارية السابقة. فكان كل قرار جديد يُحيل إلى "الظهير الشريف المؤرخ بجمادى الأولى عام 1331 الموافق لثامن عشر أبريل سنة 1913" و"القرار الوزيري المؤرخ برابع شعبان عام 1332 الموافق للثامن والعشرين من يونيو سنة 1914"، مما يُبيّن أن المنظومة التشريعية كانت تتراكم طبقةً على طبقة.
هذه الاستناد المتبادل والمتسلسل يُنشئ ما يُمكن تسميته بـ"القانون الإداري المتطور"، أي منظومة تشريعية تتأسس على ذاتها وتمتح من سوابقها. والمُلاحَظ في هذه النصوص أنها تُحدد بدقة متناهية تاريخ سريان القرارات وتاريخ التطبيق، مما يُعطيها طابعاً قانونياً رسمياً بامتياز يستحضر مبدأ الأثر المستقبلي للتشريعات لا الرجعي.
خامساً: الأملاك القبلية المشتركة في المغرب: المعالجة القانونية لقضية بالغة الحساسية
5.1. مفهوم الأملاك القبلية المشتركة في التراث المغربي
تُعدّ الأملاك القبلية المشتركة من أعقد الملفات القانونية في تاريخ المغرب، إذ تقع عند مفترق طرق متعدد: بين القانون العرفي القبلي والشريعة الإسلامية والقانون الوضعي الفرنسي. وقد خصصت الجريدة الرسمية في هذين العددين حيزاً مهماً لقرار وزيري يُحدد آليات المحافظة على هذه الأملاك وإدارتها.
تُعرّف الجريدة هذه الأملاك بأنها ممتلكات مشتركة بين أفراد الجماعة القبلية أو العشيرة، لا يمكن نقلها أو بيعها أو كراءها "قانوناً أو كراءها ولا للمحافظة الواجبة على هاته الأملاك مراعاةً لمصالح أرباب الأملاك". وهذا التعريف يكشف عن طبيعة هجينة لهذه الأملاك: فهي ملكية جماعية لا فردية، مما يجعل آليات التصرف فيها مختلفة جذرياً عن نظيراتها في الملكية الخاصة.
ومن الناحية التاريخية، أرسى المغرب تقليداً راسخاً في احترام حقوق الجماعات القبلية في أراضيها المشتركة، وهي أراضٍ غالباً ما كانت تُستخدم مراعي جماعية أو غابات أو مصادر مياه. وقد نظرت المخزن إلى هذه الأملاك بعين الحارس لا المالك، وكان الانتزاع السافر لهذه الأملاك من جماعاتها مصدراً تاريخياً للتوترات والنزاعات.
5.2. دور الأشياخ والقواد في إدارة الأملاك المشتركة
يحدد القرار الوزيري المنشور في الجريدة دوراً محورياً للأشياخ والقواد في إدارة الأملاك المشتركة، إذ ينص على أن "الأشياخ والقوادة والكاتب العام لدى الدولة الشريفة هم المكلفون بمراقبة تلك الأملاك المذكورة وتدبير شؤونها". وهذا التحديد الدقيق للمسؤوليات يُنشئ نظاماً من الوكالة القانونية يمنح الكيانات القائمة القدرة على التصرف نيابةً عن الجماعة.
وعلى صعيد الصلاحيات، يُخوّل القرار للأشياخ والقواد صلاحية "مباضعة الجماعة أو من وكّلته أو كانت ليقوم مقامها ويمكن لهم أن ينوبوا عنها بأنفسهم أن اقتضى الحال ذلك أمام المحاكم المدلية مهما وقع خصام أو نزاع يتعلق بأملاك الجماعة". هذه الصياغة القانونية الدقيقة تُعكس تأثير الفكر القانوني الفرنسي في التمييز الواضح بين الشخصية الاعتبارية للجماعة والمسؤولين المنتدبين للتصرف باسمها.
5.3. النظام المخزني في حماية الأملاك القبلية وتطبيقاته
يؤكد القرار على أن "المخزن الشريف هو المكلف بتدبير تلك الأملاك المشاعة وحمايتها اهلها وحامي اهلها ما يأتي"، وهو ما يُرسّخ دور الدولة المخزنية بوصفها حارسةً للحقوق الجماعية في مواجهة الاعتداءات الخارجية. غير أن هذه الحماية المخزنية كانت في الآن ذاته وسيلةً لبسط الرقابة على هذه الأملاك وتوجيه إدارتها.
ويتضمن الفصل الأول من القرار نصاً صريحاً يُبيّن أن الأشياخ هم من يُنفّذون قرارات الإدارة في ما يخص هذه الأملاك، مما يُجسّد نموذج التفويض الإداري الذي اعتمدته الحماية: استخدام الزعامات المحلية التقليدية أدواتٍ للتنفيذ، مع الاحتفاظ برقابة مركزية على عملية القرار. أما الفصل الثاني فيمنح هؤلاء الأشياخ والقواد حق التقاضي أمام المحاكم المدنية، وهو إدماج للنظام القضائي المستحدث في منظومة إدارة الأملاك التقليدية.
سادساً: الرعاية الصحية للموظفين والمرضى في المغرب (1915)
6.1. تعويضات السكن للمرضين العاملين بالفرق الصحية المتنقلة
تُعدّ القرارات المتعلقة برعاية المرضى وتنظيم العمل الصحي من أبرز ما ورد في هذين العددين من الجريدة الرسمية، إذ يكشف وجودها عن إرهاصات بناء منظومة صحية حديثة في المغرب. فقرار وزيري صدر في يناير 1915م يتعلق بـ"تنفيذ تعويض السكنى للمرضين الوطنيين بإدارة الصحة والإعانة الطبية العمومية المستخدمين بالفرق الصحية المتنقلة".
يُحدد هذا القرار المبالغ المخصصة لتعويض السكن، وهي "خمس وعشرون تعويضاً شهرياً في مقابلة السكنى قدره خمس وعشرون وخمسة تعويضاً للمتزوجين منهم وخمسة وعشرون تعويضاً بسيطة لغير المتزوجين". هذا التمييز بين المتزوجين وغير المتزوجين يعكس منطقاً اجتماعياً واضحاً يُقرّ بالأعباء الإضافية التي يتحملها الموظف المتزوج، في تجسيد عملي لمفهوم العدالة الاجتماعية ضمن منظومة إدارية.
وتستند هذه القرارات إلى "الضابط المؤرخ بالتاسع والعشرين من أبريل سنة 1913 المتعلق بإدارة الصحة والإعانة الطبية العمومية"، وهو ما يدل على وجود إطار تشريعي سابق أُرسي منذ السنة الأولى للحماية للتأسيس لنظام صحي حديث. ويُدرك المتأمل في هذه النصوص أن الاهتمام بالرعاية الصحية للموظفين لم ينشأ في فراغ، بل جاء في سياق بناء منظومة تدبير حديثة تتعامل مع الموارد البشرية بنظرة براغماتية تحافظ على قدرتها الإنتاجية.
6.2. إدارة الصحة العمومية في السياق الاستعماري
يُمثّل الوجود البارز للقرارات الصحية في الجريدة الرسمية بُعداً أساسياً في فهم مشروع الحماية الفرنسية بالمغرب. فقد اعتمدت فرنسا خطاباً إصلاحياً يضع "نشر الحضارة" و"تحسين أحوال الشعوب" في صدر مبررات التدخل الاستعماري، وكانت الرعاية الصحية جزءاً محورياً في هذا الخطاب. غير أن النظرة النقدية تُبيّن أن الاهتمام بالصحة كان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بضرورة الحفاظ على قوة العمل والجنود الصحة لتسيير الاقتصاد الاستعماري.
ومما يُلاحَظ في القرارات الصحية أن مجالها يشمل الموظفين الوطنيين المغاربة العاملين في الفرق الصحية المتنقلة، وهو ما يُشير إلى توظيف الكوادر المغربية في الخدمات الطبية الميدانية. ولعل في هذا إشارة إلى أن الفرق الصحية المتنقلة كانت تضطلع بدور مزدوج: تقديم الرعاية الصحية للسكان من جهة، وجمع المعلومات والتأثير في الديناميكيات الاجتماعية المحلية من جهة أخرى، وهو ما يُعدّ أداةً للتحكم الاستعماري الناعم.
6.3. العلاقة بين الرعاية الصحية ومنظومة الإدارة المدنية
تكشف الجريدة الرسمية عن علاقة عضوية بين الرعاية الصحية ومنظومة الإدارة المدنية الشريفة، إذ أن القرارات الصحية لا تُصدر من جهاز صحي مستقل، بل تصدر من الوزارة المشرفة على الإدارة المدنية بوجه عام. هذا التوحيد المؤسسي يُدل على غياب التخصص المؤسسي في تلك المرحلة، وعلى مركزية القرار في يد جهاز إداري واحد يُشرف على ملفات متعددة الاختصاصات.
وتتجلى هذه العلاقة أيضاً في توزيع التعويضات الصحية على أساس موقع العمل الجغرافي لا على أساس درجة الخطورة الصحية، مما يدمج المنطق الصحي في المنطق الإداري للتعويضات. ويعكس هذا التداخل بين المجالين غياب منظومة صحية مستقلة بمنطقها ومعاييرها الخاصة، وهو بالضبط ما سيتغير لاحقاً مع تطور المؤسسات الصحية المغربية في النصف الثاني من القرن العشرين.
سابعاً: اللغة والخطاب الإداري في الجريدة الرسمية بوصفهما مؤشراً للهوية والسلطة
7.1. المصطلح الإداري بين العربية والفرنسية
يُعدّ تحليل المصطلح الإداري المستخدم في هذه الأعداد من أدوات البحث الأكثر قدرةً على الكشف عن طبيعة الهوية المؤسسية في مرحلة الحماية. فالجريدة تكتب بالعربية، لكن كثيراً من مصطلحاتها الإدارية تنتمي في أصولها إلى المنظومة البيروقراطية الفرنسية: فمصطلح "منشئ" يُقابل الـ"rédacteur" الفرنسي، و"كاتب بالآلة" يُقابل الـ"dactylographe"، و"كاتب ناسخ" يُقابل الـ"copiste". هذه الاستعارة المصطلحية تكشف عن عملية تعريب متسرعة لم يكن قد انتهى التفكير في معاييرها وتوحيدها.
في المقابل، تحافظ بعض المصطلحات على أصولها المخزنية التقليدية: "قايد"، "أشياخ"، "مخزن"، "ظهير شريف"، وهي مصطلحات تحمل شحنات رمزية عميقة في الثقافة السياسية المغربية. إن التعايش بين المصطلحين الفرنسي المُعرَّب والمصطلح المخزني الأصيل في النص ذاته يُعيد إنتاج ثنائية الهوية التي ميّزت مرحلة الحماية على المستوى الثقافي والمؤسسي.
7.2. أسلوب الخطاب الرسمي ودلالاته السياسية
يتميز أسلوب الخطاب في هذه الأعداد بجملة من السمات التي تكشف عن رؤية محددة للسلطة والشرعية. فالصيغة التوثيقية للقرارات تبدأ دائماً بـ"الحمد لله وحده"، وهو استفتاح ديني يُضفي على القرارات الإدارية الدنيوية طابعاً مقدساً يستمد شرعيته من المرجعية الدينية الإسلامية. هذه الاستهلالة ليست مجرد عادة بلاغية، بل هي بيان سياسي يُعلن انتماء الدولة الشريفة إلى الفضاء الإسلامي.
وفي وصف الاحتفالات، يتبنى الخطاب أسلوباً تهليليّاً ومديحيّاً يُعلي من شأن السلطان وينسب إليه كل نجاح وتقدم. فالإشارة إلى "جلالة السلطان نصره الله" ووصف مشاعر الفرحة والرضا السائدة بين الحاضرين تُنتج خطاباً احتفائياً يُريد له أن يُشكّل ذاكرة جماعية إيجابية ترتبط بالنظام السائد.
7.3. الأسماء الأعجمية ودلالتها على الحضور الأوروبي
يستأثر تحليل الأسماء الواردة في القرارات الإدارية باهتمام بالغ للباحث في الحقبة الاستعمارية. فالأسماء الفرنسية لموظفي الإدارة المدنية (جان كرتان، إميل شادل، إيميليان رينال، ريجانيو آنري، دومبيرك كزافيي...) تُشير إلى تمثيل مكثف للموظفين الأوروبيين في الجهاز الإداري للدولة الشريفة. وهذا الحضور المكثف يُجسّد عملياً مقتضيات معاهدة الحماية التي أعطت فرنسا حق التدخل في تسيير المؤسسات المغربية.
وفي المقابل، فإن التوقيع الختامي لهذه القرارات يصدر باسم الوزير المغربي "محمد بن محمد الجباص"، وهو اسم يُمثّل استمرار الحضور المغربي في المستويات الرسمية العليا للسلطة. غير أن هذه الاستمرارية الرمزية تقابلها في الواقع سيطرة فرنسية فعلية، لأن كل قرار يصدر موقّعاً من الوزير المغربي لا يُنشر في الجريدة الرسمية إلا بعد أن يحمل عبارة "اطلع عليه المقيم العام وأذن بنشره"، وهو التذييل الذي يُعيد رسم حدود السلطة الحقيقية بشكل صريح.
ثامناً: الجريدة الرسمية بوصفها مصدراً للتاريخ الاجتماعي والاقتصادي
8.1. المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المستقاة من الجريدة
تتيح البيانات المالية الواردة في الجريدة الرسمية إمكانية قراءة الواقع الاقتصادي والاجتماعي لمجتمع 1915م. فالأرقام المتعلقة بتعويضات السكن (خمس وعشرون ريالاً شهرياً للمتزوجين)، وتعويضات غلاء الأسعار، وأسعار الاشتراك في الجريدة الرسمية ذاتها (ثلاثة ريالات وخمسون قرشاً لمدة ثلاثة أشهر داخل المملكة) تُشكّل مُؤشرات ثمينة للباحث في التاريخ الاقتصادي لهذه الحقبة.
وبمقارنة هذه الأرقام ببعضها، يمكن استنتاج مستويات الدخل الاجتماعي وطبيعة الطبقة الوسطى الناشئة من الموظفين التي أرست الحماية الفرنسية أسسها. فموظف من الدرجة الخامسة يتقاضى راتباً شهرياً محدداً وتعويضاً للسكن معيناً، وهو ما يُمكّن من تصوّر أسلوب حياته ومكانته الاجتماعية في ذلك الزمن.
8.2. الجغرافيا الإدارية وما تكشفه عن ديناميكيات الفضاء المغربي
تكشف قراءة أسماء المدن والمراكز الإدارية الواردة في الجريدة (الرباط، عرباوة، بوزنيقة) عن جغرافيا إدارية في طور التشكّل. فالمحور الرابط بين هذه المدن ينتمي إلى المنطقة الساحلية الغربية والمنطقة الوسطى من المغرب، وهي المناطق التي أحكمت فيها الحماية الفرنسية قبضتها أولاً قبل التوسع نحو الداخل والجنوب.
إن غياب أسماء مدن كمراكش وفاس والجنوب عن هذه الأعداد يُشير بشكل غير مباشر إلى حدود السيطرة الإدارية الفرنسية في تلك المرحلة، وإلى أن المناطق الخاضعة الكاملة للإدارة كانت لا تزال محدودة مقارنةً باتساع الرقعة الجغرافية للمغرب. وهذه الملاحظة تُغني فهم مسار التمدد التدريجي للإدارة الاستعمارية على امتداد العقود التالية.
8.3. التحولات الاجتماعية المُلمَّح إليها في نصوص الجريدة
تُلمّح نصوص الجريدة إلى جملة من التحولات الاجتماعية العميقة التي كانت تشهدها المجتمع المغربي في تلك المرحلة. فوصف وفود القبائل القادمة للاحتفال بعيد المولد من "جميع النواحي" يُشير إلى حركية جغرافية واجتماعية متصاعدة، إذ أخذت القبائل التي اعتادت حياة الانغلاق والاكتفاء الذاتي تنخرط في فضاء تواصل إداري وسياسي متوسّع.
كما تُشير الإشارة إلى وجود "قبائل داخلة حديثاً في الطاعة" إلى أن عملية بسط النفوذ على المناطق المقاومة كانت لا تزال جارية، وأن الاحتفالات الرسمية توظّف بشكل ممنهج في استيعاب هذه القبائل المستحدثة وإدماجها في منظومة الطاعة. وهذا يُعيد رسم صورة أكثر تعقيداً للمجتمع المغربي في تلك المرحلة: مجتمع يشهد انتقالاً من الانتماء القبلي المحلي نحو هويات أوسع تربطها خيوط السياسة الاستعمارية.
تاسعاً: قراءة نقدية في أعداد الجريدة الرسمية 1915 ومحدودية المصادر
9.1. المسكوت عنه في الجريدة الرسمية
لا تقلّ أهمية ما أسكتت عنه الجريدة الرسمية أهميةً عمّا ذكرته. فالنصوص المنشورة تُقدّم صورةً من منظور السلطة، وهي صورة تُبرز الوفاق والطاعة وتُخفي المقاومة والرفض. فحين تُشير الجريدة إلى "قبائل داخلة حديثاً في الطاعة"، فإنها تُلمّح بطريقة غير مباشرة إلى وجود مقاومة سابقة لهذه الطاعة، لكنها لا تُفصح عن طبيعتها ومآلاتها. كذلك الحال بالنسبة لتعبير "تأثير عظيم على الوطنيين" الذي قد يُشير إلى مخاوف من تنامي الوعي الوطني، لكن الجريدة لا تُكمل الفكرة.
علاوةً على ذلك، فإن الجريدة لا تُسجّل إلا ما اكتسب الطابع الرسمي والمؤسسي، في حين تظل حياة المجتمع المغربي الحقيقية من احتجاجات ومقاومات شعبية وأحداث يومية خارج مجال اهتمامها. هذا القصور البنيوي في المصدر يُوجب على الباحث التاريخي توظيف مصادر متعددة ومتنوعة لا يقتصر على نص الجريدة وحده.
9.2. القراءة النقدية للخطاب الاحتفالي
يستلزم التعامل النقدي مع الخطاب الاحتفالي الوارد في الجريدة وضعه في سياقه السياسي الدقيق. فوصف مراسم عيد المولد بما يُوحي بالانسجام التام والرضا الشامل هو خطاب مُصطنع يهدف إلى تصوير منظومة الحماية على أنها منظومة شرعية ومقبولة. والباحث الذي يقرأ هذه الصفحات بأثر رجعي يدرك أن المرحلة التي تلت ذلك الاحتفال شهدت مقاومات شرسة وانتفاضات قبلية وبذوراً للحركة الوطنية.
وتجدر الإشارة إلى أن وجود إشارة إلى "دولة فرنسا الجمهورية" في خضم الحديث عن مناسبة دينية مغربية بحتة يكشف عن إدماج ممنهج لفرنسا في الرمزية السياسية المغربية، وهو ما كان يُثير شعور الغرابة والرفض عند شريحة من المغاربة الذين آمنوا بمرجعية الخلافة الإسلامية لا بالتحالف مع الجمهورية العلمانية الفرنسية.
9.3. الجريدة الرسمية في مقارنة مع مصادر تاريخية أخرى
لا تكتمل قيمة الجريدة الرسمية بوصفها مصدراً تاريخياً إلا بمقارنتها بالمصادر الأخرى المتاحة للمرحلة ذاتها: كتقارير الإدارة الفرنسية المحفوظة في الأرشيفات الوطنية بفرنسا والمغرب، ومؤلفات المؤرخين الذين عاشوا تلك المرحلة أو درسوها لاحقاً، وروايات وشهادات المغاربة أنفسهم. هذه المقارنة هي التي تُتيح الانتقال من قراءة المصدر إلى نقده، ومن فهم ما قيل إلى استيعاب ما أُريد قوله.
تُعدّ الجريدة الرسمية بهذا المعنى مصدراً من المستوى الأول لكنها مصدر يعكس رواية السلطة. وفي الدراسات التاريخية المعاصرة، لم تعد الجريدة الرسمية تُقرأ وحدها، بل باتت تُوظَّف في إطار منهجيات تعتمد التعددية والتقاطع بين المصادر للوصول إلى صورة أقرب إلى الواقع التاريخي في تعقيداته وتناقضاته.
خاتمة
تُقدّم أعداد الجريدة الرسمية للدولة الشريفة المغربية الصادرة في يناير وفبراير 1915م وثيقةً تاريخية متعددة الأبعاد وثرية المحتوى تُتيح للباحث استشراف صورة حقبة بالغة الحساسية من تاريخ المغرب. فهي تجمع في صفحاتها بين الاحتفاء بالهوية الدينية من خلال وصف مراسم عيد المولد النبوي الشريف، وبين التوثيق الإداري الجاف للقرارات المتعلقة بالتعيينات والرواتب والتعويضات والأملاك القبلية والرعاية الصحية. وهذا الجمع بين الاحتفائي والرسمي في صحيفة واحدة يعكس بدقة طبيعة مرحلة الحماية التي كانت في صميمها مزاوجةً بين الشرعية المخزنية الرمزية والسيطرة الفرنسية الفعلية.
أما على صعيد الدلالات الكبرى، فإن تحليل هذه الأعداد يُسهم في تعميق فهمنا لمرحلة الحماية من زوايا متعددة: فمن الزاوية الإدارية، يُلاحَظ كيف أن الجهاز البيروقراطي الفرنسي أعاد تشكيل الإدارة المغربية من الداخل، محتفظاً بالواجهة المخزنية رمزاً للشرعية ومُضخّاً في آنٍ واحد بالمصطلحات والمناهج والكفاءات الأوروبية. ومن الزاوية الاجتماعية، تتجلى إرهاصات نشوء طبقة من الموظفين المغاربة ذوي الكفاءات الإدارية المحدّثة، وهي الطبقة التي ستلعب دوراً محورياً في مسيرة التحرر الوطني لاحقاً. ومن الزاوية القانونية، يتضح أن المشرّع الفرنسي عمد إلى تكريس منظومة قانونية مزدوجة تُدير الأملاك القبلية والشؤون الشخصية والتشريعات العامة وفق قواعد متشابكة تجمع بين الفقه الإسلامي والعرف القبلي والقانون الوضعي الفرنسي.
إن أعداد الجريدة الرسمية المغربية لعام 1915م هي في المحصلة مرآةٌ ثرية تعكس لحظة تاريخية بالغة الحساسية: المغرب في مطلع القرن العشرين، يُعيد بناء مؤسساته في ظل حماية فرضت نفسها بقوة الواقع، ويُحاول أن يحتفظ بهويته في خضم تحولات جذرية لم تكن أغلب مؤسساته مُهيّأةً لاستيعابها. وتبقى دراسة هذه الوثائق ضرورةً علميةً لكل من يُريد أن يفهم الجذور العميقة للدولة المغربية الحديثة في تحولاتها ومساراتها وإشكالياتها التي لا تزال بعضها حاضرة حتى اليوم.
تحميل العدد 92 -93 بتاريخ 08 فبراير 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق