الجريدة الرسمية للدولة المغربية - العدد 75 (أكتوبر 1914): دراسة تحليلية في التشريع المالي والأملاك الألمانية والتراث والإدارة

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
نبذة عن المقال: الجريدة الرسمية المغربية، الأملاك الألمانية والنمساوية، الأوراق التجارية، التراث المعماري فاس، الحرب العالمية الأولى والمغرب، الظهير الشريف، ليوطي

مقدمة

يُفتح العدد الخامس والسبعون (75) من الجريدة الرسمية للدولة المغربية، الصادر في الخامس من أكتوبر 1914 الموافق للرابع عشر من ذي القعدة 1332 هجرية، على مشهد قانوني بالغ التنوع والثراء، يعكس بعمق المرحلة الفارقة التي كان يعيشها المغرب في خضم الأسابيع الأولى من الحرب العالمية الأولى. فهذا العدد ليس مجرد نشرة إدارية روتينية، بل هو وثيقة تاريخية حيّة تُجسّد ردود فعل الدولة المغربية تحت الحماية الفرنسية إزاء تداعيات حرب كانت تُعيد رسم خارطة العالم السياسية والاقتصادية في آنٍ واحد.

يحمل هذا العدد ظهيراً شريفاً استثنائياً في بابه وموضوعه: ظهير عقل الأموال المنقولة وغيرها على الرعايا الألمانيين والنمساويين، وهو نصّ تشريعي يُعالج مسألة بالغة الدقة في القانون الدولي والسياسة الاقتصادية، وهي التعامل مع ممتلكات رعايا الدول المعادية المقيمين على أرض محمية. ويُرافقه ظهيران آخران لا تقلّ أهميتهما: ظهير تعديل شروط الأوراق التجارية بسبب الحرب، والذي يُعالج الأثر المالي للحرب على دورة الأوراق التجارية والديون؛ وظهير استرجاع الدراهم المودعة في البنوك ومحلات الدين والإيداع الذي يُنظّم حماية المودعين في ظل الاضطرابات الاقتصادية.

علاوةً على ذلك، يتضمن هذا العدد سلسلة من القرارات الوزارية ذات الأهمية البالغة، تشمل: قرارات تعيين موظفين إداريين في الإيالة الشريفة، وتعيين المسيو مرتو رئيساً لإدارة البوليس العام في إطار قرار تعديلي لقانون إدارة البوليس الصادر عام 1913، فضلاً عن قرارات بإجراء البحث في عدد من أبرز الأبنية التاريخية في فاس ومراكش وإدراجها في قائمة التراث المعماري المحمي - وهي قرارات تُمثّل بواكير السياسة المغربية لصون الموروث الحضاري. ويختم العدد بقرارات إدارية حول استخراج الدراهم المودعة في البنوك ومنح مهل لدفع الديون المستحقة.

يرمي هذا المقال إلى تحليل هذه المضامين تحليلاً أكاديمياً شاملاً يضعها في سياقها التاريخي والقانوني والحضاري، مُبيِّناً كيف كانت كل واحدة من هذه النصوص استجابةً لتحدٍّ حقيقي يواجهه المغرب في تلك اللحظة العصيبة من تاريخه.

تحميل العدد  75  بتاريخ 05 أكتوبر من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

أولاً - السياق التاريخي: المغرب وتداعيات الحرب العالمية الأولى

1.1. وضع المغرب في أكتوبر 1914

حين صدر العدد الخامس والسبعون من الجريدة الرسمية في مطلع أكتوبر 1914، كانت الحرب العالمية الأولى قد دخلت شهرها الثالث، وكانت نيرانها بدأت تُلقي بلظاها على المغرب بأشكال متعددة ومتشابكة. فمن جهة، كان المغرب يُجنّد عدداً متزايداً من أبنائه وسكانه الأوروبيين للمشاركة في الحرب تحت راية الجمهورية الفرنسية. ومن جهة أخرى، كانت الحرب تُعطّل شبكات التجارة والمصارف وتُجمّد الديون وتُحدث اضطرابات عميقة في الحياة الاقتصادية اليومية.

ولعلّ الأبرز في هذا السياق كان الوضع الخاص للرعايا الألمانيين والنمساويين المقيمين بالمغرب، إذ تحوّل هؤلاء بين ليلة وضحاها من أصحاب امتيازات ومعاهدات مكتسبة إلى رعايا دول معادية تقتضي ضرورات الحرب ضبط أملاكهم وإحكام السيطرة عليها. وقد طرح هذا الوضع تحديات قانونية لم تكن المنظومة التشريعية المغربية القائمة مجهّزة للتعامل معها، وهو ما استدعى إصدار ظهير خاص يُؤطّر هذه المسألة بصورة شاملة.

1.2. الجريدة الرسمية كمرآة للأزمة الحربية

يُجسّد العدد الخامس والسبعون من الجريدة الرسمية بجلاء كيف كانت هذه النشرة الإدارية تُعكس في كل صفحة من صفحاتها تسارع وتيرة التشريع في ظل أزمة غير مسبوقة. فمن الظهير المتعلق بالأموال الألمانية والنمساوية إلى ظهير الأوراق التجارية إلى ظهير الودائع المصرفية، كل نصّ في هذا العدد يُستحضر في ضوء الضرورة التي أوجدتها الحرب. وتُبيّن صياغة هذه الظهائر بشكل ظاهر أنها جاءت باعتبارها تدابير موقتة تفرضها الظروف الاستثنائية، إلا أنها حملت في باطنها مبادئ تشريعية ستستمر أثراً بعيد المدى في الفقه القانوني المغربي.

1.3. دور ليوطي في استمرار مسيرة التشريع رغم الحرب

يتجلى في مجموع نصوص هذا العدد - كما في الأعداد السابقة - التوجه الاستراتيجي للمقيم العام ليوطي الذي يُمثّل أحد أبرز ملامح نهجه في إدارة المغرب: استمرارية البناء المؤسسي مهما كانت الأوضاع الخارجية. فرغم أن أوروبا كانت تشهد أعنف معاركها، كان ليوطي مُصرّاً على المضي في تأسيس جهاز إداري وقانوني راسخ بالمغرب، مُعتبراً الاستقرار الداخلي وشرعية المؤسسات ركيزةً لا يمكن التنازل عنها حتى في أحلك اللحظات. ويُجسّد هذا الإصرار حرصه على إصدار قرارات تعيين إدارية وتعديلات تنظيمية وقرارات الحفاظ على التراث وسط أزمة دولية ضارية.

 

ثانياً - ظهير عقل الأموال المنقولة على الرعايا الألمانيين والنمساويين

2.1. الإطار القانوني الدولي لأموال الرعايا المعادين

يُفتح ظهير عقل الأموال المنقولة وغيرها على الرعايا الألمانيين والنمساويين على مبدأ قانوني دولي بالغ الأهمية والتعقيد، هو مبدأ الحقوق المكتسبة للرعايا الأجانب في زمن الحرب ومصير هذه الحقوق حين تندلع الحرب بين دولتيهم ودولة إقامتهم. وقد تباينت التقاليد القانونية الدولية في هذا الشأن تبايناً واضحاً بين من يرى أن الحرب تُلغي تلقائياً كل الحقوق المكتسبة للرعايا الأعداء، ومن يرى أن هذه الحقوق تظلّ محمية بمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تُفرّق بين الحرب العسكرية والحرب الاقتصادية.

جاء الظهير المغربي ليتبنى مقاربة توسطية تتمثّل في "العقل" أو التجميد الاحترازي لا المصادرة الفورية والنهائية؛ إذ لا يُلغي أصل الحق في الملكية بل يُقيّد التصرف فيه ويُخضعه لرقابة الدولة طوال مدة الحرب. وهذا التمييز الدقيق بين التجميد والمصادرة له دلالة قانونية بالغة، إذ يُعبّر عن احترام نسبي للحقوق المكتسبة حتى في زمن الحرب.

2.2. أحكام الظهير وفصوله التفصيلية

2.2.1. الفصل الأول: مبدأ العقل الشامل

يُرسي الفصل الأول من الظهير مبدأ العقل الشامل على الأموال المنقولة وغير المنقولة التي كانت في حوزة الرعايا الألمانيين والنمساويين في اليوم الغيّت فيه الإمتيازات والمعاهدات التي كانت تتمتع بها دولتاهم. وهذا التحديد الزمني الدقيق - يوم إلغاء الامتيازات - مهم قانونياً لأنه يُحدد نقطة الانطلاق الموضوعية للتجميد، مانعاً أي تصرف قد يكون جرى قبل هذا التاريخ من الخضوع للعقل بأثر رجعي.

كما تُتيح هذه الصياغة للظهير استيعاب حالة مغايرة، وهي أموال الرعايا الذين كانوا موجودين في المغرب قبل الحرب لكنهم لاذوا بالفرار أو أُبعدوا عنه بعد اندلاعها. فالمحور ليس الوجود الشخصي لصاحب المال بل ملكيته التي كانت في حوزته في اللحظة التاريخية المحددة.

2.2.2. الفصل الثاني: التثقيف واحتساب العون المودع

يتناول الفصل الثاني مسألة التثقيف - أي جرد وتسجيل الأموال المعقولة وإحصاؤها - موجباً على الجهة المكلفة بتدبير التثقيف أن تعين العون الذي تحصّل بيده بسبب هذا التثقيف أو الذي يتأتى من تدبير الأموال المتوقع في صناديق الودائع والأمانات والصلح الموجودة في المحل المذكور.

وهذا الحكم يُجسّد الاهتمام بالبُعد الإداري والمالي للعقل لا بُعده القانوني النظري وحده؛ إذ إن عقل الأموال دون تحديد الجهة المسؤولة عن إدارتها طوال فترة التجميد يُفضي في الواقع إلى تدهور قيمتها أو ضياعها. ومن هنا جاء اشتراط الفصل تعيين "عون" (أي مدير مؤتمن) يتولى إدارة هذه الأموال بصورة منظّمة حتى يُبتّ في مصيرها النهائي.

2.2.3. الفصل الثالث: الغرض من التثقيف وصلته بالظهير التحفظي

يوضح الفصل الثالث الهدف الجوهري من التثقيف بقوله إن الغرض من هذا التثقيف هو عين المقصود من الحجز التحفظي المشار له بالفصل الثالث من الملحق التحفظي للظهير الشريف المؤرخ بالتاسع من رمضان عام 1331 الموافق 12 أغسطس 1913. وهذه الإحالة إلى ظهير أغسطس 1913 مهمة لأنها تكشف أن ظهير أكتوبر 1914 ليس نصاً مستقلاً بل يندرج في سياق منظومة تشريعية أوسع تُنظّم الحجز التحفظي في المغرب، وأن الحالة الجديدة المرتبطة بالحرب إنما تطبّق على أسس قانونية مُرسّخة مسبقاً.

كما يُقرّر هذا الفصل أن التثقيف يمنع من التصرف في قيمة الأموال المدلوية وبناء على ما سابقاً من التصرف فيها، وأن كل تفويت جرى أو بدون عوض كالكراء والرهون أو حقوق للشيء المثقّف ينظر له المحاكم التي تعتبره كأنه لم يحدث إذا كان تمامه بعد الحادي عشر بعد رمضان عام 1332 الموافق 23 يوليو 1914. وهنا يُظهر الظهير وعياً بضرورة التعامل مع التصرفات التي ربما أجراها الرعايا الألمانيون والنمساويون في أموالهم بُعيد اندلاع الحرب لتفادي آثار التجميد، ويُبطل هذه التصرفات صراحةً.

2.2.4. الفصل الرابع: رسوم التفويت والكراء والحقوق المكتسبة

يُعالج الفصل الرابع مسألة حقوق الطرف الثالث الحسن النية، وهي مسألة بالغة الدقة قانونياً؛ إذ يُقرّر أنه كل رسم تفويت أو تصرف ولو كان موقتاً كالكراء وغيره مما يغيّر الحالة الشرعية للشيء والمثقف كالرهون أو الحقوق للشيء المثقف ينظر له المحاكم التي تعتبره كأنه لم يكن. ولكن هذا الإبطال لا يطال الرسوم التي تمّ إنجازها بحسن نية قبل التاريخ المحدد، مما يُراعي مصالح المتعاملين الذين أبرموا عقوداً مشروعة مع الرعايا الألمانيين والنمساويين قبل اندلاع الحرب.

وبهذا يُكرّس الظهير مبدأً توازنياً دقيقاً: التشدد مع التصرفات اللاحقة للحرب التي تبدو في الغالب محاولات للتحايل، والتساهل مع التصرفات السابقة التي جرت في سياق طبيعي ومشروع.

2.3. الدلالة الحضارية والسياسية لظهير أموال الرعايا المعادين

يحمل هذا الظهير أبعاداً تتجاوز الإجراء القانوني التقني إلى مستوى التأمل في طبيعة الحضور الأجنبي بالمغرب وحدود الحقوق التي يمنحها إياه القانون الدولي. فالرعايا الألمانيون والنمساويون الذين استوطنوا المغرب في السنوات السابقة للحرب كانوا يتمتعون بامتيازات خاصة مكفولة بالمعاهدات الدولية (لا سيما معاهدة الجزيرة الخضراء 1906)، وكانوا يُشكّلون حضوراً اقتصادياً وتجارياً فاعلاً في المدن المغربية الكبرى.

وقد أوجد اندلاع الحرب تعارضاً حاداً بين التزامات المغرب بموجب هذه المعاهدات وضرورات موقفه في خندق الحلفاء الذي وجد نفسه فيه بحكم الحماية الفرنسية. وقد حلّ الظهير هذا التعارض بنظرية إلغاء الامتيازات - مستنداً إلى مبدأ مقبول في القانون الدولي يقضي بأن الحرب توقف سريان المعاهدات بين الأطراف المتحاربة - ثم أسّس على هذا الإلغاء نظام التجميد الذي يُحافظ على الجوهر الاقتصادي للأموال المعقولة ريثما تنتهي الحرب.

ثالثاً - ظهير تعديل شروط الأوراق التجارية في زمن الحرب

3.1. دور الأوراق التجارية في الاقتصاد المغربي عام 1914

تحتل الأوراق التجارية (من كمبيالات وسندات وشيكات) مكانةً محورية في منظومة التمويل التجاري، إذ تُتيح للتجار الحصول على الأموال قبل استحقاق موعد دفعها بتداول هذه الأوراق في السوق. وفي المغرب عام 1914، كانت الأوراق التجارية تشهد انتشاراً متصاعداً في المدن الكبرى وبين التجار الأوروبيين والمتعاملين مع الخارج، وإن كانت التجارة التقليدية في المناطق الداخلية لا تزال تُفضّل الأسلوب النقدي المباشر.

ومع اندلاع الحرب، تعطّل جزء كبير من دورة الأوراق التجارية؛ فبعض التجار تحوّلوا فجأة إلى مجنّدين في جيش الحرب فعجزوا عن متابعة أعمالهم ودفع ما عليهم، وبعض التجار الأجانب أُبلّغوا بانتهاء امتيازاتهم فتعقّدت علاقاتهم التجارية، وبعض البنوك والمؤسسات المالية واجهت طلبات سحب واسعة هدّدت استقرارها. وقد كان من شأن هذا الاضطراب أن يُفضي إلى تدهور الثقة في الأوراق التجارية كأداة للائتمان، مما كان سيُلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد المغربي برمّته.

3.2. التعديلات التشريعية التي أجراها الظهير

3.2.1. الفصل الأول: تحديد الآجال الجديدة للأوراق التجارية المستحقة

يتضمّن الفصل الأول جدولاً دقيقاً يُحدّد مواعيد تعديلية لدفع الأوراق التجارية بحسب تاريخ استحقاقها الأصلي. فالأوراق التجارية المستحقة الأداء من تاريخ فاتح أغسطس إلى متمه تُدفع في تاريخ اليوم المقابل من شهر نوفمبر، وتلك المستحقة من فاتح أغسطس إلى متمه سبتمبر فالأوراق المستحقة الأداء تُدفع في تاريخ اليوم المقابل من شهر نوفمبر وما بعده وكذا الأوراق المستحقة من نوفمبر. ويتكرر هذا النمط بصورة منتظمة تُنشئ جدولاً زمنياً يمتد من أكتوبر إلى ما بعده.

وما يُلفت الانتباه في هذا الجدول هو دقته المتناهية في مراعاة تواريخ الاستحقاق المختلفة؛ إذ لا يمنح مهلة موحّدة لجميع الأوراق بل يُفصّل لكل فئة تاريخها المعدَّل. وهذا التفصيل يعكس فهماً عمليا عميقاً للطريقة التي تعمل بها الأوراق التجارية في الواقع، إذ إن منح مهلة موحّدة ومفاجئة كان سيُحدث اضطراباً جديداً بديلاً عن الاضطراب القائم.

3.2.2. الفصل الثاني: الجهات التي لا تستفيد من التأجيل

يُحدّد الفصل الثاني بدقة الجهات التي لا تنطبق عليها شروط التأجيل، وهم أولاً الأشخاص الذين يتابعون أشغالهم التجارية بأنفسهم أو بمساعدة الآخرين وكذلك وجودهم فعلاً في عدد جنود الجمهورية الفرنسية أو في عدد جنود الدول المتحالفة الذين تركوا أشغالهم تاماً وتنطبق أيضاً على الجمعيات على اختلاف أنواعها التي تجري عليها نفس الالتزامات بسبب حشد الجنود للدولة الجمهورية.

وهذا الاستثناء المزدوج منطقي تماماً: فمن جهة لا يستفيد من التأجيل المتابعون لأشغالهم فعلياً رغم الحرب، لأنهم قادرون على الوفاء بالتزاماتهم. ومن جهة أخرى لا تستفيد الشركات والجمعيات التجارية التي أصابها التعطيل بسبب تجنيد موظفيها، إلا أن أحكام الفصل الثاني تُلزمهم بالدفع وفق الكيفية الآتية.

3.2.3. الفصلان الثالث والرابع: الفوائد التأخيرية وضمانات الوفاء

يُعالج الفصل الثالث المهل التي تسري بين التجار المبيّنة بالفصل السابق للأداء، مُقرّراً أنها تسري بالدفع قيمة السلع بين التجار السابقة للثاني من أغسطس 1914 مع اعتبار تواريخ استحقاقاتها تبكاً لكل السلفات بالحساب الجاري وبغير ضمان وعلى كل سلف مقابل الأموال المنقولة أو الغير المنقولة والأوراق التجارية السابقة للثاني من أغسطس 1914. ويُضاف إلى ذلك أن الفصل الثالث يُنظّم العلاقة بين التجار أنفسهم الذين يلتزمون في تواريخ مؤجلة تبدأ من أكتوبر.

أما الفصل الرابع فيُعالج الفوائد التأخيرية للمبالغ التي لم يجرِ دفعها منذ الاستحقاق، مُقرّراً أن الفوائد على كل حالدفع الفوائد المتأخرة لحين الاستحقاق لحين الدفع ومقدار هذه الفوائد يكون سنوياً كما هو معيّن بالفصل الأول بالفقرة الأولى من الظهير الشريف المؤرخ بالتاسع من أكتوبر 1331 الموافق للتاسع من أكتوبر 1913. وهذه الإحالة إلى ظهير 1913 تُعيد بناء التواصل التشريعي الذي كان يُهدده الاضطراب الذي أحدثته الحرب.

3.2.4. الفصل الخامس: صلاحية المحاكم في التكيّف مع الحالات الخاصة

يُخوّل الفصل الخامس المحاكم صلاحية منح المديونين مهلتين مختلفتين بتعيين حالته باعتبار حالة وذلك بشرط أن لا تمنح ذلك إلا عند الضرورة القصوى. ولا يمكن أن تتجاوز كل مهلة أكثر من ثلاثين يوماً. وتُجسّد هذه الصلاحية التقديرية للمحاكم عنصراً من أهم عناصر الحكمة التشريعية: الإقرار بأن قاعدة عامة مهما بلغت دقتها لن تُعالج كل الحالات الفردية معالجةً عادلة، وأن إتاحة هامش من التقدير للقاضي يُعيد التوازن بين الضبط العام وملاءمة التطبيق الفردي.

3.3. أهمية تشريع الأوراق التجارية في سياق الحرب

شكّل هذا الظهير آليةً عملية فعّالة لمنع الانهيار المتسلسل في التجارة الذي كانت ستُسبّبه الحرب لولا التدخل التشريعي. فمن المعلوم أن الأوراق التجارية تعمل وفق منطق الثقة المتسلسلة: إذا عجز تاجر واحد عن الوفاء في الموعد المحدد، انعكس ذلك فوراً على من يحمل الورقة ومن يحمل الورقة بدوره يُؤثّر على من يحمل ورقته. وفي ظل الاضطراب الذي أحدثته الحرب، كان خطر هذا الانهيار المتسلسل حقيقياً وجسيماً.

وبتأجيل تواريخ الاستحقاق بصورة مُقنَّنة، قطع الظهير هذا السلسلة المتسلسلة ومنح السوق وقتاً كافياً لإعادة التوازن، مع ضمان عدم التهرب من الالتزامات عبر منظومة فوائد التأخير التي تُجعل التأجيل مكلفاً نسبياً، وبذلك يُبقي على الضغط الاقتصادي نحو الوفاء في الآجال الجديدة.

 

رابعاً - ظهير استرجاع الدراهم المودعة في البنوك ومحلات الدين والإيداع

4.1. أزمة السيولة المصرفية في بداية الحرب العالمية الأولى

تُمثّل أزمة السيولة المصرفية إحدى أخطر الانعكاسات الاقتصادية المباشرة للحرب على المستوى المالي الشعبي. فمع اندلاع الأعمال الحربية في أغسطس 1914، اجتاحت موجة هلع واسعة المودعين في بنوك أوروبا ومستعمراتها ومناطق نفوذها، وتسابق الناس إلى سحب ودائعهم خشيةً من انهيار البنوك أو تجميد أصولها. وفي المغرب تحديداً، كان هذا الضغط مُضاعفاً بسبب الطابع الهشّ للثقة في البنوك الحديثة التي لم يمضِ على نشأتها سوى سنوات قليلة في مجتمع اعتاد تاريخياً على الادخار النقدي المنزلي لا الإيداع المصرفي.

وقد استوجبت هذه الأزمة تدخلاً تشريعياً سريعاً لمنع ذعر السحب المتسلسل الذي كان يُهدّد باصطحاب البنوك نحو الإفلاس، وهو ما جاء ظهير استرجاع الدراهم المودعة لمعالجته.

4.2. أحكام ظهير الودائع المصرفية وفصوله

4.2.1. الفصل الأول: استمرار الأحكام الجارية ومتطلبات التعديل

يُقرّر الفصل الأول أن العمل يبقى جارياً بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ بالرابع عشر رمضان عام 1332 الموافق 7 أغسطس 1914 المتعلق باسترجاع الدراهم المودعة بالبنوك ومحلات الدين والإيداع وباستخراج ما بقي من الحسابات الجارية إلى نهاية مساء يوم التاسع عشر أكتوبر من شهر نوفمبر. وهذه الإحالة إلى ظهير سابق تكشف أن هذا الظهير يُكمل سلسلة تشريعية بدأت في أغسطس 1914، مما يعني أن المشرّع كان يُعالج الأزمة المصرفية على مراحل متتابعة كلما اقتضت المستجدات.

4.2.2. الفصل الثاني: الشروط المتعلقة باسترجاع الدراهم المودعة

يُحيل الفصل الثاني إلى الشروط التفصيلية التي وردت في ظهير أغسطس لاسترجاع الدراهم المودعة، مُقرّراً أن الشروط التي وردت باسترجاع الدراهم في الظهير الشريف المؤرخ بالرابع عشر رمضان الصادر في ثالث شوال عام 1332 الموافق 25 أغسطس 1914 المكمل والمفسر للظهير لاسيما الفصل الرابع منه. وهذا التدقيق في الإحالة يكشف عن عناية تشريعية متناهية تحرص على تلافي أي تعارض أو تناقض بين النصوص المتعاقبة.

4.2.3. الفصل الثالث: شروط التطبيق على الجهات المختلفة

يتضمّن الفصل الثالث أحكاماً تطبيقية تُنظّم علاقة البنوك ومحلات الدين بزبائنها المودعين في ظل هذه الأزمة الاستثنائية. وتُقرّر الأحكام التطبيقية أن هذه المهل لا تنطبق إلا على الأشخاص الموجودين حقيقةً في عدد جنود الجمهورية الفرنسية الأوليين، مما يُضيّق نطاق الاستثناء ويمنع توسيعه لمن لا تستوجب حالتهم ذلك.

وتُضاف إلى ذلك أحكام دقيقة تُنظّم حالة المودعين الذين يتابعون أشغالهم التجارية رغم الحرب إما بأنفسهم أو بمساعدة الآخرين، مُقرّرةً أن هؤلاء لا يستفيدون من المهل المقررة لمن تركوا أشغالهم تاماً. ويُعكس هذا التمييز التزاماً بعدالة توزيع الامتيازات الاستثنائية؛ فالمهل مُصمَّمة لمعالجة ضرر حقيقي، لا لمنح امتيازات لمن ليسوا في حاجة إليها.

4.2.4. الفصل الرابع: الفوائد المستحقة على المبالغ المؤجلة

يُنظّم الفصل الرابع مسألة الفوائد المستحقة على المبالغ التي يجري تأجيل سدادها بمقتضى هذا الظهير، مُقرّراً أن يجري على كل حال دفع الفوائد المتأخرة من الاستحقاق لحين الدفع ومقدار هذه الفوائد يكون سنوياً كما هو معيّن بالفصل الأول بالفقرة الأولى من الظهير الشريف المؤرخ بالتاسع من أكتوبر 1331 الموافق للتاسع من أكتوبر 1913 وذلك إذا لم يكن اتفاق خصوصي بشأن الفائدة.

ويُضيف الفصل الخامس حكماً إضافياً يُتيح للمحاكم صلاحية منح المديونين مهلتين مختلفتين بتعيين حالتهم باعتبار حالة وذلك بشرط أن لا تمنح ذلك إلا عند الضرورة القصوى. وهنا تتجلى الحكمة ذاتها التي لمسناها في ظهير الأوراق التجارية: الجمع بين القاعدة العامة الصارمة واللين التقديري للقضاء حين تستوجب الضرورة.

4.3. أثر هذا الظهير في استقرار المنظومة المالية المغربية

لا يُقدَّر أثر ظهير الودائع المصرفية بالتحليل التقني وحده، بل يُستوعب بالنظر إلى ما كان يمكن أن يقع لو لم يصدر. فذعر السحب المتسلسل لو انتشر في البنوك المغربية لأودى بها إلى حالات إفلاس متعاقبة، وهو ما كان سيُحوّل الأزمة المالية المؤقتة المرتبطة بالحرب إلى أزمة مصرفية هيكلية تمسّ ثقة المودعين في البنوك للسنوات القادمة. وقد حال هذا الظهير دون هذه الكارثة بمنح البنوك هامشاً زمنياً للتنفس ريثما تستعيد السوق توازنها.

كما أن آلية الجدول الزمني التصاعدي التي اعتمدها الظهير - بتحديد مواعيد مدروسة للسحوبات بدل تجميدها الكلي - كانت بارعة من الناحية الاقتصادية؛ إذ أتاحت للبنوك الاستمرار في أنشطتها الجوهرية بينما منحتها الوقت الكافي لإدارة احتياطياتها بصورة منتظمة.

 

خامساً - قرارات تعيين الموظفين وتنظيم إدارة البوليس العام

5.1. قرار تعيين المسيو مرتو رئيساً لإدارة البوليس العام

يحتلّ قرار تعيين المسيو مرتو رئيساً لإدارة البوليس العام مكانةً خاصة بين القرارات الوزارية الواردة في هذا العدد، لكونه لا يقتصر على تعيين موظف في وظيفة إدارية عادية بل يُعدّل صراحةً الفقرة الثانية من الفصل الأول من قرار وزيري مؤرخ في 8 سبتمبر 1913 المتعلق بتنظيم إدارة البوليس العام. وهذا التعديل له دلالة تنظيمية بارزة، إذ يُشير إلى أن نظام البوليس العام الذي وُضع عام 1913 كان يخضع لمراجعة مستمرة في ضوء التجارب الميدانية والمستجدات.

ينصّ الفصل الأول من القرار التعديلي على أن الكاتب العام للدولة الشريفة يبيّن القيام بشؤون هذه الإدارة بموظف يعرف برئيس إدارة البوليس العام. وهذه الصياغة تُكرّس ربط رئاسة البوليس العام بالجهاز التشريعي الرسمي للإيالة الشريفة، مما يُضفي عليها طابعاً مؤسسياً أكثر استقراراً من التعيينات المباشرة.

ويُقرّر الفصل الثاني أن المسيو مرتو المذكور يستمر على قبض المرتب المنفذ له سالفاً وقدره اثنا عشر ألف فرنك سنوياً. وهذا التحديد الدقيق للمرتب مهم لما يكشفه من أن المرتبات في الجهاز الإداري للحماية كانت مُعيَّنة بصورة رسمية ومنشورة في الجريدة الرسمية، مما يُجسّد مبدأ الشفافية في الشؤون المالية للدولة.

5.2. قرارات تعيين الموظفين الإداريين وترقياتهم

تتضمّن قرارات تعيين الموظفين الإداريين الواردة في هذا العدد تفاصيل أكثر غنىً وتنوعاً مما هو معتاد في الأعداد السابقة، إذ تشمل ترقيات طالت عدداً من الموظفين بناءً على قائمة الترقي التي حرّرها المجلس الإداري للحماية الفرنسية في الجلسة المنعقدة يوم 19 أغسطس 1914. ومن أبرز الترقيات الواردة: ترقية المسيو انيال جان من الدرجة الثانية إلى الأولى، والمسيو هنري موريس جورج رئيس مكتب من الدرجة الرابعة إلى الثالثة، والمسيو بيسونيل أكتاف لوي نائب رئيس مكتب من الدرجة الثانية إلى الأولى.

ويُلاحَظ في هذه القائمة أنها تضمّ أيضاً ترقية المسيو المنشئ جوزيف كولفان من الدرجة الثانية إلى نائب رئيس مكتب من الدرجة الثالثة والمسيو بودسي بيار بول المنشئ من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى. وهذه الترقيات في رتبة المنشئ (المحرر) تُشير إلى أن السلم الإداري في الحماية الفرنسية كان يُتيح مساراً وظيفياً واضحاً لمن يؤدّون عملهم بكفاءة، وأن اندلاع الحرب لم يُعطّل هذه المسارات الترقوية.

وعلاوةً على ذلك، يتضمّن العدد قرار تولية المسيو كريزيون أميل ألبير المنشئ المتميّز من الدرجة الأولى منشئاً ممتازاً من الدرجة الأولى بمقتضى قائمة الترقي التي حرّرها المجلس الإداري للحماية الفرنسية في الجلسة المنعقدة يوم 19 أغسطس 1914. وإسناد هذا الترقّي إلى قرار مجلس الترقي الصادر في يوم بعينه يُجسّد المأسسة الكاملة للمسارات الوظيفية.

5.3. قرار اعطاء مهلة جديدة لدفع الديون المستحقة الأداء

يختتم العدد بقرار وزيري يُعطي مهلة جديدة لدفع الديون المستحقة الأداء، وهو بمثابة تكملة تطبيقية للظهيرين المتعلقين بالأوراق التجارية والودائع المصرفية. ينص القرار على أن العمل يبقى جارياً بمقتضى الظهير الشريف الصادر في عاشر رمضان عام 1332 الموافق 2 أغسطس 1914 المتعلق بآجال الأوراق التجارية ولا سيما الفصل الثالث منه وبناء على الظهير الشريف الصادر في ثالث شوال عام 1332 الموافق 25 أغسطس 1914 المكمل والمفسر للظهير المشار له اعلاه لا سيما الفصل الرابع منه. ويُتيح هذا القرار للمودعين الاستفادة من مهلة إضافية لاسترجاع ما بقي من حساباتهم في أكتوبر من شهر نوفمبر، مُحدداً جدولاً دقيقاً بتواريخ الاسترجاع.

 

سادساً - قرارات صون التراث المعماري في فاس ومراكش

6.1. مدرسة الصفارين وغيرها: البواكير الأولى لسياسة صون التراث

تُمثّل قرارات إجراء البحث في عدد الأبنية التاريخية التي وردت في هذا العدد بُعداً حضارياً فريداً لا مثيل له في سائر نصوص العدد الواردة. فهذه القرارات التي تتعلق بمدرسة الصفارين ومسجد الكتبية ومدرسة البوعنانية ومدرسة العطارين ومدرسة الصهريج ومدرسة الشراطين ومدرسة المصباحية في فاس، فضلاً عن مسجد الكتبية في مراكش، تُجسّد بواكير سياسة التراث المعماري في المغرب تحت الحماية الفرنسية.

كلّ هذه القرارات تستند إلى الظهير الشريف المؤرخ في 17 ربيع الأول عام 1332 الموافق 13 فبراير 1914، وبناءً على طلب رئيس إدارة الآثار القديمة والفنون الجميلة والأبنية التاريخية. ويُشير هذا الاستناد إلى أن هذه القرارات تندرج في إطار منظومة قانونية لصون التراث سبق الإعداد لها بأشهر قبل صدور هذه القرارات التطبيقية، مما يكشف عن تخطيط إداري منهجي لا عن استجابات عفوية.

6.2. الصياغة الموحّدة لقرارات التراث ودلالتها

تتميّز قرارات إجراء البحث في عدد الأبنية التاريخية بصياغة موحّدة تتكرر في كل قرار: "يجري العمل بالبحث الراجع إلى تقييد [اسم المبنى] في عدد الأبنية التاريخية والسلام". وهذه الصياغة الموحّدة ذات دلالة تشريعية واضحة؛ فهي تُشير إلى أن إدارة التراث كانت تعمل وفق إجراءات موحّدة ومقنّنة مسبقاً، لا وفق قرارات فردية لكل مبنى على حدة.

كذلك يُلاحَظ أن جميع هذه القرارات مؤرخة في الحادي عشر من رمضان عام 1332 الموافق 4 أغسطس 1914، أي في الأيام الأولى من الحرب العالمية الأولى. ولا يبدو هذا التوقيت مصادفةً؛ إذ ربما أراد ليوطي من خلال هذه القرارات المزامِنة تأكيد الاستمرارية الحضارية والحرص على صون الموروث الإسلامي المغربي في عين الاضطراب الدولي، وكأنه يُعلن أن الحرب لن تُعطّل مشروع الحفاظ على الهوية الحضارية المغربية.

6.3. الأبعاد الحضارية لسياسة صون التراث المعماري في المغرب 1914

لا يُمكن فهم هذه القرارات بمعزل عن السياق الاستعماري الذي أُنتجت فيه. فسياسة صون التراث المعماري في المغرب كانت ذات بُعدين متداخلين ومتوترين: بُعد حضاري إيجابي يتمثّل في الحفاظ على المباني الإسلامية الرائعة من التدهور والإهمال، وبُعد سياسي يتمثّل في استخدام هذا التراث الموثّق أداةً لتصوير الحماية الفرنسية بوصفها حارسةً للحضارة المغربية وليس قاهرةً لها.

وقد ظل هذا التوتر بين البُعدين حاضراً في السياسة الفرنسية طوال مرحلة الحماية. فمن جهة، أسهمت هذه السياسة فعلاً في صون مبانٍ من الإهمال والتدهور، ومن جهة أخرى، كانت تُعرّض التراث لخطر الاستيلاء الثقافي وتحويله إلى مُعلَّقة جمالية منفصلة عن الحياة الثقافية الحية التي أنتجتها.

غير أن ما يظل مقطوعاً به هو أن بعض المباني التي وردت في هذه القرارات - كمدرسة الصفارين ومدرسة العطارين ومسجد الكتبية - هي اليوم من روائع التراث العالمي المحمي التي تزورها ملايين السياح سنوياً، مما يُثبت أن هذه القرارات المبكرة لعام 1914 كانت مؤسِّسةً لإرث وقائي طال أثره إلى ما يزيد على قرن.

سابعاً - الأبعاد المؤسسية للعدد الخامس والسبعين في منظومة التشريع المغربي

7.1. التكامل بين الأعداد 73 و74 و75 في مشروع البناء القانوني

تشكّل الأعداد الثلاثة الواردة من مطلع أكتوبر 1914 (73 و74 و75) مجتمعةً وثيقةً تشريعية متكاملة الأبعاد تُغطي مجالات أساسية تعكس فهماً شاملاً لمتطلبات الدولة الحديثة في وقت الأزمة. فبينما عالج العدد الثالث والسبعون القانون التجاري والسياسة النقدية وإدارة التنوع الاجتماعي، وتناول العدد الرابع والسبعون العقار والسكن والنظام العام الأخلاقي، جاء العدد الخامس والسبعون ليُكمل المنظومة بمعالجة الأزمة المالية الاستثنائية للحرب وسياسة التراث الحضاري والتنظيم الإداري.

وحين يُقرأ هذا الإنتاج التشريعي الكثيف في سياقه الأشمل، يتضح أن ليوطي وإدارته كانا يُدركان أن بناء الدولة الحديثة في المغرب لا يحتمل التأخير حتى في ظل الحرب، بل يستوجب مضاعفة الجهد لتعويض ما ستُخلّفه الحرب من فراغات.

7.2. التعامل مع أموال الرعايا المعادين: سابقة قانونية ذات دلالة

يستحق ظهير أموال الرعايا الألمانيين والنمساويين وقفةً خاصة من منظور القانون الدولي، إذ يُجسّد مرحلةً فارقة في تطور التعامل القانوني المغربي مع المسائل ذات الطابع الدولي. قبل صدور هذا الظهير، كان المغرب يتعامل مع الرعايا الأجانب في الغالب وفق أحكام المعاهدات الدولية وقواعد القانون الأوروبي المعمول به عرفاً. لكن اندلاع الحرب أوجد حالةً استثنائية تستدعي من المغرب اتخاذ موقف تشريعي مستقل لا استناداً إلى ما هو مُقنَّن بل استناداً إلى مبادئ عامة من القانون الدولي.

وقد أُثمرت هذه التجربة في التعامل القانوني مع المسائل الدولية بصورة مباشرة لاحقاً حين استقلّ المغرب وأصبح دولةً سيادية كاملة تحتاج إلى رصيد من الخبرات في التعامل مع المسائل القانونية ذات الطابع الدولي. فالمبادئ التي وُظِّفت في ظهير 1914 - التجميد الاحترازي، والإدارة المؤتمنة، والحفاظ على الجوهر الاقتصادي للأموال - كانت أدوات سيُستعان بها لاحقاً في سياقات قانونية متعددة.

7.3. الوظيفة الاجتماعية لمنظومة تشريعات الحرب

تكشف تشريعات هذا العدد مجتمعةً - من ظهير الأموال الألمانية إلى ظهير الأوراق التجارية إلى ظهير الودائع المصرفية - عن فلسفة تشريعية اجتماعية واضحة المعالم: فلسفة إدارة الأزمة دون السماح بالتفاوت الاجتماعي الحاد. فالتاجر الصغير العاجز عن دفع ورقته التجارية، والمودع المتوجّس من انهيار بنكه، والمستأجر العاجز عن دفع أكريته، كلّهم إجراءات تُبيّن أن المشرّع كان يُفكّر في حماية الفئات الهشة لا فقط في حماية المنظومة المالية الكلية.

وهذا التوجه ذو الطابع الاجتماعي يُميّز التشريع المغربي في هذه المرحلة عن كثير من التجارب الاستعمارية التي كانت تُشرّع أساساً لمصلحة الاقتصاد الاستعماري. ولعلّ هذا الاعتراف المبكر بالبُعد الاجتماعي للتشريع أسهم في إضفاء شرعية نسبية على منظومة الحماية في أعين شرائح مغربية واسعة لم تستفد من فوائد التحديث الاقتصادي بصورة مباشرة.

 

ثامناً - إرث العدد الخامس والسبعين في الممارسة القانونية والحضارية المغربية

8.1. الاستمرارية التشريعية في المجال المالي

في مجال الأوراق التجارية والودائع المصرفية، أرسى هذا العدد مبادئ جوهرية ظلت حاضرة في الفقه المالي والمصرفي المغربي. فمبدأ التأجيل الاستثنائي لتواريخ الاستحقاق في الظروف القاهرة - الذي كان مؤقتاً وطارئاً في 1914 - أصبح مبدأً راسخاً في القانون المالي المغربي يُستحضر كلما اقتضت الأزمات. وقد شهدنا تجليات متجددة لهذا المبدأ في مراحل مختلفة من التاريخ المغربي كلما واجهت البلاد أزمات اقتصادية تستدعي التدخل التشريعي الاستثنائي.

كذلك في مجال التعامل مع الأموال الأجنبية في الظروف الاستثنائية، أرست الأحكام الخاصة برعايا الدول المعادية سابقةً قانونية ستوجّه لاحقاً التشريعات المغربية المتعلقة بالاستثمار الأجنبي وضبط رؤوس الأموال الأجنبية في مراحل الاضطراب الاقتصادي.

8.2. إرث سياسة التراث الحضاري

ربما يكون الإرث الأعمق لهذا العدد هو إرثه الحضاري المتجسّد في قرارات إدراج الأبنية التاريخية في عداد المحمية. فهذه القرارات لم تكن مجرد إجراءات إدارية بيروقراطية، بل كانت بذوراً لسياسة حضارية شاملة ستنمو وتتطور عبر عقود لتُنتج اليوم منظومة متكاملة لحماية التراث تُجعل من المدينة العتيقة لفاس - بمدارسها ومساجدها التي أُدرجت في قائمة التراث عام 1981 - إرثاً مصوناً مُدرجاً في قائمة التراث العالمي لليونسكو.

وتظل مفارقة حضارية لافتة أن تلك القرارات الصادرة في خضم الحرب العالمية الأولى أسّست في نهاية المطاف لما بات اليوم واحداً من أبرز إنجازات المغرب في صون هويته الحضارية. والتفسير البسيط هو أن الحضارات لا تُبنى في السلم وحده، بل في الأزمات أيضاً يظهر مقدار العزيمة والوعي بقيمة الموروث.

8.3. دروس الحوكمة في زمن الأزمات

يُقدّم العدد الخامس والسبعون من الجريدة الرسمية المغربية لعام 1914 - في مجموعه مع الأعداد الثلاثة السابقة التي درسناها - دروساً حوكمية بالغة القيمة لا تزال راهنيتها حاضرة. فمن أبرز هذه الدروس: أن التشريع في زمن الأزمات يستوجب الجمع بين السرعة في الاستجابة والدقة في الصياغة، وأن الإجراءات الاستثنائية ينبغي أن تُصاغ بحدود زمنية وموضوعية واضحة تمنع توسّعها المفرط، وأن البُعد الاجتماعي للتشريع ليس رفاهاً بل ضرورة لصيانة التماسك الاجتماعي في الظروف الصعبة، وأن الاستثمار في صون التراث الحضاري حتى في أحلك الأوقات يُنتج فوائد طويلة الأمد تتجاوز ما يُدركه القائمون عليه في لحظتهم التاريخية.

 

خاتمة

ها قد جلت دراستنا التحليلية لمحتويات العدد الخامس والسبعين من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الصادر في أكتوبر 1914 عن وثيقة تاريخية بالغة الثراء والتنوع تُجسّد بصدق صورة المغرب في لحظة استثنائية من لحظات تاريخه: لحظة تُحاصره فيها أزمة دولية من الخارج بينما يواصل من الداخل بنيانه المؤسسي بعزيمة لا تلين.

وتكشف الظهائر الثلاثة الرئيسية الواردة فيه - ظهير أموال الرعايا الألمانيين والنمساويين، وظهير الأوراق التجارية، وظهير الودائع المصرفية - عن نضج تشريعي بيّن في التعامل مع أزمات متعددة الأبعاد تمسّ في آنٍ واحد القانون الدولي والقانون التجاري والقانون المالي. ففي كل ظهير من هذه الظهائر، تجمع نصوصه بين الاستجابة للضرورة الظرفية العاجلة والالتزام بمبادئ قانونية راسخة تُضمن أن يكون الحل المؤقت منسجماً مع منظومة القانون العامة لا متعارضاً معها.

أما قرارات صون التراث المعماري في فاس ومراكش، فهي الدليل الأبلغ على أن المغرب في 1914 لم يكن مجرد مسرح للتلاقي بين السلطتين المخزنية والاستعمارية، بل كان يضم في طيّاته بذور هوية حضارية واعية بقيمة إرثها ساعيةً إلى صونه للأجيال القادمة. وقد انتهى المطاف بتلك البذور إلى أثمار ثمارها الغنية في صورة مدينة فاس العتيقة ومراكش التاريخية الزاخرتين اليوم بتراث معماري خالد يُعلن للعالم عمق الحضارة المغربية.

وفي النهاية، إن الدراسة المتسلسلة للأعداد 73 و74 و75 من الجريدة الرسمية المغربية لعام 1914 تُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الفهم العميق للحاضر القانوني المغربي لا يمكن أن يكتمل بدون استحضار هذا الإرث التشريعي المبكر الذي أُرسيت فيه أُسس المنظومة القانونية التي تطورت وتشعبت إلى اليوم، حاملةً في ثناياها آثار تلك اللحظة التكوينية الأولى.

 

المراجع والمصادر:

  • الجريدة الرسمية للدولة المغربية، العدد 75، السنة الثانية، الرباط، 5 أكتوبر 1914 / 14 ذي القعدة 1332هـ.
  • ظهير شريف يتعلق بعقل الأموال المنقولة وغيرها على الرعايا الألمانيين والنمساويين، محرر بالرباط في ثامن ذي القعدة عام 1332هـ / 29 سبتمبر 1914.
  • ظهير شريف في شأن تعديل آجال الأوراق التجارية المستحقة الأداء، محرر بالرباط في ثالث شوال عام 1332هـ / 25 أغسطس 1914.
  • ظهير شريف في شأن استرجاع الدراهم المودعة بالبنوك ومحلات الدين والإيداع، محرر بالرباط في حادي عشر ذي القعدة عام 1332هـ / 2 أكتوبر 1914.
  • قرارات وزارية في تعيين بعض الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة، أكتوبر 1914.
  • قرارات وزارية في إجراء البحث عن تقييد الأبنية التاريخية بفاس ومراكش، أغسطس-سبتمبر 1914.

 

 

تحميل العدد  75  بتاريخ 05 أكتوبر من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 21/05/2026
تحديث 21/05/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث