مقدمة
لا تُعدّ الجريدة الرسمية للدولة المغربية مجرد نشرة إدارية جافة تتراكم في أرشيفات منسية، بل هي في الحقيقة سجلّ حيّ يُوثّق لحظات التحوّل الكبرى في تاريخ الدولة والمجتمع. ولعل العدد الرابع والسبعين (74) من هذه الجريدة، الصادر في الثامن والعشرين من سبتمبر 1914 - الموافق للسابع من ذي القعدة 1332 هجرية - يُجسّد هذه الحقيقة بصورة لافتة؛ إذ يحمل بين صفحاته نصوصاً تشريعية تمسّ حياة المغاربة اليومية في بعض أدقّ تفاصيلها وأكثرها حضوراً في الوجدان الجمعي: حق الملكية والحماية منه ومن انتزاعه، وعلاقة الساكن بالمسكن وحقوقه في مواجهة الأزمات، ومسألة الإدمان على الكحول التي تطرح أسئلة العلاقة بين الشريعة والقانون الوضعي.
يتضمّن هذا العدد ثلاثة ظهائر شريفة رئيسية تشكّل معاً منظومةً متكاملة من التشريعات: أولها ظهير نزع الملكية بعوض لأجل المصلحة العمومية، الذي يُعدّ من أشمل النصوص التشريعية العقارية الصادرة في المغرب خلال تلك الحقبة بأبوابه السبعة وفصوله الكثيرة. وثانيها ظهير اتخاذ طريقة موقتة في شأن دفع ثمن الأكرية، الذي جاء استجابةً اجتماعية مباشرة لأزمة إيجار حادة تسبّبت فيها الحرب العالمية الأولى. وثالثها ظهير معاقبة الذين يتجاهرون بالسكر أو يُدمنون على شرب المسكرات، الذي يُجسّد التلاقي الفريد بين الشريعة الإسلامية والمنطق التشريعي الحديث في ميدان الأخلاق العامة والنظام الاجتماعي.
يرمي هذا المقال إلى تحليل هذه النصوص التشريعية تحليلاً أكاديمياً دقيقاً يضعها في سياقها التاريخي والقانوني والاجتماعي، ويستكشف الدلالات العميقة التي تحملها في فهم مسيرة بناء الدولة المغربية الحديثة في مطلع القرن العشرين، مع إبراز الإرث الذي خلّفته في المنظومة القانونية المغربية المعاصرة.
تحميل العدد 74 بتاريخ 28 شتنبر 1914من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً - السياق التاريخي والقانوني للعدد الرابع والسبعين
1.1. الوضع السياسي والاجتماعي للمغرب في سبتمبر 1914
أتى العدد الرابع والسبعون من الجريدة الرسمية في لحظة تاريخية بالغة الحساسية والتعقيد. فبعد أن وقّع المغرب على معاهدة فاس في مارس 1912 وقبل الحماية الفرنسية، كان المقيم العام الجنرال هوبير ليوطي يجهد في تأسيس منظومة إدارية وقانونية متكاملة تُيسّر الحكم وتُرسّخ سلطة الدولة الجديدة-القديمة. وعلى صعيد موازٍ، كانت الحرب العالمية الأولى قد اندلعت في أغسطس 1914، مُلقيةً بظلالها الثقيلة على المغرب من خلال تجنيد عدد كبير من الجنود المغاربة والفرنسيين، وإحداث اضطرابات اقتصادية حادة مسّت التجارة والإيجارات والتعاملات المالية.
في هذا السياق، كانت الحاجة ماسّة إلى تشريعات تُعالج الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب على الفئات الضعيفة، كالمستأجرين العاجزين عن دفع الأكرية بسبب تجنيد المعيل، وإلى تشريعات أخرى تُرسي دعائم العمران الحديث من خلال تنظيم نزع الملكية للمصلحة العامة لإقامة المشاريع الكبرى، فضلاً عن تشريعات تصون النظام الاجتماعي وتُحافظ على الأخلاق العامة في مجتمع يشهد تحولات متسارعة.
1.2. الجريدة الرسمية وظيفتها التشريعية في مرحلة الحماية
اضطلعت الجريدة الرسمية في مرحلة الحماية بدور محوري يتجاوز مجرد نقل القرارات الإدارية؛ فقد كانت الفضاء الرسمي الوحيد الذي يلتقي فيه قانونان ونظامان: النظام المخزني التقليدي الممثَّل في الظهير الشريف الصادر باسم السلطان، والنظام التشريعي الاستعماري الذي يُحيل في أغلب الأحيان إلى قواعد القانون الفرنسي ومبادئه. وقد منح هذا التلاقي الجريدةَ الرسمية طابعاً هجيناً خاصاً، إذ جمعت بين الشرعية الدينية-الملكية والمرجعية القانونية الأوروبية الحديثة.
وفي العدد الرابع والسبعين تحديداً، يتجلى هذا الطابع الهجين بشكل لافت؛ فظهير نزع الملكية مثلاً يستند في إجراءاته إلى آليات مستوحاة من القانون الفرنسي (تقارير الخبراء، ودور المحاكم الابتدائية، وتحديد التعويض العادل)، بينما يحتفظ بصيغته الإسلامية الملكية الرفيعة. كما أن ظهير مكافحة المسكرات يجمع بين الإلزام الديني الإسلامي الواضح والأداة العقابية الوضعية الحديثة.
1.3. دلالة التواريخ والتوقيع على النصوص
تحمل تواريخ صدور الظهائر الواردة في هذا العدد دلالاتٍ إضافية في فهمها. فظهير نزع الملكية حُرّر في برباط الفتح في التاسع من شوال عام 1332 الموافق لواحد وثلاثين أغسطس 1914، أي في الأسابيع الأولى من الحرب العالمية الأولى. أما ظهير الأكرية فصدر في الخامس والعشرين من شوال الموافق لستة عشر سبتمبر 1914، وظهير المسكرات في التاسع والعشرين من شوال الموافق لعشرين سبتمبر 1914. وقد سُجّلت جميع هذه الظهائر بالوزارة الكبرى وأُذن بنشرها عبر الجريدة الرسمية بتوقيع محمد بن محمد الجباص وبإذن المقيم العام ليوطي.
ثانياً - ظهير نزع الملكية بعوض لأجل المصلحة العمومية
2.1. الإطار النظري لنزع الملكية في القانون المقارن والفقه الإسلامي
يُعدّ نزع الملكية للمصلحة العامة من أكثر المسائل القانونية إثارةً للجدل في تاريخ التشريع، لأنه يطرح توتراً حقيقياً بين حقين متعارضين ظاهراً: حق الملكية الفردية بوصفه حقاً طبيعياً وأساسياً من حقوق الإنسان، وحق المجموعة في التنمية وبناء المرافق العامة اللازمة للحياة الجماعية. وفي الفقه الإسلامي، تمّت معالجة هذا التوتر تقليدياً من خلال مبدأ "الضرر يُزال" ومفهوم "المصلحة العامة"، غير أن التطبيقات الفعلية كانت تتفاوت بحسب اجتهادات الحكام والفقهاء.
أما في القانون الأوروبي الحديث، فقد تطور مفهوم نزع الملكية مع نمو الدولة الحديثة وتوسّع دورها في الاقتصاد والعمران، وغدا مؤطَّراً بضمانات دقيقة تتمحور حول التعويض العادل والإجراءات الشفافة والرقابة القضائية. وقد جمع الظهير المغربي لعام 1914 بين هذين التراثين في نسيج تشريعي واحد، محاولاً استيعاب مقتضيات الحداثة مع الحفاظ على الإطار الشرعي التقليدي.
2.2. البنية التشريعية لظهير نزع الملكية وأبوابه
2.2.1. الباب الأول: شروط الحكم بنزع الملكية
يُعرّف الباب الأول من الظهير الحالات التي يجوز فيها اللجوء إلى نزع الملكية، محدداً أن المحاكم المدنية هي التي تحكم بنزع الملكية بعوض لأجل المصلحة العمومية. ويُقرّر الفصل الأول صراحةً أن المحاكم المدلية هي التي تحكم بنزع ملكية العقارات بعوض لأجل المصلحة العامة.
ويرسي الفصل الثاني قيداً جوهرياً إذ ينصّ على أنه لا يجوز للمحاكم أن تأمر بنزع الملكية إلا إذا وقع التصريح بالمصلحة العمومية وثُبت وجودها على الكيفية المقررة في هذا الظهير. وهذا الشرط المزدوج - التصريح بالمصلحة العمومية وإثبات وجودها - يُشكّل ضمانة أساسية ضد التعسّف، إذ يستوجب إثبات الضرورة العامة بصورة موضوعية لا مجرد ادّعائها، ويُخضع هذا الإثبات لرقابة قضائية فعلية لا يمكن تجاوزها.
أما الفصل الثالث فيُحدّد الأغراض المشروعة لنزع الملكية بصورة حصرية، وتشمل: أعمال الطرقات والسكك الحديدية والمراسي والإشغال البلدية والمحافظة على الأراضي الجبلية والمحافظة على المناظر الطبيعية والأبنية التاريخية وغير ذلك. وتكشف هذه القائمة عن رؤية شاملة للتنمية تجمع بين الأبعاد الاقتصادية (الطرقات، السكك الحديدية)، والأبعاد الاجتماعية (المراسي، الإشغال البلدية)، والأبعاد الثقافية والبيئية (المناظر الطبيعية، الأبنية التاريخية). ولم يكن إدراج الحفاظ على المناظر الطبيعية والأبنية التاريخية في هذه القائمة أمراً اعتباطياً، بل كان يعكس توجهاً تشريعياً مبكراً نحو صون التراث الثقافي والبيئي.
وتستثني أحكام الفصل الرابع من نطاق نزع الملكية صراحةً: المساجد والزوايا والمقابر والأملاك العمومية والأبنية العسكرية. وهذا الاستثناء له أهمية قصوى في فهم التوازنات الحساسة في المجتمع المغربي؛ فإخراج المساجد والزوايا والمقابر من نطاق نزع الملكية يُعكس احتراماً واعياً للمقدسات الدينية وللحرمات الاجتماعية العميقة، وهو احترام كان ضرورياً لشرعية الحماية في نظر المجتمع المغربي.
2.2.2. الباب الثاني: الإجراءات السابقة لنزع الملكية
يُنظّم الباب الثاني المرحلة التحضيرية التي تسبق الحكم القضائي بنزع الملكية، وتشمل إجراءات البحث والتقصي التي تُتيح للإدارة الاطلاع على أحوال العقارات قبل الشروع في إجراءات النزع الفعلية. وتُقيّد الفصول التفصيلية (من السادس إلى الثاني عشر) هذه الإجراءات التحضيرية بضوابط صارمة.
فالفصل السادس يُوجب نشر القرار المتضمن للتصريح بالمصلحة العامة في الجريدة الرسمية وفي الجرائد المحلية، مع إعلام أرباب الأملاك بذلك بواسطة ولاة المراقبة الإدارية. وبهذا يُكرّس الظهير مبدأ الشفافية والإشهار العلني، إذ لا يكفي أن يعلم أصحاب الأملاك بقرار النزع عن طريق الإشاعات أو التبليغات غير الرسمية، بل يجب أن يُنشر هذا القرار على أوسع نطاق ممكن.
ويُضاف إلى ذلك أن الفصل التاسع يُوجب على أرباب الأملاك المشار لهم أن يُبيّنوا أسماء المكترين على اختلاف أنواعهم وكذا جميع من له حق ثابت على العقار في ظرف شهرين من يوم نشر القرار. وهذا الالتزام الإجرائي يهدف إلى صون حقوق جميع أصحاب الشأن في العقار، لا الملاك وحدهم، بل المستأجرين وأصحاب الحقوق العينية أياً كان نوعها.
2.2.3. الباب الثالث: تحديد مبلغ التعويض
يُشكّل الباب الثالث قلب ظهير نزع الملكية، إذ يتناول المسألة الأكثر حساسية وهي التعويض العادل الذي يحق لصاحب العقار المنزوع قبضه. ويُقرّر الفصل الثاني عشر أن المحكمة الابتدائية الموجودة في الدائرة التي تكون فيها العقارات المراد نزعها هي الحيدها للحكم في نزع ملكية تلك العقارات وفق القواعد المذكورة في الفصل الحادي عشر.
وفي موضوع احتساب التعويض، يُرسي الفصل الثالث عشر معادلة دقيقة تُراعي ثلاثة عوامل: أولاً قيمة العقار قبل تاريخ نزع ملكيته بشرط أن لا تتجاوز قيمته المقدرة يوم التصريح بالمصلحة العمومية، والثاني الزيادة أو النقصان في قيمة القسم الذي لم يقع نزع ملكيته عن إنجاز المشروع، والثالث الزيادة في قيمة الأرض الناتجة عن مباشرة الأشغال المذكورة.
وتكشف هذه المعادلة الثلاثية عن وعي تشريعي دقيق بالأثر المزدوج لمشاريع البنية التحتية على قيمة العقارات المجاورة؛ فمن جهة، ترتفع قيمة بعض الأملاك القريبة من المشروع بسبب إنجازه، ومن جهة أخرى، قد تنخفض قيمة أملاك أخرى بسبب الإزعاج أو التلوث أو تقسيم القطعة. ومراعاة هذه الاعتبارات في احتساب التعويض يُعكس نضجاً تشريعياً حقيقياً في التعامل مع تعقيدات الواقع العقاري.
2.2.4. الباب الرابع: آليات دفع التعويض
يُنظّم الباب الرابع كيفية دفع التعويض المحكوم به ووضعه في يد أصحابه. وينصّ الفصل العشرون على أن التعويض يُعرض على صاحب الملك بمجرد تحرير التراضي المشار له في الفصل العاشر، أو بمجرد صدور الحكم بنزع الملكية. أما الفصل الحادي والعشرون فيُعالج حالة امتناع صاحب الملك عن قبول التعويض أو وقع خلاف في شأنه، مُقرّراً أن الحكومة يجب أن تؤمّن التعويض في خزانة الحماية بصندوق القابض العام للحماية.
وتبرز في هذا الباب مرونة تشريعية مقدّرة؛ إذ يُتيح الفصل السادس عشر لصاحب البناء المراد نزع ملكيته بعضه أن يطلب من الإدارة اتخاذ البناء كله، وذلك بواسطة إعلام صريح يوجهه لرئيس المحكمة قبل صدور الحكم في تعيين التعويض، وهو ما يُجنّب بعض الحالات المؤلمة التي يُفضي فيها نزع ملكية جزء من العقار إلى إفقاده قيمته أو جعله غير صالح للاستعمال.
2.2.5. الباب الخامس: الشروط الاستثنائية
يُفرد الباب الخامس أحكاماً خاصة لحالات الضرورة التي تستوجب التدخل العاجل في العقارات دون إتمام الإجراءات المعتادة. فالفصل السادس والعشرون يُقرّ أنه إذا دعت الضرورة لحوز أراضي بغير أجل وليس فيها بناء لكن من خشب أو كانت خارجة عن المدن والقرى فإن قاضي الصلح بالمكان هو الذي يحكم بالمحل ويعيّن التعويض المبدئي. وفي مثل هذه الحالة الاستعجالية، يُلزم المديونَ تأمينَ ذلك المبلغ لدى قاضي الصلح الذي يُلزم المستحقين بتأمينه في اليوم المعيّن عليهم بالتصريح.
وما يُميّز هذا الباب هو الاهتمام الواضح بوضع السكان الذين يُقيمون في المنطقة الخاضعة لنزع الملكية الاستعجالية؛ فالفصل التاسع والعشرون يُعطي أرباب العائلات ومن هم نازلون في الأراضي المذكورة مهلة موازية للأولى ألا تقع تجديد كراء المحل والسلام. وهذا يعني أن التدابير الاستعجالية لا تُسوّغ إلحاق الضرر الفوري بالسكان، بل توجب على الإدارة توفير مهلة معقولة لإيجاد مسكن بديل.
2.2.6. الباب السادس: اشتغال العقارات مؤقتاً
يُنظّم الباب السادس حالات اشتغال العقارات بصفة مؤقتة دون نزع ملكيتها بصورة نهائية، كما هو الحال في البحث عن مواد البناء أو في أعمال المسح والتخطيط التحضيرية. ويُجيز الفصل التاسع والعشرون لأعوان الحكومة أو لمن فوّضت لهم حقوقها أن يدخلوا العقارات الخصوصية ما عدا دياراً السكنى لاجراء الأبحاث في شأن الاشغال العمومية.
وهنا يبرز استثناء مهم: استثناء الدور السكنية من نطاق حق الدخول المؤقت، وهو استثناء يُجسّد مبدأ قانونياً راسخاً يُقرّ بأن المسكن حرمة خاصة لا تنتهكها حتى الإجراءات الإدارية المشروعة. ويُكرّس هذا الاستثناء مبدأ حرمة المسكن الذي يُمثّل ضمانة أساسية من ضمانات الكرامة الإنسانية، حتى في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد.
2.2.7. الباب السابع: التعويض عن الزيادة في قيمة العقارات
يتناول الباب السابع حالة مغايرة لما سبق، وهي حالة الزيادة في قيمة عقار مجاور للمشروع العام نتيجة إنجاز ذلك المشروع. فإذا نزعت ملكية عقار بمقتضى هذا الظهير وكانت الزيادة ناتجة عن إجراء الأشغال العمومية الثالث أو غيرها من الأشغال العمومية، فيمكن للمطلوبين أن يتخلوا عن بعض ملكهم إذا كان ذلك قابلاً للقسمة أو عن كله بعد أن يتقوّمه على مقتضى الباب الثالث.
وهذا الباب يُعكس نضجاً تشريعياً واضحاً في معالجة مسألة الإثراء غير المكتسب، إذ يُقرّ أن الزيادة في قيمة الأملاك المجاورة الناجمة عن الأشغال العامة التي موّلها المجتمع ينبغي ألا تكون مكسباً صافياً لأصحابها دون مساهمة في تحمّل التكاليف. ومن هنا جاء الحكم بأن التعويض يُدفع من الزيادة التي تتحصّل من القيمة في الكيفية الجزائي بفرنسا فيما يتعلق بالضرائب.
2.3. الأثر الدائم لظهير نزع الملكية في التشريع العقاري المغربي
خلّف هذا الظهير أثراً بيّناً في مسيرة التشريع العقاري المغربي امتد لعقود عديدة بعد صدوره. فالمبادئ الجوهرية التي أرساها - التعويض العادل، والرقابة القضائية، والإجراءات المحدّدة، واستثناء المقدسات والأملاك العمومية - أصبحت ثوابت متجذّرة في وعي المنظومة القانونية المغربية. وقد تطوّرت هذه المبادئ لاحقاً مع قانون نزع الملكية الصادر عام 1951 إبان الحماية، ثم مع القانون رقم 7.81 الصادر سنة 1982 بعد الاستقلال، الذي لا يزال ساري المفعول حتى اليوم في كثير من أحكامه الجوهرية. وهذا التواصل التشريعي يُثبت أن الأرضية القانونية التي وضعها ظهير 1914 كانت صلبة بما يكفي لتحمّل الزمن والتحولات السياسية الكبرى التي عرفها المغرب.
ثالثاً - ظهير اتخاذ طريقة موقتة في شأن دفع ثمن الأكرية
3.1. أزمة الإيجار في ظل الحرب العالمية الأولى
يُمثّل ظهير الأكرية استجابةً تشريعية مباشرة لأزمة اجتماعية حادة أفرزتها الحرب العالمية الأولى. فمع تجنيد عدد كبير من المقيمين في المغرب - مواطنين فرنسيين ورعايا تحت الحماية الفرنسية - للقتال في صفوف الجمهورية الفرنسية، وجدت أسر كاملة نفسها فجأة بدون مورد رزقها الأساسي، عاجزةً عن الوفاء بالتزاماتها الإيجارية. وأمام هذا الواقع القاسي، كان بمقدور الملاك نظرياً المطالبة بالإخلاء الفوري، مما كان سيُفضي إلى كارثة اجتماعية حقيقية تُشرّد آلاف الأسر وتزيد من معاناة المجنّدين القلقين على أوضاع ذويهم.
ويُبيّن ديباجة الظهير صراحةً دواعيه الإنسانية، إذ يُشير إلى أن القاطنين بمنطقة الحماية الفرنسية بالمغرب الذين وقع تجنيدهم لعساكر الجمهورية الفرنسية وانطبقت عليهم مقتضيات الحشد المشار له، وكانوا مكترين لمساكن لسكنى أهلهم وعائلاتهم، تمنح لهم إجلاً قدره تسعون يوماً في كل مرة لدفع مبالغ الأكرية التي لا تتجاوز في الثلاثة والثلاثين مكاناً الباقية مبالغ معينة.
3.2. أحكام ظهير الأكرية وضماناته للمستأجرين
3.2.1. الفصل الأول: نطاق التطبيق والمبالغ المستفيدة
يُحدّد الفصل الأول نطاق التطبيق بدقة متناهية، مُقرّراً أن المستفيدين من الإجل المؤقت هم المجنّدون ومن يُقيمون في مساكنهم من زوجات وأبناء وأقارب. كما يُفرّق الظهير في أحكامه بين المدن والمراكز الحضرية المختلفة، محدداً سقفاً أقصى لقيمة الإيجار الذي يستفيد من هذا الإجل في كل مدينة. فبالرباط وفاس تبلغ هذه القيمة ألف وثمانمائة فرنك، وبمراكش وسلا تبلغ ألفاً وخمسمائة فرنك، وبالدار البيضاء ومكناس ووجدة والصويرة والجديدة وأسفي والقنيطرة تبلغ ألفاً ومائتي فرنك، فيما تبلغ بالأماكن الباقية سبعمائة وخمسين فرنكاً.
هذا التفريق الجغرافي في تحديد أسقف الإيجار يعكس وعياً تشريعياً بالتفاوتات الاقتصادية بين المدن المغربية، إذ كانت الرباط وفاس وبقية المدن الكبرى تشهد أسعار إيجارات أعلى بكثير مما هو سائد في المدن الصغيرة والأماكن النائية.
3.2.2. الفصل الثاني: إجراءات الحماية من الإخلاء
يتضمن الفصل الثاني ضمانة إجرائية جوهرية في مواجهة المرسلين أو الملاك الذين قد يُحاولون الالتفاف على مقتضيات الظهير والمضي قدماً في إجراءات الإخلاء. فهو يُقرّر أن المحاكم الفرنساوية بالمغرب أثناء الأجل المعيّن بالفصل الأول بالنسبة لمن طلب منهم الكراء وضعيف الحال من الكراء يُعطي مهلة لدفع ما عليه من الكراء، وأن تعطّل العمل بالحكم الصادر عليه لا تعطيل الاستئناف على اشتغال المكتري للأمور الساكن فيه بالضرر الكافي لإيقاف العمل.
ويُضاف إلى ذلك أن الفصل الثالث ينص على أنه لا يُمنح هذا الأجل لمن حاز المحل بعد ألف وتسعمائة وأربعة عشر سنة ثابتاً، حتى لا يُستغلّ الاستثناء الطارئ المرتبط بالحرب في تأخير العقود المبرمة بعد الحرب والتي لا مبرر لإعفاء أطرافها من الوفاء بالتزاماتهم.
3.2.3. الفصل الرابع والخامس: التوسيع لتشمل المحلات المستأجرة
تُوسّع الفصول اللاحقة نطاق الحماية لتشمل ليس فقط المساكن السكنية، بل أيضاً المحلات التجارية المستأجرة المنسوبة بالأثاث والمنزل وفق الشروط المبيّنة في القراءة الثانية من الفصل الرابع. وهذا التوسيع منطقي من الناحية الاقتصادية، إذ يُجنّب إغلاق المحلات التجارية لغياب أصحابها في الحرب، مما كان سيُضاعف الأزمة الاقتصادية ويُلحق أضراراً بالغة بالحياة التجارية المحلية.
ويُضاف إلى ذلك أن الفصل السادس إذا أُفرغ المحل يُجيز للمحاكم التي له الحق للاستئجار أن يُصدر بمطلب أحد الفريقين للمكتري وذلك بإذن المكلّف بالأشغال بطريقة مستعجلة في الإذن بتنفيذ بدون مراعاة الاستئناف، لكنه إذا كان المدين غير ثقة فيجوز إصدار الأمر في المسألة بطريقة مستعجلة في الإذن بتنفيذ بدون مراعاة الاستئناف.
3.3. دلالة ظهير الأكرية في تاريخ الحماية الاجتماعية بالمغرب
يُمثّل ظهير الأكرية وثيقة مبكرة في تاريخ الحماية الاجتماعية المغربية، وإن جاءت في سياق عسكري واستثنائي. فالفكرة التي يقوم عليها - وهي تعليق الالتزامات التعاقدية لمصلحة المجنّدين وأسرهم في ظروف الحرب - تنطوي على اعتراف ضمني بمسؤولية الدولة تجاه الضعفاء الذين وجدوا أنفسهم في وضع اجتماعي هشّ بسبب خدمة الصالح العام.
وقد أرسى هذا الظهير سابقة تشريعية مهمة: أن الالتزامات التعاقدية يمكن تعليقها بصورة مؤقتة في الظروف الاستثنائية إذا كانت مقتضيات العدالة الاجتماعية تستوجب ذلك. وهذه الفكرة ستُغذّي لاحقاً تطوّر قانون الإيجار المغربي نحو توفير حماية أوسع للمستأجرين، وإن كانت أسبابها في 1914 استثنائية وطارئة.
رابعاً - ظهير معاقبة المتجاهرين بالسكر ومدمني المسكرات
4.1. إشكالية الكحول في المجتمع المغربي ومنطق التشريع
يُثير ظهير مكافحة المسكرات إشكالية تشريعية وفلسفية عميقة تتعلق بعلاقة القانون الوضعي بالقيم الدينية في مجتمعات مسلمة تعيش تحت سلطة استعمارية ذات خلفية لادينية. فالإسلام يُحرّم الخمر تحريماً قاطعاً، وهو ما يعني نظرياً أن أي تشريع مغربي ملتزم بالشريعة ينبغي أن يُجرّم شرب الكحول تجريماً مطلقاً. غير أن الواقع كان أكثر تعقيداً بكثير، إذ كان في المغرب آنذاك مقيمون أوروبيون وجماعات مسيحية ويهودية يشربون الكحول بصورة مباحة لديهم، فضلاً عن عملية الإنتاج والتجارة في المشروبات الكحولية التي كانت تخضع في الغالب لنشاط تجاري منظّم.
ومن هنا جاء الظهير بمقاربة توافقية ذكية: لم يُجرّم شرب الكحول تجريماً مطلقاً يطال الجميع بمن فيهم غير المسلمين، بل قصر التجريم على ظاهرتين محددتين: التجاهر العلني بالسكر في الأماكن العامة، والإدمان المتكرر على شرب المسكرات. وبهذا حافظ الظهير على المبدأ الشرعي الإسلامي الذي يُحرّم الكحول على المسلمين، دون أن يُدخل الدولة في تعارض مع الحريات الشخصية للمقيمين الأوروبيين.
4.2. الأحكام التفصيلية لظهير المسكرات
4.2.1. الفصل الأول: تعريف الجريمة وعقوباتها
يُعرّف الفصل الأول الجريمة التي يستهدفها الظهير بدقة: كل من وجد في حالة السكر الظاهر وهو في الشوارع والطرقات والساحات العمومية والقهاوي والفنادق والأماكن العمومية أو الأماكن من المحلات العمومية التي يدخلها الناس عامة، يُعاقب بغذيرة تتراوح من خمسين إلى ألفين فرنك وبالسجن من خمسة عشر يوماً إلى ستة أشهر أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.
وتكشف الصياغة الدقيقة لهذا الفصل عن مراعاة حقيقية لمبدأ التناسب في العقوبة؛ فمنح القضاء صلاحية الاختيار بين الغرامة المالية والسجن أو الجمع بينهما يُتيح التكيّف مع الظروف الخاصة لكل حالة. والأهمية البالغة لهذا الفصل تكمن في أنه يُجرّم السلوك العلني لا التصرف الخاص؛ فالسكر في مكان عام يُخلّ بالنظام العام ويُسيء إلى شعور المارة، بينما الشرب في المنزل بعيداً عن الأنظار يدخل في نطاق الحياة الخاصة التي لا تتدخل فيها الدولة مباشرةً.
4.2.2. الفصل الثاني والثالث: عقوبات التكرار وآثاره القانونية
تُرسي الفصول الثاني والثالث نظام التشديد في العقوبة عند التكرار، وهو نظام مستوحى من القانون الجنائي الفرنسي. فمن صدر عليه حكم نهائي لمخالفته الفصل الأول من هذا الظهير وتكرّر منه الذنب قبل مضي ثلاثة أشهر وخمسة وستين يوماً يُحكم عليه باقصى العقاب المذكور في الفصل الأول ويمكن أيضاً مضاعفة هذا العقاب.
أما الأثر الأشدّ وطأةً في نظام العقوبات، فيتجلى في الفصل الثالث المتعلق بالسكر الجهاري الذي يُفقد صاحبه جملةً من حقوقه المدنية والسياسية، بما في ذلك حق الانتخاب وحق التسمي بأي وظيفة، فضلاً عن حرمانه من الوظائف العمومية ومن حق حمل السلاح، مع بقائه مجرداً من الحقوق المذكورة لمدة سنتين من اليوم الذي يصدر عليه الحكم النهائي.
هذا التجريد من الحقوق المدنية يُجسّد توجهاً عقابياً اجتماعياً يتجاوز العقوبة البدنية إلى التأثير في المكانة الاجتماعية والقانونية للمُدان؛ فهو يُحرم المدمن المتجاهر من المشاركة في الحياة العامة، معتبراً إياه غير جدير بمواقع المسؤولية والثقة ما لم يُثبت إصلاح نفسه.
4.2.3. الفصل السابع: التطبيق على مرافق بيع الكحول
يُوسّع الفصل السابع نطاق الظهير ليشمل القهاوي والحوانيت التي تبيع فيها المسكرات، مُقرّراً أنه يتعلّق هذا الظهير بكل إدارة بلدية وبالقهاوي والحوانيت وإلموانيت التي تتبع فيها المسكرات. ومن المحلات المذكورة فروعاً منه وترسل منه أيضاً للمحكمة التي لها النظر لأصحاب القهاوي والحوانيت وبائعي المسكرات الذين يهتمون بالمحافظة على النسخ الظهير وبإبدالها إذا طرأ عليها شيء، وكل من مزق الظهير الملصق يحكم عليه بغذيرة تتراوح من خمسة إلى عشر فرنكا زيادة على صواير أرجاع الإعلان.
وتكشف هذه الأحكام عن استراتيجية تنظيمية ذكية تجعل من أصحاب المحلات التجارية التي تبيع الكحول شركاء في تطبيق أحكام الظهير؛ فهم ملزمون بالإبلاغ عن المخالفات، وعليهم الحرص على عدم بيع الكحول لمن تشير أحوالهم إلى أنهم سيسكرون علناً.
4.3. ظهير المسكرات في ميزان التحليل الاجتماعي والقانوني
يُمثّل ظهير مكافحة المسكرات نموذجاً لافتاً للتشريع الأخلاقي في سياق مجتمع متعدد الانتماءات الدينية والثقافية. فهو من جهة يُجسّد قيماً دينية إسلامية راسخة تُحرّم الكحول وترفض مظاهره العلنية، ومن جهة أخرى يعتمد أدوات القانون الوضعي الحديث (التدرّج في العقوبات، تعدد الجزاءات، مراعاة التكرار) في تطبيق هذه القيم. ويبدو من خلال هذا الجمع أن المشرّع كان يسعى إلى إيجاد توازن دقيق بين الهوية الإسلامية للمجتمع المغربي والإطار القانوني الحديث الذي كانت الحماية تسعى إلى تكريسه.
كذلك يكشف هذا الظهير عن بُعد اجتماعي متعلق بالنظام العام والصحة العامة؛ إذ إن انتشار السكر في الفضاء العام يُهدد الأمن وينعكس سلباً على الصحة والتماسك الاجتماعي. ومن هذه الزاوية، يتقاطع الظهير مع التشريعات الأوروبية المعاصرة التي كانت تُعالج ظاهرة الإدمان على الكحول بوصفها مشكلة صحية واجتماعية تستدعي تدخّل الدولة.
خامساً - القرارات الوزارية وتعيينات الموظفين في العدد الرابع والسبعين
5.1. استمرار بناء الجهاز الإداري
على غرار العدد الثالث والسبعين الذي درسناه سابقاً، يتضمن العدد الرابع والسبعون أيضاً جملةً من القرارات الوزارية المتعلقة بتعيين موظفين في الإيالة الشريفة. ويُلاحَظ هذه المرة حضور قرار يتعلق بتعيين منشي من الدرجة الخامسة، وهو تصنيف وظيفي أدنى درجةً من الكتاب الوارد ذكرهم في العدد السابق، مما يُشير إلى أن بناء الجهاز الإداري كان يسير على مستوياتٍ متعددة ومتوازية.
ومن أبرز التعيينات الواردة في هذا العدد قرار وزيري يخص تعيين المسيو هانري بلان منشياً في وظيفة من الدرجة الخامسة، وقرار تعيين المسيو بول ماديوس ريني كاتباً بالالالة الكتابة في وظيفته رسمياً في سلك الدرجة الرابعة من تاريخ فاتح أكتوبر 1914.
5.2. دلالة استمرار التعيينات في أوج الحرب
تكتسب هذه التعيينات الإدارية أهمية خاصة لكونها جاءت في خضمّ الأسابيع الأولى من الحرب العالمية الأولى. فبينما كانت الجبهات الأوروبية تشهد معارك ضارية، كان ليوطي يُكمل بهدوء ورويّة بناء الجهاز الإداري للحماية الفرنسية بالمغرب، مُعتبراً استمرارية الإدارة من أولويات الدولة حتى في أشد الظروف قسوةً. وقد أثبتت هذه السياسة حكمتها، إذ أسهم الجهاز الإداري المتين في المحافظة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المغرب طوال سنوات الحرب الأربع.
وتكشف التعيينات أيضاً عن انفتاح نسبي إذ تتناوب فيها الأسماء الفرنسية والأسماء المحلية أحياناً، وإن كانت المناصب القيادية تذهب في الغالب إلى الفرنسيين. وهذا الانفتاح المحدود كان يُتيح في الواقع تدريباً عملياً للكفاءات المغربية على الإدارة الحديثة، وإن كانت قد استغرقت عقوداً قبل أن تتسلّم هذه الكفاءات دفّة القيادة بعد الاستقلال.
سادساً - قراءة تكاملية في ظهائر العدد الرابع والسبعين
6.1. الوحدة الموضوعية في تنوع المضامين
على الرغم من التباين الظاهر بين الموضوعات الثلاثة الرئيسية (نزع الملكية، والأكرية، والمسكرات)، ثمة خيط جامع يربطها في منظومة متسقة. فجميعها تُعالج العلاقة بين الدولة والمواطن في الفضاء العمومي أو شبه العمومي: نزع الملكية يُنظّم علاقة الدولة بملكية الفرد، وظهير الأكرية يُنظّم علاقة المستأجر بالملاك في سياق استثنائي ترعاه الدولة، وظهير المسكرات يُنظّم سلوك الفرد في الفضاء العام. وفي الحالات الثلاث، تُقدّم الدولة نفسها حَكَماً وضامناً وعقاباً في آنٍ واحد.
كذلك تشترك هذه الظهائر الثلاثة في تبنّي منهج تشريعي يُوازن بين الأصل المحلي والمرجعية الأجنبية: فهي تنطلق من الصيغة الملكية الإسلامية التقليدية وتستوعب في باطنها مبادئ وقواعد القانون الفرنسي. وهذا التوازن هو بالضبط ما يُمثّل الطابع المميز للتشريع المغربي في مرحلة الحماية: لا هو قانون أوروبي خالص غريب عن المجتمع، ولا هو فقه إسلامي تقليدي محض بمعزل عن المستجدات.
6.2. البُعد الإنساني في التشريع المغربي المبكر
يُبيّن تمحيص هذه الظهائر بُعداً إنسانياً لافتاً لم يكن مألوفاً في التصور الرائج عن التشريع الاستعماري. فظهير الأكرية يستحضر بالاسم المجنّدين وأسرهم، ويُقرّ صراحةً أن خدمة الوطن لا ينبغي أن تتحوّل إلى سبب للتشريد والمعاناة. وظهير نزع الملكية يحرص على الاستثناء من نطاقه حتى الأماكن التي تقوم في نفوس المغاربة مقام القداسة. وحتى ظهير المسكرات، رغم طابعه العقابي، يُتيح هامشاً من التقدير القضائي للقضاة في تفريد العقوبة وفق ملابسات كل حالة.
ولا ينبغي المبالغة في تصوير هذا البُعد الإنساني، إذ يظل التشريع ابن سياقه الاستعماري ومنطقه العام. غير أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى هذه اللمسات الإنسانية لفهم لماذا نجح التشريع المغربي في الحماية في اكتساب قبول شعبي نسبي، على خلاف كثير من التجارب الاستعمارية في مناطق أخرى التي واجهت رفضاً شعبياً شبه تام.
6.3. تأثير ظهائر العدد الرابع والسبعين في التشريع المغربي اللاحق
امتد تأثير هذه الظهائر في المنظومة القانونية المغربية عبر أجيال متعاقبة من التشريعات. فظهير نزع الملكية كان نواةً لقانون عقاري متكامل تطور تدريجياً حتى بلغ نضجه في القانون رقم 7.81 المعمول به حتى اليوم. وظهير الأكرية شكّل سابقة قانونية للتدخل التشريعي في العلاقة الإيجارية، وهو تدخّل سيتأصّل لاحقاً في تشريعات الإيجار المغربية التي أعطت تاريخياً حمايةً واسعة للمستأجرين. أما ظهير المسكرات فقد أرسى تقليداً تشريعياً يُوظّف الأدوات القانونية الحديثة لتطبيق القيم الإسلامية في الفضاء العام.
سابعاً - مقارنة بين العدد الثالث والسبعين والعدد الرابع والسبعين
7.1. التكامل التشريعي بين العددين
يُشكّل العددان المتتاليان (73 و74) من الجريدة الرسمية المغربية لعام 1914 مجتمعَيْن وثيقةً تشريعية بالغة الثراء تُغطّي ميادين متعددة ومتكاملة. فبينما ركّز العدد الثالث والسبعون على القانون التجاري (الإفلاس) والسياسة النقدية (الاستبدال) وإدارة التنوع القبلي (القبائل البربرية)، جاء العدد الرابع والسبعون ليُكمل هذه المنظومة بتنظيم الملكية العقارية (نزع الملكية) والعلاقات الإيجارية (الأكرية) والنظام العام الأخلاقي (المسكرات).
وعند الجمع بين مضامين العددين، تتشكّل صورة متكاملة لمشروع قانوني طموح يسعى إلى تنظيم المغرب من جميع زوايا الحياة الاجتماعية والاقتصادية: التجارة والنقد، والعقار والسكن، والأخلاق العامة، والتنوع القبلي. وهذا الشمول التشريعي يُثبت أن الحماية الفرنسية كانت تعمل وفق رؤية استراتيجية متكاملة لبناء دولة حديثة، لا وفق استجابات ظرفية متفرقة.
7.2. تباين الأساليب التشريعية بين الظهائر
رغم الوحدة الجامعة بين ظهائر العددين، ثمة تباين لافت في أساليبها التشريعية يستحق الوقوف عنده. فظهير الإفلاس في العدد الثالث والسبعين يعتمد أسلوب الإحالة المباشرة إلى القانون الفرنسي بتسمية كتبه وفصوله بالاسم، بينما يعتمد ظهير نزع الملكية في العدد الرابع والسبعين أسلوب التقنين الكامل الذي يُعيد صياغة المبادئ ذاتها بلغة عربية مباشرة دون الحاجة إلى إحالة صريحة. وهذا التحوّل الأسلوبي يُنبئ بنضج تشريعي متصاعد وثقة متزايدة في قدرة اللغة العربية القانونية على استيعاب المفاهيم الحديثة.
كذلك يُلاحَظ أن ظهير المسكرات يتميز بحضور الإطار الشرعي الإسلامي بصورة أكثر صراحةً من سائر الظهائر، إذ يستحضر ديباجته صراحةً مرجعية الاسلامية في تبرير التشريع ("من اللازم معاقبة الذين يتجاهرون بالسكر واعمال التمين بإدمان الادمان على شرب المسكرات باعتبار انتشار الادمان على المسكرات بالابالتنا الشريفة"). وهذا الاستحضار الديني الصريح يكشف عن أن التشريع المتعلق بالأخلاق العامة كان يستمدّ شرعيته بصورة رئيسية من المرجعية الإسلامية، خلافاً للتشريع التجاري أو العقاري الذي كان يستمدّ شرعيته أساساً من المصلحة الاقتصادية والاجتماعية.
7.3. المشهد العام للتشريع المغربي في سبتمبر 1914
بالنظر إلى العددين معاً في سياقهما التاريخي، يتضح أن شهر سبتمبر 1914 شهد نشاطاً تشريعياً استثنائياً كان مدفوعاً بمحرّكين رئيسيين: محرّك الحرب العالمية الأولى التي أوجدت أزمات اجتماعية عاجلة تستدعي استجابة تشريعية سريعة (ظهير الإفلاس، وظهير الأكرية)، ومحرّك مشروع بناء الدولة الحديثة بصرف النظر عن الحرب (ظهير نزع الملكية، وظهير القبائل البربرية، وظهير المسكرات). وقد دلّ النشاط التشريعي المستمر حتى في أحلك ظروف الحرب على عزم ليوطي وإدارته على المضيّ قدماً في مشروع التحديث المؤسسي للمغرب بصرف النظر عن المتغيرات الخارجية.
ثامناً - إرث العدد الرابع والسبعين في المنظومة القانونية المغربية المعاصرة
8.1. الاستمرارية التشريعية عبر أجيال القانون المغربي
تُجسّد المنظومة القانونية المغربية المعاصرة حالة نادرة من الاستمرارية التشريعية الممتدة عبر ثلاثة عهود متعاقبة: الحماية الفرنسية (1912-1956)، وفجر الاستقلال، والمرحلة المعاصرة. ففي ميدان نزع الملكية مثلاً، يُلاحَظ أن القانون رقم 7.81 الصادر عام 1982 والمعمول به حتى اليوم يحتفظ بهيكل مماثل تقريباً لذلك الذي أرساه ظهير 1914: التعويض العادل، والرقابة القضائية، والاستثناءات المتعلقة بالأماكن الدينية، وحقوق المستأجرين. وهذا يعني أن المبادئ التي صاغها ظهير 1914 كانت مبادئ راسخة بما يكفي للصمود أمام التحولات السياسية الكبرى.
كذلك في مجال الإيجار، لا تزال قيمة المفهوم القاضي بالتدخل التشريعي لحماية المستأجرين في الظروف الاستثنائية حاضرةً في الوعي التشريعي المغربي. وقد شهدنا خلال جائحة كوفيد-19 عام 2020 تدابير حماية مماثلة لصالح المستأجرين العاجزين عن الوفاء بالتزاماتهم الإيجارية بسبب الظروف الاستثنائية، وهو ما يُثبت استمرارية المبدأ الذي أرسته ظروف الحرب العالمية الأولى.
8.2. التحولات والإصلاحات التي أدخلها الاستقلال
أحدث استقلال المغرب عام 1956 تحولات جوهرية في المنظومة التشريعية الموروثة عن الحماية، وإن كانت هذه التحولات لم تأت بالقطيعة الشاملة التي توقعها البعض. ففي ميدان نزع الملكية، احتفظ المغرب المستقل بالبنية الأساسية لظهير 1914 مع إدخال إصلاحات تُعزّز حقوق الملاك المغاربة وتُقيّد صلاحيات الإدارة التقديرية. أما في مجال الكحول، فقد ظلت السياسة المغربية قائمةً على تنظيم بيع الكحول لا تجريمه المطلق، مع تشديد الرقابة على مظاهر السكر العلني.
والأبرز في هذا السياق هو أن المغرب لم يُلغِ منظومة نزع الملكية الموروثة عن الحماية كلياً بعد الاستقلال، بل عمل على تطويرها وتكييفها مع المقتضيات الجديدة للدولة الوطنية المستقلة. وهذا النهج التطوري لا القطائعي يُعكس الحكمة التشريعية التي تحرص على الاستفادة مما هو موجود بدلاً من إعادة البناء من الصفر في كل مرحلة.
8.3. العدد الرابع والسبعون مرجعاً في البحث التاريخي والقانوني
يُمثّل العدد الرابع والسبعون من الجريدة الرسمية المغربية مرجعاً لا غنى عنه لكل باحث في مجالات عدة. فهو بالنسبة للمؤرخ وثيقةٌ تُجسّد اللحظة التأسيسية للتشريع العقاري والإيجاري المغربي. وللقانوني، هو المصدر التاريخي الأول لمجموعة من المبادئ والقواعد التي لا تزال حاضرةً في الفقه القانوني المغربي. وللباحث في الحضارة والاجتماع، هو نافذة على كيفية معالجة السلطة في المغرب لأسئلة الهوية والتحديث والتعدد في مرحلة فارقة من تاريخه.
ولعل أهمية هذا العدد تتجلى بأوضح صورة في أنه يجمع بين ثلاثة أبعاد متكاملة: التاريخ الاقتصادي (نزع الملكية كأداة للتنمية)، والتاريخ الاجتماعي (الأكرية كمعالجة للأزمة الإنسانية للحرب)، والتاريخ الثقافي والقيمي (المسكرات كتلاقٍ بين الشريعة والقانون الوضعي). ومن نادر الأمر أن تتوافر في وثيقة واحدة هذه الأبعاد الثلاثة بهذه الكثافة والعمق.
خاتمة
يكشف الغوص التحليلي في مضامين العدد الرابع والسبعين من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الصادر في أواخر سبتمبر 1914 عن بعد أعمق مما قد يُوحي به ظاهره من صفحات إدارية مصفرّة بفعل الزمن. فهذا العدد يحمل في طياته محطة حاسمة في رحلة التحول الكبير الذي عرفه المغرب في القرن العشرين: رحلة الانتقال من دولة مخزنية تقليدية قائمة على الأعراف والسلطة الدينية إلى دولة مؤسسية حديثة تسير بقوانين مكتوبة وإجراءات شفافة وضمانات قضائية.
تتقاطع الظهائر الثلاثة الرئيسية الواردة في هذا العدد في خطاب ضمني موحّد: خطاب تقنين الواقع وضبطه بأدوات تشريعية دقيقة. فنزع الملكية للمصلحة العامة ينقل العلاقة بين الملك والدولة من مجال التحكم إلى مجال القانون المحكوم بالإجراء والتعويض والرقابة القضائية. وظهير الأكرية ينقل الأزمة الإيجارية من مجال المواجهة المباشرة بين الملاك والمستأجرين إلى مجال الوساطة التشريعية المنظَّمة. وظهير المسكرات ينقل مسألة الانضباط الأخلاقي العام من مجال الإلزام الديني الشفهي إلى مجال العقوبة القانونية المُقنَّنة.
وما يُضفي على هذه الظهائر قيمتها الزائدة هو أنها صدرت في لحظة بالغة العسر، لحظة كان فيها العالم كله يلتهب بنيران حرب أولى مدمّرة. فاستمرار الإبداع التشريعي وسط ضجيج المدافع يُنبئ بعزم واضح على بناء مؤسسات صلبة قادرة على تجاوز الأزمات والتحولات. وقد ثبت الاختبار التاريخي لهذا العزم صحته، إذ بقيت المبادئ الأساسية التي أرستها هذه الظهائر في مكانها عبر أجيال متعاقبة من التشريعات والإصلاحات، شاهدةً على قدرة التشريع الجيد في أن يتجاوز شرط لحظته التاريخية ليغدو إرثاً قانونياً حضارياً يمتد عبر الأجيال.
إن إعادة قراءة هذه الوثائق التاريخية المبكرة ليست ضرباً من الترف الأكاديمي، بل هي في جوهرها عملٌ في الذاكرة القانونية الجماعية؛ ذاكرة لا تكتمل هوية الدولة المغربية من دون استحضارها وفهم ما تحمله من بذور لا تزال تُثمر في الحاضر.
المراجع والمصادر:
- الجريدة الرسمية للدولة المغربية، العدد 74، السنة الثانية، الرباط، 28 سبتمبر 1914 / 7 ذي القعدة 1332هـ.
- ظهير شريف في شأن نزع الملكية بعوض واشغالها للمصلحة العمومية، محرر بالرباط في 9 شوال 1332هـ / 31 أغسطس 1914.
- ظهير شريف في اتخاذ طريقة موقتة في شأن دفع ثمن الأكرية، محرر بالرباط في 25 شوال 1332هـ / 16 سبتمبر 1914.
- ظهير شريف في معاقبة الذين يتجاهرون بالسكر أو يدمنون على شرب المسكرات، محرر بالرباط في 29 شوال 1332هـ / 20 سبتمبر 1914.
- قرارات وزارية في تعيين موظفين إداريين للإيالة الشريفة، سبتمبر 1914.
تحميل العدد 74 بتاريخ 28 شتنبر 1914من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق