مقدمة: وثيقة في عتبة نهاية عام استثنائي
في الأيام الأولى من شهر ديسمبر 1914م، الموافقة لفاتح شهر محرم عام 1333هـ، صدر العدد الرابع والثمانون من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة، مُكمِلاً بذلك مسيرة إصدارات السنة الثانية من نظام الحماية الفرنسية على المغرب. وقد صدر هذا العدد في لحظة تاريخية بالغة الحساسية، إذ كانت الحرب العالمية الأولى تدور رحاها في قلب أوروبا، فيما كانت الإدارة الفرنسية في المغرب تُجاهد للحفاظ على استقرار مؤسساتها الناشئة وسط ضغوط الحرب التي كانت تستنزف الموارد والطاقات البشرية.
يحمل هذا العدد بين طياته مجموعةً من الظهائر الشريفة والقرارات الوزارية التي تتناول محاور متعددة ومتشعبة، يمكن إجمالها في أربعة محاور كبرى: أولها الظهير الشريف المتعلق بضبط استعمال روح الخمر والمواد الحلوية الذي يُعدّ من أكثر نصوص هذا العدد أهميةً من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، وثانيها القرارات الوزارية المتعلقة بتولية وترقي بعض الموظفين في إدارة النقل البحري بمراسي الإيالة الشريفة، وثالثها القرارات المنظِّمة لشؤون إدارة البوليس من حيث ترقي الموظفين وضبط تسلسلهم الرتبي، ورابعها القرارات المتعلقة بتعيين الموظفين الكتابيين وتحديد تعويضات غلاء الأسعار المقدَّمة لهم.
يسعى هذا المقال إلى إجراء قراءة تحليلية معمّقة في مضامين هذا العدد الثري، مُسلِّطاً الضوء على ما تنطوي عليه هذه النصوص القانونية والإدارية من دلالات تاريخية وقانونية وسياسية، ومُضيئاً الجوانب التي تجعل منه وثيقةً أساسيةً في فهم مسار بناء الدولة المغربية الحديثة في عهد الحماية.
تحميل العدد 84 بتاريخ 07 دجنبر من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: الظهير الشريف المتعلق بضبط استعمال روح الخمر — حماية الاقتصاد والمجتمع معاً
1.1. الخلفية التشريعية ودواعي إصدار الظهير
يحتل الظهير الشريف المتعلق بضبط استعمال روح الخمر والمواد الحلوية مكانةً محوريةً في صفحات العدد الرابع والثمانون، لأنه يمسّ قطاعاً اقتصادياً واجتماعياً بالغ الحساسية في آن واحد. وقد صدر هذا الظهير مُغيِّراً ومُكمِّلاً للفقرة الأولى من الفصل السابع من الظهير الشريف الصادر بتاريخ الثامن عشر من أكتوبر سنة 1914م في شأن ضبط استعمال روح الخمر. وقد جاء هذا التعديل ليُتمّم منظومةً تشريعيةً كانت قد بدأت تتشكل من قبل، في مسعىً واضح نحو بناء إطار قانوني متكامل لتنظيم هذه المادة الحساسة.
ولفهم الأهمية الاقتصادية لهذا الظهير، ينبغي استحضار السياق الذي صدر فيه: كانت روح الخمر تُستخدم في تلك المرحلة ليس فقط للشرب، بل أيضاً كمادة أساسية في صناعات متعددة، من بينها صناعة العطور والأدوية وبعض المنتجات الغذائية. كما كانت تدخل في صناعة المشروبات الحلوة والكحولية التي كانت تحظى بسوق متنامية في المغرب بفعل الوجود الأوروبي المتزايد. وكان هذا القطاع يُشكّل مصدراً مهماً للإيرادات الجمركية والضريبية، مما جعل تنظيمه أمراً ذا أهمية اقتصادية ومالية قصوى.
1.2. مضمون الفصل الفريد من الظهير — المنع والإذن والاستثناء
جاء الفصل الفريد من الظهير الشريف ليُقرّر تغيير الفقرة الأولى من الفصل السابع من الظهير الشريف الصادر في الثامن عشر من أكتوبر سنة 1914م ونعوضها بما يأتي. وقد رسم هذا الفصل منظومةً محكمةً قائمةً على ثلاثة مستويات من الأحكام: المنع العام، وإمكانية الإذن الاستثنائي، والاستثناء الصريح. فمن جهة أولى، نصّ الظهير على أنه يُمنع منعاً كليّاً في سائر الإيالة الشريفة تخمير المواد الحلوية وتقطيع المواد التي يوجد بها الدقيق أو النشاء إذا كان الغرض من ذلك الحصول على روح الخمر. ويعكس هذا المنع الكلي حرصاً على التحكم في منابع الإنتاج وليس فقط في التوزيع والبيع.
ومن جهة ثانية، أتاح الظهير امكانية استثناء الاشربة المزوجة بروح الخمر من نشر هذا الظهير الشريف والسلام، مما يعني أن المنتجات الجاهزة المُعدّة للاستهلاك كانت تخضع لنظام مختلف يسمح بتداولها وفق ضوابط محددة. وهذا التمييز بين الإنتاج والتوزيع يكشف عن رؤية تشريعية ناضجة تُفرّق بين مستويات التدخل المختلفة في دورة الإنتاج والاستهلاك. وقد حُرّر هذا الظهير بالرباط في السابع والعشرين من ذي الحجة عام 1332هـ، وسُجّل بالوزارة الكبرى بتاريخ الخامس عشر من محرم عام 1333هـ الموافق لأول ديسمبر سنة 1914م.
1.3. الأبعاد الاجتماعية والدينية لتشريع ضبط الخمر
لا يمكن قراءة هذا الظهير بمعزل عن أبعاده الاجتماعية والدينية في السياق المغربي. فمسألة الخمر تحمل في الوعي الديني الإسلامي ثقلاً خاصاً باعتبارها من المحرمات الصريحة، وقد كان المخزن المغربي يُدرك هذا البُعد تماماً حين يُصدر ظهيراً يُنظّم هذا القطاع. وإن كان الظهير يبدو في صياغته ذا طابع اقتصادي وتنظيمي بحت، إلا أن وجوده يعكس توتراً ضمنياً بين ضرورات الاقتصاد التجاري الجديد من جهة، ومقتضيات الهوية الدينية للدولة الشريفة من جهة أخرى.
وتُبيّن الصياغة الحذرة للظهير الذي يُميّز بين الإنتاج المحلي والمنتجات الجاهزة أن المشرع كان يسعى إلى موازنة دقيقة بين هذه الاعتبارات المتعارضة. فالمنع الكلي للتخمير والتقطير يُراعي الحساسية الدينية، فيما يفتح الظهير الباب أمام تداول المنتجات الجاهزة لتلبية احتياجات الجالية الأوروبية التي كانت تُشكّل قطاعاً تجارياً مهماً في المدن الساحلية الكبرى.
1.4. الظهير الشريف بتعطيل المجالس التأديبية — الإطار التكميلي
تضمّن العدد الرابع والثمانون في سياق الظهائر الشريفة نصاً مكمّلاً يتعلق بتعطيل اشتغال المجالس التأديبية للمؤسسة المتعلقة بتنظيم الموظفين وما عليه من تصدر العقوبات الحاضرة. وقد جاء هذا الظهير الشريف بتعطيل اشتغال المجالس التأديبية لمدة الحرب الحاضرة، بناءً على تقرير من رئيس الإدارة المنخرط فيها الموظف مع ملاحظات الموظف المذكور والسلام.
ويُعدّ هذا القرار من أكثر القرارات دلالةً على التداخل بين الوضع الاستثنائي للحرب العالمية الأولى والحياة الإدارية العادية للمغرب. فتعطيل المجالس التأديبية خلال فترة الحرب يُبيّن أن المؤسسات الإدارية لم تكن معزولةً عن تداعيات الأزمة الأوروبية الكبرى، بل كانت تتكيّف مع مقتضياتها وتُعلّق بعض آلياتها الاعتيادية لمصلحة الجهد الحربي واستمرارية الخدمة العامة. وقد سُجّل هذا الظهير بالوزارة الكبرى في التاسع من محرم عام 1333هـ، ووقّع عليه المقيم العام ليوطي بتاريخ الثامن والعشرين من نوفمبر سنة 1914م.
ثانياً: قرارات التولية والترقي في إدارة النقل البحري — بناء منظومة لوجستية متكاملة
2.1. أهمية النقل البحري في اقتصاد المغرب الاستعماري
لا يمكن فهم القرارات المتعلقة بإدارة النقل البحري بمراسي الإيالة الشريفة إلا في ضوء الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية البالغة التي كان يحتلها هذا القطاع في الاستراتيجية الفرنسية في المغرب. فالموانئ المغربية كانت تُمثّل الشريان الرئيسي للتجارة الخارجية ولإمداد المغرب بالموارد والبضائع والأفراد القادمين من أوروبا ومن المستعمرات الأخرى. وكانت مرحلة الحماية الأولى تشهد تحولات جوهرية في البنية التحتية لهذه الموانئ، حيث كانت تتحول من مراسٍ تقليدية إلى موانئ عصرية مجهزة لاستيعاب السفن الحديثة.
وقد كانت الحرب العالمية الأولى تُضفي على قطاع النقل البحري أهميةً استثنائيةً إضافية، إذ باتت الإمدادات العسكرية وتنقل الجنود والمؤن تعتمد اعتماداً كبيراً على الخطوط البحرية بين المغرب وفرنسا وبين المغرب وجبهات الحرب. ومن هنا، فإن القرارات المتعلقة بتولية الموظفين في هذه الإدارة وترقيهم لم تكن مجرد شؤون إدارية روتينية، بل كانت تخدم مقتضيات استراتيجية وحربية آنية.
2.2. قرار توليـة بعض الموظفين بإدارة النقل البحري
جاء في العدد الرابع والثمانون قرار وزيري يتعلق بتولية بعض الموظفين بإدارة النقل البحري بمراسي الإيالة الشريفة، وذلك بمقتضى القرار الوزيري المؤرَّخ بثامن شوال عام 1331هـ الموافق لعاشر سبتمبر سنة 1913م المتعلق بتعيين دواتب الموظفين بإدارة النقل البحري. وقد أشار القرار إلى أن المسيو "اندري مارك جول" رئيس مكتب من الدرجة الثالثة، الذي كان يشغل الدرجة الثانية، قد رُقِّي إلى الدرجة الأولى، وذلك ابتداءً من السادس عشر من مارس سنة 1914م.
وتكشف هذه الترقية عن آلية واضحة في التدرج الوظيفي، تقوم على تسلسل صاعد من درجة إلى أخرى وفق معايير محددة مسبقاً، وليس وفق اعتبارات تقديرية شخصية. وهو ما يُبيّن أن الإدارة الفرنسية كانت تُطبّق على الجهاز الإداري المغربي نفس المبادئ التي تعمل بها الإدارة الفرنسية في البلاد الأصلية، من حيث الوضوح في معايير الترقي وحتمية التقدم في السلم الوظيفي عند استيفاء الشروط المحددة.
2.3. قرار ترقي بعض الموظفين في إدارة النقل البحري
اشتمل العدد على قرار وزيري ثانٍ يتعلق بترقي بعض الموظفين في إدارة النقل البحري بمراسي الإيالة الشريفة، وقد جاء هذا القرار أيضاً بمقتضى القرار الوزيري المؤرَّخ بثامن شوال عام 1331هـ المتعلق بتعيين دواتب الموظفين بإدارة النقل البحري. وقد أشار القرار إلى أن المسيو "طنكي" رئيس مكتب الذي هو نائب رئيس مكتب من الدرجة الثالثة قد رُقِّي إلى الدرجة الثانية، وذلك ابتداءً من فاتح نوفمبر سنة 1914م، فيما رُقِّي المسيو "دوبيري" المنشئ الذي كان بدرجة الدرجة الخامسة إلى الدرجة الرابعة ابتداءً من فاتح أغسطس سنة 1914م.
ويلفت الانتباه في هذا القرار أن الترقيات المدرجة فيه تشمل موظفَين بتواريخ مرجعية مختلفة، مما يُبيّن أن القرار جمع بين معالجتَين منفصلتَين في وثيقة واحدة، وهو ما قد يدل على وجود تأخر في معالجة الملفات الإدارية، لعله مرتبط بضغوط الحرب التي كانت تُثقل كاهل الإدارة في تلك الفترة.
2.4. الكوادر البشرية في إدارة النقل البحري — قراءة تحليلية
تُتيح القرارات المتعلقة بإدارة النقل البحري إجراء قراءة تحليلية في طبيعة الكوادر البشرية التي كانت تُسيّر هذا القطاع الحيوي. فمن خلال الأسماء والرتب الواردة في هذه القرارات، يتضح أن الموظفين في الرتب العليا والمتوسطة كانوا في معظمهم من الفرنسيين، وهو ما يعكس السياسة الفرنسية القائمة على احتكار المناصب القيادية في القطاعات الاستراتيجية. في المقابل، كانت الوظائف الدنيا والكتابية تفتح تدريجياً أمام الموظفين المغاربة، وإن ظل التوثيق الرسمي لهذا البُعد شحيحاً في نصوص هذه المرحلة المبكرة.
كما تكشف هذه القرارات عن اعتماد الإدارة على موظفين متعددي الجنسيات، من بينهم بعض الأوروبيين من غير الفرنسيين الذين يلتحقون بالجهاز الإداري في مرحلة الحرب التي كانت فرنسا تعاني فيها من شُحّ واضح في الموارد البشرية. وهذا يُبيّن أن الإدارة الاستعمارية لم تكن جهازاً مُغلقاً حصرياً على الفرنسيين، بل كانت منظومةً عملية تستوعب الكفاءات المتاحة بصرف النظر عن جنسياتها.
ثالثاً: ترقيات موظفي إدارة البوليس — استمرار بناء الجهاز الأمني
3.1. السياق العام لقرارات ترقي البوليس
يأتي العدد الرابع والثمانون ليُضيف فصلاً جديداً في مسار بناء هيئة البوليس العامة بالإيالة الشريفة التي كان العدد الثالث والثمانون قد أرسى دعائمها الأولى. وقد تضمّن هذا العدد قراراتٍ وزاريةً ثلاثةً مختلفةً كلٌّ منها يتناول جانباً من جوانب الترقيات والتعيينات في إدارة البوليس. وتعكس هذه القرارات مرحلةً من مراحل الاستقرار النسبي في منظومة البوليس بعد أن رُسمت خطوطها العريضة في التشريعات السابقة، وباتت الحاجة إلى تطوير الكوادر البشرية القائمة أكثر إلحاحاً من الحاجة إلى إصدار تشريعات هيكلية جديدة.
ويُلاحَظ في قرارات هذا العدد تنوعٌ في درجات الترقي ومستوياتها، مما يدل على أن المنظومة الأمنية كانت في حالة حراك وظيفي متواصل، تُكافئ الموظفين المتميزين بالترقي وتُحقق بذلك توازناً دقيقاً بين مبدأ الأقدمية الضرورية للاستقرار ومبدأ الكفاءة الضروري للتطور.
3.2. قرار ترقي موظف بادارة البوليس — المسيو ادولف ميشوأربني
جاء في الفصل الأول من القرار الوزيري أن المسيو "ادولف ميشوأربني" كميسار البوليس من الدرجة الرابعة قد عُيّن في وظيفه من الدرجة الثالثة من وظيفه، وقد جرى العمل بما ذُكر فقط من الاقدمية فيما يختص بالاقدمية ابتداءً من رابع عشر يوليو سنة 1914م، وأما ما يختص بقبض راتب وظيفه الجديد فمن فاتح نوفمبر سنة 1914م. وهذا التمييز بين تاريخ الاعتراف بالأقدمية وتاريخ سريان الراتب الجديد يعكس آليةً إداريةً دقيقةً تُفرّق بين الأثر المعنوي للترقية وأثرها المالي.
وقد جاء هذا القرار بمقتضى القرار الوزيري المؤرَّخ بسادس شوال عام 1331هـ الموافق لثامن سبتمبر سنة 1913م المتعلق بتنظيم إدارة البوليس العام، وبمقتضى القرارَين المؤرَّخ بهما أحدهما بالثاني عشر من ذي الحجة عام 1331هـ الموافق للثاني عشر من نوفمبر سنة 1913م والثاني بفاتح صفر عام 1332هـ الموافق للثلاثين من ديسمبر سنة 1913م المتعلقَين بتغيير القرار المذكور أعلاه، وبمقتضى قائمة الترقي التي حررتها لجنة الترقي في جلستها المنعقدة في السابع عشر من أكتوبر سنة 1914م.
3.3. قرار ترقي موظفَين بإدارة البوليس — قرائتان في وثيقة واحدة
اشتمل القرار الوزيري الثاني في هذا الباب على ترقيَّتَين متزامنتَين: الأولى تخص المسيو "فرنسوا ماري" في رتبة منشئ الذي رُقِّي من الدرجة الخامسة إلى الدرجة الرابعة ابتداءً من فاتح مارس سنة 1914م، والثانية تخص المسيو "دوبيري" في رتبة المنشئ الذي رُقِّي من الدرجة الخامسة إلى الدرجة الرابعة أيضاً ابتداءً من فاتح أغسطس سنة 1914م. وتكشف هاتان الترقيتان المتزامنتان في وثيقة واحدة عن أسلوب الإدارة في معالجة الملفات الفردية، حيث تتراكم القرارات المتشابهة لتُعالَج دفعةً واحدة توفيراً للجهد الإداري.
ولعل الأبرز في هذا القرار هو المرجعية التشريعية المُركّبة التي استند إليها، وهي مرجعية تشمل ثلاثة قرارات وزارية سابقة وقائمة الترقي الصادرة عن لجنة مختصة، مما يدل على وجود منظومة مؤسسية متعددة المستويات تُشرف على ملفات الموارد البشرية في قطاع البوليس، وهو ما يعكس تطوراً مؤسسياً ملموساً مقارنةً مع النماذج التقليدية لتسيير الشأن الإداري.
3.4. قرار ترقي موظفين متعددين — قائمة شاملة للترقيات
جاء القرار الوزيري الثالث في هذا الباب أكثرَ القرارات ثراءً من حيث المضمون، إذ احتوى على قائمة مُفصّلة بترقيات موظفين متعددين في مختلف درجات سلم البوليس. وقد جاء في هذا القرار أن الموظفين الآنفة أسماؤهم في الوظائف التي لم يُذكر فيها اسماؤهم قد رُقُّوا ابتداءً من فاتح نوفمبر سنة 1914م على النحو التالي: إلى رتبة كميسار البوليس من الدرجة الثالثة المسيو "كريوبيار انيان دومنيك"، الذي هو كميسار البوليس من الدرجة الرابعة، وإلى رتبة كميسار البوليس السادسة المسيو "استنوا أوكست اليكسندر"، الذي هو كميسار البوليس من الدرجة السابعة.
وتمتد هذه القائمة لتشمل رتبة كاتب البوليس من الدرجة الأولى للمسيو "ألفونس فرنسوا" والمسيو "جورجي رزي" والمسيو "اميل" والمسيو "داليوا فليكس ايمي جان بتيست"، إلى رتبة كاتب البوليس من الدرجة الثانية للمسيو "كرينيول جان ماري"، فضلاً عن ترقيات في رتب المفتشين والعرفاء. وتُشكّل هذه القائمة الشاملة سجلاً تاريخياً بالغ القيمة يُتيح تتبع مسارات الأفراد في جهاز البوليس، ويكشف عن البُعد البشري الفعلي لهذا الجهاز بعيداً عن صياغاته التشريعية المجردة.
رابعاً: تعيين المترجم محمد معمري — نموذج التوظيف المختلط
4.1. أهمية تعيين مترجم مغربي في الجهاز الإداري
يحتل تعيين السيد "محمد معمري" مترجماً رسمياً من الدرجة الرابعة أهميةً بالغةً في فهم السياسة التوظيفية الفرنسية في المغرب، وذلك لأنه يُمثّل نموذجاً نادراً نسبياً في وثائق هذه المرحلة لتعيين موظف مغربي باسم عربي في منصب رسمي محدد في الجهاز الإداري الاستعماري. وقد جاء هذا التعيين بمقتضى القرارات الوزارية المؤرَّخة برابع جمادى الثانية عام 1331هـ الموافق لثاني عشر مايو سنة 1913م التي وقع تغييرها بالقرار الوزيري المؤرَّخ بثاني شوال عام 1331هـ الموافق لرابع سبتمبر سنة 1913م، وبالقرار الوزيري المؤرَّخ بسابع عشر ربيع الثاني عام 1332هـ الموافق لخامس عشر مارس سنة 1914م المتعلقة بتنظيم حزب المترجمين المدنيين الإداري وبعد استشارة المجلس الإداري لحزب المترجمين المدنيين.
ومما يُلفت الانتباه في هذا القرار أنه يُشير صراحةً إلى استشارة المجلس الإداري لحزب المترجمين المدنيين قبل إصدار القرار، وهو ما يدل على وجود آلية استشارية مؤسسية تُشرف على تعيينات المترجمين، وتُوفر ضمانةً لجودة الكفاءات المُعيَّنة في هذا المنصب الحساس.
4.2. المضمون الفعلي لقرار التعيين — الكاتب المترجم من الدرجة الأولى
نصّ القرار الوزيري على أنه قد عُيّن السيد "محمد معمري" الكاتب المترجم من الدرجة الأولى مترجماً رسمياً من الدرجة الرابعة ابتداءً من ثاني عشر أكتوبر سنة 1914م. وقد صدر هذا القرار بالرباط في فاتح محرم عام 1333هـ، ووُقِّع من طرف محمد بن محمد الجباص بعد أن أطلع عليه المقيم العام وأذن بنشره، وكان ذلك في الثالث من ديسمبر سنة 1914م.
وتحمل صيغة هذا القرار دلالاتٍ مهمةً إذا قُرئت بعناية: فالانتقال من رتبة "الكاتب المترجم من الدرجة الأولى" إلى رتبة "المترجم الرسمي من الدرجة الرابعة" يُبيّن أن السيد "محمد معمري" لم يكن موظفاً جديداً بل كان يحمل مسيرةً وظيفيةً سابقةً في المنظومة الإدارية، وأن هذا القرار يُثبّته في منصب أرفع يمنحه مكانةً رسميةً أعلى ضمن سلك المترجمين. وهذا يعكس ما كانت تعتمده الإدارة الفرنسية من إدماج تدريجي لبعض الكوادر المحلية في الأجهزة الإدارية الرسمية.
4.3. الدلالات الرمزية لحضور الأسماء المغربية في وثائق الجريدة الرسمية
يُشكّل ورود اسم "محمد معمري" في قرارات الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة حدثاً رمزياً يتجاوز دلالته الإدارية الضيقة. فمن خلال النظر في مجموع الأسماء الواردة في العدد الرابع والثمانون، يتضح أن الغالبية العظمى منها أسماء فرنسية، مما يُبيّن أن المغاربة كانوا ممثَّلين بصورة محدودة في الجهاز الإداري الرسمي للحماية في هذه المرحلة الباكرة، ومحصورين في الغالب في وظائف الكتابة والترجمة دون الوصول إلى مناصب القرار.
غير أن هذه المحدودية لا ينبغي أن تُحجب الحقيقة التاريخية الأخرى، وهي أن نظام الحماية — خلافاً للاستعمار المباشر في الجزائر — أبقى على حضور مغربي معترف به رسمياً في المنظومة الإدارية، وإن ظل هذا الحضور هامشياً في البداية. وقد كانت هذه البذرة المتواضعة ستُشكّل في ما بعد قاعدة النخب الإدارية المغربية التي ستتولى إدارة الدولة بعد الاستقلال عام 1956م.
خامساً: قرار تعويضات غلاء الأسعار — الاستجابة الاجتماعية لضغوط الحرب
5.1. سياق غلاء المعيشة في زمن الحرب
يُمثّل القرار الوزيري المتعلق بتحديد تعويضات غلاء الأسعار الممنوحة للموظفين والأعوان المدنيين برسى فضالة أحدَ أبرز الوثائق الاجتماعية في هذا العدد، لأنه يكشف بصورة مباشرة عن تداعيات الحرب العالمية الأولى على الحياة المعيشية في المغرب. فقد كانت الحرب قد أفضت إلى موجة غلاء حادة طالت الأسواق المغربية بفعل تراجع الصادرات الأوروبية وارتفاع تكاليف النقل وتضخم الطلب المرتبط بالاحتياجات العسكرية.
وقد كان الموظفون المدنيون بمختلف درجاتهم يُعانون من هذا الغلاء بصورة مضاعفة، إذ لم تواكب رواتبهم الثابتة الارتفاعَ المتسارع في أسعار المواد الأساسية. وكان هذا الوضع يُهدد بتراجع كفاءة الجهاز الإداري وإضعاف ولاء موظفيه، مما جعل تدخل الدولة بتقديم تعويضات استثنائية ضرورةً حتميةً لا ترفاً إدارياً.
5.2. مضمون القرار الوزيري لتعويضات غلاء الأسعار
جاء القرار الوزيري المتعلق بتعويضات غلاء الأسعار بمقتضى الظهير الشريف المؤرَّخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331هـ الموافق لثامن عشر أبريل سنة 1913م المتعلق بتعيين تعويضات غلاء الأسعار الممنوحة للموظفين المدنيين بالإيالة الشريفة. وقد نصّ القرار في فصله الأول على أن الموظفين المذكورين في الطبقات من المواضع المذكورة المنصوص عليها في القرار الوزيري المؤرَّخ بثالث شعبان عام 1332هـ الموافق للسابع والعشرين من يونيو سنة 1914م المتعلق بتعيين تعويضات غلاء الأسعار قد أُدخلت فضالة في الطبقة الثالثة من المواضع المذكورة.
ويتضح من هذا النص أن التعديل جاء ليُلحق مرسى "فضالة" بالمنظومة العامة لتعويضات غلاء الأسعار التي كانت قد حُدِّدت سابقاً لمراسٍ ومدن أخرى، وهو ما يُبيّن أن هذا النظام التعويضي لم يكن موحداً وشاملاً منذ البداية، بل كان يُبنى تدريجياً بالإلحاق والتوسيع.
5.3. دلالات التعويض المالي على مفهوم الخدمة المدنية
إن وجود هذا القرار في صفحات الجريدة الرسمية يحمل دلالةً مزدوجة تتجاوز مضمونه الإجرائي الضيق. فمن جهة أولى، يُبيّن أن المشرّع كان يُدرك الأبعاد الاجتماعية لقراراته ولم يكن مُنشغلاً فقط بالجانب التنظيمي المحض. فالاعتراف بأن ارتفاع أسعار المعيشة يستوجب مراجعة المنظومة التعويضية هو في العمق إقرارٌ بمبدأ الحماية الاجتماعية للموظف العمومي.
ومن جهة ثانية، يُبيّن القرار أن مفهوم الخدمة المدنية في مغرب الحماية لم يكن مجرد علاقة عمل إدارية باردة، بل كانت يتضمّن في زوايا معينة التزامات متبادلة بين الدولة والموظف. وإن كانت هذه الالتزامات تبقى محدودةً ومشروطةً، إلا أن وجودها يكشف عن تأثير نماذج الدولة الحديثة الفرنسية التي كانت تنتقل إلى المغرب ضمن سلة الإصلاحات الإدارية الشاملة.
سادساً: التعيينات الكتابية — بنية العمل الإداري اليومي
6.1. قرار تعيين كاتب نساخ رسمياً في وظيفه
ورد في العدد الرابع والثمانون قرار وزيري يتعلق بتعيين كاتب نساخ رسمياً في وظيفه بمقتضى الظهير الشريف المؤرَّخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331هـ الموافق لثامن عشر أبريل سنة 1913م المتعلق بتنظيم الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة. ويكشف هذا القرار، كما أشرنا في قراءة العدد السابق، عن أهمية وظيفة الناسخ في المنظومة الإدارية التي كانت لا تزال في مرحلة ما قبل الميكنة الكتابية، حيث النسخ اليدوي ضرورة لا بديل عنها.
6.2. قرارَا تعيين كاتب بالإيالة الشريفة — المسيو بولان مربوس وبرناي جول جزاف
اشتمل هذا العدد على قرارَين لتعيين كاتبَين بالإيالة الشريفة في الوظيفة الكتابية، يتعلق الأول بتعيين المسيو "بولان مربوس كزيمير" رسمياً كاتباً بالإيالة الكتابة، وقد انخرط في سلك الدرجة الرابعة ابتداءً من اليوم الرابع والعشرين من نوفمبر سنة 1914م. ويتعلق الثاني بتعيين المسيو "برناي جول جزاف" كاتباً رسمياً بالإيالة الشريفة في سلك الدرجة الرابعة ابتداءً من فاتح ديسمبر سنة 1914م.
وقد صدر كلا القرارَين بالرباط في رابع محرم عام 1333هـ، ووُقِّعا من طرف محمد بن محمد الجباص بعد أن أطلع عليهما المقيم العام وأذن بنشرهما، وكان ذلك في الثالث من ديسمبر سنة 1914م. ويُلاحَظ أن كلا القرارَين تقاطعا في اليوم ذاته من حيث الإصدار، وإن اختلفا في تاريخ الالتحاق الفعلي بالعمل، مما يؤكد مرةً أخرى التمييز الذي كانت المنظومة الإدارية ترسيه بين صدور القرار وسريان آثاره.
6.3. قرار تعيين كاتب بالإيالة الكتابة — المسيو بولان جون والمسيو كزيمير
تضمّن العدد قراراً رابعاً في هذا الباب يتعلق بتعيين كاتب بالإيالة الكتابة بمقتضى الظهير الشريف المؤرَّخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331هـ المتعلق بتنظيم الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة. وقد نصّ هذا القرار على أنه قد عُيِّن المسيو "بولان جون كزيمير" رسمياً في وظيفه كاتباً وانخرط في سلك الدرجة الرابعة ابتداءً من اليوم الرابع والعشرين من نوفمبر سنة 1914م.
وتجدر الإشارة إلى أن الكتّاب الواردة أسماؤهم في هذا العدد كانوا جميعاً يلتحقون بالدرجة الرابعة في السلم الوظيفي الكتابي، مما يُبيّن أنها كانت تُمثّل نقطة الالتحاق القاعدية بهذا السلك، ونقطة الانطلاق في المسار المهني للكاتب في الجهاز الإداري. وهذا التوحيد في نقطة الدخول يُشكّل مؤشراً على وجود منظومة موارد بشرية منضبطة تضمن المساواة الإجرائية بين المعيَّنين الجدد.
سابعاً: المنهجية التشريعية في العدد 84 — التراكم والتكييف والاستمرارية
7.1. نمط التعديل والتتميم في النصوص القانونية
يكشف الاستعراض الشامل لنصوص العدد الرابع والثمانون عن نمط تشريعي متكرر يمكن تسميته بـ"نمط التعديل التراكمي"، إذ نجد أن معظم القرارات والظهائر الواردة في هذا العدد تُعدّل أو تُتمّم أو تستند إلى نصوص سابقة، دون أن تعتمد على نظريات تشريعية مستقلة جديدة. فالظهير المتعلق بروح الخمر يُغيّر ويُكمل ظهيراً صادراً في الثامن عشر من أكتوبر 1914م، وظهير تعطيل المجالس التأديبية يُقيّد ويُعلّق أحكاماً قانونية سابقة، وقرارات الترقي تستند إلى قرارات تنظيمية سابقة.
ويُبيّن هذا النمط أن المنظومة التشريعية في عهد الحماية كانت تُشبه بناءً هرمياً تتراكم طبقاته الواحدة فوق الأخرى دون هدم ما سبق، وهو ما يُوفر استمرارية قانونية مهمة للمتعاملين مع هذه المنظومة. في المقابل، يجعل هذا الأسلوب الفهمَ الكامل لأي نصٍّ قانوني رهيناً بمعرفة النصوص السابقة التي يستند إليها أو يعدّلها، وهو ما يُفرز تعقيداً تشريعياً يُشبه إلى حد بعيد نموذج القانون الفرنسي المعمول به في البلاد الأصلية.
7.2. المرجعية المزدوجة في توقيع القرارات
يظل التوقيع المزدوج سمةً ثابتة في نصوص هذا العدد كما في سابقيه، حيث تجمع كل وثيقة بين توقيع "محمد بن محمد الجباص" ممثلاً للسلطة الشريفية وتوقيع "ليوطي" ممثلاً للسلطة الفرنسية. ويُشكّل هذا الجمع في حدّ ذاته تمريناً إداريّاً في تنسيق السلطات، إذ يُبيّن من يُصدر القرار رسمياً ومن يمنحه الشرعية التنفيذية الفعلية. وقد كانت صيغة "اطلع عليه المقيم العام وأذن بنشره" تُحدد طبيعة هذه العلاقة بدقة: الصدور يعود للسلطة المغربية، والإذن بالنشر يعود للسلطة الفرنسية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا النظام الثنائي كان يُفرز أحياناً تأخيراً في الإصدار بين تاريخ التوقيع الأول وتاريخ الإذن بالنشر. وقد يُعكس هذا التأخير حاجةً إلى التشاور أو التحقق أو إلى مراعاة ظروف خاصة، كما قد يعكس بساطةً الإيقاع الإداري اليومي الذي كان يتسم بالتدرج والتحقق المتأني قبل الإعلان الرسمي.
7.3. استمرارية المنظومة الإدارية رغم ضغوط الحرب
لعل أبرز ما يُميّز العدد الرابع والثمانون هو قدرة المنظومة الإدارية على الاستمرار في العمل والإصدار رغم الضغوط الاستثنائية التي كانت تفرضها الحرب العالمية الأولى. فقد جاءت القرارات منتظمةً ومتسلسلةً في تواريخ إصدارها، ولم تشهد انقطاعاً أو تذبذباً يُشير إلى تعطّل المنظومة أو انهيارها. بل على العكس من ذلك، حرصت الإدارة على مواصلة الترقيات والتعيينات والإصلاحات التشريعية في مواعيدها المعتادة، مما يُبيّن عمق الانضباط الإداري الذي كانت المقيمية العامة تُعلي منه قيمةً أساسيةً في إدارة الشأن المغربي.
وفي الوقت ذاته، لم تكن المنظومة غافلةً عن تداعيات الحرب، كما يتجلى في قرار تعطيل المجالس التأديبية وفي قرار تعويضات غلاء الأسعار. وهكذا كانت الإدارة تُوازن بدقة بين متطلبتَين متلازمتَين: الاستمرارية المؤسسية التي تقتضي المضي في المسار الإداري العادي، والمرونة الظرفية التي تقتضي تكييف هذا المسار مع المستجدات الطارئة.
ثامناً: العدد 84 في سياق التطور التشريعي للمغرب الحديث
8.1. الصلة بين العدد 84 والأعداد السابقة
يكتسب العدد الرابع والثمانون قيمةً مضاعفةً حين يُقرأ في سياقه التسلسلي ضمن مجموعة الأعداد المتتالية للجريدة الرسمية المغربية. فهو يُكمّل ما ابتدأه العدد الثالث والثمانون في التأسيس لمنظومة البوليس، إذ انتقل من التنظيم العام إلى معالجة التفاصيل الفردية للترقيات والتعيينات. كما يُكمّل ما بدأه ذلك العدد في التأسيس لسلك المترجمين، بتعيين موظفين محددين وتطبيق القواعد المُرسَّخة مسبقاً.
وتُبيّن هذه الاستمرارية بين الأعداد المتتالية أن الجريدة الرسمية لم تكن مجرد نشرة دورية متقطعة، بل كانت سلسلةً متواصلةً تُجسّد نموّاً تراكمياً لا استئنافاً متقطعاً. وكان القارئ المُتابع لهذه الجريدة في تلك المرحلة قادراً على رصد تطور المنظومة الإدارية بصورة حيّة ومباشرة، مما جعل الجريدة بحد ذاتها أداةً للشفافية الإدارية، وإن كانت تظل أداةً في يد السلطة الاستعمارية.
8.2. نطاق الرقعة الجغرافية لقرارات العدد 84
يكشف استعراض قرارات العدد الرابع والثمانون عن امتداد جغرافي واسع يُغطي مناطق ومدناً مغربية متعددة، في مقدمتها الرباط بوصفها مقراً للمقيمية العامة ومركزاً للإصدار، ثم فضالة بوصفها مرسىً مهمةً تستحق تدخلاً تشريعياً خاصاً في باب تعويضات الغلاء، فضلاً عن الإشارات العامة إلى مراسي الإيالة الشريفة كلها في سياق إدارة النقل البحري.
وتُبيّن هذه الرقعة الجغرافية الواسعة أن المنظومة التشريعية الاستعمارية كانت تهدف في المدى البعيد إلى بناء إدارة مركزية موحدة تسري على كامل التراب المغربي دون استثناء، وإن كانت التطبيقات الميدانية تتفاوت في درجة فاعليتها من منطقة إلى أخرى. وكان التشريع المركزي من الرباط يُمثّل في هذا الإطار أداةً للتوحيد الإداري تسبق التوحيد الميداني الفعلي.
8.3. العدد 84 ومؤشرات نضوج البنى الإدارية
يُقدّم العدد الرابع والثمانون مؤشراتٍ واضحةً على مستوى نضوج البنى الإدارية التي كانت قد تشكّلت خلال السنتَين الأوليَتَين من نظام الحماية. فأول هذه المؤشرات وجود "لجنة الترقي" التي كانت تتولى إعداد قوائم الترقيات في قطاع البوليس، وهو ما يدل على وجود هيكل مؤسسي متخصص يتجاوز صلاحيات الإدارة الفردية. وثاني هذه المؤشرات الاستشارة المؤسسية للمجلس الإداري لحزب المترجمين قبل إصدار قرار التعيين، وهو ما يُبيّن وجود حوكمة مؤسسية حقيقية في هذا القطاع.
وثالث هذه المؤشرات وجود نظام متكامل لتعويضات غلاء الأسعار، تتولى إدارته وتطويره منظومة قرارات تراكمية تستجيب للمتغيرات الاقتصادية. ورابع هذه المؤشرات التدقيق الزمني في تحديد تواريخ سريان الترقيات والتعيينات، وهو ما يعكس وعياً واضحاً بالآثار القانونية والمالية للقرارات الإدارية. وتتضافر هذه المؤشرات مجتمعةً لترسم صورةً عن مؤسسات إدارية لم تعد ناشئةً هشّةً، بل باتت تمتلك منطقها الداخلي الخاص ومؤسساتها المتخصصة وآلياتها التداولية.
خاتمة: العدد 84 لقطةٌ تقييميةٌ في نهاية عام التأسيس
يُوثّق العدد الرابع والثمانون من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة مرحلةً بالغة الدلالة في تاريخ الدولة المغربية الحديثة: المرحلة التي انتقلت فيها المؤسسات الإدارية من طور التأسيس إلى طور الاستقرار النسبي، دون أن تبلغ بعدُ طور النضج الكامل. فالترقيات المدرجة في هذا العدد تُبيّن أن الكوادر البشرية التي جُنِّدت في السنتَين الأوليَتَين للحماية باتت تستحق المكافأة والتقدير، وأن المنظومة الوظيفية بدأت تُنتج مساراتها الطبيعية في التدرج والترقي.
أما تشريع ضبط استعمال روح الخمر فيكشف عن سعي المشرّع إلى التوسع في تغطية المجالات الاقتصادية والاجتماعية، متجاوزاً الهموم التنظيمية الصرفة نحو معالجة قضايا السياسة العامة. وتعويضات غلاء الأسعار تُبيّن أن البُعد الاجتماعي للتشريع لم يكن غائباً بالكلية، وإن ظل ثانوياً مقارنةً بالبُعد التنظيمي. وتعيين محمد معمري مترجماً رسمياً يُمثّل إشارةً خافتة على بدايات تدريجية لإدماج المغاربة في منظومة الإدارة الرسمية.
وفي المحصلة، يُجسّد هذا العدد حقيقةً تاريخيةً مركبة: فهو من جهة وثيقةٌ استعمارية تُرسّخ هيمنة المقيمية العامة على مفاصل الدولة المغربية، ومن جهة أخرى هو سجلٌّ تاريخيٌّ أمين لمرحلة تأسيسية شهد فيها المغرب ميلاد مؤسسات إدارية حديثة ستُشكّل قدراً من الاستمرارية في بنية الدولة المغربية حتى بعد الاستقلال. وبين هاتَين الحقيقتَين المتجاذبتَين تكمن الثراء الحقيقي لهذا العدد وأمثاله من وثائق الجريدة الرسمية لعهد الحماية.
المراجع والمصادر:
- الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة، العدد 84، السنة الثانية، الصادرة في فاتح محرم عام 1333هـ الموافق لأوائل ديسمبر سنة 1914م، الرباط: إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية.
- الظهير الشريف المغيِّر والمكمِّل للفقرة الأولى من الفصل السابع من ظهير 18 أكتوبر 1914م في شأن ضبط استعمال روح الخمر، المسجّل بالوزارة الكبرى بتاريخ 15 محرم 1333هـ.
- الظهير الشريف بتعطيل اشتغال المجالس التأديبية لمدة الحرب، المحرر بالرباط بتاريخ 28 نوفمبر 1914م.
- القرارات الوزارية المتعلقة بتولية وترقي موظفين بإدارة النقل البحري بمراسي الإيالة الشريفة، المحررة بالرباط خلال ديسمبر 1914م.
- القرارات الوزارية المتعلقة بترقي موظفي إدارة البوليس العام، المحررة بالرباط في 24 نوفمبر و28 نوفمبر 1914م.
- القرار الوزيري لتعيين السيد محمد معمري مترجماً رسمياً من الدرجة الرابعة، المحرر بالرباط في فاتح محرم 1333هـ الموافق لـ 3 ديسمبر 1914م.
- القرار الوزيري المتعلق بتعويضات غلاء الأسعار الممنوحة للموظفين المدنيين بمرسى فضالة، المحرر بالرباط في ثامن محرم 1333هـ.
تحميل العدد 84 بتاريخ 07 دجنبر من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق