العدد 64 من الجريدة الرسمية للمملكة الشريفة (24 يوليو 1914م): التأسيس التشريعي لخدمة الهاتف وتنظيم المرافق العامة في المغرب

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

مقدمة

في خضمّ التحولات المؤسساتية الكبرى التي عرفها المغرب خلال السنوات الأولى من نظام الحماية الفرنسية، صدر العدد 64 من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة يوم الجمعة 30 شعبان 1332هـ الموافق لـ24 يوليو 1914م، حاملاً في طياته مجموعة من النصوص التشريعية التي شكّلت لبنات أساسية في بناء المرافق الحديثة للدولة المغربية. ويُعدّ هذا العدد امتداداً للعدد 63 الذي صدر قبله بأسبوع واحد، وهو ما يكشف عن الإيقاع المتسارع لعملية التشريع في تلك المرحلة الحرجة.

ويتميز هذا العدد بكونه قد كرّس جزءاً مهماً لتنظيم خدمة جديدة كانت تدخل المجال العمومي المغربي لأول مرة بصفة منظّمة، وهي خدمة التليفون (الهاتف)، إذ خصّص له قراراً وزيرياً مفصّلاً ضمّ ثمانية أبواب وثمانية وثلاثين فصلاً، يُعتبر من النصوص التأسيسية لقطاع الاتصالات  في المغرب الحديث. كما اشتمل العدد على قرارات وزيرية أخرى تتعلق بتعيين تعويضات السكنى للموظفين في مدن جديدة، وضبط رخص راحة المعافاة، وتولية موظفين في الحكومة المدنية بالإيالة الشريفة، وتعيين رئيس لإدارة الحبوس العمومية.

ولا يقل القسم غير الرسمي أهمية عن الجزء الرسمي، إذ تضمّن أخباراً اقتصادية وعمرانية مهمة، من بينها مشاريع تنقية الملاح بالدار البيضاء، والطرق المواصلة بين مكناس وفاس، وكراكة لمرسى الرباط، وهي مشاريع تكشف عن حركة عمران واسعة كانت تشهدها المدن المغربية في تلك الفترة.

سنتناول في هذا المقال قراءة تحليلية معمّقة لمحتويات هذا العدد، مع تسليط الضوء على دلالاته القانونية والاقتصادية والاجتماعية، والكشف عن إسهاماته في تشكيل ملامح الدولة المغربية الحديثة في مجالات الاتصالات والصحة العامة والوظيفة العمومية.

تحميل العدد 64 بتاريخ 24 يوليوز 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

أولاً: السياق التشريعي والإداري لصدور العدد 64

 

1.1. الإطار الزمني والمؤسساتي

1.1.1. توقيت الصدور ودلالاته

صدر العدد 64 بعد أسبوع واحد فقط من صدور العدد 63، وهو ما يكشف عن انتظام دوري للجريدة الرسمية في تلك المرحلة، حيث كانت تصدر بشكل أسبوعي تقريباً. ويُلاحظ أن تاريخ صدور العدد (24 يوليو 1914) جاء قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب العالمية الأولى (28 يوليو 1914)، وهو ما يضفي على هذا العدد بُعداً تاريخياً خاصاً، باعتباره من آخر الأعداد التي صدرت قبل دخول العالم في مرحلة الحرب الكبرى التي ستؤثر بشكل عميق على مسار الحماية الفرنسية بالمغرب.

1.1.2. الفهرس العام للعدد

تضمن العدد في فهرسه قراراً وزيرياً في بيان المقصود من إدارة التليفون الشريفة وفي تنظيمها، وقراراً وزيرياً في تعيين تعويضات السكنى الممنوحة لموظفين في بني جان بناحية مكناس أي سيدي قاسم بالشراردة، وقراراً وزيرياً يتعلق برخص راحة المعافاة، وقراراً وزيرياً في تولية موظفين من الحكومة المدنية بالإيالة الشريفة، وقراراً وزيرياً يتضمن تعيين رئيس لأشغال إدارة الحبوس العمومية. كما تضمن القسم غير الرسمي أخباراً وإعلامات من جانب مصلحة الدروس الاقتصادية.

1.2. خصوصيات هذا العدد مقارنة بسابقه

1.2.1. غلبة القرارات الوزيرية على الظهائر الشريفة

على خلاف العدد 63 الذي طغت عليه الظهائر الشريفة، يتميز العدد 64 بـهيمنة القرارات الوزيرية، وهي قرارات صادرة عن الصدر الأعظم أو عن الوزراء المختصين. وهذا الفرق يعكس تطوراً في الممارسة التشريعية، حيث بدأ يتم الاعتماد على القرارات الوزيرية لتنظيم التفاصيل التطبيقية للظهائر السابقة، مما يكشف عن انتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التفصيل والتطبيق.

1.2.2. التركيز على المرافق التقنية الحديثة

يلفت الانتباه في هذا العدد التركيز على المرافق التقنية الحديثة، وخاصة خدمة التليفون التي خُصّص لها قرار وزيري مطوّل، وهو ما يعكس إرادة التحديث التقني التي ميّزت سياسة المقيم العام ليوطي. وهذه المرافق الحديثة كانت تدخل المغرب لأول مرة، وتحتاج إلى نصوص تنظيمية مفصلة لضمان حسن استغلالها.

 

ثانياً: القرار الوزيري لتنظيم إدارة التليفون الشريفة

يُعتبر هذا القرار من أهم النصوص التأسيسية لخدمة الاتصالات الهاتفية في المغرب، وقد جاء استكمالاً للظهير الشريف المتعلق بإحداث إدارة البريد والتلغراف الذي صدر في العدد 63 السابق. ويتألف القرار من ثمانية أبواب وثمانية وثلاثين فصلاً، تنظم بشكل دقيق كافة جوانب خدمة التليفون.

2.1. الباب الأول: الشروط العامة لخدمة التليفون

2.1.1. الغرض من إنشاء إدارة التليفون

يحدد الفصل الأول من القرار الغرض من إنشاء إدارة عمومية للتليفون، وهو التكلم رأساً والطلب للتكلم ونقل الرسائل التليفونية والتلغرافات المرسلة من مراكز الاشتراك أو المرسلة إلى المشتركين. وبهذا التعريف، يكشف القرار عن الفلسفة الوظيفية لخدمة التليفون، التي تشمل الاتصال المباشر بين الأشخاص ونقل الرسائل المكتوبة عبر هذه الشبكة الجديدة.

2.1.2. حدود مسؤولية الحكومة

ينص الفصل الثاني على أنه لا مسؤولية على الحكومة فيما يتعلق بالمراسلة المخصوصة بالتليفون، وهو ما يُعتبر تأسيساً لـمبدأ قانوني مهم يقضي بأن الإدارة لا تتحمل تبعات محتوى المكالمات أو الرسائل، بل تقتصر مسؤوليتها على توفير الخدمة وضمان جودتها التقنية.

2.1.3. صلاحيات الحكومة في تنظيم الشبكة

يخوّل الفصل الثالث للحكومة الشريفة صلاحية توقيف المراسلة التليفونية، وذلك في سلك واحد وفي أسلاك متعددة أو في الأسلاك جميعها، الكائنة في دائرة عرضها خمسة عشر كيلومتراً حول المكتب الأكبر. ويمكن للإدارة في أي وقت كان أن تجعل نهاية رخصة الاشتراك، بشرط أن ترجع للمشتركين ما دفعوه نسبياً.

كما تبقى الأملاك المدفوعة لإحداث الأسلاك ومراكزها في كل الأحوال ملكاً للإدارة، وهو ما يكشف عن منطق الملكية العمومية الذي حكم بناء البنية التحتية الاتصالاتية في المغرب منذ تأسيسها.

2.2. الباب الثاني: تنظيم التليفون

2.2.1. استعمال التليفون للعموم

يبيّن الفصل الرابع أنه يمكن للعموم استعمال التليفون إما بواسطة مراكز الاشتراك الثابتة أو المتنقلة المنشأة في منازل المشتركين، وإما بواسطة مراكز عمومية تقام في مكاتب البريد والتلغراف أو في غيرها من المحلات. أما مراكز الاشتراك، فتُقسم إلى مراكز عادية إذا كانت متصلة رأساً بالمكتب الأكبر بسلك مخصوص، وتسمى مراكز بدلية إذا كانت متصلة بمركز اعتيادي يمكن إبداله.

2.2.2. أنواع المواصلات

تنقسم المواصلات التليفونية حسب طبيعتها الجغرافية إلى عدة أصناف:

  • المواصلات البلدية: تجري بين المراكز التي لها نفس الأسلاك البلدية.
  • المواصلات الخارجة عن المدينة: تجري بين الأسلاك المختصة بقسم واحد، وتُعتبر مشتركة إذا جرت على الأسلاك المشتركة بقسم واحد وبأقسام متعددة.
  • المواصلات التليفونية البلدية: تتم في وسط الأسلاك وبين الأسلاك التي من شأنها المواصلة بين بعضها بالتليفون، بشرط أن تكون في المكتب المرسل اليه إدارة لتوزيع الرسائل التلغرافية.

2.2.3. إرسال التلغرافات عبر التليفون

يفتح القرار في فصله الثامن إمكانية إرسال التلغرافات إلى المشتركين أو قبولها من طرفهم بواسطة التليفون، حسب شروط يعينها قرار مدير إدارة البريد والتلغراف الشريفة. وهذا التداخل بين خدمتي التليفون والتلغراف يكشف عن التكامل الوظيفي بين المرافق الاتصالاتية الجديدة.

2.3. الباب الثالث: في الاشتراك

2.3.1. أنظمة الاشتراك

يحدد الفصل العاشر إمكانية الاشتراك بالأسلاك البلدية وفق نظامين:

  • نظام المواصلات حسب السعر المعيّن: يقوم على تحديد قيمة محددة للمواصلات.
  • نظام المواصلات بالسعر الممكن تنقيصه: يتيح للمشترك الحصول على أسعار مخفضة وفق شروط معينة.

وتكون الاشتراكات ثابتة لمدة سنة على الأقل، ووقتية لمدة ثلاثة أشهر على الأقل. ويمكن للمشتركين الذين دفعوا الأجرة المعينة أن يتخابروا مع بقية المراكز إذا كان ذلك ممكناً.

2.3.2. الفرق بين المواصلة البلدية والمواصلة الخارجة عن المدينة

يحدد القرار معايير دقيقة للتمييز بين المواصلة البلدية والمواصلة الخارجة عن المدينة، إذ تعتبر كل مواصلة خارجاً عن المدينة بل تعتبر كمواصلات بلدتين. وهذا التمييز له آثار مهمة على الأجور المفروضة، إذ تختلف بحسب طبيعة المواصلة.

2.3.3. شروط تجديد الاشتراك

يمكن إلزام المشتركين بأي مركز أن يدفعوا قيمة الاشتراك من جديد إذا كانت الأسلاك كلها أو بعضها الواقع الاشتراك فيها تزيد عن حد الاستغلال الاعتيادي. ويتم تعيين هذه الشروط بقرار من مدير إدارة البريد والتلغراف الشريفة، مما يمنح الإدارة مرونة كبيرة في تكييف الخدمة مع المستجدات.

2.4. الباب الرابع: إحداث الأسلاك والمراكز

2.4.1. صلاحيات إدارة البريد والتلغراف

تنفرد إدارة البريد والتلغراف وحدها بصلاحية تعيين رسوم الأسلاك وكيفية تجهيز الأدوات والآلات التي يجب استعمالها. أما هذه الأدوات والآلات وما يلحق بها وتتبعها، فتكون من ملك الإدارة، وتكون كل الأسلاك التليفونية مزدوجة.

2.4.2. توصيل الآلات للمراكز

يبيّن الفصل الثالث عشر أن الآلات المهمة للمراكز العادية والأسلاك التي توصل هذه الآلات للمكتب الأكبر التي يجمعها في كل مدينة بقرار من المدير العام للبريد والتلغراف الشريفين. ويمكن للمشتركين استعمالها بالأجرة المعيّنة في الفصل السابع عشر الآتي.

2.4.3. خدمة المراكز البدلية

تكون مدة خدمة المشتركين بموجب الشروط المحررة بشأن المراكز العادية. ويمكن ذلك الالات الخصوصية أو غير المهمة اللازمة لربط المراكز المشتركة ببعضها أو بالمراكز الأكبر البلدي، ومراكز المشتركين فإن الإدارة تقدمها وتجهزها، ويدفع المشتركون صوائرها وفق الشروط والأسعار التي تعين بقرار من المدير العام.

2.5. الباب الخامس: في الأداءات والضرائب

2.5.1. أسعار الاشتراك السنوية

يحدد الفصل السابع عشر أن أسعار الاشتراكات في كل الأسلاك تكون كما يأتي للاشتراكات المستمرة في المركز الاعتيادي:

  • للمواصلة بالأجرة سعر محدود للاشتراك: يتضمن أجرة الاشتراك نفسه واستقصاء صوائر التجهيز الأول وكراء الآلات الثابتة والأسلاك، وما يلزم لصيانتها 120 بسيطة مخزنية عن كل سنة، وأما أجرة كل مواصلة فهي معينة في الفصل الآتي.
  • تكون الأجرة المحدودة للاشتراك 120 بسيطة مخزنية عن كل سنة، حسب السعر المنقص وعشر بسيطات مخزنية عن كل مائة مواصلة بلدية، وأربعمائة مواصلة واقل ما يكون في السنة مائة مواصلة.

2.5.2. أجور المواصلات بين البلديات

يحدد الفصل الثامن عشر أن أجرة المواصلة في المدن وخارجها عنها تكون عن كل مواصلة ومدتها ثلاث دقائق كما يأتي:

  • خمسة عشر سانتيماً مخزنياً عن المواصلات البلدية.
  • 30 سانتيماً مخزنياً عن المواصلات خارج المدينة.

2.5.3. الأجور للأسلاك ذات الفروع المتعددة

حيث إن الأسلاك المشتركة بين البلدية ونواحيها منقسمة إلى فروع كما تقدم في الفصل الرابع، فتكون الأجرة عنها كما يأتي:

  • بسيطة مخزنية عن كل مواصلة مدتها 3 دقائق في الفروع التي يتراوح طولها ما بين خمسة عشر وماية وخمسين كيلومتراً.
  • بسيطتان عن مواصلة مدتها 3 دقائق عن الفروع التي يتراوح طولها بين ماية وخمسين ومايتين وخمسين كيلومتراً.

2.6. الباب السادس: في إنشاء الضرائب للتليفون

2.6.1. ضرائب الأسلاك الكائنة في المناطق البلدية

تدفع الإدارة صوائر إنشاء الأسلاك الكائنة في المناطق البلدية، والتي تربط بالمكتب البلدي الأكبر مراكز الاشتراك العادية أو لأمراكز البلدية والمكاتب البلدية أو المكاتب الخصوصية اللحقة الأسلاك الكائنة خارجاً عن المدن أو المشتركة بين المدن ونواحيها التي تربط بعضها ببعض المراكز الأولية. أما استقصاء صوائر الإنشاء، فتكون داخلة في أجور الاشتراك المستمر.

2.6.2. ضرائب الفروع المختصة بالأسلاك

ينص الفصل التاسع والعشرون على أن الفروع المختصة بالأسلاك الكائنة خارجاً عن دائرة المدن، يُعيّن ذلك بقرار من المدير العام للبريد والتلغراف الشريفين، تنشأ بضريبة قدرها ثلاثون بسيطة مخزنية على كل مائة متر لا يمكن تجزئتها من الأسلاك المزدوجة.

2.6.3. ضرائب الأسلاك للمراكز المشتركة

ينص الفصل الثلاثون على أن الأسلاك التي تربط المراكز المشتركة بالمكاتب الخاصة الملحقة يُتنح عنها في كل الأسلاك دفع قيمة سنوية للحقوق العادية التي تدفع عن الأسلاك الخصوصية وقدرها بسيطتان مخزنيتان عن كل مائة متر مفرد أو مزدوج لا يمكن تجزئتها.

2.7. الباب السابع والثامن: قواعد الصيانة والنقل والقواعد المختلفة

2.7.1. أجور الصيانة في الاشتراكات المستمرة

يحدد الفصل الواحد والثلاثون أنه يؤخذ في أجور الاشتراكات المستمرة عن سنة أو عن ثلاثة أشهر، صوائر الصيانة عن سنة أو عن ثلاثة أشهر في مراكز الاشتراك المستمرة.

2.7.2. الضريبة الخصوصية للمراكز المتنقلة

ينص الفصل الثاني والثلاثون على أنه يدفع بلغ خصوصي زائد لأجل صناعة المراكز المتنقلة، قدره 12 بسيطة مخزنية سنوياً عن كل مركز.

2.7.3. الأسلاك الموازية للأسلاك المزدوجة

ينص الفصل الثالث والثلاثون على أن كل فروع الأسلاك الكائنة خارجاً عن المنطقة المدنية والأسلاك التي تربط المراكز الكائنة في بيوت مختلفة بالمكاتب الخاصة الملحقة، يؤخذ عنها لأجل صونها 3 بسيطات مخزنية سنوياً عن كل مائة متر من الأسلاك المزدوجة التي لا يمكن تجزئتها، والأسلاك الكائنة في بيت واحد والتي تربط المراكز المشتركة بالمكاتب الخاصة المخصوصية يؤخذها سنوياً لأجل صونها مبلغ يوازي عشر الضريبة المفروضة لأجل إنشاء التليفون.

2.8. الباب الثامن: قواعد مختلفة

2.8.1. صلاحيات المدير العام للبريد والتلغراف

يحدد الفصل السابع والثلاثون أنه يصدر المدير العام لإدارة البريد والتلغراف الشريفين قرارات يُبيّن فيها شروط المشتركين المخصوصية، والحقوق والشروط المحاسبة بالتبديل والتجديد والتخلية والتوقيف والالغاء وطول مدة الأسلاك وتقسيمها إلى أقسام ومدة الخدمة في كل قسم منها، والشروط المتعلقة بقبول ونقل إعلامات الطلب للتكلم وبالرسائل والتلغرافات التليفونية وبأحداث ومراصلات خارجاً عن الساعات التي تفتح فيها المكاتب وتعيين أجور الأحداث والصيانة.

2.8.2. تنفيذ القرار

ينص الفصل الثامن والثلاثون على أن المدير العام للبريد والتلغراف الشريفين هو المكلف بتنفيذ هذا القرار الذي يجري العمل بمنطوقه ابتداءً من فاتح أكتوبر سنة 1913، وتلغى كل القواعد السابقة المنافية لهذا القرار ابتداءً من تاريخه والسلام. وحرر برباط الفتح في السابع عشر من شعبان عام 1332 الموافق للحادي عشر من يوليو سنة 1914.

 

ثالثاً: القرار الوزيري في تعيين تعويضات السكنى لموظفي بني جان

يُمثّل هذا القرار توسيعاً تدريجياً لمنظومة التعويضات الإدارية لتشمل مناطق جديدة كانت قد بدأت تستقبل موظفين مدنيين وعسكريين فرنسيين، في إطار توسع الإدارة الاستعمارية على التراب المغربي.

3.1. الإطار القانوني للقرار

3.1.1. المرجعية التشريعية

صدر هذا القرار بمقتضى الفصل الثاني من الظهير الشريف المؤرخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331 الموافق للثامن عشر من أبريل سنة 1913، المتعلق بتعيين تعويضات السكنى الممنوحة للموظفين بالإيالة الشريفة. ويعكس استمرار العمل بهذا الظهير المرجعي استقرار الإطار التشريعي لتعويضات الموظفين، مع إضافة استثناءات تتعلق بمواقع جغرافية محددة.

3.1.2. الهدف من القرار

يهدف القرار إلى إدماج موقع جديد هو معسكر بني جان بناحية مكناس ضمن منظومة المدن التي يستفيد موظفوها من تعويضات السكنى. وهو ما يكشف عن التمدد الجغرافي للإدارة المدنية في المغرب خلال هذه المرحلة، وضرورة تأهيل المواقع الجديدة بنفس الامتيازات المالية المتوفرة في المدن الأخرى.

3.2. مضمون القرار

3.2.1. الفصل الفريد

تضمن القرار فصلاً فريداً ينص على أن "قد جعل معسكر بني جان بناحية مكناس في الطبقة الثالثة فيما يتعلق بتعويضات السكنى، وذلك ابتداءً من نشر هذا القرار". وهذا التصنيف ضمن الطبقة الثالثة يعني أن المعسكر المذكور يقع في فئة المدن المتوسطة من حيث تعويضات السكنى، أي أن موظفيه يحصلون على نفس التعويضات التي يحصل عليها موظفو الدار البيضاء ومكناس والصويرة وغيرها من مدن الطبقة الثالثة.

3.2.2. الأبعاد الاستراتيجية للقرار

يكشف هذا القرار، رغم بساطته الشكلية، عن أبعاد استراتيجية مهمة:

  • البعد العسكري: كون بني جان معسكراً عسكرياً، يدل على الأهمية العسكرية لهذه المنطقة في خطط الحماية.
  • البعد الإداري: ضرورة تشجيع الموظفين على الانتقال إلى هذه المناطق النائية عبر توفير حوافز مالية.
  • البعد الترابي: التوسع التدريجي للسلطة المركزية الجديدة على مناطق كانت بعيدة عن دائرة المخزن التقليدي.

3.3. صدور القرار وتوقيعه

3.3.1. تاريخ وأطراف الإصدار

حرر هذا القرار برباط الفتح في السابع عشر من شعبان عام 1332 الموافق للحادي عشر من يوليو سنة 1914، وحمل توقيع محمد بن محمد الجباس بصفته صدراً أعظم، واطلع عليه المقيم العام الجنرال ليوطي وأذن بنشره في 20 يوليو سنة 1914.

3.3.2. آلية إصدار القرار

تكشف هذه الآلية عن ازدواجية السلطة في عهد الحماية، حيث يحرر القرار باسم الصدر الأعظم، لكنه لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد اطلاع المقيم العام عليه وإذنه بنشره. وهي ازدواجية تعكس النظام السياسي الهجين الذي ميّز فترة الحماية، والذي حافظ شكلياً على المؤسسات المخزنية مع نقل السلطة الفعلية إلى الإدارة الفرنسية.

 

رابعاً: القرار الوزيري المتعلق برخص راحة المعافاة

يتعلق هذا القرار بـضبط الرخص المرضية والإجازات الصحية للموظفين بالإدارات المدنية بالإيالة الشريفة، وهو من القرارات التي تكشف عن الاهتمام المتنامي بالشؤون الاجتماعية والصحية للموظفين.

4.1. الفصل الأول: في شهادة التقليب الطبي

4.1.1. شروط شهادة التقليب الطبي

يحدد القرار أنه لمنح الرخص لراحة المعافاة المسطرة بالقرار الوزيري المؤرخ في 25 ذي القعدة عام 1331 الموافق في 26 أكتوبر سنة 1913، تنفذ عند الاذلاء بشهادة طبية محررة من طبيب من إدارة الصحة والإعانة الطبية العمومية، وبين الطبيب في تلك الشهادة بياناً كافياً نوع المرض المصاب به الموظف ودلالته المهمة وهل هو قديم أو حديث، كما يبين أيضاً أن المستخدم لا يمكنه القيام بوظيفه بالمغرب وإذا كان لا بد من استراحة خارج الإيالة فيين أيضا ويلزمه أيضاً أن يبين الزم المصاب به الموظف تسبب عن الخدمة أو أصيب بمرض ساري أو بمرض مخصوص بالمغرب وبيين المدة الكافية لتحسين حالته.

4.1.2. أهمية شهادة التقليب الطبي

تُعدّ شهادة التقليب الطبي وثيقة محورية في عملية منح رخص المعافاة، إذ يتعين أن تتضمن معلومات تفصيلية عن:

  • نوع المرض ومدى خطورته
  • تاريخ المرض (قديم أم حديث)
  • مدى ارتباطه بالخدمة الإدارية
  • مدى الحاجة إلى الاستراحة داخل المغرب أو خارجه
  • المدة الكافية للشفاء

4.2. الفصل الثاني: في ما يخص المجلس الصحي

4.2.1. تسليم الشهادة للمجلس الصحي

تسلّم هذه الشهادة من الطبيب المحرر لها إلى رئيس إدارة طالب الرخصة لتلحق بمطلبه، وتعرض على الكاتب العام للدولة الحامية وهو يقدمها إلى المجلس الصحي الذي يجتمع بالإقامة العامة والإعانة العامة بالتراب المدني والمدن بصفة رئيس.

4.2.2. تركيبة المجلس الصحي

يتركّب المجلس الصحي من:

  • مدير إدارة الصحة والإعانة العامة بالتراب المدني والمدن: بصفة رئيس
  • أعضاء: وهم الطبيب المعاون والطبيب رئيس قلم الكتابة
  • نائب الطبيب: ينوب عنه إذا غاب، وهو الطبيب المكلف بمعالجة موظفي الإقامة العامة بالرباط

4.3. الفصل الثالث: في شأن موافقة المجلس الصحي

4.3.1. إجراءات الموافقة

عند موافقة المجلس الصحي على الشهادة الطبية المعروضة عليه، يوجه الرئيس هذه الشهادة حيناً إلى الكاتب العام للدولة الحامية، الذي هو المكلف بإعطاء الرخصة.

4.3.2. حالة رفض المجلس الصحي

في الفصل الرابع، إذا رفض مجلس الصحة الشهادة الطبية، يجب عليه أن يعلم الكاتب العام للدولة الحامية بتقرير يبيّن فيه سبب الرفض، ويمضي عليه أعضاء المجلس الصحي. ويأذن الرخصة طالب الرخصة بالحضور لدى ثلاثة أطباء من إدارة الصحة والإعانة العامة ليجري عليه التقليب مرة ثانية وبحرر الأطباء تقريراً في ذلك يبيّن فيه آراؤهم في إعطاء الرخصة ثم يوجه للكاتب العام للدولة الحامية.

4.4. الفصل الخامس: في شأن تجديد رخصة الاستراحة للمعافاة

4.4.1. شروط التجديد

يجب على كل من طلب تجديد الاستراحة للمعافاة أن يكون مطلبه مصحوباً بشهادة طبية محررة على تفصيل يحررها طبيب من أطباء محل سكنى الأطباء، بشرط أن يكون الطبيب موظفاً بإدارة عمومية أو مدنية أو حربية مثل طبيب عسكري أو طبيب الإدارة البلدية أو غير ذلك.

4.4.2. آلية التجديد

يُذكر في الشهادة المدة اللازمة للمعافاة، ثم يصدق بإمضاء الطبيب المحرر للشهادة، وتوجه إلى الكاتب العام للدولة الحامية، وهو يعرضها على لجنة مجلس الصحة بالرباط ليحكم بقبول المطلب أو رفضه.

4.5. الفصل السادس: في شأن الشهادات الطبية المعطاة للموظفين

4.5.1. شهادات أخذ المياه المعدنية

تُعنى هذه الفقرة بـالشهادات المأذون بها للموظفين في أخذ المياه المعدنية، التي يحررها طبيب من إدارة الصحة والإعانة العامة طبق الشروط التي يجري بها العمل في إعطاء الشهادات لرخص الاستراحة للمعافاة. ويجب أن يوافق عليها مجلس الصحة بالرباط.

4.5.2. الأهمية الصحية للقرار

يكشف هذا القرار عن الاهتمام بالصحة المهنية للموظفين، وعن إدراك أهمية الراحة والاستشفاء في الحفاظ على إنتاجيتهم. ويلاحظ أن القرار يتعامل مع المغرب باعتباره منطقة قد تكون مرهقة صحياً للموظفين الأوروبيين، مما يستدعي ترخيصهم بالاستراحة خارج الإيالة الشريفة في بعض الحالات.

 

خامساً: القرار الوزيري في تولية موظفين من الحكومة المدنية

يتضمن هذا القرار قائمة طويلة بأسماء الموظفين الذين تمت ترقيتهم في درجات الحكومة المدنية بالإيالة الشريفة، وهو من القرارات التي تكشف عن هيكلية الإدارة المدنية في المغرب خلال مرحلة الحماية المبكرة.

5.1. الإطار القانوني للقرار

5.1.1. المرجعية التشريعية

صدر هذا القرار بمقتضى الفصل الثاني من الظهير الشريف المؤرخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331 الموافق للثامن عشر من أبريل سنة 1913، المتعلق بتنظيم أحزاب موظفي الإدارات المدنية بالإيالة الشريفة.

5.1.2. الترقيات في إدارة التلغراف

ارتقى في الحكومة المدنية الموظفون الآتي أسماؤهم، ومن أبرزهم المسيو يادني، مدير إدارة التلغراف المغربي، الذي رُقّي إلى رتبة رئيس إدارة من الرتبة الأولى الأولى، مكلفاً بإدارة الأحباس من تاريخ فاتح مايو سنة 1914.

5.2. الترقيات في الرتب المختلفة

5.2.1. الترقيات إلى الدرجة الأولى

من بين الموظفين الذين تمت ترقيتهم إلى رتبة رئيس مكتب من الدرجة الأولى:

  • المسيو اسكاند شارل من أندريه الأولى
  • المسيو بكمود جورج لوي فرنسوا من الدرجة الثالثة

ومن رتبة نائب رئيس مكتب:

  • المسيو مارشال دني فيكون من الدرجة الثانية
  • المسيو يفو أندري كستون من الدرجة الثالثة

5.2.2. الترقيات إلى الدرجات الأخرى

تنوعت الترقيات لتشمل عدداً كبيراً من الموظفين الفرنسيين من مختلف الإدارات، حيث ضمت القائمة أسماء مثل:

  • المسيو دوبورطا جان من رتبة منشيء ممتاز
  • المسيو ادري جورج موزى ورتبة منشي
  • المسيو ديب لوي أندري من الدرجة الثانية
  • المسيو بوشي لوي هنري و المسيو شارل ماري من الدرجة الثالثة

5.2.3. التنوع الوظيفي والإداري

تعكس هذه الترقيات تنوع الوظائف الإدارية في الحكومة المدنية، حيث شملت رتباً متعددة من معاون وناسخ متطوع ومعاون كاتب بالماكينة متطوع. كما يلاحظ من قائمة الأسماء هيمنة العنصر الفرنسي على الإدارة المدنية، مع وجود بعض الأسماء العربية القليلة، مما يكشف عن الطابع الاستعماري للجهاز الإداري الناشئ.

5.3. السيدات في الإدارة المدنية

5.3.1. توظيف النساء

من اللافت في القرار ذكر بعض السيدات ضمن قائمة الموظفين، مثل:

  • السيدة دوبو جان هنريات فرناند
  • السيدة بتوني بيرت

وهذا الحضور النسائي، رغم محدوديته، يكشف عن بدايات إشراك المرأة في الإدارة المدنية بالمغرب، وإن كان ذلك مقتصراً في تلك المرحلة على النساء الأوروبيات في الغالب.

5.3.2. دلالات الحضور النسائي

يعكس هذا الحضور النسائي التحولات الاجتماعية التي بدأت تشهدها الإدارة المغربية في عصر الحماية، مع دخول المرأة الأوروبية تدريجياً إلى سوق العمل في الإدارات الحكومية، خاصة في المهام الكتابية والإدارية.

 

سادساً: القرار الوزيري بتعيين رئيس لأشغال إدارة الحبوس العمومية

يتعلق هذا القرار بـتعيين رئيس لأشغال إدارة الحبوس العمومية، وهي مؤسسة كانت تعرف تحولات جذرية في مرحلة الحماية.

6.1. خلفية القرار

6.1.1. المرجعية التشريعية

صدر القرار بمقتضى الفصل الثاني من الظهير الشريف المؤرخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331 الموافق للثامن عشر من أبريل سنة 1913، المتعلق بتنظيم أحزاب موظفي الإدارات المدنية بالإيالة الشريفة. ويُلاحظ أن هذا الظهير يشكل المرجع الأساسي للعديد من القرارات الوزيرية المتعلقة بالموظفين المدنيين، مما يدل على أهميته في الإطار التشريعي.

6.1.2. تعيين المسيو يادني

نص القرار على أن المسيو يادني، مدير إدارة التلغراف المغربي، يكون رئيس إدارة من الرتبة الأولى، مكلفاً بإدارة الأحباس من تاريخ فاتح مايو سنة 1914. وهذا التعيين يكشف عن تركيز السلطات الإدارية في يد عدد محدود من كبار الموظفين الفرنسيين، إذ يجمع المسيو يادني بين إدارتين مهمتين: التلغراف والأحباس.

6.2. الأبعاد المؤسساتية للقرار

6.2.1. إدارة الأحباس في عصر الحماية

تُعدّ إدارة الأحباس من المؤسسات التقليدية في المغرب، إذ كانت تشرف على الأملاك الموقوفة في سبيل الله للمصالح الدينية والاجتماعية. ومع دخول الحماية، تم إعادة هيكلة هذه الإدارة وإدخالها في الجهاز الإداري الجديد، مع الحفاظ شكلياً على طابعها الديني.

6.2.2. دلالات تعيين شخصية فرنسية

يُثير تعيين شخصية فرنسية (المسيو يادني) على رأس إدارة الأحباس تساؤلات مهمة حول مدى احترام إدارة الحماية للخصوصيات الدينية والثقافية المغربية. فالأحباس، باعتبارها مؤسسة دينية إسلامية، كانت تستدعي عادة إشرافاً مغربياً مسلماً. ويعكس هذا التعيين توجه إدارة الحماية إلى إخضاع كافة المؤسسات، حتى الدينية منها، لإشرافها المباشر.

 

سابعاً: القسم غير الرسمي: الأخبار الاقتصادية والعمرانية

يخصص العدد جزءاً مهماً للقسم غير الرسمي، الذي تناول أخباراً اقتصادية وعمرانية من مدن مختلفة، تكشف عن حركة العمران والتطور الذي كانت تشهده المدن المغربية في تلك المرحلة.

7.1. تنقية ملاح الدار البيضاء

7.1.1. المسائل المعروضة على لجنة الصحة

من المسائل المهمة التي اشتغلت بها لجنة الصحة في مجلسها الأخيرة هي تنقية الملاح بالدار البيضاء. ويعكس هذا الاهتمام الوعي المتنامي بمشاكل الصحة العمومية في المدن المغربية، خاصة في الأحياء اليهودية (الملاح) التي كانت تعاني من اكتظاظ سكاني وضعف البنية التحتية.

7.1.2. عزم المجلس البلدي على إعانة الإسرائيليين

عزم المجلس البلدي بإعانة الإسرائيليين على هدم 348 براكية ملاصقة لسور سوكو ومخالفة للصحة لأن التيفوس والجدري يوجدان فيها دائماً. وكذلك لزم جزاروا الملاح كما تقتضيه الصحة بتبديل ما يسطؤن عليه بضائعهم وباستعمال مائدات من الرخام أو من البلاط فامتثلوا جميعهم لما ذُكر من المصلحة العامة.

7.1.3. الأبعاد الصحية والاجتماعية

يكشف هذا الخبر عن:

  • انتشار الأمراض الوبائية: مثل التيفوس والجدري في الأحياء المكتظة.
  • تدخل السلطات البلدية: لفرض معايير صحية على المرافق العامة والمحلات التجارية.
  • التعاون بين المجلس البلدي والمجتمع اليهودي: في تنفيذ مشاريع التحديث الصحي.

7.2. الطرق المواصلة بين مكناس وفاس

7.2.1. صعوبات النقل العسكري

تجعل بعض نقل التزويد العسكري بالعربات الأطوميبيلية إلى أن تتم السكة الحديدية العسكرية المارة من مكناس إلى فاس. وهذا يكشف عن الأهمية الاستراتيجية للطريق الرابطة بين هاتين المدينتين، خاصة من الناحية العسكرية في تلك المرحلة المضطربة.

7.2.2. إصلاح الطريق

ستصلح لهذا الشأن الطريق المطروقة الكائنة بين مكناس وفاس خصوصاً بعض المواضع المعروفة التي لا يمكن العبور منها كلما تمطر السماء. ويكشف هذا عن تحديات البنية التحتية للنقل في المغرب، حيث كانت الطرق تتأثر بشدة بالعوامل المناخية، مما يستدعي تدخلات تقنية متواصلة.

7.3. كراكة لمرسى الرباط

7.3.1. وصول الكراكة الجديدة

دخلت في الأيام الأخيرة لبور كراك الكراكة مهبون التي اتها الجمعية المكلفة بخدمة مرسى الرباط. وتُعتبر الكراكة من الآلات الضرورية لتنقية الموانئ من الرواسب الطينية وضمان حركة الملاحة البحرية بشكل سلس.

7.3.2. أهمية المشروع

تستعمل هذه الماكينة العظيمة عن قريب بعد النظر في فروعها لحفر مجرى نهر بور كراك في بعض مواضعه ولنقل التراب لتسوية الأسطحة الشروع في بنيانها حالا. ويكشف هذا المشروع عن حركة عمران كبرى كانت تشهدها مدينة الرباط، باعتبارها العاصمة الإدارية الجديدة للحماية.

7.3.3. التداعيات الاقتصادية

سيكون لتطوير مرسى الرباط تداعيات اقتصادية مهمة، إذ سيُمكّن من:

  • استقبال السفن التجارية والعسكرية
  • تعزيز التبادل التجاري مع أوروبا
  • تطوير المدينة عمرانياً واقتصادياً
  • ربط الرباط بالشبكة البحرية الدولية

 

ثامناً: الأبعاد العامة والدلالات الكبرى للعدد 64

8.1. الأبعاد التحديثية للعدد

8.1.1. دخول المغرب عصر الاتصالات

يُمثّل تنظيم خدمة التليفون في هذا العدد منعطفاً تاريخياً في تاريخ المغرب الحديث، إذ يدخل البلد عصر الاتصالات السلكية المتقدمة. وقد ساهمت هذه الخدمة في:

  • ربط المدن المغربية ببعضها البعض: عبر شبكة تليفونية متكاملة
  • تطوير التبادل الإداري: بين مختلف الإدارات والمصالح
  • تسهيل المعاملات التجارية: عبر السرعة في التواصل
  • خدمة الأهداف الأمنية والعسكرية: عبر شبكة اتصالات سريعة

8.1.2. تطوير منظومة الموظفين

يكشف العدد عن اهتمام واضح بتطوير منظومة الموظفين المدنيين، عبر:

  • توسيع تعويضات السكنى لتشمل مناطق جديدة
  • تنظيم رخص المعافاة بشكل دقيق
  • تنظيم الترقيات في الإدارة المدنية
  • ضمان حقوق الموظفين في الاستراحة الصحية

8.2. التداخل بين المؤسسات التقليدية والحديثة

8.2.1. تجديد الأحباس

يكشف تعيين رئيس فرنسي لإدارة الحبوس عن تحول مهم في إدارة المؤسسات التقليدية المغربية، التي بدأت تخضع للإشراف المباشر للإدارة الفرنسية. وهذا التحول له أبعاد متعددة:

  • بعد ديني: إخضاع مؤسسة دينية لإشراف غير ديني
  • بعد اقتصادي: السيطرة على ثروة الأحباس الكبيرة
  • بعد اجتماعي: تحويل دور المؤسسات الخيرية التقليدية

8.2.2. الإدارة الصحية الحديثة

يبيّن القرار المتعلق برخص المعافاة دخول المغرب عصر الإدارة الصحية الحديثة، عبر:

  • إنشاء مجلس صحي رسمي
  • توثيق الحالات المرضية بشهادات طبية
  • ربط الرخص بإجراءات إدارية محددة
  • تأسيس مفهوم "الصحة المهنية" للموظفين

8.3. الانعكاسات الاقتصادية والعمرانية

8.3.1. التحول العمراني للمدن

تكشف الأخبار الواردة في القسم غير الرسمي عن حركة عمرانية واسعة كانت تشهدها المدن المغربية:

  • الدار البيضاء: مشاريع تنقية الملاح وتحسين الصحة العامة
  • الرباط: تطوير المرسى وحفر مجرى نهر بور كراك
  • مكناس وفاس: تحسين الطرق الرابطة بينهما

8.3.2. الاستثمار في البنية التحتية

يُلاحظ أن الاستثمار في البنية التحتية كان يشكل أولوية لإدارة الحماية، سواء تعلق الأمر بـ:

  • شبكات الاتصالات (التليفون والتلغراف)
  • شبكات النقل (الطرق والسكك الحديدية)
  • الموانئ والمنشآت البحرية
  • المرافق الصحية والبلدية

 

خاتمة

يُمثّل العدد 64 من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة الصادر في 24 يوليو 1914م، وثيقة تاريخية وتشريعية بالغة الأهمية، تختزل مسيرة التحديث المؤسساتي الذي عرفه المغرب في مرحلة فاصلة من تاريخه الحديث. ومن خلال قراءة محتوياته المتنوعة، يمكن استخلاص جملة من الخلاصات الجوهرية.

أولاً، يبرز هذا العدد كـوثيقة تأسيسية لقطاع الاتصالات الهاتفية في المغرب، إذ يضم قراراً وزيرياً متكاملاً ينظم خدمة التليفون بدقة متناهية، عبر ثمانية أبواب وثمانية وثلاثين فصلاً، تغطي كافة جوانب الخدمة من التركيب إلى الأجور إلى الصيانة. ويُعدّ هذا القرار شاهداً على دخول المغرب رسمياً عصر الاتصالات الحديثة، وعلى الإرادة في بناء منظومة اتصالاتية متكاملة تخدم احتياجات الإدارة والاقتصاد والمجتمع.

ثانياً، يكشف العدد عن التطور المتسارع لمنظومة الوظيفة العمومية في المغرب، عبر القرارات المتعلقة بتعويضات السكنى ورخص المعافاة وترقيات الموظفين. وهي تشريعات تعكس رغبة في تأسيس إدارة عصرية قائمة على التراتبية والاستحقاق والحماية الاجتماعية للموظفين، رغم ما رافقها من هيمنة واضحة للعنصر الفرنسي على الجهاز الإداري.

ثالثاً، تكشف القرارات المتعلقة بالصحة المهنية ورخص المعافاة عن اهتمام متنامٍ بالشؤون الصحية للموظفين، وعن إدراك مبكر لأهمية الحفاظ على الصحة في الإنتاجية الإدارية. وقد أسهم تأسيس المجلس الصحي بالإقامة العامة في ترسيخ مفهوم الحوكمة الصحية في المغرب.

رابعاً، تُجسّد القرارات المتعلقة بإدارة الأحباس التداخل العميق بين المؤسسات التقليدية والإدارة الحديثة، وكيف عمدت سلطات الحماية إلى إخضاع المؤسسات الدينية والاجتماعية المغربية لإشرافها المباشر، مما أثّر في طبيعة هذه المؤسسات ودورها.

خامساً، تكشف الأخبار الاقتصادية والعمرانية الواردة في القسم غير الرسمي عن حركة تحديثية واسعة كانت تشهدها المدن المغربية، خاصة الدار البيضاء والرباط ومكناس وفاس. وقد ساهمت هذه المشاريع في تشكيل الوجه الجديد للمدن المغربية، وإن كان ذلك قد جاء أحياناً على حساب التراث التقليدي والخصوصيات المحلية.

سادساً، يُذكّرنا توقيت صدور هذا العدد، قبل أيام معدودة من اندلاع الحرب العالمية الأولى، بـهشاشة التوازنات الدولية في تلك الفترة، وكيف أن المشاريع التحديثية التي كانت تشهدها المستعمرات الأوروبية ستتأثر بشكل عميق بتطورات الحرب العالمية الأولى وما تلاها.

وأخيراً، يبقى هذا العدد من الجريدة الرسمية مرجعاً لا غنى عنه للباحثين في تاريخ المغرب الحديث، وفي تطور مؤسساته القانونية والإدارية والتقنية. كما يكشف عن الإرث التشريعي الذي خلفته مرحلة الحماية، والذي ما يزال يلقي بظلاله على المنظومة القانونية والإدارية المغربية المعاصرة، خاصة في مجالات الاتصالات والوظيفة العمومية والصحة المهنية. ويُعدّ نموذجاً صالحاً لفهم الجدلية المعقدة بين الحداثة والأصالة، بين المؤسسات الموروثة والمؤسسات المستوردة، التي شكّلت ولا تزال تشكّل أحد المحاور الأساسية في بناء الدولة المغربية الحديثة.

تحميل العدد 64 بتاريخ 24 يوليوز 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 21/05/2026
تحديث 21/05/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث