مقدمة: عدد استثنائي في ظرف استثنائي
في الحادي والعشرين من ديسمبر 1914م، الموافق للثالث من شهر صفر عام 1333هـ، صدر العدد الخامس والثمانون والسادس والثمانون من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة، مختتماً بذلك السلسلة الأخيرة من إصدارات السنة الثانية من الحماية الفرنسية. وقد جاء هذا العدد المزدوج حاملاً بين طياته مواد غير مسبوقة من حيث تنوعها وعمقها الإنساني، تُعبّر بجلاء عن تشابك مفترق الطرق بين الشأن الحربي والشأن الإداري، وبين متطلبات الحرب الكبرى ومتطلبات تسيير الدولة الناشئة.
يُعدّ هذا العدد من أكثر أعداد الجريدة الرسمية في تلك المرحلة ثراءً وتنوعاً وأبعد أثراً، إذ يضم في دفتيه مجموعةً شاملةً من الوثائق المتباينة الطابع والمجال: فمن التلغرافات الرسمية الواردة من وزير الحرب الفرنسي على المقيم العام ليوطي بالرباط، والمتعلقة بأبطال مغاربة أبلوا بلاءً حسناً في ميادين المعارك الأوروبية، إلى الظهير الشريف المتعلق بضابط الوسام الملوي الشريف، إلى القرارات الوزارية الخاصة بتحديد تعويضات غلاء أسعار القوت والسكنى، إلى قرار إعانة أسر الموظفين المتوفين في الحرب، إلى قرار تقييد الباب المعروف بباب جامع سيدي أبي العباس في مدينة سلا التاريخية بوصفه من الأبنية الأثرية، إلى قرارات تعيين القضاة وتسمية موظفين إداريين متعددين.
يسعى هذا المقال إلى تحليل هذه الوثائق المتنوعة وقراءتها قراءةً نقديةً معمّقة، مُضيئاً ما تكشفه من تقاطعات بين السياسي والإداري والاجتماعي والإنساني، ومُبيّناً كيف كانت الجريدة الرسمية في أحيان كثيرة وثيقةً تاريخيةً أعمق مما يبدو في ظاهرها الإجرائي.
تحميل العدد 85 -86 بتاريخ 21 دجنبر1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: التلغرافات الرسمية لوزير الحرب الفرنسي — شهادات الشجاعة في الميدان
1.1. السياق الحربي والحضور المغربي في الحرب العالمية الأولى
يُشكّل الحضور الميداني للجنود المغاربة في الحرب العالمية الأولى واحداً من أبرز الموضوعات الإنسانية التي تُجلّيها صفحات هذا العدد بصورة مباشرة ومؤثرة. فقد قدّمت المغرب، في إطار التزاماته المترتبة على نظام الحماية، كتائب ووحدات عسكرية قاتلت إلى جانب الجيش الفرنسي على جبهات أوروبا، وكانت هذه الوحدات تُعدّ في الخطاب الفرنسي الرسمي جزءاً لا يتجزأ من القوة العسكرية الإمبريالية الفرنسية.
وقد رأت الإدارة الفرنسية ضرورة توثيق بطولات هؤلاء المحاربين المغاربة في الجريدة الرسمية، ليس فقط تكريماً لهم، بل أيضاً لأهداف سياسية ودعائية واضحة تتعلق بتعزيز صورة نظام الحماية وتقديم المغاربة بوصفهم شركاء في مشروع فرنسا الحضاري الكبير لا رعايا خاضعين مُستَغَلّين. وتُتيح لنا قراءة هذه التلغرافات اليوم فهم الطريقة التي كانت تبني بها المقيمية العامة روايتها الرسمية عن الحرب وعن دور المغاربة فيها.
1.2. التلغراف الأول — تكريم الجندي المغربي محمد بن المعطي
تضمّن العدد الخامس والثمانون تلغرافاً رسمياً صادراً من وزير الحربية إلى سمادة المقيم العام بالرباط، جاء فيه: "إن المسمى العربي بن الحبيب العسكري المغربي المتطوع في الفرقة الثالثة من حزب الترايبود قد أعلن بين الجيوش الفرنساوية والثبات لما أتاه من البسالة والثبات فانه جرح في اليوم السادس من نوفمبر ثم في السادس عشر من نوفمبر ومع ذلك بقي بخط القتال يوماً كاملاً مظهراً شجاعة عجيبة وثباتاً غريبا." وقد أُصدر هذا التلغراف بالرباط في السابع من ديسمبر سنة 1914م، موقّعاً من المقيم العام قائد جيش المغرب ليوطي.
يحمل هذا التلغراف أبعاداً إنسانية عميقة تتجاوز طابعه الرسمي: فهو يُجسّد مصير جندي مغربي بعينه، حمل اسماً وهويةً ورُميَ في خضم الحرب الكبرى بعيداً عن وطنه، وأُصيب مرتين ومع ذلك بقي في خط القتال. وقد اختارت الإدارة الفرنسية أن تُوثّق هذه البطولة الفردية في الجريدة الرسمية للمغرب، وهو خيار يُبيّن إدراكها للقيمة الرمزية لهذا التوثيق على صعيد كسب ولاء المجتمع المغربي وتجنيد المزيد من الشباب للمشاركة في الحرب.
1.3. التلغراف الثاني — بطولات الجنود محمد بن الحاج السوسي وعبد الله وصالح بن المهدي
جاء التلغراف الثاني من وزير الحربية في العاشر من ديسمبر سنة 1914م، يُخبر المقيم العام بأن ثلاثة جنود مغاربة قد أبلوا بلاءً حسناً في ساحة المعركة واستحقوا التكريم والاعتراف. وقد نصّ على أنه "قد امتاز بانه قد امتاز بين الجنود الاولوطنيين الذين لا يزال الجميع يعتبرهم ويجل قدرهم لشجاعتهم وجرأتهم وهما محمد بن الحاج السوسي من الفرقة الثامنة من آيت عبدالله من دوارتيريزيات وصالح بن المهدي الثاوي من الفرقة الحادية عشر من زاوية سيدي الجيلاني بأولاد عزيز فانهما قد جرحا مرتين ولم يرضيا بترك مقدمة الجيش بل ظلا يقاتلان العدو وقد قلدهما الوسام العسكري القائد الجنرال القائد وسيصلكم تفاصيل أخرى بالبريد القادم."
يُبيّن هذا التلغراف أن الجنود المغاربة لم يكونوا مجرد أرقام في لوائح التجنيد، بل كانوا أفراداً يحملون هويات قبلية وجغرافية محددة، ينتمون إلى مناطق بعينها من المغرب كسوس والأطلس وزاويات الأولياء. وقد حرص التلغراف على الإشارة إلى هذه الانتماءات، ربما لأغراض دعائية تتعلق بإيصال خبر البطولة إلى مجتمعات هؤلاء الجنود في المغرب وتحفيز غيرهم على الالتحاق بصفوف الجيش.
1.4. التلغراف الثالث — شهادة الشجاعة ومنح الأوسمة العسكرية
تضمّن العدد تلغرافاً ثالثاً صادراً من وزير الحربية الفرنسية إلى المقيم العام بالرباط في الثامن من ديسمبر سنة 1914م، يتعلق بمنح الأوسمة العسكرية لعدد من الجنود المغاربة الذين أبدوا شجاعة استثنائية في الميدان. وقد جاء في هذا التلغراف: "قد أعطي الوسام العسكري لكل من الاتفاد الاتي ذكرهم وهم المسمى المعطي بن محمد العسكري فانه كان رئيساً على ثلاثة رجال لمراقبة فصيلة متركبة من خمسة عشر رجلاً كانوا يحاولون المرور من الطريق غصباً وارغمهم بضربه على الانسحاب ثم رجع منهم واحداً وأخذهم بجثة أحد أساكر نا الذي قتل أثناء المركة وكذلك بجثة الالماني المقتول والمتولي المقتول والبالسلحة."
يُظهر هذا التلغراف البُعد العملياتي لمشاركة الجنود المغاربة في الحرب، وكيف كانوا يُنفّذون مهام قتالية بالغة الخطورة تتطلب شجاعة فردية ومبادرة ميدانية. كما يُبرز الاعتراف الرسمي الفرنسي بهذه الشجاعة عبر منح الأوسمة العسكرية، وهو اعتراف كان يحمل أبعاداً رمزية ومادية، إذ كانت الأوسمة تُرفق عادةً بامتيازات وظيفية ومالية لأصحابها. والمسمى "صالح بن المعاون" من الجنود المغاربة الذي جُرح في ساحة الوغى في يوم سادس سبتمبر ثم جُرح مرة ثانية في يوم الرابع والعشرين من نوفمبر مساء بينما كان في ساحة القتال.
ثانياً: الظهير الشريف في شأن تنقيح ضابط الوسام العلوي الشريف — رمزية التكريم
2.1. الوسام العلوي الشريف ومكانته في منظومة التشريف
يُعدّ الظهير الشريف المتعلق بتنقيح ضابط الوسام العلوي الشريف من الوثائق ذات الطابع الرمزي البالغ في هذا العدد. فالوسام العلوي الشريف كان أرفع الأوسمة المغربية مكانةً وأعلاها منزلةً، يُمنح من السلطان تقديراً للخدمات الجليلة المقدمة للدولة والتاج، ويُشكّل في منظومة التشريف المغربية التقليدية تعبيراً عن الرضا السلطاني الأعلى. وقد استمر هذا الوسام في الوجود في عهد الحماية، وإن طرأت عليه تعديلات جوهرية في ضوابطه وشروط منحه لتتلاءم مع الواقع الجديد.
جاء الظهير الشريف الواضع في هذا العدد بعد الاطلاع على الظهير الشريف المؤرَّخ في الثاني من صفر عام 1331هـ الموافق لليوم الحادي عشر من يناير سنة 1913م في إحداث الوسام العلوي وضبطه، وبعد الاطلاع على الظهير المؤرَّخ في الثلاثين من ديسمبر سنة 1913م الصادر بتغيير ضابط الوسام العلوي المذكور. ويُبيّن هذا التسلسل التشريعي أن منظومة الأوسمة لم تكن نظاماً مجمّداً، بل كانت تتطور وتُعدَّل لمواكبة المستجدات والاحتياجات الجديدة.
2.2. مضمون الفقرة الرابعة المُضافة — الامتياز للعساكر والحماية
نصّت الفقرة الرابعة المُضافة إلى الفصل العاشر من الظهير الشريف في شأن إحداث الوسام الملوي الشريف على أنه: "يُنعم في المستقبل بظهائر شريفة يُسِر عنها بظهائر الامتياز على العساكر الشريفة وعلى مستخدمي المخزن والحماية الذين ظهرت على أيديهم عند القيام بخدمتهم مزية خصوصية الا انهم لم يستوفوا وقتثذ بشروط الفقرة الثالثة من الظهير المشار إليه أعلاه لنيل الوسام الملوي والسلام."
تحمل هذه الفقرة دلالةً قانونيةً مهمة، إذ تُنشئ نوعاً من التكريم الاستثنائي لمن أبدى خدمات متميزة دون أن يستوفي الشروط الكاملة لنيل الوسام الملوي. وهو ما يُبيّن أن المنظومة التشريعية كانت تسعى إلى المرونة والتكيّف، وعدم الجمود على الشروط الصارمة حين يتعلق الأمر بمكافأة الخدمات الاستثنائية الموثقة. وقد حُرّر هذا الظهير الشريف بالرباط في الخامس والعشرين من ذي الحجة الحرام عام 1332هـ، وأُطلع عليه المقيم العام الذي أذن بنشره في الثلاثين من نوفمبر سنة 1914م.
2.3. الصلة بين الوسام وتشريف المحاربين المغاربة
لا يمكن قراءة هذا الظهير الشريف بمعزل عن التلغرافات المتعلقة ببطولات الجنود المغاربة، إذ يبدو أن الإصلاح الذي أدخله على منظومة الأوسمة كان يستجيب جزئياً للحاجة إلى مكافأة المحاربين المغاربة الذين أبدوا شجاعة استثنائية في ميادين الحرب. فالوسام الملوي الشريف بشروطه المعتادة كان نظاماً مُصمَّماً لتكريم المسيرات المهنية الطويلة لا للمكافأة الآنية في ساحة المعركة، ومن هنا كانت الحاجة إلى إضافة الفقرة الرابعة التي تُفتح باباً لنوع من التكريم يلائم الظرف الحربي الاستثنائي.
وبهذا المعنى، يُشكّل هذا الظهير نموذجاً لكيفية تفاعل الظروف الطارئة مع المنظومة التشريعية، وكيف يُفرز الواقع الميداني ضرورات تشريعية تستدعي تكييف النصوص القائمة وتطويرها. وهو تفاعل لا يزال حاضراً بأشكال مختلفة في التشريع المعاصر حين تفرض الأزمات والظروف الاستثنائية اعادة النظر في القواعد القانونية العادية.
ثالثاً: قرار إعانة أسر الموظفين المتوفين في الحرب — الدولة في مواجهة المأساة الإنسانية
3.1. الإطار القانوني لإعانة أسر الضحايا
يُمثّل القرار الوزيري في شأن إعانة تنفذ لعائلة من توفي من الموظفين الحاضرين في الحرب واحداً من أكثر نصوص هذا العدد إنسانيةً وأعمقها أثراً. فهو يُجسّد لحظة فارقة يُواجه فيها الجهاز الإداري الحاجة إلى إيجاد آلية قانونية للتعامل مع الأثر الإنساني المدمّر للحرب على أسر الموظفين المدنيين الذين لقوا حتفهم في الميدان. وقد صدر هذا القرار بمقتضى الظهير الشريف المؤرَّخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331هـ الموافق لثامن عشر أبريل سنة 1913م المتعلق بتعيين اسعار القوت المنفذة للموظفين المدنيين بالإيالة الشريفة.
جاء الفصل الأول من هذا القرار ليُقرر مبدأً اجتماعياً بالغ الأهمية: "إذا توفي أحد الموظفين أو الأعوان بالإدارات الشريفة الحاضرين في الحرب فتحوز زوجته نصف الراتب المنفذ له بدون تعويض إلى نهاية الحرب وإذا لم تكن له زوجة وله أولاد فأولاده يحوزون ما ذكر." ويُبيّن هذا الفصل أن الدولة كانت تُقرّ بمسؤوليتها تجاه أسر من قدّموا أرواحهم في خدمتها، وإن كانت هذه المسؤولية تظل محدودةً ومؤقتة.
3.2. الفصل الثاني — آلية احتساب المنح وشروط استحقاقها
نصّ الفصل الثاني من القرار على أنه "يسقط من نصف الراتب المذكور ما قبضه التائب الموظف أو الملك أو لأولاده طبق ما قرر بالأمر الصادر من رئيس الجمهورية الفرنساوية في اليوم التاسع من أكتوبر سنة 1914م." ويُبيّن هذا الفصل أن الآلية التعويضية كانت تعمل وفق مبدأ التكامل لا مبدأ التراكم، أي أن منحة الإعانة تُخصم منها المبالغ التي حصلت عليها الأسرة من مصادر أخرى، كالأمر الرئاسي الفرنسي الصادر في التاسع من أكتوبر 1914م.
تكشف الإشارة إلى الأمر الرئاسي الفرنسي في نص قرار مغربي دلالةً مهمة على طبيعة التداخل القانوني بين المنظومتَين التشريعيتَين الفرنسية والمغربية في عهد الحماية. فالنظام التعويضي المغربي لم يكن منفصلاً ومستقلاً بالكلية، بل كان يُحاكي النموذج الفرنسي ويتكامل معه، مما يدل على درجة من التنسيق القانوني بين الطرفَين تجاوزت مجرد الظهور الشكلي لنظام السيادة المزدوجة.
3.3. الدلالات الاجتماعية للقرار في سياق المغرب الاستعماري
يستحق هذا القرار وقفةً تحليليةً عند أبعاده الاجتماعية العميقة. فمن جهة أولى، يُبيّن أن الحماية الفرنسية أدخلت في المنظومة الإدارية المغربية مفهوماً جديداً هو مفهوم "الحماية الاجتماعية للموظف وأسرته"، وهو مفهوم كان غائباً في منظومة الدولة المخزنية التقليدية. ومن جهة ثانية، يكشف هذا القرار أن الموظفين المدنيين المغاربة والأوروبيين كانوا يتساوون من حيث المبدأ في هذا النوع من الحماية، وإن كانت تفاصيل التطبيق قد تختلف.
وتتعمّق أهمية هذا القرار حين نستحضر أن المستفيدين من أحكامه كانوا في الغالب أسر موظفين مغاربة لقوا حتفهم في حرب لم يكونوا طرفاً فيها من اختيارهم، بل حضروا إليها بحكم التزامات فرضها نظام الحماية. وهذا الوضع يُفرز توتراً أخلاقياً وسياسياً واضحاً يجعل من قرار الإعانة استجابةً أقل مما تستوجبه العدالة، وإن كانت تُمثّل في حدّ ذاتها اعترافاً بالمسؤولية.
رابعاً: قرارا تعويضات القوت والسكنى — الدولة والضغوط الاجتماعية للحرب
4.1. قرار تعويضات غلاء أسعار القوت لعام 1915م
جاء في هذا العدد قرار وزيري يُبيّن فيه قدر تعويض غلاء أسعار القوت الذي ينفذ للموظفين والأعوان المدنيين بصفرو، بمقتضى الظهير الشريف المؤرَّخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331هـ الموافق لثامن عشر أبريل سنة 1913م المتعلق بتعيين تعويضات غلاء الأسعار المنفذة للموظفين المدنيين بالإيالة الشريفة. وقد نصّ الفصل الفريد من هذا القرار على أنه قد أُدخلت مدينة صفرو في الطبقة الثانية من المواضع المنصوص عليها في القرار الوزيري المؤرَّخ بثالث شعبان عام 1332هـ الموافق للسابع والعشرين من يونيو سنة 1914م المتعلق بتعيين تعويضات غلاء الأسعار، وذلك ابتداءً من تاريخ نشر هذا القرار.
ويُبيّن هذا القرار استمرار التوسع في تغطية المدن المغربية بشبكة تعويضات غلاء الأسعار، حيث انضمت صفرو هذه المرة إلى المنظومة بعد أن سبقتها مدن أخرى في الأعداد السابقة. ويُشير إدراج صفرو في الطبقة الثانية إلى أن المنظومة كانت مُصنَّفةً وفق معايير تأخذ بعين الاعتبار تكاليف المعيشة في كل مدينة ومستوى غلاء الأسعار فيها.
4.2. قرار تعويضات السكنى لعام 1915م
يتضمّن هذا العدد أيضاً قراراً وزارياً يُبيّن فيه قدر تعويض السكنى الذي ينفذ للموظفين والأعوان المدنيين بصفرو، بمقتضى نفس الظهير الشريف المرجعي. وقد نصّ هذا القرار على أنه قد أُدخلت مدينة صفرو في الطبقة الثانية من المواضع المنصوص عليها في القرار الوزيري المؤرَّخ برابع شعبان عام 1332هـ الموافق للسابع والعشرين من يونيو سنة 1914م المتعلق بتعيين تعويضات السكنى المنفذة للموظفين المدنيين بالإيالة الشريفة، ابتداءً من تاريخ نشر هذا القرار.
وتُبيّن قراءة هذا القرار جنباً إلى جنب مع سابقه وجود منظومة مزدوجة للتعويضات، تميّز بين تعويض غلاء القوت وتعويض السكنى، وهو ما يعكس وعياً دقيقاً بتركيبة التكاليف المعيشية للموظف. فالموظف المنقول إلى مدينة بعيدة يتحمل من جهة تكاليف إضافية في تأمين المسكن، ومن جهة أخرى يتحمل تكاليف قوت قد تختلف عمّا اعتاده في مدينته الأصلية. وقد حرص المشرع على معالجة هذا البُعدَين معاً بدلاً من الاكتفاء بتعويض موحّد يجمعهما.
4.3. أثر هذه التعويضات على جاذبية الوظيفة العمومية
يمكن في ضوء قرارَي تعويضات القوت والسكنى قراءة السياسة الأشمل للإدارة الاستعمارية في تحفيز الموظفين على القبول بالانتقال إلى مدن كانت تُعدّ نائيةً أو أقل جذباً. فمدينة صفرو، وإن كانت تحتل موقعاً استراتيجياً في قلب المغرب، كانت تبدو في أعين الموظفين الأوروبيين مرتبةً أدنى من المدن الساحلية الكبرى، ومن ثَمّ كانت التعويضات المُضافة تُمثّل حافزاً يُعوّض عن هذا التصوّر. وبهذا المعنى، كانت منظومة التعويضات تؤدي وظيفة توزيع الكوادر البشرية جغرافياً، وهي وظيفة تنموية لا تقل أهمية عن وظيفتها الاجتماعية المباشرة.
خامساً: قرار تقييد باب جامع سيدي أبي العباس بسلا — حماية التراث في زمن التحولات
5.1. السياق التاريخي لجامع سيدي أبي العباس وباب سلا العتيق
يُمثّل قرار البحث عن تقييد الباب المعروف بباب جامع سيدي أبي العباس في عدد الأبنية التاريخية بمدينة سلا واحداً من أندر الوثائق في هذا العدد من حيث موضوعه وأبعاده الثقافية والتراثية. فمدينة سلا العريقة بتاريخها الأمازيغي والإسلامي الضارب في عمق القرون، تحمل في أحياء مدينتها العتيقة كنوزاً معمارية لا تُقدّر، في مقدمتها جامع سيدي أبي العباس الذي يُعدّ من أبرز المعالم الدينية والتاريخية للمدينة.
وقد جاء قرار تقييد بابه في عداد الأبنية التاريخية نابعاً من الطلب الذي عرضه رئيس إدارة الآثار القديمة والفنون الجميلة والتراث التاريخية على إدارة الكاتب العام للدولة الشريفة. ويُبيّن هذا المسار الإجرائي أن منظومة حماية التراث المعماري كانت تعمل وفق آلية مؤسسية متعددة الأطراف، يبدأ بطلب إداري متخصص ثم يمر بمراجعة على مستوى أعلى قبل أن يُتوَّج بقرار رسمي.
5.2. الفصول القانونية لقرار التقييد الأثري
جاء في الفصل الأول من القرار أنه "يجري البحث في شأن تقييد الباب المعروف بباب جامع سيدي أبي العباس الموجود قرب المستشفى بمدينة سلا في عدد الأبنية التاريخية." وهذا التحديد الجغرافي الدقيق يُبيّن أن الأمر لا يتعلق بالجامع كله بل ببابه التاريخي بالذات، أي ببنية معمارية محددة ذات قيمة أثرية خاصة داخل المجمع المعماري الأشمل.
ونصّ الفصل الثاني على أن "كل من له حق فيما يمكن له أن يعرض علينا جميع ملاحظاته بواسطة الكاتب العام لدى الدولة الشريفة الذي كلف بهذا الغرض." ويُبيّن هذا الفصل وجود مبدأ إجرائي مهم وهو الاستماع إلى الأطراف ذوي الحقوق قبل إقرار التقييد الأثري بصورة نهائية. وهو مبدأ يستوحي آليات قانون التحفيظ العقاري الفرنسي ويُطبّقه في سياق حماية الموروث المعماري، مما يُبيّن كيف كانت المعايير القانونية الفرنسية تنتقل إلى المغرب وتُكيَّف مع سياقه الخاص.
5.3. أهمية هذا القرار في إرساء ثقافة صون التراث
يكتسب قرار تقييد باب جامع سيدي أبي العباس أهميةً تاريخيةً مضاعفة حين نستحضر أنه صدر في ظرف حربي عسير، وهو ما يدل على أن الإدارة الاستعمارية كانت تُولي مسألة الحفاظ على التراث المعماري المغربي أهميةً تتجاوز مقتضيات اللحظة الطارئة. وقد كانت هذه السياسة جزءاً من مشروع أشمل للمقيمية العامة يقوم على توثيق الموروث الحضاري المغربي وصونه، وإن كانت الدوافع الحقيقية لهذا المشروع تنطوي أحياناً على اعتبارات استشراقية وسياسية تتجاوز الغيرة الأثرية البريئة.
وتُبيّن الوثائق المتعلقة بهذا الملف أن الإدارة الفرنسية كانت تعي أن المدن المغربية العتيقة تُمثّل منجماً من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية، وأن الحفاظ عليها يُسهم في إدارة العلاقة مع الساكنة المغربية وكسب ولائها من خلال إظهار الاحترام لموروثها الحضاري، في مقابل التغيير الجذري الذي كانت تُجريه على البنى الاجتماعية والسياسية.
سادساً: تعيين القضاة — بنية الجهاز القضائي في طور التشكّل
6.1. السياق العام لتجديد هيئة القضاء المغربي
يتضمّن العدد الخامس والثمانون قرارات لتعيين عدد من القضاة في مختلف مواقع القضاء المغربي، وهي قرارات تستحق التوقف عندها لما تكشفه عن طبيعة المنظومة القضائية في تلك المرحلة التأسيسية. فالقضاء في مغرب الحماية كان يُمثّل حقلاً بالغ الحساسية، إذ تتجاذبه قوتان: التراث الفقهي الإسلامي المُعبَّر عنه في القضاء الشرعي بمؤسسة القضاة والمجلس الأعلى للعلماء، والضرورات الجديدة التي فرضتها الحداثة الإدارية والقانونية المستوردة من المرجعية الفرنسية.
وقد حرصت المقيمية العامة على التمييز الشكلي بين القضاء الشرعي الإسلامي المحافَظ عليه بوصفه من مُقتضيات احترام الهوية المغربية، وبين القضاء المدني الحديث المستحدث لمعالجة الشؤون التجارية والإدارية الجديدة. وقد انعكس هذا التمييز في أسلوب تعيين القضاة وفي النصوص المرجعية المستند إليها في قرارات التعيين.
6.2. قرار تعيين قضاة محكمة الدار البيضاء
جاء في هذا العدد قرار بتعيين مولاي أحمد بن المأمون البلغيثي الذي هو عضو بالمجلس الأعلى للعلماء بالدار البيضاء مؤرَّخ في عاشر محرم الحرام عام 1333هـ عوضاً من السيد المهدي العراقي الذي أُعفي من خطته. وقد عُيّن السيد محمد الرندة الذي هو عضو بالمجلس الأعلى للعلماء قاضياً بظهير مؤرَّخ في الفتح برباط في عاشر محرم الحرام عام 1333هـ عوضاً عن السيد المكي البطاودي الذي عُزل من خطته. وعُيّن السيد التفراوي الذي هو نائب بالمجلس الأعلى للعلماء قاضياً بسلا بظهير مؤرَّخ برباط الفتح في عاشر محرم الحرام عام 1333هـ عوضاً عن السيد أحمد بن بوبكر عواد الذي كان نائباً عن القاضي وقدم استعفاءه. وقد تضمّن القرار أيضاً تعيين السيد محمد بن عبدالسلام الهوادي قاضياً بالقصبيري بظهير مؤرَّخ في سادس محرم الحرام عام 1333هـ عوضاً عن السيد محمد الشرقاوي الذي عُزل من خطته.
6.3. دلالات التعيينات القضائية على بنية الجهاز القضائي
تُقدّم قرارات التعيين القضائي الواردة في هذا العدد مؤشراتٍ مهمةً على بنية الجهاز القضائي المغربي في تلك المرحلة. فمن جهة أولى، يتضح أن القضاة المعيَّنين ينتمون في الغالب إلى فئة العلماء والمنتسبين إلى مؤسسة المجلس الأعلى للعلماء، مما يدل على استمرار الرابط الوثيق بين المؤسسة العلمية الدينية والسلطة القضائية في المغرب رغم تحولات الحماية. ومن جهة ثانية، تُبيّن الإشارة إلى "الإعفاء" و"العزل" و"تقديم الاستعفاء" وجود آليات متعددة لإنهاء المهام القضائية، تتدرج من الاستقالة الطوعية إلى الإعفاء التقديري إلى العزل التأديبي.
وتكشف هذه التفاصيل عن ديناميكية داخلية في الجهاز القضائي تختلف عن التصور الساكن الذي يُقدّم هذه المؤسسات في عهد الحماية بوصفها هياكل جامدة. بل على العكس من ذلك، كانت حركة التعيين والإعفاء والعزل تُبيّن أن هذه المؤسسات كانت تعيش حراكاً وظيفياً حقيقياً، تخضع فيه الكفاءات والأداء لرقابة مستمرة تنتهي عند الحاجة بالتغيير.
سابعاً: قرارات التعيين في الوظائف الإدارية والكتابية — المشهد الإداري في شموليته
7.1. سلسلة قرارات تعيين الموظفين المنشئين
شهد العدد الخامس والثمانون جملةً من قرارات تعيين الموظفين الجدد في الجهاز الإداري، وهي قرارات تتكرر فيها عناصر إجرائية ثابتة تُعبّر عن منهجية راسخة في التعيين والإدماج الوظيفي. فقد صدرت قرارات تعيين المسيو "دي رفادلارفيني جان بتيست" منشئاً رسمياً في وظيفه وانخرط في سلك الدرجة الخامسة ابتداءً من الثلاثين من نوفمبر سنة 1914م، والمسيو "ييسو أوكيست ماري" منشئاً رسمياً في وظيفه وانخرط في سلك الدرجة الخامسة ابتداءً من اليوم الثلاثين من نوفمبر سنة 1914م.
وقد صدرت هذه القرارات جميعاً بمقتضى الظهير الشريف المؤرَّخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331هـ المتعلق بتنظيم حزب الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة، مما يُبيّن أن المرجعية القانونية كانت موحدة لجميع تعيينات هذه الفئة، في حين كانت تفاصيل المسمى والدرجة والتاريخ تتمايز من قرار إلى آخر.
7.2. قرارات تعيين الكتّاب الناسخين
تضمّن هذا العدد سلسلةً من قرارات تعيين كتّاب ناسخين في إدارة البوليس وفي الإدارة المدنية الشريفة، من بينها قرار تعيين المسيو "جان لوى" الذي هو كاتب نساخ في وظيفه رسمياً وانخرط في سلك الدرجة الرابعة ابتداءً من عاشر ديسمبر سنة 1914م، وقرار تعيين المسيو "جورج جيمس جورج جان" كاتباً بالإيالة الكتابة رسمياً وانخرط في سلك الدرجة الرابعة ابتداءً من السادس عشر من ديسمبر سنة 1914م. وقرار تعيين المسيو "انطوان امبروزيني بير" كاتباً ناسخاً رسمياً في وظيفه وانخرط في سلك الدرجة الرابعة ابتداءً من الواحد والعشرين من نوفمبر سنة 1914م.
وكما لاحظنا في الأعداد السابقة، يتوحد تاريخ الصدور في هذه القرارات مع تمايز تواريخ الالتحاق بالعمل، مما يدل على أن الإدارة كانت تُدير كشفاً دورياً من القرارات الفردية تُصدره في موعد محدد دون انتظار توحيد تواريخ السريان.
7.3. قرارات تعيين أعضاء اللجنة البلدية بمدينة الجديدة
اشتمل العدد الخامس والثمانون على قرار وزيري يتعلق بتعيين عضو باللجنة البلدية بالجديدة بمقتضى الظهير الشريف المؤرَّخ في الحادي عشر من شعبان عام 1332هـ الموافق للخامس من يوليو سنة 1914م المتعلق بإحداث لجنة بلدية بمدينة الجديدة، وبمقتضى القرار الوزيري الصادر في الثاني من يوليو سنة 1914م المتعلق بتعيين اعضاء اللجنة المذكورة. وقد نصّ القرار على أنه قد عُيّن المسيو "بلوار" عضواً باللجنة البلدية بالجديدة عوضاً عن المسيو "فلوردي" الذي قدّم استعفاءه والسلام.
ويُبيّن هذا القرار آليةً مؤسسية دقيقة، إذ يتضح أن عضوية اللجنة البلدية لم تكن دائمة ولا مضمونة، بل كانت تنتهي باستعفاء العضو أو بإعفائه، ويُعوَّض حينئذٍ بعضو جديد يُعيَّن بقرار وزيري خاص. وهذا الأسلوب يُبيّن أن اللجان البلدية لم تكن مؤسسات منتخبة بل معيَّنة، مما يجعلها في حقيقتها أدواتٍ للإدارة الفوقية أكثر منها هيئاتٍ للتمثيل المحلي الحقيقي.
ثامناً: قرارات تعطيل الموظفين المنشئين عن الخدمة — إدارة الموارد البشرية في الظرف الحربي
8.1. قرار تعطيل موظفَين منشئَين عن الخدمة
تضمّن العدد الخامس والثمانون قراراً وزارياً بتعطيل منشئَين بالإدارة المدنية الشريفة عن الخدمة. وقد نصّ القرار على أنه "قد عُطّل المسيو ادمون لوي جيلير المنشئ من الدرجة الخامسة بنيابة فرنسا قنصلية بالجديدة لأنه عُيّن في منصب آخر بفرنسا لمدة الحرب بأمر من رئيس الجمهورية بتاريخ ثامن نوفمبر سنة 1914م." ويكشف هذا القرار بجلاء عن أثر الحرب العالمية الأولى على الجهاز الإداري المغربي، إذ كانت الحرب تستنزف الكوادر البشرية وتُعيد توزيعها بين الجبهات وبين المهام الميدانية المختلفة.
وتحمل عبارة "لأنه عُيّن في منصب آخر بفرنسا لمدة الحرب" دلالةً واضحة على الطابع المؤقت لهذا التعطيل، مما يُبيّن أن الإدارة كانت تتعامل مع ظروف الحرب بمرونة إدارية تُتيح نقل الموظفين من منصب إلى آخر وتعطيلهم مؤقتاً ثم استعادتهم حين تسمح الظروف. وهو نهج يُفصح عن منطق إداري براغماتي يضع مصلحة الجهد الحربي في مرتبة أعلى من الاستقرار الوظيفي الفردي.
8.2. الصلة بين تعطيل الموظفين وضغوط الحرب على الموارد البشرية
يُشكّل قرار تعطيل الموظفين عن الخدمة دليلاً إضافياً على التداخل العميق بين ما كان يجري في أوروبا وما كان يجري في المغرب. فالأشخاص الذين عُطِّلوا لم يكونوا عسكريين بل موظفين مدنيين، وهو ما يُبيّن أن الحرب كانت تطال الجهاز الإداري أيضاً لا فقط الجهاز العسكري. وقد كانت هذه التعطيلات تُولّد فراغاً في الكوادر الإدارية يُضغط على الإدارة المغربية ويدفعها إلى تسريع وتيرة تعيين موظفين جدد أو اللجوء إلى موظفين أقل خبرةً ودراية.
ويُقدّم هذا الواقع صورةً عن إدارة كانت تعمل في ظروف صعبة وغير مثالية، تُوازن بين احتياجات الحرب ومتطلبات تسيير شؤون المغرب اليومية. وقد كانت هذه الصعوبات تدفع في أحيان كثيرة إلى اتخاذ قرارات إدارية مرتجلة أو مؤقتة، يُعبّر عنها بعبارات "لمدة الحرب" التي تُشير إلى الوعي بأن الوضع غير اعتيادي وأن المآل النهائي هو العودة إلى الحالة الطبيعية حين تنتهي الحرب.
تاسعاً: قراءة عرضانية في العدد 85-86 — محاور التكامل والتمايز
9.1. التكامل بين الشأن الحربي والشأن الإداري في صفحة واحدة
لعل أبرز ما يُميّز العدد الخامس والثمانون والسادس والثمانون عن الأعداد السابقة هو هذا التكامل اللافت بين الشأن الحربي والشأن الإداري في صفحاته. ففي الأعداد السابقة كانت القرارات الإدارية تسير وفق مسارها الاعتيادي دون أن تُشير بصورة مباشرة إلى الحرب، في حين يُجاور في هذا العدد التلغرافُ المتعلق ببطولات الجنود المغاربة القرارَ المتعلق بتعيين كاتب ناسخ، والظهير المتعلق بوسام الشجاعة قرارَ تعيين قاضٍ بالدار البيضاء.
يُبيّن هذا التجاور أن الجريدة الرسمية كانت تُمثّل مرآةً شاملةً للحياة العامة في كل أبعادها، لا مجرد مسجّل بيروقراطي للقرارات الإدارية الجافة. وكان القارئ لصفحاتها يجد نفسه في قلب اللحظة التاريخية بكل تعقيداتها وتناقضاتها وإنسانيتها.
9.2. الحضور المغربي في وثائق هذا العدد — بين التكريم والتهميش
يستحق الحضور المغربي في وثائق هذا العدد وقفةً تحليليةً خاصة. فمن جهة، يبرز هذا الحضور بصورة لافتة في التلغرافات المتعلقة بالبطولات العسكرية، حيث يُحتفى بالجنود المغاربة بالأسماء والمآثر. ومن جهة ثانية، يبرز في قرارات تعيين القضاة التي تُشير إلى شخصيات عالِمة مغربية ذات مكانة اجتماعية ودينية رفيعة. غير أنه في قرارات التعيين الإداري يكاد يغيب تماماً، إذ تُهيمن الأسماء الأوروبية على مناصب الكتّاب والمنشئين وسائر الوظائف الإدارية.
يُبيّن هذا التوزيع الاجتماعي للأدوار أن نظام الحماية كان يُعيد إنتاج تراتبية اجتماعية محددة: المغاربة يُكرَّمون كمحاربين أشداء أو كعلماء دين، بينما يُحجَز عنهم في الغالب الوصول إلى مناصب الإدارة المدنية الحديثة. وكان لهذا التوزيع آثاره البعيدة المدى على طبيعة النخب المغربية التي نشأت في عهد الحماية وعلى طريقة تشكّل وعيها الوطني والسياسي.
9.3. تطور أسلوب الكتابة الإدارية في وثائق هذا العدد
يُلاحَظ في وثائق هذا العدد تطور ملموس في أسلوب الكتابة الإدارية وصياغة القرارات مقارنةً بالأعداد الأولى من الجريدة الرسمية. فالنصوص باتت أكثر دقةً وتحديداً وأقل غموضاً، والمراجع القانونية باتت تُذكر بصورة أكثر انتظاماً وشمولاً، وتواريخ السريان باتت تُحدَّد بدقة أكبر، وآليات التعويض باتت تُوصف بتفصيل أدق. وهذا التطور يعكس عمليةً تعلّم مؤسسية حقيقية كانت تجري داخل الجهاز الإداري بمرور الوقت، وهو ما كان يُساهم بدوره في تعزيز كفاءة هذا الجهاز وقدرته على الاستمرار والتطور.
خاتمة: العدد 85-86 وثيقةً حضاريةً في لحظة فارقة
يغدو العدد الخامس والثمانون والسادس والثمانون من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة، بحكم ما يختزنه من تنوع وثراء وعمق، وثيقةً حضاريةً تتجاوز في أبعادها الحقيقية مجرد كونها سجلاً للقرارات الإدارية. فهو يُوثّق لحظة فارقة من التاريخ المغربي والعالمي معاً: لحظة كان فيها المغاربة يقاتلون ويموتون على أرض أوروبية بعيدة، فيما كانت إدارتهم الداخلية تواصل الدوران والإصدار دون انقطاع.
ويتضح من استعراض هذا العدد أن الجريدة الرسمية في عهد الحماية كانت أكثر من مجرد ناقل رسمي للقرارات، بل كانت صورةً وفيةً لمجتمع يمر بمخاض عسير، يُحاول أن يبني مؤسساته الحديثة في خضم الحرب، وأن يُكرّم أبناءه البارّين الذين يقاتلون بعيداً عن أرضه، وأن يُنظّم حياته اليومية في الأسواق والمحاكم والمكاتب. وفي هذا التوازي بين الكبير والصغير، بين المعركة والتعيين الإداري، بين التكريم العسكري ومنح التعويض المعيشي، تكمن الثروة الحقيقية لهذه الوثيقة التاريخية الفريدة.
المراجع والمصادر:
- الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة، العدد 85-86، السنة الثانية، الصادرة في الثالث من صفر عام 1333هـ الموافق للحادي والعشرين من ديسمبر سنة 1914م، الرباط: إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية.
- التلغرافات الرسمية من وزير الحربية الفرنسية إلى المقيم العام بالرباط بتواريخ 6 و7 و8 و10 ديسمبر 1914م.
- الظهير الشريف في شأن تنقيح ضابط الوسام الملوي الشريف، المحرر بالرباط في 25 ذي الحجة 1332هـ.
- القرار الوزيري في شأن إعانة تنفذ لعائلة من توفي من الموظفين الحاضرين في الحرب، المحرر بالرباط في 19 محرم 1333هـ.
- قرارا تعويضات غلاء القوت والسكنى لمدينة صفرو، المحرران بالرباط في 10 محرم 1333هـ.
- قرار البحث في تقييد باب جامع سيدي أبي العباس بسلا في عدد الأبنية التاريخية، المحرر بالرباط في 19 محرم 1333هـ.
- قرارات تعيين القضاة بالدار البيضاء وسلا والقصبيري، المحررة بالرباط في عاشر محرم 1333هـ.
تحميل العدد 85 -86 بتاريخ 21 دجنبر 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق