مقدمة
تعتبر الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية السجل التاريخي الأبرز الذي يوثق للتحولات التشريعية والإدارية العميقة التي شهدتها المملكة المغربية مطلع القرن العشرين. وفي هذا السياق، يكتسي العدد 76 من الجريدة الرسمية، الصادر بتاريخ 21 ذي القعدة عام 1332 هجرية الموافق لـ 12 أكتوبر 1914، أهمية بالغة واستثنائية. إن هذا العدد لا يوثق مجرد قرارات روتينية، بل يضع اللبنات الأولى لواحدة من أهم المنظومات القانونية في حياة المجتمعات الحديثة: "قانون السير والجولان"، أو ما عُرف آنذاك بـ"ظهير شريف في ضبط سير العربات".
إلى جانب التنظيم المحكم لاستخدام الطرق العمومية، والذي استوجبه التطور الديموغرافي وتوافد وسائل النقل الحديثة كالسيارات (الأطوموبيلات) واختلاطها بالعربات المجرورة بالدواب، تضمن العدد قرارات تنظيمية تهم الإدارة المدنية، وعلى رأسها هيئة المترجمين المدنيين والمنشئين. يهدف هذا المقال التحليلي المطول إلى تفكيك مضامين العدد 76، من خلال دراسة قانونية، تاريخية، وإدارية، مع احترام معايير البحث والتحليل، لنستجلي كيف تمت هندسة الفضاء العام بالمغرب وكيف تم تنظيم أسلاك الإدارة المدنية في تلك الحقبة المفصلية.
تحميل العدد 76 بتاريخ 12 أكتوبر من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولا - السياق التاريخي والتشريعي لإصدار الجريدة الرسمية عدد 76
لا يمكن قراءة النصوص التشريعية المعزولة عن سياقها التاريخي والمؤسساتي، فالجريدة الرسمية في سنتها الثانية كانت تعبر عن مرحلة التأسيس الفعلي لهياكل الدولة الحديثة.
1.1. - الإطار الزمني والإداري للإصدار
يعكس العدد 76 من الجريدة الرسمية دينامية إدارية دقيقة ومستمرة رغم الظروف العالمية المحيطة (بداية الحرب العالمية الأولى).
1.1.1. - دلالة تاريخ الإصدار والجانب التنظيمي
صدر هذا العدد في 12 أكتوبر 1914، وقد حُدد ثمن النسخة الواحدة في "عشرون سنتيم". ويبرز الغلاف الأمامي للجريدة النظام المالي الدقيق للاشتراكات، حيث قُسمت التسعيرة بين "داخل المملكة الشريفة" و"خارجها". فمثلا، الاشتراك السنوي داخل المملكة حدد في 10 فرنكات، بينما في الخارج حدد في 15 فرنكا، والاشتراك لمدة ستة أشهر بـ 6 فرنكات بالداخل و8 بالخارج. هذا التنظيم المالي والمؤسساتي (توزيع الجريدة من خلال بنيقات البوسطة بالمغرب) يعكس الإرادة في تعميم المعلومة القانونية وجعلها متاحة للمؤسسات والأفراد.
1.1.2. - هيكلة المحتوى وأولويات المشرع
تضمن "القسم الرسمي" من هذا العدد فهرسا واضحا اقتصر على ثلاث وثائق رئيسية: ظهير شريف في ضبط سير العربات، وقرار وزيري في تولية موظفين بحزب المترجمين المدنيين بالايالة الشريفة، وقرار وزيري في تعيين منشيء رسميا في وظيفه. هذه الهيكلة المختصرة والمركزة تدل على أن الإدارة كانت تولي أولوية قصوى لتقنين الفضاء الطرقي الذي بدأ يشهد فوضى بسبب تزايد وسائل النقل المتنوعة.
1.2. - دوافع التقنين في الفضاء الطرقي
جاء الظهير الشريف المتعلق بضبط سير العربات استجابة لضرورات موضوعية عبر عنها المشرع بوضوح في ديباجة النص.
1.2.1. - التطور العمراني وتزايد حركة السير
ورد في ديباجة الظهير: "يعلم من كتابنا هذا اسماه الله واعز امره انه لما كان سير العربات بالمدن وبالطرق العمومية لا زال في الازدياد بايالتنا الشريفة وجب ضبط امورها مراعاة للنظام وللامن العام". يظهر من هذا التقديم أن المشرع لاحظ ارتفاع وتيرة استخدام العربات (سواء المجرورة بالدواب أو الآلية)، مما أدى إلى تهديد "النظام والأمن العام"، فكان لزاما التدخل بقواعد استباقية وزجرية تضمن سلامة المستعملين.
1.2.2. - حماية البنية التحتية الناشئة
لم يكن الهدف فقط تنظيم المرور، بل أيضا حماية البنية التحتية الحديثة (الطرق المعبدة، القناطر) من التآكل والتلف السريع بسبب الحمولات المفرطة والعجلات غير المطابقة للمواصفات. لقد استثمرت إدارة الحماية أموالا ضخمة في شق الطرق، وكان لا بد من قانون يحمي هذا الاستثمار من الاستعمال العشوائي.
ثانيا - قراءة مفصلة في ظهير ضبط سير العربات: البنية التقنية ومعايير النقل
خصص الباب الأول والثاني من الظهير لتحديد الشروط التقنية للعربات، وهو ما يعادل اليوم "المصادقة التقنية" في مدونة السير.
2.1. - تحديد معايير العربات وحمولاتها وعجلاتها
ركز المشرع على أدق التفاصيل الهندسية للعربات لضمان عدم إلحاقها الضرر بالطرقات.
2.1.1. - الأبعاد المسموح بها للعربات وعجلاتها
نص الفصل الثاني على ضرورة ضبط عرض "أعمدة عجلاتها" (إطارات العجلات). فقد حُدد العرض الأدنى بـ "ستة سنتيمتر" للعربات المجرورة بدابتين، وإذا كانت العربة مجرورة بأكثر من دابتين فلا يقل العرض عن "ثمانية سنتيمتر"، ويصل إلى "عشرة سنتيمتر" إذا تجاوز العدد أربع دواب. الهدف من هذا التدرج هو توزيع ثقل الحمولة على مساحة أكبر من الطريق لتجنب إحداث حفر وتشققات في المسالك الترابية والمعبدة. كما نص الفصل الرابع على أن مغازل العربات (المحاور) لا يجب أن يزيد طولها على "مترين اثنين ونصف"، مع تحديد بروز المغزل ومركز العجلة بشكل دقيق.
2.1.2. - تنظيم استعمال دواب الجر وضبط العدد
لم يغفل القانون الجانب المتعلق بدواب الجر. فحسب الفصل الثالث، العربات ذات العجلتين لا يجوز أن يجرها أكثر من "خمس دواب"، وذات الأربع عجلات لا تتجاوز "ثمان دواب". ولضمان عدم عرقلة السير، اشترط المشرع "ان لا يوجد اكثر من خمس دواب متتابعة واحدة وراء الاخرى". أما بالنسبة لعربات نقل المسافرين (الكوتشيات)، فقد قيد العدد بـ "ثلاث دواب" للتي تملك عجلتين، و"ست دواب" لرباعية العجلات، وذلك لضمان التحكم في العربة وتوفير الراحة للركاب.
2.2. - القواعد الاستثنائية والآليات المحركة (الأطوموبيلات)
تضمن الظهير مقتضيات خاصة بالسيارات التي كانت تسمى آنذاك "الاطوموبيلات"، وكذا تدبير الصعوبات الجغرافية.
2.2.1. - الأوزان الثقيلة وحماية القناطر
في تطور تشريعي لافت، خصص الفصل الخامس حيزا لـ "الاطوموبيلات المعدة لنقل السلع"، محددا وزنها الأقصى مع الحمولة في "عشرة الاف كيلو" (10 أطنان)، بشرط أن لا يتحمل محور واحد (مغزل) أكثر من "ستة الاف كيلو". ولحماية الجسور، نص الفصل السابع على أن قناطر الأودية التي لا تتحمل الأثقال يجب أن "يعلم عليها بواسطة ألواح مكتوب عليها المقدار النهائي الممكن حمله"، ويمنع منعا كليا مرور العربات التي يتجاوز ثقلها ذلك الحد.
2.2.2. - خيل الإعانات وتدبير العقبات
أجاز الفصل التاسع الاستعانة بـ "الخيل المعدة للاعانة في العقبات البعيدة جدا" (المرتفعات الصعبة)، شريطة أن يُعلم عليها بأعمدة مكتوب عليها "خيل الاعانة". كما سمح بشكل استثنائي بالاستعانة بها عند "قطع الأودية وعند المرور بالجهات الصعبة وبالطرق الغير المخدومة"، مما يبرز الطابع العملي للمشرع ومراعاته للتضاريس الوعرة للمغرب. وتجدر الإشارة إلى منع استعمال "المسامير ذوات الرأس في عصابة العجلة" (الفصل العاشر) لحماية الطرق، والسماح فقط بالمسامير المسطحة.
ثالثا - قواعد الجولان والسلامة الطرقية في ظهير 1914
يشكل الباب الثالث من الظهير النواة الصلبة لقواعد السير (Code de la route) التي تحكم سلوك السائقين في الفضاء العام.
3.1. - آداب السير وقواعد المرور في الطرق العمومية
وضع الظهير قواعد صارمة لتنظيم التقاطع والتجاوز، وهي قواعد لا تزال سارية المفعول في جوهرها حتى اليوم.
3.1.1. - اتجاه السير، التجاوز، والوقوف
نص الفصل السادس عشر بشكل صريح على ضرورة السير على "يمين الطريق عند التقائهم بالعربات والحيوانات"، وترك فسحة كافية للمرور. وفي حالة "المسابقة" (التجاوز)، ألزم المشرع السائقين بأن "يسيروا على جهة الشمال" (اليسار). كما منع الفصل السابع عشر وقوف العربات أو دواب الركوب في الطريق العمومي "لغير موجب"، تفاديا لعرقلة حركة السير المتنامية.
3.1.2. - احترام الفعاليات الاجتماعية والعسكرية
في تجلٍ لاحترام النظام العام والتقاليد، منع الفصل الثامن عشر على سائقي العربات والحيوانات أن "يشقوا الجنائز ولا جماعة صبيان المكاتب وكذا الجيوش المارة في الطريق". هذا الفصل يعكس التداخل بين القانون الوضعي واحترام التجمعات البشرية ذات الطابع الديني (الجنائز)، التعليمي (المدارس/المكاتب)، والسيادي (الجيوش). كما مُنع التسابق في الطريق العام (الفصل التاسع عشر) إلا في المسابقات المرخص لها.
3.2. - تجهيزات السلامة والإنذار (الفرامل، المصابيح، والأبواق)
كان الظهير سباقا لفرض تجهيزات أمان متطورة بالنسبة لتلك الحقبة.
3.2.1. - آلات الفرملة وتخفيف السرعة
ألزم الفصل الثالث عشر سائر العربات المجرورة التي تستحق أكثر من دابة واحدة بأن يضاف لعجلاتها المؤخرة "آلة تقلل سرعة السير بمؤخرها" (فرامل). أما "الاطوموبيلات" (السيارات)، فقد شدد الفصل الرابع عشر على إضافة "آلة اخرى كافية لتوقيف حركتها او قهرها" زيادة على تسكين حركة عجلاتها، لضمان السيطرة التامة على المركبة حتى في حالات الانحراف. وفي الفصل الثالث والعشرين، فُرض على السائقين والراكبين "أن تكون عندهم استطاعة على تخفيف سرعة السير او على الوقوف تماما كلما تبين من مرورهم خطر".
3.2.2. - الإنذار الصوتي والإنارة الليلية
نص الفصل الخامس والعشرون على ضرورة تزويد السيارات بـ "بوق معد للانذار والتنبيه"، مع السماح باستخدام "صفارات او غيرها من الالات التي لها صوت رنان" خارج جهات العمارة (خارج المدار الحضري) لتجنب الضجيج المزعج. أما الدراجات العادية (العجلات المحركة بالارجل)، فقد مُنعت من استعمال البوق وفُرض عليها استخدام "ناقوس" (جرس). أما بالنسبة للإنارة، فقد كان الفصل السادس والعشرون حاسما: العربات التي تسير ليلا يجب أن تحمل "مصباح لها ضؤ موقد ابيض" في المقدمة، وبالنسبة للعربات الآلية يجب أن يضاف "ضو احمر في مؤخرها"، وهو معيار سلامة دولي تم تطبيقه مبكرا في المغرب.
رابعا - التوثيق والمراقبة: صفائح التعريف والإجراءات الزجرية
لضمان تطبيق هذه المقتضيات، أسس الظهير نظاما للتوثيق (ترقيم العربات) وآلية زجرية صارمة.
4.1. - نظام صفائح التعريف (لوحات الترقيم)
شكل الباب الرابع ثورة توثيقية من خلال فرض هوية بصرية لكل عربة.
4.1.1. - إلزامية صفيحة التعريف والبيانات المطلوبة
نص الفصل السابع والعشرون على أنه يلزم أن "يوضع على كل عربة من العربات التي تمر بالطرق العمومية صفيحة التعريف". ولم تكن هذه الصفيحة تحمل أرقاما مجردة، بل طُلب أن "يكتب عليها اسم صاحب العربة ولقبه وحرفته ومحل سكناه وتكون الكتابة باحرف ظاهرة" لا تقل عن نصف سنتيمتر. هذا الإجراء كان هدفه الأمني واضحا: تحديد هوية المالك فورا في حالة ارتكاب مخالفة أو التسبب في حادثة.
4.1.2. - الاستثناءات القانونية لبعض العربات
أعفى المشرع فئات محددة من هذه الصفيحة، وشمل ذلك: "العربات الخصوصية التي تجرها الدواب اذا كانت معدة لنقل الناس وليس لها علاقة بنقل البريد او بنقل العموم"، "عربات الادارات العمومية"، "عربات الادارات العسكرية"، وكذا "العربات المستعملة للفلاحة ولنقل غلاتها ولاستغلال العزايب" التي تتحرك بين المزارع والأسواق. هذا الإعفاء للفلاحين كان يراعي الطبيعة القروية للاقتصاد المغربي وصعوبة فرض لوائح معدنية على عربات فلاحية بسيطة.
4.2. - العقوبات والإجراءات القانونية والمراقبة
خصص الباب الخامس والسادس للردع وتحديد الجهات الرقابية.
4.2.1. - الغرامات المادية والعقوبات الحبسية
تدرجت العقوبات حسب طبيعة المخالفة. فقد نص الفصل الثلاثون على أن مخالفة مقتضيات الفصول السابقة يعاقب عليها بـ "ذعيرة تتراوح من خمسة الى خمسة وعشرين فرنكا وبالسجن من يوم الى عشرة ايام او باحدى العقوبتين فقط". لكن العقوبة تتشدد في حالة التزوير أو انتحال الصفة؛ فالفصل الحادي والثلاثون يعاقب من استعمل صفيحة بمعلومات كاذبة بـ "ذعيرة من خمسين الى مايتين فرنكا وبالسجن من ستة ايام على الاقل وستة اشهر على الأكثر".
أما جريمة "الفرار" إثر ارتكاب حادثة، فقد نص الفصل الرابع والثلاثون على أن السائق الذي "احدث حادثا او تسببت فيه ولم يقف طالبا للتخلص من المسؤولية" يُعاقب بالسجن من "ستة ايام الى شهرين وبذعيرة من ستة عشر الى خمسماية فرنك"، مع إلزامه بإصلاح الضرر طبقا للقانون الجنائي أو المدني.
4.2.2. - الجهات المخولة بضبط المخالفات وتحرير التقارير
أوكل الفصل السابع والثلاثون مهمة معاينة المخالفات وتحرير التقارير لشبكة واسعة من الموظفين، شملت: "المهندسون ونوابهم ومديرو الاشغال والاعران المستخدمون بإدارة الأشغال العمومية وكذا المهندسون والمراقبون بادارة المناجم وروساء مرصفي الطرق... واعوان أدارة الغابات والديوانة... ولكميسارات البوليس ولاعوانهم ولضباط الجندارمية". تمنح هذه اللائحة الطويلة سلطة واسعة للدولة لضبط الطرق في أي مكان، وتفرض إحالة التقرير إلى المحكمة في ظرف "عشرة أيام" (الفصل 38). وفي حال كان المخالف غير قاطن بالإيالة الشريفة، أجاز الفصل 39 "حجز عربته" حتى يدفع الضمانة أو تصدر المحكمة حكمها.
خامسا - التنظيم الإداري: هيئة المترجمين المدنيين والتعيينات
لم يقتصر العدد 76 على الشأن الطرقي، بل تضمن قرارات تنظيمية غاية في الأهمية لعمل الإدارة المدنية والحكامة.
5.1. - تنظيم هيئة المترجمين المدنيين وتولي الوظائف
نشر في هذا العدد "قرار وزيري في تولية موظفين بحزب المترجمين المدنيين بالايالة الشريفة"، موقع من طرف ليوطي (سانت أولار نائبا) في 3 أكتوبر 1914.
5.1.1. - أهمية الترجمة في إدارة الحماية
كانت الإدارة المزدوجة (المخزنية والفرنسية) تتطلب جهاز ترجمة قويا ومؤهلا لربط قنوات الاتصال بين الإقامة العامة، السلطان، والمواطنين. استند القرار إلى ظهائر سابقة ترجع إلى سنة 1913 تتعلق بـ "ضبط شروط القبول المناظرة المترجمين الرسميين والتلامذة المترجمين المعينين". هذا يدل على أن الانضمام إلى "حزب المترجمين" (سلك المترجمين) كان يخضع لمباريات (مناظرات) دقيقة ومقننة، تعكس الاحترافية المطلوبة.
5.1.2. - التعيينات والترقيات في صفوف المترجمين
تضمن القرار تعيين وترقية مجموعة من الموظفين ذوي الأسماء المتنوعة التي تعكس تركيبة الإدارة آنذاك (مغاربة مسلمين، أجانب، وشوام). نجد من بينهم:
- تعيين "المسيو باخس نجيب مترجما رسميا من الدرجة الثالثة".
- تعيين "المسيو مسك بشاره مترجما رسميا من الدرجة الرابعة".
- تعيين "السيد عبد السلام بن يوسف مترجما رسميا من الدرجة الخامسة".
- تعيين "السيد عبد الله بن كردال كاتبا مترجما مميزا عن كل درجة".
- تعيين "السيد حسن قاطي مترجما معينا من الدرجة الثالثة"، و"السيد احمد خيضر"، و"المسيو ارنو"، و"السيد عبد القادر بن محمد حبيرش" في درجات متفرقة. يعكس هذا التنوع الاعتماد على كفاءات متعددة المشارب لتدبير المرفق العام.
5.2. - التعيينات في أسلاك الوظيفة العمومية (المنشئون)
إلى جانب المترجمين، صدر قرار آخر لتنظيم الكتابة الإدارية.
5.2.1. - قرار تعيين المنشئين الرسميين
تضمن القسم الأخير من الجريدة "قرار وزيري في تعيين منشيء رسميا في وظيفه". بناء على الظهير الشريف الصادر في أبريل 1913 المتعلق بـ "تنظيم حزب الموظفين الاداريين بالايالة الشريفة"، تم تعيين "المسيو جيلبير لوي ادمون رسميا في وظيفه وصار منشئا من الدرجة الخامسة من تاريخ 9 اكتوبر سنة 1914". وقد حمل هذا القرار توقيع الصدر الأعظم "محمد بن محمد الجباص" وأشر عليه للإذن بالنشر الإقامة العامة.
5.2.2. - دلالات التدرج الوظيفي بالإيالة الشريفة
وظيفة "المنشئ" كانت توازي اليوم مهام "المحرر" أو "المتصرف" الإداري المكلف بصياغة القرارات والوثائق. إدراج هذه التعيينات بأسماء أجنبية في سلك الإيالة الشريفة يعبر عن التغلغل المباشر للموظفين الفرنسيين في الهياكل الإدارية المغربية، مع إخضاعهم لنظام تدرج صارم (الدرجة الخامسة، الرابعة، الخ)، مما يضمن بناء بيروقراطية عصرية تعتمد على التسلسل الإداري الواضح والمقنن.
خاتمة
يُعد العدد 76 من الجريدة الرسمية للدولة المغربية، الصادر في أكتوبر 1914، وثيقة تاريخية استثنائية تؤرخ للانتقال بالمغرب من العشوائية في استغلال الفضاء العام إلى التقنين الصارم والحديث. إن "ظهير ضبط سير العربات" لم يكن مجرد نص لتنظيم المرور، بل كان يمثل تجسيدا فعليا لاحتكار الدولة العصرية لحق تنظيم الفضاء، فرض الضرائب والغرامات، وتحديد الهويات (لوحات الترقيم)، وبناء بنية تحتية مستدامة. لقد شكل هذا النص البذرة الأولى لمدونة السير الحالية في المغرب.
من جهة أخرى، أبانت القرارات الإدارية المتعلقة بهيئة المترجمين والمنشئين عن الجهد التنظيمي لإدارة الحماية في هيكلة جهاز بيروقراطي قوي، متعدد اللغات، وقادر على تنزيل السياسات العمومية وتطبيق الظهائر الشريفة على أرض الواقع. وبذلك، يظل هذا العدد شاهدا على مفصل تاريخي زاوج بين هندسة الطرق وهندسة الإدارة لبناء نموذج الدولة الحديثة في المغرب.
تحميل العدد 76 بتاريخ 12 أكتوبر من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق