الجريدة الرسمية المغربية عدد 7509 مكرر: قراءة تحليلية معمّقة في مرسوم فتح الاعتمادات الإضافية وقرار تنظيم أسواق أضاحي العيد

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
نبذة عن المقال: ، اعتمادات إضافية، ميزانية عامة 2026، دعم المواد الأساسية، صندوق الموازنة، عيد الأضحى، أسواق الأضاحي، تنظيم المنافسة، حرية الأسعار، الاحتكار، حماية

مقدمة

تُصدر الجريدة الرسمية للمملكة المغربية أحياناً أعداداً استثنائية مكرّرة، يُلجأ إليها حين تستوجب الضرورة الإدارية والقانونية نشر نصوص ذات طابع عاجل لا يحتمل الانتظار حتى صدور العدد المعتاد. وقد جاء العدد 7509 مكرر الصادر بتاريخ 3 ذي الحجة 1447 الموافق لـ 20 ماي 2026، ليحمل نصّين تشريعيَّين بالغَي الأهمية على الصعيدَين الاقتصادي والاجتماعي، يُعكسان في مجملهما الطابع الاستعجالي الذي يميز المرحلة الراهنة من تدبير الشأن العام في المغرب.

يتعلق النص الأول بمرسوم رقم 2.26.395 الصادر عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، يقضي بفتح اعتمادات إضافية للميزانية العامة للدولة لسنة 2026 بمبلغ استثنائي يبلغ عشرين مليار درهم، موزَّعة على برامج تدعم السياسات الاجتماعية وتعزّز الاحتياطيات الطارئة وتموّل صندوق مكافحة الكوارث الطبيعية. أما النص الثاني فيتعلق بقرار رئيس الحكومة رقم 3.26.26 الصادر في التاريخ ذاته، القاضي باتخاذ تدابير مؤقتة لتنظيم الأسواق المخصصة لبيع أضاحي العيد، وذلك تحسباً لحلول عيد الأضحى المبارك وما يستلزمه من ضبط للسوق ومنع الممارسات الاحتكارية.

يتناول هذا المقال التحليلي الشامل هذَين النصَّين بالدراسة والتعمق والتحليل، ويستجلي أبعادهما القانونية والمالية والاجتماعية والاقتصادية، ويُبيّن السياق العام الذي أفرزهما والانعكاسات العملية التي يُرتّبانها على المشهد المغربي الراهن، بما يُوفّر للقارئ فهماً متكاملاً ومعمّقاً لمضامين هذا العدد الاستثنائي من الجريدة الرسمية.

تحميل العدد  7509مكرر  بتاريخ  20 ماي 2026 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

أولاً - مرسوم فتح الاعتمادات الإضافية للميزانية العامة لسنة 2026

1.1. الإطار الدستوري والتشريعي لفتح الاعتمادات الإضافية

يقوم النظام المالي المغربي على مبدأ سنوية الميزانية، إذ تُصوَّت على قانون المالية من طرف البرلمان قبل انقضاء السنة الجارية ليسري مفعوله خلال السنة التالية. غير أن المنظومة التشريعية المالية أقرّت استثناءً جوهرياً يُتيح للحكومة فتح اعتمادات إضافية خلال السنة المالية متى اقتضت ذلك ضرورة ملحّة لا تتسع لانتظار التصويت على قانون مالية تعديلي في البرلمان. ويستند مرسوم رقم 2.26.395 الصادر في 20 ماي 2026 إلى جملة من المرجعيات التشريعية والدستورية الجوهرية.

على الصعيد الدستوري، يستند المرسوم إلى الفصلَين 70 و92 من دستور المملكة لعام 2011. فالفصل 70 يُخوّل للبرلمان صلاحية التشريع، بما في ذلك التصويت على قوانين المالية، في حين يُخوّل الفصل 92 لمجلس الحكومة صلاحية المداولة في المراسيم المتعلقة بتنفيذ السياسات العمومية.

على الصعيد القانوني التنظيمي، يرتكز المرسوم على المادة 60 من القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية الصادر بتاريخ 2 يونيو 2015، التي تُجيز للحكومة بمقتضى مرسوم أن تفتح اعتمادات إضافية من دون انتظار قانون مالية تعديلي، شريطة إخبار لجنتَي المالية بالبرلمان مسبقاً، وعرض المرسوم على البرلمان للمصادقة عليه في أقرب قانون مالية. كما يستند إلى المادة 18 من قانون المالية رقم 50.25 للسنة المالية 2026 الصادر بتاريخ 10 ديسمبر 2025، وإلى المادة 18 من المرسوم رقم 2.15.426 الصادر في 15 يوليو 2015 المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية كما تم تغييره وتتميمه.

1.2. الحجم الإجمالي للاعتمادات الإضافية وأهميتها

يُشكّل المبلغ الإجمالي للاعتمادات الإضافية المفتوحة بموجب هذا المرسوم ما قيمته عشرون مليار درهم (20.000.000.000 درهم)، وهو رقم ضخم يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة للدولة في ظل المتغيرات الاقتصادية المتسارعة والالتزامات الاجتماعية المتنامية.

للوضع في سياقه المقارن، يُمثّل هذا المبلغ نسبة مئوية وازنة من إجمالي الميزانية العامة للدولة، مما يعني أن الحكومة تعدّل في المسار المالي السنوي تعديلاً ذا حجم محسوس. وقد اشترط المشرع المغربي في حالات كهذه إخبار البرلمان مسبقاً وضمان الرقابة اللاحقة عبر عرض المرسوم على التصديق البرلماني في أقرب فرصة، وهو ما يضمن التوازن بين الاستجابة الحكومية العاجلة للضرورات الطارئة واستمرار الرقابة التشريعية على المال العام.

1.3. توزيع الاعتمادات على الفصول والبرامج الميزانياتية

1.3.1. دعم السياسات الاجتماعية: إعانة صندوق الموازنة والمكتب الوطني للحبوب

خُصّص الجزء الأول والأكبر من الاعتمادات الإضافية لفصل التسيير في وزارة الاقتصاد والمالية (فصل 1.2.1.3.0.13.000)، وتحديداً ضمن البرنامج 197 المتعلق بدعم السياسات الاجتماعية والاستراتيجيات القطاعية والمشاريع المهيكلة. ويتجه هذا الجزء نحو السطر 10 المتعلق بالإعانة لصندوق الموازنة وللمكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، بمبلغ ثمانية مليارات درهم (8.000.000.000 درهم).

يعكس هذا التخصيص الضخم حجم التحديات التي يواجهها المغرب في الحفاظ على استقرار أسعار المواد الأساسية كالدقيق والسكر والزيت، في ظل ارتفاع الأسعار العالمية وتقلبات أسواق السلع الأولية. فصندوق الموازنة هو الآلية التي تعتمدها الدولة لامتصاص الفوارق بين الأسعار العالمية وأسعار البيع للمستهلكين المحليين، إذ تُدعّم الدولة الفرق كي لا تنعكس التقلبات الخارجية بصورة مباشرة على قدرة المواطنين الشرائية.

أما المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني (ONICL) فيضطلع بمهمة تنظيم سوق الحبوب وتخزين الاحتياطيات الاستراتيجية وتوجيه الصادرات والواردات من القمح والشعير والذرة والقطاني. ويستلزم ضخ هذه الإعانة الضخمة توافر مخصصات مالية كافية تضمن قدرة المكتب على القيام بمهامه في تنظيم السوق الداخلية لمادة حيوية تمسّ الأمن الغذائي للمواطنين بصورة مباشرة.

1.3.2. التحويلات لفائدة المؤسسات والمقاولات العمومية

يُخصّص الجزء الثاني من الاعتمادات الإضافية لفصل الاستثمار في وزارة الاقتصاد والمالية (فصل 1.2.2.3.0.13.000)، ضمن البرنامج ذاته (197) المتعلق بدعم السياسات الاجتماعية. ويتوزع هذا الجزء على سطرَين:

السطر 12 المتعلق بتحويلات برسم مخصصات من الرأسمال لفائدة المؤسسات والمقاولات العمومية، بمبلغ أربعة مليارات درهم (4.000.000.000 درهم). يُعدّ هذا النوع من التحويلات آلية حكومية ضرورية لتمكين المؤسسات العمومية من القيام بمشاريعها الاستثمارية الكبرى سواء في مجال البنية التحتية أو الطاقة أو الصناعة أو الخدمات العمومية، دون أن يقع عليها ضغط مديونية تشغيلية تُعيق مسارها التنموي.

أما السطر 14 فيتعلق بالتحويلات الأخرى بمبلغ مساوٍ يبلغ أربعة مليارات درهم (4.000.000.000 درهم)، وهي تحويلات عامة تشمل طيفاً أوسع من العمليات المالية التي تقتضيها ضرورة دعم مختلف برامج وسياسات الدولة.

1.3.3. تمويل صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية

يستهدف السطر 19 ضمن المشروع 20 المتعلق بالتحويلات لفائدة الحسابات الخصوصية للخزينة، تسديد مبلغَين مليار درهم (2.000.000.000 درهم) لصالح صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية. ويكتسي هذا التخصيص أهمية بالغة في ضوء الكوارث الطبيعية التي شهدها المغرب في السنوات الأخيرة، ولا سيما زلزال الحوز المدمّر في شتنبر 2023 وفيضانات عدد من المناطق، مما أثبت بجلاء أن الاحتياطيات المرصودة لمواجهة الكوارث تحتاج إلى دعم ورفع مستمرَّين.

يُعدّ صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية الآلية الحكومية المخصصة لتمويل عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار في المناطق المنكوبة، كما يُموّل تقديم الدعم المالي للأسر المتضررة وإعادة بناء المساكن والبنيات التحتية التالفة. ويتيح رفع رصيده إمكانية التحرك الميداني السريع دون انتظار مسارات الاعتماد الميزانياتية الاعتيادية التي قد تستغرق وقتاً أطول من اللازم في حالات الطوارئ.

1.3.4. الاحتياطيات للنفقات الطارئة

يُخصّص المبلغ الأخير البالغ ملياري درهم (2.000.000.000 درهم) لفصل النفقات الطارئة والمخصصات الاحتياطية (فصل 1.2.1.4.0.36.000)، ضمن البرنامج 199 وتحديداً في سطر الاقتطاعات لفائدة فصول المعدات والنفقات المختلفة. تُجسّد هذه الاحتياطيات وسادة أمان مالية تُتيح للحكومة التعامل مع النفقات غير المتوقعة التي تطرأ خلال السنة المالية دون أن تضطر في كل مرة إلى اللجوء لمرسوم جديد لفتح اعتمادات.

1.4. الدلالات الاقتصادية لمرسوم الاعتمادات الإضافية

1.4.1. مؤشرات الضغط على الميزانية العامة

إن اللجوء إلى فتح اعتمادات إضافية بهذا الحجم الاستثنائي خلال السنة المالية الجارية يُرسل جملة من الإشارات الاقتصادية الجديرة بالتأمل. فمن ناحية، يعكس حجم مخصصات دعم المواد الأساسية البالغة ثمانية مليارات درهم ثقل الالتزامات الاجتماعية التي تتحملها الدولة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت يشهد السوق الدولي توترات في أسعار المواد الأولية لا تزال تلقي بظلالها على أسعار الاستيراد.

ومن ناحية أخرى، يُشير الحجم الإجمالي لعشرين مليار درهم إلى أن التوقعات الأولية لقانون المالية 2026 واجهت ضغوطاً لم يكن بالإمكان استيعابها ضمن الاعتمادات الأصلية المصوَّت عليها، مما استوجب التعديل الاستعجالي. ويكشف هذا الواقع أن التخطيط الميزانياتي في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة أصبح أكثر تعقيداً، نظراً لتسارع وتيرة المتغيرات الخارجية.

1.4.2. أثر الاعتمادات الإضافية على توازنات المالية العامة

تُرتّب الاعتمادات الإضافية بطبيعتها ضغطاً على توازنات الميزانية العامة، لأنها تعني إما زيادة في الإنفاق دون مقابل إيرادي مقرّر سلفاً، أو تحريكاً لاحتياطيات كانت موجودة لأغراض أخرى. وفي السياق المغربي، تلتزم الحكومة بعرض هذا المرسوم على البرلمان للمصادقة عليه في أقرب قانون مالية تعديلي، وهو ما يعني أن الأرقام النهائية لتنفيذ الميزانية ستعكس حتماً هذا الإنفاق الإضافي بما قد ينعكس على مستوى عجز الميزانية ومنه على نسبة المديونية إلى الناتج الداخلي الخام.

1.4.3. الاعتمادات الإضافية في سياق السياسة الاجتماعية المغربية

يتكامل هذا المرسوم مع التوجه الاجتماعي الراسخ للدولة المغربية في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي عبر التدخل المباشر في الأسواق. فمنذ دخول المغرب مرحلة إصلاح صناديق الدعم خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة، جرى رفع الدعم عن المحروقات تدريجياً، غير أنه حافظ على دعم المواد الأساسية كالدقيق والسكر والغاز البوتان، وهو ما يُجسّد التوازن الدقيق بين متطلبات الانضباط المالي والالتزامات الاجتماعية. ويأتي الدعم المالي عبر هذه الاعتمادات الإضافية تعبيراً عن استمرار هذا التوجه وتعزيزه في مواجهة التقلبات.

1.5. الإجراءات الدستورية والرقابة البرلمانية

تتبع آلية فتح الاعتمادات الإضافية مساراً دستورياً وقانونياً محدداً يضمن الشفافية والمسؤولية في التصرف في المال العام. فبعد المداولة في مجلس الحكومة المنعقد في 14 ماي 2026، وإخبار لجنتَي المالية في مجلسَي البرلمان مسبقاً، صدر المرسوم موقَّعاً من رئيس الحكومة عزيز أخنوش، حاملاً تأشيرة الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية فوزي لقجع، ليُنشر في الجريدة الرسمية ذاتها التي يُطالعها القراء.

يستهدف اشتراط العرض على البرلمان في أقرب قانون مالية تحقيق وظيفة الرقابة البرلمانية على الإنفاق العمومي المنصوص عليها دستورياً، كي لا تصير الاعتمادات الإضافية ثغرة في منظومة الرقابة التشريعية على المال العام. وفي هذا الإطار، يُعدّ الشفاف في النشر الرسمي لمضامين المرسوم أحد الضمانات الأساسية لإعلام المواطنين والهيئات الرقابية والمحللين الاقتصاديين بالتوجهات الميزانياتية الفعلية للحكومة.

ثانياً - قرار تنظيم أسواق أضاحي عيد الأضحى: بين السياق الاجتماعي والضبط الاقتصادي

2.1. دلالة توقيت القرار وسياقه الاجتماعي

يُعدّ قرار رئيس الحكومة رقم 3.26.26 الصادر في 20 ماي 2026 من أبرز النصوص التنظيمية الموسمية التي تُقرّها الحكومة المغربية استعداداً لعيد الأضحى المبارك، وهو أحد أهم المناسبات الدينية في التقويم الإسلامي. ففي المغرب كما في سائر البلدان الإسلامية، تشهد الفترة السابقة لعيد الأضحى طلباً استثنائياً على الأغنام والأبقار ومختلف الأصناف المستعملة في الأضاحي، مما يجعل سوق الأضاحي بيئة مناسبة لنشوء ممارسات احتكارية وارتفاعات مصطنعة في الأسعار تمسّ مباشرة المقدرة الشرائية لعموم الأسر المغربية.

وفي هذا الإطار، قرر رئيس الحكومة إصدار هذا القرار قبل أيام قليلة من موعد عيد الأضحى، لتسري أحكامه من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية إلى غاية 29 ماي 2026، مما يكشف أن عيد الأضحى لهذه السنة يقع في نهاية شهر ماي 2026 أو مطلع شهر يونيو. وقد أخذ هذا القرار طابع الاستعجال بما يبرر نشره ضمن عدد مكرر، أي خارج عدد الجريدة الرسمية الأسبوعي الاعتيادي.

2.2. الأساس القانوني لتنظيم أسواق الأضاحي

يرتكز قرار رئيس الحكومة على منظومة قانونية متكاملة تجمع بين تشريعات المنافسة والتشريعات الترابية والمحلية.

2.2.1. قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 104.12

يُشكّل القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الصادر بتاريخ 30 يونيو 2014، الركيزة القانونية الأساسية لهذا القرار. ويستند القرار تحديداً إلى المواد 4 و6 و75 و76 من هذا القانون. فالمادة 4 تُعرّف الممارسات المقيِّدة للمنافسة ومن بينها التحالفات والاتفاقيات الصريحة أو الضمنية الرامية إلى رفع الأسعار بصورة مصطنعة. وتُتيح المادة 6 للسلطات الحكومية اتخاذ تدابير مؤقتة لتنظيم الأسواق لأغراض الوقاية من الممارسات المنافية للمنافسة. أما المادتان 75 و76 فتُحددان منظومة العقوبات الجزائية والغرامات المالية المترتبة على مخالفة أحكام هذا القانون.

لا يُتيح هذا القانون فقط تجريم الاحتكار والتلاعب بالأسعار، بل يُخوّل لرئيس الحكومة باتخاذ تدابير مؤقتة بصورة احترازية قبل وقوع المخالفات حين تدعو الضرورة إلى ذلك. وهذا ما فعله القرار بالضبط: إذ أرسى قواعد اشتغال استباقية تمنع الانزلاق نحو ممارسات احتكارية في سوق الأضاحي.

2.2.2. القانون التنظيمي للجماعات رقم 113.14

يستند القرار كذلك إلى المادة 110 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الصادر في 7 يوليو 2015، وهي مادة تُخوّل لعمال العمالات والأقاليم صلاحيات واسعة في ضبط السوق المحلية والتدخل لمواجهة الاضطرابات التي قد تطرأ على الأسواق المحلية. ويتجسد هذا الاستناد بوضوح في المادة الثالثة من القرار التي تُخوّل للعمّال وممثليهم صلاحية الإغلاق المؤقت لنقاط البيع المخالفة وحجز الأضاحي والمعدات المستعملة في ارتكاب المخالفة.

2.2.3. دور مجلس المنافسة في الإعداد للقرار

يُشير النص صراحةً إلى أن هذا القرار صدر بعد استشارة مجلس المنافسة، وهو المؤسسة الدستورية المستقلة المنوط بها ضمان الشفافية الاقتصادية وتنظيم المنافسة الحرة والمشروعة. ويستفاد من هذا الاستشارة أن القرار يستند إلى تحليل تقني معمّق من طرف جهاز متخصص له إلمام بالسوق وإلمام بالممارسات غير المشروعة الشائعة فيه، مما يُضفي على مضمون القرار مشروعيةً مضاعفة تجمع بين السند التشريعي والسند التقني.

2.3. التدابير المؤقتة: المضمون والغاية

2.3.1. حصر البيع في الأسواق المخصصة

يشترط القرار أن لا يتم بيع أضاحي العيد إلا داخل الأسواق المخصصة لذلك، مع استثناء البيع المباشر كالبيع بالضيعات أو داخل الأسواق المرخصة. يرمي هذا الشرط إلى تمركز السوق في فضاءات قابلة للمراقبة والضبط، بدلاً من انتشار نقاط البيع في الشوارع والأرصفة والفضاءات المفتوحة التي يصعب الإشراف عليها. فالتمركز في الأسواق المخصصة يُتيح لرجال السلطة والأجهزة الرقابية الإحاطة بما يجري من معاملات والتحقق من صحة الأثمان المُعلنة وشروط البيع.

وتكتسي هذه الضبطية المكانية أهمية بالغة من الناحية الصحية أيضاً، إذ إن الأسواق المخصصة تتوفر فيها شروط الصرف الصحي والتباعد بين الحيوانات والمرافق الضرورية للحدّ من المخاطر الصحية المرتبطة بالتجمعات الكبيرة للحيوانات.

2.3.2. التصريح الإلزامي بالهوية وبيانات الأضاحي

ُلزم القرار كل بائع بالتصريح لدى السلطة الإدارية المحلية بهويته وبعدد الأضاحي المعروضة للبيع ومصدرها قبل الولوج إلى السوق. يُجسّد هذا التدبير منطق الشفافية والمتابعة في التجارة الحيوانية، إذ يُمكّن السلطات من الإجابة عن تساؤلات جوهرية: من أين جاءت هذه الأضاحي؟ هل أصولها معروفة وموثقة؟ هل حصل الباعة على ما بحوزتهم من قنوات موثوقة أم عبر شراء مسبق بهدف الاحتكار؟

تتيح قاعدة البيانات المُنشأة من خلال هذه التصريحات مراقبة تدفق الأضاحي في السوق بصورة شاملة، وكشف حالات الاحتكار والتخزين المصطنع في حال تعذّر التطابق بين ما أُعلن عند الدخول وما هو معروض فعلياً للبيع.

2.3.3. حظر شراء الأضاحي بقصد إعادة البيع

يمنع القرار صراحةً داخل السوق شراء الأضاحي بهدف إعادة بيعها. يستهدف هذا الحظر ظاهرة الوساطة الطفيلية التي تتمثل في قيام أشخاص بشراء الأضاحي بكميات كبيرة من المربّين والفلاحين الذين يأتون بها إلى السوق، ثم إعادة بيعها بأسعار مرتفعة، مستثمرين بذلك انعدام المعلومة لدى بعض البائعين حول الأسعار السائدة ومستغلّين الضغط الزمني المرتبط بقرب حلول العيد.

وبمنع الشراء بهدف الإعادة البيع، يُفترض أن تكون المعاملات في السوق مباشرةً بين المنتجين والمربين من جهة، والمستهلكين النهائيين من جهة أخرى، مما يُقلّص هوامش الربح المشروطة ويُقرّب الأسعار من مستويات التوازن الحقيقية.

2.3.4. تجريم التلاعب بالأسعار والرفع المصطنع لها

يُجرّم القرار افتعال رفع سعر الأضحية بهدف التأثير على أسعار السوق، سواء عن طريق تقديم عروض مزايدة على الأسعار التي طلبها الباعة أو باستخدام أية وسيلة أخرى لهذا الغرض. يستهدف هذا الحكم الأساليب الملتوية التي يلجأ إليها بعض المتلاعبين لدفع الأسعار نحو الارتفاع بصورة مصطنعة، كمحاولة رفع السقف السعري العام بإيهام الباعة بأن الطلب يفوق العرض، أو بإيجاد سعي وهمي على أضاحي بعينها لخلق موجة من الطلب المصطنع.

2.3.5. حظر الاحتكار والتخزين خارج قنوات التسويق

يمنع القرار تخزين الأضاحي خارج قنوات التسويق بهدف خلق ندرة مصطنعة أو رفع الأسعار. وهو حكم جوهري يتصدى لأحد أشكال الاحتكار الأشد ضرراً على الاقتصاد والمستهلك، إذ يتمثل في شراء كميات كبيرة من الأضاحي وسحبها من السوق بهدف تصعيد الأسعار عبر تقليص العرض المتاح، ثم طرحها للبيع بعد أن يرتفع الثمن إلى مستويات تُربح المحتكر على حساب المستهلك.

2.4. آليات التنفيذ والجزاءات القانونية

2.4.1. دور عمّال العمالات والأقاليم في التطبيق

يُعهد بتطبيق هذا القرار إلى "السلطة الإدارية المحلية"، وتحديداً إلى عمّال العمالات والأقاليم أو من ينوب عنهم. يعكس هذا التوجه فلسفة اللامركزية في التنفيذ، إذ يُقرّ المركز القاعدة العامة ثم يُفوّض تطبيقها إلى المسؤولين المحليين الأقرب إلى الواقع الميداني والأقدر على الاستجابة الفورية للحالات الفردية.

تتمتع هذه السلطة المحلية بجملة من الصلاحيات التنفيذية الفعّالة التي يمنحها إياها القانون التنظيمي للجماعات، وفي مقدمتها الإغلاق المؤقت لنقاط البيع المخالفة وحجز الأضاحي والمعدات المستعملة في ارتكاب المخالفة. وتُشكّل هذه الصلاحيات رادعاً ملموساً يُدرك المتعاملون في هذا السوق خطورته وحجم تداعياته على نشاطهم التجاري.

2.4.2. منظومة الجزاءات والغرامات المالية

يُحيل القرار صراحةً على منظومة العقوبات المنصوص عليها في القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، ولا سيما المادتَين 75 و76 منه، اللتَين تُقرران عقوبات حبسية وغرامات مالية رادعة بحق كل من يثبت ضلوعه في الممارسات المحظورة. ويُفضي الجمع بين العقوبة السالبة للحرية والغرامة المالية إلى ردع مزدوج يُكبّد المخالف تكاليف باهظة تفوق في الغالب ما كان يأمل تحقيقه من أرباح غير مشروعة.

.5. 2الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية لهذا القرار

2.5.1. حماية القدرة الشرائية لعموم الأسر المغربية

يُقيم هذا القرار صلةً مباشرة بالرفاه الاجتماعي للمواطنين المغاربة، إذ إن الإخلال بتوازن سوق الأضاحي يُنتج تداعيات اجتماعية حادة. فالأسرة المغربية المتوسطة وما دون المتوسطة تُنفق جزءاً كبيراً من دخلها الشهري على الأضحية، وأي ارتفاع غير مبرر في الأسعار يُلقي بأعباء إضافية على كاهل هذه الأسر التي تتطلع إلى أداء هذه الشعيرة الدينية دون أن يُجحف بها السوق.

ولهذا أتى القرار معبّراً عن حرص الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات السوق الحرة ومقتضيات الحماية الاجتماعية للمستهلك، مُستحضراً في الوقت ذاته الطابع الديني الراسخ لهذه المناسبة التي تتجاوز كونها عملية اقتصادية بحتة.

2.5.2. دعم المربّين والفلاحين

يخدم هذا القرار كذلك مصلحة صغار المربّين والفلاحين الذين ينتجون الأضاحي ويجلبونها إلى السوق. ففي غياب تنظيم فعلي، يجد هؤلاء أنفسهم أمام وسطاء وتجار يُحكمون سيطرتهم على السوق ويقتنصون الهامش الأكبر من الربح، في حين يحصل المنتج الأصلي على ثمن قد يكون أقل من قيمة الجهد المبذول في تربية الحيوانات وتسمينها.

إن إلغاء الوسيط الطفيلي من خلال تجريم الشراء بقصد إعادة البيع، وإلزام الباعة بالتصريح بمصدر الأضاحي، كلها إجراءات تُقرّب المنتج من المستهلك وتُتيح لكلَيهما تحقيق صفقة أكثر عدلاً.

2.5.3. الأثر على الثقة في المؤسسات الحكومية

لا يقتصر أثر هذا القرار على الأبعاد الاقتصادية المباشرة، بل يمتد ليشمل بُعداً مؤسسياً مهماً يتمثل في تعزيز ثقة المواطن في قدرة الدولة على تنظيم الأسواق وحمايته من الجشع والاحتكار. فحين تتدخل الحكومة بصورة استباقية وموقوتة ومحددة الأهداف لضبط سوق ذي طابع موسمي حساس، فإنها تُثبت فاعليتها التنظيمية وتُعزز شرعيتها في نظر المواطن الذي يقيس مصداقية المؤسسات بدرجة حماية مصالحه اليومية الملموسة.

2.6. إشكاليات التطبيق والتحديات الميدانية

2.6.1. تحديات المراقبة في السوق الموسمية

تُواجه تطبيق هذا القرار جملة من التحديات الميدانية المرتبطة بطبيعة سوق الأضاحي الموسمية. فهذه الأسواق تستقطب في ظرف أيام قليلة آلاف الباعة والمشترين، مما يُصعّب مراقبة كل المعاملات والتحقق من التزامها بأحكام القرار. فضلاً عن ذلك، فإن التمييز بين "الشراء للاستهلاك الشخصي" و"الشراء بقصد إعادة البيع" قد يطرح صعوبات إثباتية ميدانية أمام رجال السلطة المكلفين بالمراقبة.

2.6.2. التنسيق بين مستويات الحكامة الترابية

يستلزم التطبيق الفعّال لهذا القرار تنسيقاً محكماً بين المستوى المركزي الذي يُصدر القرار والمستوى الجهوي والإقليمي الذي يتولى تطبيقه. ويستوجب ذلك توافر تعليمات واضحة لعمّال الأقاليم حول أساليب التطبيق وحالات التدخل وسبل الإثبات، مما يعني أن النص المنشور في الجريدة الرسمية يُشكّل الواجهة العلنية لمنظومة تنفيذية أكثر تفصيلاً تشتغل عبر المناشير الداخلية وبلاغات السلطة.

ثالثاً - قراءة في التكامل بين النصّين: رؤية شاملة لتوجهات الدولة المغربية

3.1. التضافر بين مرسوم الاعتمادات الإضافية وقرار تنظيم سوق الأضاحي

يكشف القراءة المتأملة لنصَّي هذا العدد المكرر من الجريدة الرسمية عن ترابط وظيفي عميق بينهما، إذ يندرج كلاهما في إطار استراتيجية واحدة تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في مرحلة بالغة الحساسية. فمرسوم الاعتمادات الإضافية يُعالج البُعد الكلي للأمن الاجتماعي بضخ مليارات الدراهم في دعم المواد الأساسية وصناديق الطوارئ، في حين يعالج القرار الثاني البُعد الجزئي بضبط سوق بعينها في مناسبة بعينها.

يعكس الجمع بين النصَّين في عدد واحد مكرر طارئ مدى الترابط في التفكير الحكومي حين يتعلق الأمر بالحماية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي: فالدولة لا تكتفي بالتدخل المالي الكلي، بل تنزل أيضاً إلى مستوى الأسواق الجزئية حين تستدعي الضرورة.

3.2. الأبعاد الموسمية وتوقيت العيد

تكتسي دلالة التوقيت في هذا العدد أهمية موضوعية بالغة: فصدور كلَي النصّين في 20 ماي 2026 الذي يوافق 3 ذي الحجة 1447، يعني أنهما صدرا قبل ثلاثة أيام وزيادة من عيد الأضحى (الموافق لـ 6 ذي الحجة)، وهو ما يُفسّر الطابع الاستعجالي لكليهما والحاجة إلى الإصدار في عدد مكرر طارئ.

فمرسوم الاعتمادات الإضافية لا يخلو بدوره من صلة بهذه المناسبة: فجزء من الإعانات المفتوحة يتعلق بالمكتب الوطني للحبوب والقطاني الذي يُشرف جزئياً على سلاسل التموين الغذائي، كما أن تموين صندوق مكافحة الكوارث بملياري درهم يُعزز الاستعداد للمرحلة القادمة.

3.3. الحوكمة الموسمية كمنهج في التدبير العمومي

تُجسّد الممارسة المغربية في إصدار قرارات تنظيمية مؤقتة خاصة بموسم الأضاحي نموذجاً في ما يُسمى "الحوكمة الموسمية"، أي التدخل الحكومي المُعيَّن زمنياً والمحدد وظيفياً لضبط الأسواق في المناسبات الاستثنائية ذات الأثر الاجتماعي البالغ. وهذا النهج أثبت فاعليته على الصعيد التطبيقي، لأنه يجمع بين وضوح الهدف ومحدودية الفترة وسهولة تقييم الأثر.

خاتمة

جاء العدد 7509 مكرر من الجريدة الرسمية المغربية الصادر في 20 ماي 2026 حاملاً نصَّين تشريعيَّين متكاملَين يُترجمان توجهات الدولة المغربية في التعامل مع المتطلبات الآنية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في عتبة عيد الأضحى المبارك.

فمرسوم فتح الاعتمادات الإضافية البالغة عشرين مليار درهم يُعلن صراحةً أن الدولة لن تتوانى عن تعبئة الموارد الميزانياتية اللازمة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين عبر دعم المواد الأساسية، ولتعزيز الاحتياطيات المرصودة لمواجهة الطوارئ الاجتماعية والكوارث الطبيعية. ويُجسّد هذا الموقف الرؤية التي تجعل من الإنفاق العمومي أداةً للتدخل الاجتماعي في خدمة المواطن وحماية تماسك النسيج الاجتماعي.

 

في المقابل، يُجسّد قرار تنظيم أسواق أضاحي العيد الوجه التنظيمي لهذه الرؤية ذاتها، إذ يُعلن الدولة رافضةً لمنطق السوق الفوضوية الذي يُفضي إلى استغلال المناسبات الدينية لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب عموم المواطنين. وبذلك تضطلع الدولة بدورها في التنسيق المؤسسي بين متطلبات الحرية الاقتصادية ومقتضيات الحماية الاجتماعية وصون حقوق المستهلك.

ومجملاً، يعكس هذا العدد المكرر الاستثنائي الطابع الحركي والمتجاوب للسياسة العمومية المغربية مع استحقاقات الدورة الاجتماعية والدينية، كما يُعبّر عن استعمال الجريدة الرسمية وظيفتها الحقيقية بوصفها وسيلة تواصل قانونية مباشرة بين الدولة ومواطنيها، ناقلةً إليهم بصدق وشفافية قراراتها وتدابيرها في اللحظات الحاسمة.

تحميل العدد  7509مكرر  بتاريخ  20 ماي 2026 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 20/05/2026
تحديث 20/05/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث