الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة — العدد 83: قراءة تحليلية في التشريعات الإدارية لعام 1914م

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
نبذة عن المقال: الجريدة الرسمية المغربية العدد 83، الحماية الفرنسية 1914، الفحم الحجري المغرب، تنظيم البوليس العام المغرب، المترجمون المدنيون المغرب، اللجان البلدية

 مقدمة: وثيقة تاريخية في قلب مرحلة التأسيس

في الفترة الممتدة بين الثالث والعشرين من أكتوبر والثلاثين من نوفمبر سنة 1914م، الموافقة لليوم الحادي عشر من المحرم عام 1333هـ، صدر العدد الثالث والثمانون من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة. جاء هذا العدد في سياق تاريخي بالغ الحساسية؛ إذ كانت الحرب العالمية الأولى قد اندلعت للتو، وكان المغرب يمضي سنته الثالثة في ظل نظام الحماية الفرنسية الذي أُرسيت دعائمه بموجب معاهدة فاس في أبريل 1912م. كانت المؤسسات الإدارية تتشكل وتتعافى ببطء، والتشريعات تتراكم لتبني دولةً في طور النشأة.

يحمل هذا العدد بين طياته جملةً من الظهائر الشريفة والقرارات الوزارية التي تتناول محاور أساسية في تنظيم الحياة الإدارية والاقتصادية والأمنية للمغرب في تلك المرحلة. فمن تنظيم تجارة الفحم الحجري وضبط خزائنه، إلى تأسيس هيكل هيئة البوليس العام وتعيين كوادرها، مروراً بتنظيم فئة المترجمين المدنيين وإحداث اللجنة البلدية بمكناس، يتبدى أمامنا نظامٌ إداريٌّ يسعى إلى الإحاطة بكل جوانب الحياة اليومية وتأطيرها. وتكشف هذه النصوص في مجملها عن طبيعة العلاقة المركبة بين السلطة الشريفية والإدارة الفرنسية، وعن الأسلوب الذي اعتمدته المقيمية العامة في بناء منظومة الحكم.

يتوخى هذا المقال إجراء قراءة تحليلية معمّقة في مضامين العدد 83 من الجريدة الرسمية، مُسلِّطاً الضوء على أبرز ما ورد فيه من نصوص قانونية وإدارية، ومستجلياً ما تنطوي عليه من دلالات تاريخية وقانونية، وذلك من خلال منهجية تحليلية منظمة تضع كل قرار في سياقه الصحيح وتربطه بالمشهد الإداري العام للمغرب في مطلع القرن العشرين.

تحميل العدد  83  بتاريخ  16 نونبر1914  من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

أولاً: الظهير الشريف في شأن الفحم الحجري — التأطير القانوني لقطاع استراتيجي

 

1.1. السياق الاقتصادي والضرورة التشريعية

يُعدّ الظهير الشريف المتعلق بضبط الخزائن التي يوضع فيها الفحم الحجري وقتياً من أهم وأبرز ما احتواه العدد الثالث والثمانون من الجريدة الرسمية. وقد جاء هذا الظهير استجابةً لمقتضيات اقتصادية وتجارية ملحّة، في ظل تنامي الحاجة إلى تنظيم منظومة الفحم الحجري الذي كان يُمثّل ركيزةً أساسيةً للنشاط الاقتصادي والصناعي والنقلي في تلك المرحلة. فقد كانت الحماية الفرنسية تشهد بناء البنى التحتية من موانئ وطرق حديدية، وكل ذلك كان يتطلب إمدادات منتظمة من الفحم الحجري، مما جعل تنظيم تجارته وتخزينه أمراً لا مناص منه.

أصدر أمرنا الشريف هذا الظهير بعد الاطلاع على تقديم وزير الفلاحة والتجارة، مما يدل على أن المسألة كانت تنطوي في آنٍ واحد على أبعاد زراعية واقتصادية، وأن الفحم الحجري لم يكن بمعزل عن سياسة الدولة في تنظيم التجارة ومراقبة الأسواق. وقد جاء هذا الظهير في مرحلة بدأت فيها المؤسسات المغربية تتشكل وتتمايز، وبدأ التخصص الإداري يأخذ طريقه نحو الرسوخ.

1.2. الفصل الأول — شروط وضع الفحم في الموانئ والمراسي

نصّ الفصل الأول من هذا الظهير على أن وضع الفحم الحجري المجلوب إلى المغرب في الخزائن المخصصة بالموانئ والمراسي المفتوحة للتجارة مشروطٌ بأن يلتزم صاحب الفحم بدفع الضرائب إذا أخرجه من الخزائن، وأنه يمكن للخازن للبيع أن يوضع الفحم لأكثر من سنة واحدة في مستودعاته بعد موافقة إدارة الجمارك، على أن لا يترتب على انتقاله من خازن إلى آخر أي زيادة في الآجال المحدودة. ويتضح من هذا النص أن المشرع حرص على تحقيق توازن دقيق بين تشجيع التخزين والتجارة من جهة، وضمان عدم التهرب من الالتزامات الضريبية من جهة أخرى.

وهذا النهج في التشريع يعكس وعياً بالخصوصيات التجارية لسوق الفحم الحجري، الذي كانت طبيعته تقتضي التخزين لفترات مطوّلة، لا سيما في ظل الموسمية التي تطبع النشاط التجاري في المراسي. كما يتبدى في هذا الفصل حرصٌ واضح على تعزيز رقابة الدولة على حركة البضائع الاستراتيجية، وهو نهج كانت الإدارة الفرنسية تعتمده في مختلف المستعمرات والأقاليم التي تحت نفوذها.

1.3. الفصل الثاني — التزامات تسجيل الفحم وإجراءاته الإدارية

تناول الفصل الثاني من الظهير الشريف مسألة التزامات التسجيل التي تقع على عاتق من يريد وضع الفحم بالخزائن، إذ أوجب على كل خازن للفحم أن يُبين لمكتب الجمارك الفحم الذي يريد وضعه قبل إجراء العملية فعلياً، وأن يلتزم بكتابة البضاعة المذكورة والكميات الواردة منها وأنواعها، وأن يُعطي ضمانةً بذلك. كما أوضح الفصل أنه لا يجوز للخازن نقل الفحم من خازن إلى آخر إلا بعد إعلام إدارة الجمارك بذلك وبعد الحصول على رخصة خصوصية منها، وأنه إذا خالف هذه الشروط فإن إدارة الجمارك يُلزمه بدفع الضريبة الخاصة الملحقة به وإلا فإن القانون يلحقه حالاً زيادة على العقوبة التي تلحقه.

تكشف هذه الأحكام عن نظام رقابي دقيق وشامل، يتتبع حركة الفحم من لحظة وصوله إلى المرسى حتى انتقاله بين الخازنين وصولاً إلى بيعه للمستهلك النهائي. ويتضمن هذا النظام جزاءات واضحة على المخالفات، مما يجعله نظاماً ذا فاعلية وردع حقيقيَّين. وقد تضمن الظهير أيضاً في فصوله اللاحقة منح إدارة الجمارك صلاحيات الرقابة الميدانية ووضع الفحم بالمخازن ومراقبة الكمية، وهو ما أضفى على الإدارة طابعاً تدخلياً فاعلاً في القطاع.

1.4. الفصلان الثالث والرابع — آليات الرقابة والضمانات التجارية

جاء الفصل الثالث ليُعطي لأعوان الجمارك صلاحية دخول الخزائن الممدودة لوضع الفحم للمراقبة والفحص مهما ظهرت لهم في ذلك منفعة، وأنه إذا تحققت الكمية فيسهل معها تحقق الكمية ووضع الفحم بالمخازن، وإذا وُجد نقصٌ في مقدار الفحم المخزون فيمكن إلزام الخازن بدفع ما بقي منه. أما الفصل الرابع فقد تناول الجانب التجاري المتعلق بشراء وبيع الفحم الموضوع بالخزائن، إذ نصّ على أنه إذا أراد بيع الفحم الموضوع بالخزائن فيلزم بالخزائن دفع ما يجب عليه من الضرائب المتعلقة بالسلعة والضريبة الخصوصية والتي تدفع على قيمة البضاعة المعروضة للبيع والسلام. وتكشف هذه الفصول عن منظومة متكاملة لتنظيم تجارة سلعة استراتيجية كالفحم الحجري، تجمع بين الحوافز الاقتصادية وآليات الرقابة الإدارية الصارمة.

وقد تضافرت هذه الأحكام لتشكّل إطاراً قانونياً متماسكاً يُنظّم دورة الفحم الحجري الكاملة في المغرب، من الاستيراد والتخزين إلى التوزيع والبيع، مع ضمان حقوق الخزينة العامة في كل مرحلة من هذه المراحل. وقد سُجِّل هذا الظهير بالوزارة الكبرى في تاريخ اليوم السابع والعشرين من رجب عام 1332هـ، الموافق لعام 1914م، مما يجعله من الوثائق التأسيسية لنظام الجمارك المغربي الحديث.

ثانياً: تنظيم هيئة البوليس العام بالإيالة الشريفة — بناء منظومة أمنية جديدة

  2.1. خلفية إصدار قرار تنظيم البوليس العام

يُعدّ القرار الوزيري المتعلق بتنظيم البوليس العام بالإيالة الشريفة من أكثر نصوص العدد الثالث والثمانون أهميةً ودلالةً على مسار بناء الدولة المغربية في عهد الحماية. وقد جاء هذا القرار في إطار المساعي الفرنسية الرامية إلى تحديث منظومة الأمن والحفاظ على النظام العام، وذلك استناداً إلى سلسلة من القرارات الوزارية السابقة التي رسمت الخطوط العريضة لهذا التنظيم. فقد استند القرار الجديد إلى القرار الوزيري المؤرخ بالثامن عشر من ذي الحجة عام 1331هـ الموافق لنوفمبر سنة 1913م، والذي كان قد وضع الأسس الأولى لتنظيم البوليس العام.

ويندرج هذا القرار في سياق الإصلاحات المؤسسية الشاملة التي كانت المقيمية العامة تُجريها على الجهاز الإداري المغربي، إذ كانت تحرص على الإبقاء على الشكل الرمزي للسلطة الشريفية مع توسيع صلاحيات الإدارة الفرنسية وتوطيد نفوذها في تسيير شؤون البلاد. وقد شكّل إنشاء هيئة البوليس الحديثة جزءاً لا يتجزأ من مشروع "التحديث" الذي كانت فرنسا تروّج له مسوّغاً لوجودها في المغرب.

2.2. الهيكل التنظيمي لهيئة البوليس

يرسم القرار الوزيري المنشور في هذا العدد صورةً دقيقةً وتفصيليةً عن الهيكل التسلسلي لهيئة البوليس العام بالإيالة الشريفة. إذ أشار القرار إلى أنه قد عُيِّن الموظفون بإدارة البوليس وفق درجات محددة وواضحة، تبدأ بكبسار البوليس بالدرجة الممتازة وتنتهي بأدنى درجات الأعوان. وقد شملت قائمة المعيّنين الواردة في القرار أسماءً فرنسية من بين أبرزها المسيو "توردي بول" بدرجة كبسار البوليس الممتازة، والمسيو "فيري" كمبسار البوليس من الدرجة الخامسة من انطوان، فضلاً عن عدد من ضباط البوليس من درجات مختلفة يتولون مناطق متعددة.

وتكشف هذه القائمة التفصيلية عن حجم الاستثمار البشري الذي كانت فرنسا تضخّه في بناء منظومة الأمن المغربية، وعن الطابع الفرنسي الغالب على هذه المنظومة في مرحلتها التأسيسية. كما تُبيّن أن هذا الجهاز كان يمتد جغرافياً ليشمل مختلف المدن والمناطق المغربية، وإن كانت المدن الكبرى كمراكش وفاس والرباط تحتل مكانة أبرز في المنظومة الأمنية.

2.3. القرار الوزيري لتعيين موظفين بحزب البوليس العام بالإيالة الشريفة

تضمّن العدد الثالث والثمانون قرارَين وزاريَّين متلازمَين يتعلقان بتعيين موظفين بحزب البوليس العام بالإيالة الشريفة، وهو ما يدل على وجود مستويَين في منظومة البوليس: مستوى الضباط المعيَّنين مباشرةً، ومستوى الموظفين الإداريين المسانِدين لعمل هذا الجهاز الأمني. وجاء القرار الأول مقتضياً الفصلَ الثالث من الباب الثالث من القرار الوزيري المؤرَّخ بسادس شوال عام 1331هـ الموافق للثامن من سبتمبر سنة 1913م المتعلق بتنظيم إدارة البوليس العام.

وعلى صعيد المستوى التشريعي الأوسع، جاء القرار الوزيري المؤرّخ بالثاني عشر من ذي الحجة عام 1331هـ الموافق لثاني عشر من نوفمبر سنة 1913م، ليُغيّر الفقرة الأولى من الفصل العشرين من القرار الوزيري الصادر بالثامن من سبتمبر سنة 1913م، وقد أضاف إليها تحديداً مفصّلاً للوظائف والرتب. ويُبدي هذا التتابع التشريعي المتسارع رغبةً واضحةً في تطوير المنظومة الأمنية وضبطها والتكيّف مع المعطيات الميدانية التي كانت تكشف عنها التجربة الأولى.

2.4. التعديلات على القرار الوزيري لتنظيم البوليس العام

اشتمل هذا العدد على قرار وزيري مؤرَّخ بالثاني عشر من ذي الحجة عام 1331هـ يتعلق بتغيير الفقرة الأولى من الفصل العشرين من القرار الوزيري الصادر بالثامن من سبتمبر سنة 1913م بتغيير الفصل السابع عشر والفصل العشرين من القرار الوزيري المؤرّخ بالثامن من سبتمبر سنة 1913م. وقد جاء في هذا القرار التعديلي أنه قد عُيِّن المسيو "ليون ادوار" خارجاً من كل درجة بإدارة البوليس ابتداءً من فاتح أكتوبر سنة 1914م، وهو ما يكشف عن استمرار إعادة ضبط المنظومة الأمنية وتكييفها مع المتطلبات المتجددة.

ويتضح من مجموع هذه القرارات التعديلية أن منظومة البوليس لم تكن بنيةً جامدةً مكتملة، بل كانت في حالة تشكّل مستمر، تخضع لتصحيحات وتعديلات متكررة تستجيب لاحتياجات الميدان ومتطلبات المرحلة. وهو ما يعكس ديناميكية التأسيس المؤسسي في مغرب الحماية، حيث كانت النظرية والتطبيق يتفاعلان باستمرار لصياغة نموذج أمني يلائم خصوصيات المغرب.

ثالثاً: تنظيم حزب المترجمين المدنيين — إرساء ركيزة التواصل الإداري

3.1. أهمية المترجمين في منظومة الحماية الفرنسية

يمثّل القرار الوزيري المتعلق بتنظيم حزب المترجمين المدنيين وثيقةً تاريخيةً بالغة الدلالة، تكشف عن إحدى أبرز الحاجات الوظيفية التي كانت تفرضها طبيعة نظام الحماية: الحاجة إلى حلقة وصل بشرية بين الإدارة الفرنسية الناطقة بالفرنسية والمجتمع المغربي الناطق بالعربية والأمازيغية. فقد كان المترجمون يُشكّلون شريانَ التواصل الحيوي بين مكتبَي الحوكمة، ولم يكن ممكناً تسيير أي مرفق إداري أو قانوني أو أمني بمعزل عنهم.

وقد جاء تنظيم هذه الفئة المهنية استجابةً لاعتبارَين متلازمَين: أولهما ضمان كفاءة الترجمة ومصداقيتها في المعاملات الإدارية والقضائية، وثانيهما وضع إطار واضح لمسارهم المهني من حيث التوظيف والترقي والمكانة القانونية. وقد كان من الضروري أن تتمتع هذه الفئة بمكانة رسمية معترف بها، تجعل تصرفاتها ومخرجاتها ذات حجية قانونية أمام المؤسسات الإدارية والقضائية.

3.2. الفصل التاسع من الظهير — ترشيح الموظفين الإداريين وتأديبهم

جاء الفصل التاسع من الظهير الشريف المؤرّخ بثامن عشر أبريل سنة 1913م المتعلق بتنظيم حزب المترجمين المدنيين ليُعالج مسائل ترشيح الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة وتأديبهم وترقيبهم. وقد اشترط هذا الفصل في المترجمين الإداريين أن يتوفروا على كفاءات لغوية موثّقة، وأن يجتازوا إجراءات تحقق رسمية قبل توليهم مهامهم. كما حدّد الفصل الآليات التأديبية المعتمدة في حالة الإخلال بالواجبات المهنية.

وتضمّن القرار الوزيري في هذا الباب نصاً يقول إن الفقرة الثانية من الفصل الأول من القرار الوزيري المؤرّخ برابع سبتمبر سنة 1913م تتمم بحيث يضاف إليها ما يأتي حول تنظيم الترشيح والتعيين. ويُدلّ هذا الأسلوب التشريعي التراكمي على أن المنظومة كانت تتطور بصورة منهجية، حيث تُضاف الأحكام الجديدة لتُكمل ما سبق دون أن تُلغيه جملةً وتفصيلاً.

3.3. القرار الوزيري لتعيين موظف بإدارة البوليس العام — ليون جول إيمانويل

يتضمّن العدد الثالث والثمانون قراراً وزارياً فريداً يتعلق بتعيين موظف واحد بعينه في إدارة البوليس العام بالإيالة الشريفة، وهو المسيو "ليون ارنسدورف ليون جول ايمانويل"، الذي عُيّن بصفة منشئ في وظيفه، وانخرط في سلك الدرجة الخامسة ابتداءً من ثلاثين نوفمبر سنة 1914م. ويكشف هذا القرار الفردي عن ممارسة إدارية مميّزة، وهي نشر القرارات الفردية للتعيين في الجريدة الرسمية، وهي ممارسة تعكس الحرص على الشفافية الإدارية وإضفاء الرسمية على القرارات البشرية.

كما يُلفت الانتباه أن القرار يُحدد تاريخ الالتحاق الفعلي بالعمل، وهو ما يُبيّن أن المنظومة الإدارية كانت تُفرّق بين تاريخ صدور القرار وتاريخ سريان آثاره القانونية والمالية، وهو مبدأ إداري لا يزال معمولاً به في المنظومة الإدارية الحديثة. وقد حُرّر هذا القرار بالرباط في اليوم الثاني والعشرين من ذي الحجة عام 1332هـ الموافق لليوم الحادي عشر من نوفمبر سنة 1914م، ووُقِّع من طرف المقيم العام "محمد بن محمد الجباص" بعد أن أطلع عليه المقيم العام وأذن بنشره.

3.4. المترجم الأول للإقامة العامة — الإطار القانوني للحضور الرسمي

اشتمل هذا العدد على نصٍّ يتعلق بمكانة المترجم الأول للإقامة العامة ووظيفته في حضور الاجتماعات الرسمية مع أعضاء اللجان. وقد أشار النص إلى أنه يجب على المترجم الأول أن يحضر اجتماعات اللجنة العامة للإقامة مع أعضاء النجنة المذكورة بالقرار المشار له بصفة عضو رسمي. ويُبيّن هذا النص أن المترجمين لم يكونوا مجرد أداة لنقل الكلام، بل كانوا يُعدّون فاعلين مؤسسيين معترفاً بهم ضمن الهياكل التداولية والقرارية العليا للإقامة العامة.

وهذا الأمر بالغ الدلالة، إذ يكشف أن الترجمة في سياق الحماية لم تكن مجرد وظيفة تقنية لغوية، بل كانت تنطوي على بُعد سياسي وإداري راسخ. فالمترجم كان في موقع يُمكّنه من التأثير على فهم المعلومات ومسارها وطريقة تلقّيها من قِبل كلا الطرفَين، مما يجعله شخصية محورية في منظومة الحكم الاستعمارية.

رابعاً: تعيين الموظفين — نماذج من الممارسة الإدارية الفردية

4.1. قرار تعيين منشئ في وظيفه رسمياً

يُفصح العدد الثالث والثمانون عن عدة قرارات وزارية للتعيين الفردي تستحق الدراسة، لأنها تكشف عن آليات التوظيف وشروطه في الإدارة المغربية إبان عهد الحماية. ومن أبرز هذه القرارات قرار تعيين منشئ في وظيفه رسمياً، الصادر بمقتضى الظهير الشريف المؤرّخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331هـ الموافق لثامن عشر أبريل سنة 1913م المتعلق بتنظيم الموظفين الإدارين بالإيالة الشريفة. ويكشف هذا القرار أن المنظومة الوظيفية كانت تمر عبر مسار واضح يبدأ بالتعيين المبدئي ثم يُفضي إلى التثبيت الرسمي في المنصب، وهو أسلوب يعكس تأثّراً واضحاً بالمبادئ الإدارية الفرنسية.

وتُبيّن هذه القرارات أن التعيينات كانت تستلزم مرجعيةً قانونيةً واضحةً في شكل ظهائر شريفة أو قرارات وزارية سابقة، مما يجعل الموظف الجديد مرتبطاً بالمنظومة القانونية الكاملة التي تنظم فئته الوظيفية. وهذا يعني أن منظومة التوظيف لم تكن قائمة على الاعتباط، بل على قواعد واضحة تُقيّد السلطة التقديرية لمتخذ القرار وتُضفي على قراراته صفة الشرعية القانونية.

4.2. قرار تعيين كاتب نساخ رسمياً في وظيفه

جاء في العدد أيضاً قرار وزيري يتعلق بتعيين كاتب نساخ رسمياً في وظيفه، وهو ما يلفت الانتباه إلى طبيعة الوظائف التي كانت الإدارة في حاجة إليها في تلك المرحلة. فقد كانت وظيفة الكاتب الناسخ من الوظائف الجوهرية في المنظومة الإدارية قبل عصر الآلة الكاتبة وما تلاها من تقنيات، إذ كان النسخ اليدوي الوسيلة الوحيدة لتوفير نسخ متعددة من الوثائق الرسمية. ويكشف وجود هذه الوظيفة في الجهاز الإداري عن مستوى التطور التقني للإدارة المغربية في تلك الحقبة.

وقد صدر هذا القرار استناداً إلى الظهير الشريف المؤرّخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331هـ الموافق لثامن عشر أبريل سنة 1913م، مما يدل على أن كاتب النساخة كان يندرج ضمن السلك العام للموظفين الإداريين وفق نفس الإطار القانوني الناظم لسائر وظائف الإدارة العامة. وقد حُرّر القرار بالرباط بصفة رسمية، وأطلع عليه المقيم العام وأُذن بنشره في الجريدة الرسمية.

4.3. قرارات التعيين في إدارة البوليس — المسيو جان دومينيك والمسيو ارنسدورف

أفردت الجريدة في هذا العدد حيزاً من صفحاتها لعدد من القرارات الفردية لتعيين موظفين في إدارة البوليس العام. ومن أبرز هذه القرارات القرار المتعلق بتعيين المسيو "جان دومينيك" الذي هو كاتب نساخ متطوع قد عُيِّن رسمياً في وظيفه وانخرط في سلك الدرجة الرابعة من تاريخ رابع نوفمبر سنة 1914م. ولعل ما يستوقف الباحث في هذا القرار أن الشخص المعنيّ كان في فئة "المتطوعين" قبل التعيين الرسمي، مما يدل على وجود مرحلة تجريبية أو استهلالية تسبق التثبيت في المنصب.

ويكشف القرار المتعلق بالمسيو "ارنسدورف ليون جول ايمانويل" الذي سبق ذكره عن نفس المنطق التدريجي في التوظيف، حيث يمر الموظف بمراحل متعاقبة يُقيَّم فيها أداؤه قبل أن يحظى بالتثبيت والاعتراف الرسمي. وهذا النهج كان يضمن للإدارة هامشاً من المرونة في اختيار كوادرها البشرية والتحقق من كفاءاتهم قبل منحهم الاستقرار الوظيفي.

خامساً: إدارة اللجان البلدية في مكناس — نموذج التدبير المحلي

5.1. السياق العام لإحداث اللجان البلدية

يتضمّن العدد الثالث والثمانون قراراً وزارياً يخوّل لرئيس إدارة الأشغال البلدية بمكناس النيابةَ المستمرة في تصفية الفواتير البلدية ودفعها وترتيب الإدارات الواجبة، وذلك عوضاً عن الباشا. ويُعدّ هذا القرار نموذجاً لمنهج اللامركزية الإدارية المحدودة الذي كانت الإدارة الفرنسية تتبعه، حيث يُفوَّض قدرٌ من الصلاحيات الإدارية إلى المستوى المحلي دون المساس بالهيمنة العليا للمقيمية العامة.

وتجدر الإشارة إلى أن مكناس كانت تحظى باهتمام خاص من الإدارة الفرنسية بحكم موقعها الاستراتيجي وكثافتها السكانية وتاريخها العريق بوصفها عاصمةً تاريخيةً للمغرب. وقد أسهم هذا الاهتمام في جعلها من المدن الأولى التي طالها التحديث الإداري بصورة منتظمة ومنهجية، وهو ما يتجلى في تسارع إصدار القرارات المتعلقة بها في صفحات الجريدة الرسمية.

5.2. الظهير الشريف المتعلق بتأسيس اللجنة البلدية المؤقتة بمكناس

جاء في العدد الثالث والثمانون أن الفصل الأول من الظهير الشريف المؤرَّخ بالرابع عشر من شعبان عام 1331هـ الموافق للتاسع عشر من يوليو سنة 1913م المتعلق بتأسيس لجنة بلدية موقتة بمكناس ينص على أن رئيس إدارة الأشغال البلدية بمكناس له النيابة المستمرة في تصفية الفواتير البلدية ودفعها وترتيب الإدارات الواجبة وذلك عوضاً عن الباشا. ويكشف هذا النص عن تحوّل لافت في موازين الصلاحيات بين المؤسستَين الشريفية الموروثة المتمثلة في شخص الباشا، والمؤسسة الجديدة المتمثلة في رئيس إدارة الأشغال البلدية.

وقد اقتضى الفصل الأول من الظهير الشريف المؤرَّخ بالرابع عشر من شعبان عام 1331هـ الموافق للتاسع عشر من يوليو سنة 1913م المتعلق بتأسيس لجنة بلدية موقتة بمكناس أن يكون رئيس إدارة الأشغال البلدية مخوّلاً بتصفية الفواتير البلدية ودفعها وترتيب الإدارات الواجبة، وذلك في إطار الصلاحيات الموكولة إليه بمقتضى هذا الظهير الشريف الذي يُشكّل الأساس القانوني لوجود اللجنة البلدية بمكناس.

5.3. قرار تخويل صلاحيات التصفية المالية

تناول القرار الوزيري المنشور في هذا العدد مسألة تخويل صلاحيات التصفية المالية لرئيس إدارة الأشغال البلدية بمكناس بشكل تفصيلي، إذ حدّد أنواع العمليات المالية التي يحق له إجراؤها والحدود التي لا يمكنه تجاوزها. وقد حُرّر هذا القرار بالرباط في الخامس والعشرين من ذي الحجة عام 1333هـ الموافق لليوم الرابع عشر من نوفمبر سنة 1914م، ووُقِّع من طرف محمد بن محمد الجباص بعد أن أطلع عليه المقيم العام وأُذن بنشره.

وقد انصبّ هذا القرار على جوانب تقنية دقيقة من التدبير المالي المحلي، تتعلق بآليات صرف المبالغ وشروط تصفية الفواتير وإجراءات الرقابة السابقة واللاحقة على الإنفاق. وهذا المستوى من التفصيل يكشف عن اهتمام بالغ بحوكمة المال العام وضبط مساراته، وهو ما كانت الإدارة الفرنسية تُولي له أهميةً قصوى باعتباره أداةً لمكافحة الفساد وضمان كفاءة تدبير الموارد المحلية.

5.4. تشكيل لجنة تأسيس اللجان البلدية بمراسي الإيالة الشريفة

أشار العدد الثالث والثمانون إلى أن الفصل الأول من الظهير الشريف المؤرَّخ بالرابع عشر من شعبان عام 1331هـ الموافق للتاسع عشر من يوليو سنة 1913م المتعلق بتأسيس اللجنة البلدية بمراسي الإيالة الشريفة ينص على أن اللجنة البلدية الموقتة بمكناس تشمل في تشكيلتها عدداً من الأعضاء يمثلون مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية. ويُظهر هذا النص حرصاً على إشراك مكوّنات المجتمع المحلي في تدبير شؤون المدينة، وإن ظل الإطار الفرنسي العام مهيمناً على هذه اللجنة.

وقد جاء في أعقاب هذا النص نصٌّ آخر يُحدّد نطاق الاختصاصات المالية للجنة وحدودها، وهو ما يدل على أن صلاحياتها كانت مُقيَّدة ومُؤطَّرة بضوابط دقيقة، كأن لا يستقل الشأن المالي المحلي بنفسه تماماً، بل يبقى خاضعاً للرقابة والتوجيه من المستوى المركزي ممثَّلاً في الإقامة العامة.

سادساً: التعديلات التشريعية المتتالية — منهجية البناء القانوني التراكمي

6.1. أسلوب التعديل والتتميم في التشريع الإداري

يكشف استعراض مجموع النصوص الواردة في العدد الثالث والثمانون عن منهجية تشريعية بعينها، هي ما يمكن تسميته بـ"أسلوب التعديل والتتميم التراكمي"، وهي منهجية تقوم على إصدار نصوص جديدة تُضيف إلى النصوص السابقة أو تُعدّل بعض فصولها دون أن تُلغيها كلياً. ويعكس هذا الأسلوب رؤيةً تشريعيةً تراكميةً تحرص على الاستمرارية القانونية والحفاظ على ما تمّ إرساؤه من مكتسبات تشريعية، مع فتح الباب لتطوير المنظومة وتكييفها مع المستجدات.

ومن أبرز الأمثلة على هذا الأسلوب ما ورد في الجريدة من إشارات متكررة إلى قرارات وزارية وظهائر شريفة سابقة، إذ يأتي كل نصٍّ جديد استكمالاً لمنظومة قائمة لا ابتداءً من الصفر. فقرار تنظيم البوليس العام يُعدّل القرار الصادر في سبتمبر 1913م، وقرار المترجمين يُتمّم النصوص الصادرة في أبريل 1913م، وقرار اللجنة البلدية يبني على ظهير يوليو 1913م.

6.2. التسلسل المرجعي في القرارات الوزارية

تتسم القرارات الوزارية الواردة في هذا العدد بحرص واضح على إثبات سلاسل المرجعية القانونية، إذ لا يصدر أي قرار دون أن يُشير صراحةً إلى الوثائق القانونية والتشريعية التي يستند إليها. ففي قرار تنظيم البوليس مثلاً، نجد إشارةً إلى القرار الوزيري المؤرَّخ بالثامن من سبتمبر سنة 1913م، ثم إلى القرار المؤرَّخ بالثاني عشر من نوفمبر سنة 1913م، ثم إلى قرار فاتح ديسمبر سنة 1913م.

هذا التسلسل المرجعي يُؤدي وظائف متعددة؛ فهو أولاً يُضفي الشرعية على القرار الجديد بربطه بمنظومة قانونية سابقة، وثانياً يُسهّل على الإداريين والقضاة فهم الإطار القانوني الكامل الناظم للمسألة، وثالثاً يُبيّن تطور المنظومة التشريعية بمرور الوقت ويُمكّن من تتبع التحولات التي طرأت عليها.

6.3. إشكالية التوازن بين السلطة الشريفية والإدارة الفرنسية في النصوص التشريعية

تُثير النصوص الواردة في هذا العدد تساؤلاً تاريخياً جوهرياً حول طبيعة التوازن بين السلطتَين الشريفية الرمزية والفرنسية الفعلية في صياغة التشريعات وإصدارها. فمن جهة، تبدأ الظهائر الشريفة بعبارة "الحمد لله وحده"، وتصدر باسم السلطان، وتُسجَّل في الوزارة الكبرى؛ مما يُوحي بأن السلطة الشريفية هي المصدر الأصيل للتشريع. ومن جهة أخرى، تحمل القرارات الوزارية توقيع المقيم العام، وتُصدَّر بعبارة "اطلع عليه المقيم العام وأذن بنشره"، مما يكشف عن أن سلطة النشر والإذن الفعلية كانت بيد الإدارة الفرنسية.

ويُشير هذا التركيب الثنائي إلى ما كان يُعرف بـ"نظام السلطنة المزدوجة" الذي ميّز تجربة الحماية الفرنسية في المغرب، وهو نظام يختلف من حيث الشكل عن الاحتلال المباشر الذي اعتمدته فرنسا في الجزائر مثلاً. وقد أفلح هذا النظام في المحافظة على قدر من الاستمرارية المؤسسية المغربية، وإن كانت مضامين القرارات وتوجهاتها تعكس في الغالب إرادة المقيمية العامة الفرنسية لا المخزن المغربي.

سابعاً: الجانب الإجرائي والشكلي للجريدة الرسمية — منظومة النشر والتبليغ

7.1. آلية الاشتراك في الجريدة الرسمية وإدارة التوزيع

تُفصح الجريدة الرسمية في هذا العدد عن منظومتها في الاشتراك والتوزيع، وهي منظومة تعكس مستوى تنظيمياً لافتاً في ظل ما كانت تشهده المغرب من تحولات. فقد كانت أسعار الاشتراك تتفاوت وفق مدته؛ إذ كان الاشتراك عن ثلاثة أشهر يبلغ ثلاثة ريالات وخمسين سنتيماً داخل المملكة المغربية الشريفة، ويرتفع إلى خمسة ريالات لمن هم خارجها. كما كان بإمكان المشترك اختيار فترة اشتراك تمتد من شهر واحد إلى سنة كاملة.

وقد كانت الجريدة تُوزَّع عبر إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية بالرباط، ومن جميع بنيفات البوسطة بالمغرب، وكان الاشتراك يُحتسب من أول الشهر. ويدل هذا على وجود شبكة توزيع منظمة تغطي المراكز الحضرية الكبرى على الأقل، وهو ما يعكس أن التشريع في عهد الحماية لم يكن حبيس دهاليز المقيمية العامة بل كان يسعى إلى بلوغ أوسع شريحة ممكنة من المعنيين به.

7.2. شكليات التوقيع والتسجيل

تُبيّن نصوص العدد الثالث والثمانون أن الوثائق الرسمية كانت تمر بسلسلة من الشكليات قبل نشرها في الجريدة الرسمية. فكل قرار وزاري أو ظهير شريف كان يُسجَّل أولاً في الوزارة الكبرى بتاريخ معيّن، ثم يُطّلع عليه المقيم العام الذي يأذن بنشره، ثم يُوقَّع من طرف المسؤول المختص سواء كان وزيراً أو مقيماً عاماً، قبل أن يُدرج في الجريدة الرسمية.

وقد وردت في هذا العدد عبارات من قبيل "اطلع عليه المقيم العام وأذن بنشره، رباط في كذا من ذي الحجة عام 1332" و"محمد بن محمد الجباص" و"ليوطي"، وهي عبارات تجمع بين السلطة الشريفية المتمثلة في الجباص والسلطة الفرنسية المتمثلة في المقيم العام ليوطي. ويُشكّل هذا الجمع بين التوقيعَين مظهراً رمزياً بارزاً من مظاهر نظام الحماية الثنائي الذي كان قائماً على التظافر الشكلي بين السلطتين.

7.3. توقيت النشر ودلالاته

يلاحظ المتأمل في التواريخ الواردة في العدد الثالث والثمانون أن هناك فجواتٍ زمنيةً أحياناً بين تاريخ صدور القرار وتاريخ نشره في الجريدة الرسمية. فعلى سبيل المثال، نجد قرارات صادرة في شهر أكتوبر 1914م تُنشر في الجريدة الرسمية التي تغطي الفترة الممتدة حتى نهاية نوفمبر 1914م. وهذا التأخير في النشر كان يُفرز إشكاليةً قانونيةً دقيقة تتعلق بتحديد تاريخ سريان مفعول القرار، هل هو من تاريخ صدوره أم من تاريخ نشره؟

وقد عالجت كثير من القرارات هذه الإشكالية بتحديد صريح لتاريخ السريان الفعلي، وهو ما رأيناه في قرار تعيين المسيو "ارنسدورف" الذي حدّد أن التعيين يسري ابتداءً من ثلاثين نوفمبر سنة 1914م. ويُبيّن هذا الحرص على التحديد الزمني الدقيق أن المنظومة التشريعية كانت واعيةً بأهمية ضبط التواريخ ومنع أي لبس قانوني قد ينشأ عن التأخر في النشر.

ثامناً: القيمة التاريخية للعدد 83 في سياق مسار بناء الدولة المغربية

8.1. الإدارة المغربية في مواجهة التحديات الهيكلية

يضعنا العدد الثالث والثمانون من الجريدة الرسمية أمام واقع الإدارة المغربية وهي تُواجه تحدياتٍ هيكليةً عميقة في مرحلة الانتقال من نظام المخزن التقليدي إلى منظومة الدولة الحديثة ذات المؤسسات المتخصصة والتشريعات المدوّنة. فبينما كانت القرارات تُصدر بصورة متلاحقة لتغطية مجالات جديدة، كانت القدرات البشرية والمؤسسية تحتاج إلى بناء موازٍ حتى تستوعب هذه التشريعات وتُفعّلها على أرض الواقع.

وتكشف مضامين هذا العدد عن مفارقة جوهرية تميّزت بها تجربة الحماية الفرنسية في المغرب: فمن جهة كانت هذه التشريعات تبدو حديثةً ومتطورةً في صياغتها الفنية وأسلوبها الإداري، ومن جهة أخرى كانت تخدم في نهاية المطاف أهداف ترسيخ النفوذ الفرنسي وتوطيد سيطرته على مفاصل الدولة المغربية. فتنظيم البوليس كان يعني السيطرة الأمنية، وتنظيم الجمارك كان يعني السيطرة الاقتصادية، وتنظيم الترجمة كان يعني السيطرة على مساري التواصل والمعلومات.

8.2. مؤشرات التحديث الإداري في نصوص العدد 83

على الرغم من السياق الاستعماري الذي أُنتجت فيه، تحمل نصوص العدد الثالث والثمانون مؤشراتٍ واضحةً على مسار التحديث الإداري الذي شهده المغرب في عهد الحماية. فالتخصص الوظيفي الذي يتجلى في إفراد فئة المترجمين بتشريع خاص، والتدرج الهرمي للسلطة في هيئة البوليس، وآليات الرقابة المالية في اللجان البلدية، كلها مؤشرات على اعتماد مفاهيم حوكمة حديثة كانت غائبة في إطار الدولة المغربية التقليدية.

كما تكشف نصوص الجريدة عن بدايات التحول نحو سيادة القانون بمعناه الحديث، أي الانتقال من نظام قائم على الصلاحيات التقديرية الشخصية إلى نظام يضبطه إطار قانوني واضح ومُدوَّن. فلم يعد بمقدور أي موظف التصرف في المال العام دون مستند قانوني، ولم يعد بمقدور أي تاجر نقل الفحم الحجري دون إعلام الجمارك، ولم يعد بمقدور أي ضابط شرطة ممارسة مهامه دون تعيين رسمي في الجريدة الرسمية.

8.3. العدد 83 وانعكاسات الحرب العالمية الأولى على التشريع المغربي

صدر العدد الثالث والثمانون في الأشهر الأولى من الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في أغسطس 1914م، وهو ما ترك بصماتٍ واضحةً على طبيعة القرارات الواردة فيه. فقد كانت المقيمية العامة في حاجة ماسّة إلى تعبئة جميع الموارد المتاحة لمجهود الحرب، بما فيها الفحم الحجري الذي كان وقوداً استراتيجياً ضرورياً للسفن والقطارات والمصانع.

ويُفسّر هذا السياق الحربي إلحاح إصدار الظهير المتعلق بضبط خزائن الفحم الحجري وتنظيم تجارته؛ إذ كان الفحم مادةً استراتيجيةً بالغة الأهمية في زمن الحرب، لا يمكن ترك توزيعه للسوق الحرة دون رقابة مشددة. كما يُفسّر الاهتمام بتعيين موظفين جدد في إدارة البوليس على الرغم من اندلاع الحرب؛ إذ كانت الإدارة الفرنسية تحرص على الحفاظ على النظام الداخلي في المغرب حتى وهي تُوجّه جزءاً كبيراً من مواردها العسكرية والبشرية إلى الجبهات الأوروبية.

خاتمة: العدد 83 مرآةً لمرحلة التأسيس الإداري في المغرب

يمثّل العدد الثالث والثمانون من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة لحظةً تاريخيةً مكثّفة تختصر في صفحاتها الخمس معالم مرحلة بالغة الأهمية من تاريخ المغرب الحديث. فمن خلال ظهيره المتعلق بالفحم الحجري، وقراراته المنظِّمة لهيئة البوليس، وأحكامه الخاصة بحزب المترجمين، وقراراته الفردية بتعيين موظفين، وتشريعاته المنشئة للجان البلدية بمكناس، يُقدّم لنا هذا العدد صورةً شاملةً ودقيقةً عن آليات بناء الدولة الحديثة في سياق استعماري.

وعلى الرغم مما تنطوي عليه هذه النصوص من إشكاليات تتعلق بطبيعة السيادة ومركز القرار الفعلي، فإنها تبقى وثائق تاريخيةً وقانونيةً لا غنى عنها لفهم مسار المؤسسات المغربية وتطورها. فكثير من الملامح الجوهرية للتنظيم الإداري المغربي المعاصر تجد جذورها في هذه التشريعات الأولى التي شكّلت في مجملها نواة منظومة الحكم المؤسسي بمفهومه الحديث.

ولعل أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من قراءة هذا العدد أن بناء الدولة ليس حدثاً آنياً بل مسارٌ تراكمي يتشكّل عبر القرارات اليومية والتشريعات الجزئية والتعديلات المتتالية، وأن لكل نص قانوني، مهما بدا تقنياً أو إجرائياً بحتاً، أبعاداً سياسية وتاريخية واجتماعية تتجاوز حدوده الضيقة المباشرة. وفي هذا الأفق، يغدو العدد الثالث والثمانون من الجريدة الرسمية أكثر من مجرد سجلٍّ للقرارات والتعيينات؛ يغدو شاهداً حياً على لحظة فارقة من لحظات المغرب الحديث في رحلته نحو الدولة والمؤسسات.

 

 

المراجع والمصادر:

  • الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة، العدد 82-83، السنة الثانية، الصادرة في الفترة الممتدة بين 23 أكتوبر و30 نوفمبر 1914م الموافق لـ11 محرم 1333هـ، الرباط: إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية.
  • الظهير الشريف في شأن ضبط الخزائن التي يوضع فيها الفحم الحجري وقتياً، محرر بالرباط في السابع والعشرين من رجب عام 1332هـ الموافق لسنة 1914م.
  • القرار الوزيري المؤرّخ بالثاني عشر من ذي الحجة عام 1331هـ المتعلق بتنظيم إدارة البوليس العام بالإيالة الشريفة.
  • القرار الوزيري المتعلق بتنظيم حزب المترجمين المدنيين، الصادر بمقتضى الظهير الشريف المؤرّخ برابع سبتمبر 1913م.
  • الظهير الشريف المؤرّخ بالرابع عشر من شعبان عام 1331هـ المتعلق بتأسيس لجنة بلدية موقتة بمكناس.

 

 

تحميل العدد  83  بتاريخ  16 نونبر من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 24/05/2026
تحديث 24/05/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث