الجريدة الرسمية المغربية عدد 62 الصادرة بتاريخ 10 يوليوز 1914: قراءة تحليلية في وثيقة تاريخية مؤسِّسة للمنظومة القانونية المغربية الحديثة

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 مقدمة

تُعدّ الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة المنبر الرسمي الأول الذي تنشر فيه الدولة قوانينها ومراسيمها وقراراتها وظهائرها، وهي بذلك تشكّل ذاكرة قانونية وإدارية لا غنى عنها للباحثين والمهتمين بتاريخ التشريع المغربي. ومن بين الأعداد الأولى التي صدرت في فجر القرن العشرين، يبرز العدد 62 الصادر بتاريخ 16 شعبان 1332 الموافق 10 يوليوز 1914، باعتباره وثيقة تأسيسية ذات أهمية بالغة، إذ احتوى على ظهائر ومناشير وقرارات شكّلت اللبنات الأولى لتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع في مجالات حيوية كتدبير الأملاك العمومية، ومنح الرخص الإدارية، وضبط معاملات الأجانب على التراب المغربي.

تأتي أهمية هذه الوثيقة من كونها صدرت في مرحلة انتقالية حاسمة من تاريخ المغرب، حيث كانت الدولة المغربية تخطو خطواتها الأولى نحو تحديث منظومتها التشريعية والإدارية في ظل معاهدة الحماية. ولأن فهم الحاضر القانوني يستلزم استقراء الماضي التشريعي، فإن هذا المقال يسعى إلى تقديم قراءة تحليلية معمّقة لمضامين هذا العدد التاريخي، مع إبراز أهم الفصول والمواد التي تضمّنها، وتسليط الضوء على دلالاتها القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

سنتناول في هذا المقال البنية العامة للجريدة الرسمية في تلك الحقبة، ثم نستعرض بالتفصيل الظهير الشريف المتعلق بالأملاك العمومية بالإيالة الشريفة، وننتقل بعد ذلك إلى تحليل المناشير الوزيرية الموجهة لعمال المدن والمراسي والقضاة، قبل أن نختتم بقراءة في الجزء غير الرسمي من الجريدة الذي تضمّن أخباراً ومعلومات اقتصادية ذات أهمية بالغة لفهم الواقع المعيشي والاقتصادي للمغرب آنذاك.

تحميل العدد 62  بتاريخ 10 يوليوز 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

أولاً: السياق التاريخي والإطار العام للجريدة الرسمية المغربية في مطلع القرن العشرين

1.1. النشأة والتأسيس

1.1.1. ظروف صدور الجريدة الرسمية المغربية

صدرت الجريدة الرسمية المغربية لأول مرة في إطار التحولات العميقة التي شهدها المغرب مع بداية القرن العشرين، حيث برزت الحاجة الماسة إلى إنشاء منبر رسمي تنشر فيه الدولة نصوصها التشريعية والتنظيمية بشكل منتظم ومنهجي. وقد جاء العدد 62 المؤرخ في 16 شعبان 1332 الموافق 10 يوليوز 1914 ضمن السنة الثانية من إصدار هذه الجريدة، مما يدلّ على أن انطلاقتها الفعلية كانت في سنة 1912 تقريباً، أي بُعيد توقيع معاهدة الحماية.

وتُمثّل هذه الجريدة في تلك المرحلة المبكرة أداةً مزدوجة الوظيفة، فهي من جهة وسيلة لإعلام الرعايا والمواطنين والأجانب المقيمين بالمغرب بمستجدات التشريع والتنظيم، ومن جهة أخرى آلية لإضفاء الشرعية القانونية على القرارات السلطانية والقرارات الوزيرية التي لا تكتسب طابعها الإلزامي إلا بعد نشرها في هذا المنبر الرسمي.

1.1.2. تعريفة الاشتراك ونظام التوزيع

تضمّن الغلاف الأول للجريدة معلومات دقيقة حول نظام الاشتراك، إذ بلغت قيمة الاشتراك السنوي داخل المملكة الشريفة 10 ريالات، فيما حُدّد الاشتراك لمدة ستة أشهر في 6 ريالات، وثلاثة أشهر في 3.50 ريالات. أما خارج المملكة، فقد ارتفعت التعريفة لتصل إلى 15 ريالاً سنوياً، و8 ريالات لمدة ستة أشهر، و4.50 ريالات لثلاثة أشهر. ويُلزم النصّ كل من يرغب في الاشتراك بأن يطلبه مباشرة من إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية بالرباط ومن جميع بنيقات البوسطة بالمغرب، على أن يبدأ الاشتراك من أول الشهر.

1.1.3. ثمن النسخة المفردة

حدّد ثمن النسخة الواحدة من الجريدة في عشرين سنتيماً، وهو ما كان يُعدّ ثمناً معقولاً في تلك المرحلة، يتناسب مع القدرة الشرائية للفئات المستهدفة من الموظفين والتجار والقضاة وذوي الشأن العام.

1.2. الهيكلة العامة لمضمون العدد 62

1.2.1. الفهرس وتقسيم المحتوى

اعتمد العدد 62 من الجريدة الرسمية تقسيماً واضحاً للمحتوى يميّز بين قسمين رئيسيين: القسم الرسمي الذي يضمّ النصوص القانونية الملزمة كالظهائر السلطانية والمناشير الوزيرية والإعلانات الرسمية، والقسم غير الرسمي الذي يتضمّن أخباراً واعلامات من جانب مصلحة الدروس الاقتصادية. ويُعدّ هذا التقسيم انعكاساً لفلسفة تشريعية حديثة كانت تسعى إلى الفصل بين ما هو إلزامي وما هو إخباري.

1.2.2. أبرز الموضوعات المعالجة

تضمّن القسم الرسمي ظهيراً سلطانياً في شأن الأملاك العمومية بالإيالة الشريفة، يليه منشور وزيري لعمال المدن والمراسي، ومنشور وزيري آخر من الصدر الأعظم لقضاة المدن والمراسي وللقضاة المستغلين، ثم إعلام بشأن الموافقة التي عُقدت بين الدولة العثمانية والسفارة الفرنساوية بالأستانة في شأن حماية رعايا الإيالة الشريفة. أما القسم غير الرسمي فقد ركّز على المعطيات الاقتصادية المتعلقة بقصبة تادلة وناحية سلا وبئر القصيري وأسواق الرباط والصادرات البحرية للحماية.

ثانياً: الظهير الشريف في شأن الأملاك العمومية بالإيالة الشريفة

2.1. السياق والمبررات

2.1.1. الحاجة إلى ضبط مفهوم الأملاك العمومية

افتُتح الظهير الشريف ببيان الأسباب الموجبة لإصداره، حيث جاء فيه ما يُفيد بأن هناك أملاكاً شريفة لا يسوغ لأحد أن يتفرّد بتملّكها كما هو جار به العمل في باقي الممالك، لأنها على الشياع بين الجميع. ومن شأن الحكومة أن تتكفّل بتدبير أمرها وكيفية طغيان المياه أو لحاجات المدن أو لاستخدام قوة الماء العمومي في ذلك.

وقد جاء هذا الظهير استناداً إلى المنشور الوزيري الصادر عن الصدر الأعظم والمنشور في الجريدة الرسمية بعددها المؤرّخ في فاتح نوفمبر سنة 1912، الذي أشار إلى ضرورة تعيين نوع الأملاك الباقية ملكاً عمومياً للدولة وضبط الضوابط الشرعية التي تُتبّع في تدبيرها.

2.1.2. الأساس الشرعي والقانوني

استند الظهير إلى مبادئ شرعية وقانونية واضحة، إذ اعتبر أن هذه الأملاك ينبغي أن تظلّ ملكاً عاماً للجميع لكونها على الشياع بين الناس، وأن تدبيرها مسؤولية تاريخية وأخلاقية تقع على عاتق الدولة، وذلك حماية لحقوق الأجيال القادمة وضماناً للاستخدام الأمثل لهذه الموارد المشتركة.

2.2. الفصل الأول: تعداد الأملاك العمومية

2.2.1. الشواطئ والملك البحري

نصّ الفصل الأول من الظهير على أن الأملاك العمومية تشمل في المقام الأول شاطئ البحر، الذي يمتدّ إلى الحدّ الأقصى من مدّ البحر عند ارتفاعه، مع منطقة مساحتها ستة أمتار تُقاس من الحدّ المذكور. ويُعدّ هذا التحديد دقيقاً ومتقدّماً، إذ يأخذ بعين الاعتبار الديناميكية الطبيعية للبحر ويترك هامشاً كافياً لحماية الشريط الساحلي من التعدّيات.

2.2.2. المراسي والأخاجة والأموان

تضمّن الفصل الأول كذلك الأخاجة والمراسي والأموان وملحقاتها، باعتبارها فضاءات بحرية وموانئ تخدم المصلحة العامة وتساهم في تنشيط الحركة التجارية والاقتصادية للبلاد. وقد جاء النصّ شاملاً لجميع الملحقات بما يضمن عدم إفلات أي جزء من هذه المنشآت من نطاق الحماية القانونية.

2.2.3. المنارات والفنارات والإشارات البحرية

أدرج الفصل الأول ضمن الأملاك العمومية المنارات والفنارات والعلامات التي تُوضع للإنذار بالخطر وكافة الأعمال المُعدّة للإضاءة والإنذار بالمخاطر في الشواطئ وملحقاتها. ويعكس هذا التنصيص الوعي المبكّر بأهمية السلامة البحرية وضرورة الحفاظ على المنشآت التي تخدم هذا الغرض ضمن نطاق الملك العام.

2.2.4. مجاري المياه والآبار والموارد المائية

تطرّق الفصل الأول في فقرته الرابعة إلى مجاري المياه مهما كان نوعها مع منابعها، ثم في الفقرة الخامسة إلى الآبار المعروفة بالارتزازية والتي يفجر منها الماء، وكذلك الآبار والموارد العمومية. ويُلاحظ هنا حرص المُشرّع على شمول كافة مصادر المياه بالحماية، سواء كانت سطحية أو جوفية، طبيعية أو مُهيّأة.

2.2.5. البحيرات والمتنفعات والسباخ

شملت الأملاك العمومية كذلك البحيرات الكبيرة والصغيرة والمتنفعات والسباخ، باعتبارها فضاءات بيئية واقتصادية ذات قيمة استراتيجية. كما أُدرجت الترع التي تسير فيها المراكب والتي تُستعمل للري أو التي تجفّف، وتُعتبر أشغالاً عمومية.

2.2.6. منشآت الري الكبرى

نصّ الفصل في فقرته الثامنة على أن الحواجز والسدود والقنوات وأشغال التقنية وغيرها مما يحدث بصفة أشغال عمومية تدخل ضمن نطاق الملك العمومي، وذلك لوقاية الأراضي من طغيان المياه أو لحاجات المدن أو لاستخدام قوة الماء العمومي.

2.2.7. الطرق والسكك الحديدية الخارجية

أدرج الفصل التاسع الطرق والأزقة والسبل والسكك الحديدية الخارجية والكهربائية والجسور، وعلى العموم طرق المواصلة أياً كان نوعها التي يستخدمها العموم. ويعكس هذا التنصيص إدراكاً مبكراً لأهمية شبكة المواصلات في تنمية الاقتصاد وربط أرجاء البلاد ببعضها.

2.2.8. الأسلاك التلغرافية والتلفونية

نصّ الفصل العاشر على أن الأسلاك التلغرافية والتلفونية والأبنية الحديدية المُعدّة للتلغراف اللاسلكي تُعدّ من الأملاك العمومية، وهو ما يُبرز الوعي المبكّر بأهمية وسائل الاتصال الحديثة آنذاك.

2.2.9. الاستحكامات والتحصينات العسكرية

اختُتم تعداد الأملاك العمومية في الفصل الحادي عشر بذكر كافة الاستحكامات والتحصينات المتعلقة بالمواقع الحربية والمراكز العسكرية وتوابعها، وعلى العموم كل الأراضي والأعمال التي لا يمكن للأفراد أن يتملّكوها لأنها مشاعة.

2.3. الفصل الثاني: نظام الحقوق المكتسبة

2.3.1. مبدأ حماية الحقوق السابقة

نصّ الفصل الثاني على أن كل ما اكتسب قانوناً من حقوق الملكية والانتفاع والاستعمال بالأملاك العمومية يبقى محفوظاً إذا كان ذلك سابقاً على نشر هذا الظهير. ويُجسّد هذا الفصل مبدأ عدم رجعية القوانين، وحماية الحقوق المكتسبة التي تُعدّ من المبادئ الأساسية في القانون الحديث.

2.3.2. شروط نزع الحقوق المذكورة

أوضح الفصل الثاني أنه لا يمكن أن تُنزع الحقوق المذكورة من أربابها إلا بالبيع الجبري، وبشرط أن يُثبتوا هذه الحقوق أمام الحكومة أو محاكمها التي لها النظر لما بعد نشر هذا الظهير، وبعد صدور قرار تحديد الأملاك كما هو مذكور في الفصل السابع.

2.4. الفصل الثالث: التزامات أصحاب الأملاك الخاصة

2.4.1. الواجبات المتعلقة بالمرور والجولان

ألزم الفصل الثالث كل من له ملك خاص أن يتحمّل الواجبات المتعلقة بالمرور والجولان في ملكه، ويجعل جميع أنواع الآلات اللازمة لإحداث الأسلاك التلغرافية والتلفونية والأبنية الحديدية المُعدّة للتلغراف اللاسلكي ولمراسلات القوة الكهربائية الداخلة في عدد الأملاك العمومية.

2.4.2. صيانة المنشآت العمومية

نصّ الفصل ذاته على وجوب صيانة جميع ما ذُكر وللاستغلال به، مما يُحمّل أصحاب الأملاك الخاصة المتاخمة للأملاك العمومية مسؤولية المساهمة في الحفاظ على هذه المنشآت وضمان استمرار خدمتها.

2.5. الفصل الرابع: عدم قابلية التقادم

2.5.1. مبدأ عدم سقوط حقوق الملكية العامة

نصّ الفصل الرابع بشكل قاطع على أن الأملاك العمومية لا تقبل التغيير ولا تسقط حقوق الملكية فيها بمضي الزمان. ويُعدّ هذا المبدأ من الركائز الأساسية لحماية الملك العام، إذ يحول دون انتقاله إلى الملكية الخاصة بفعل التقادم أو الاستحواذ غير المشروع.

2.5.2. الدلالات القانونية للمبدأ

يكتسي مبدأ عدم قابلية التقادم أهمية بالغة في الفقه القانوني، إذ يُجسّد طبيعة الملك العام باعتباره مخصّصاً للنفع العام ولا يخضع للقواعد العادية التي تحكم الملكية الخاصة. وقد تأثّر هذا الفصل بالمدارس القانونية الحديثة التي تعتبر الملك العام خارج دائرة التصرّفات التجارية.

2.6. الفصل الخامس: إمكانية إخراج بعض الأملاك من حيز التقييد

2.6.1. شروط الإخراج

أجاز الفصل الخامس إخراج بعض الأملاك العمومية من حيز التقييد إذا ظهر أنها ليست ذات منفعة عامة، وذلك بقرار وزيري من الصدر الأعظم يصدر بناء على طلب المدير العام للأشغال العمومية. وتصير عندئذ ملكاً خاصاً بالمخزن الشريف.

2.6.2. الإجراءات المتّبعة

يستلزم إخراج أي ملك من نطاق الملك العام اتباع مسطرة إدارية دقيقة تبدأ بطلب من المدير العام للأشغال العمومية، يُرفع إلى الصدر الأعظم الذي يُصدر قراره الوزيري وفق ضوابط محدّدة. ويُعدّ هذا التنظيم انعكاساً لحرص المُشرّع على ضبط عمليات نقل الأملاك من العام إلى الخاص ومنع التصرّفات التعسّفية.

2.7. الفصل السادس: تدبير الأملاك العمومية

2.7.1. صلاحيات المدير العام للأشغال العمومية

أناط الفصل السادس بمدير الأملاك العمومية المدير العام للأشغال العمومية مسؤولية مراقبة تدبير الأملاك العمومية، حيث يقتضي تفويض مستمر أو يديرها أعوان الدولة الذين يعينون لهذا الشأن.

2.7.2. المصادقة على عقود الكراء والاستغلال

نصّ الفصل على أن كل رسم إداري يُقصد به اكتراء بعض الأملاك العمومية أو استغلالها يجب أن يصادق عليه المدير العام للإدارات المالية قبل إجراء العمل به. ويعكس هذا التنصيص الحرص على الرقابة المزدوجة وضمان الشفافية في تدبير الموارد العامة.

2.8. الفصل السابع: تعيين حدود الأملاك العمومية

2.8.1. مسطرة التحديد

نصّ الفصل السابع على أن تعيين حدود الأملاك العمومية يتمّ إذا اقتضى الأمر بقرار وزيري يصدر بعد بحث عمومي، بناء على طلب المدير العام للأشغال العمومية. وتقبل كل المطالب المسندة على حقوق التملّك أو التصرّف في خلال ستة أشهر ابتداء من نشر قرار التحديد.

2.8.2. الحقوق المعترف بها

نصّ الفصل ذاته على أن الحقوق التي كانت سابقة على هذا القرار وما زيد بالفصل الثاني المذكور يتّخذ كناش لا تُدوّن فيه إلا حقوق التملّك والتصرّف في خلال المهلة المذكورة أعلاه، وتُدوّن فيه أيضاً الحقوق التي تعلم بها أربابها في الوقت المناسب والتي اعترفت بها فيما بعد الحكومة العدلية.

2.8.3. حقوق المعترضين

أتاح الفصل لكل من يدّعي بأن تحديد الملك غير صحيح أن يُقبل مطلبه في خلال المهلة المذكورة، شريطة أن يُجري البحث الدقيق في شأن المعاملات الإدارية المُطلب بترخيصها.

2.9. الفصل الثامن: الاختصاص القضائي

2.9.1. اختصاص المحاكم الفرنسية

نصّ الفصل الثامن على أن النزاع الواقع على ملك عمومي تحكم به المحاكم الفرنساوية لاغير، والسلام. وهذا التنصيص يعكس الواقع السياسي والقانوني للمرحلة، حيث كانت معاهدة الحماية قد أسّست لازدواجية قضائية بين المحاكم المغربية والمحاكم الفرنسية.

2.9.2. تاريخ التوقيع والمصادقة

ذُيّل الظهير الشريف بتاريخ التوقيع الذي صادف 7 شعبان عام 1332 الموافق 1 يوليه سنة 1914، وقد سُجّل في اليوم نفسه، وصحّ به ما عُمل بن عمد الجباس. كما اطّلع عليه المقيم العام وأذن بنشره، وحُرّر بالرباط في 1 يوليه سنة 1914.

ثالثاً: المناشير الوزيرية لعمال المدن والمراسي

3.1. المنشور الوزيري الأول: تنظيم الرخصة الإدارية

3.1.1. الإطار العام للمنشور

صدر المنشور الوزيري الأول استناداً إلى الفصل الثاني من المنشور الوزيري الموجّه في فاتح نوفمبر عام 1912 من طرف سعادة السيد الحاج عمد المفري لعمال المدن والبوادي والقضاة. ويختصّ هذا المنشور بعمّال المدن والمراسي وينظّم منح الرخصة الإدارية المنصوص عليها في الفصل الخامس عشر من شروط مديد وفي الفصل السابع من صكّ مزينة الجزيرة لعقد الرسوم الراجعة للمعاملات العقارية المتعلّقة بالأجانب.

3.1.2. تاريخ التطبيق والصدور

عند التاريخ المذكور صدرت قرارات وزيرية بتفويض منح الرخصة المذكورة لقياد الشاوية ومراقبة الغرب المدنية ودائرة وادي سبو. وقد صرّحت بشروط مديد والجزيرة بأن لأولئك العمال أن يمتنعوا من منح الرخصة المذكورة لحجّة ثابتة صحيحة هذا وأن المخزن الشريف ليست له السلطة المطلقة على بعض القبائل بحيث أنه ليس في وسع نوّابه أن يجروا البحث الدقيق في شأن المعاملات المُطلب بترخيصها.

3.2. المنشور الوزيري الثاني: حماية مصالح المخزن الشريف

3.2.1. المخاطر المحدقة بمصالح المخزن

كما لا يمكنهم الدفاع عند الاقتضاء على مصالح المخزن الشريف والأفراد وعلى الخصوص بمصير عليهم أنخاذ الرسائل العائدة لاحترام الأملاك المكتسبة. كلما دعت الحاجة لذلك، وبالآخر فإن اشتراك الأجانب لأملاك كائنة بتراب تلك القبائل يُسبّب عليه خطراً هم صرحوا بأن المخزن الشريف بعدم تحمّل مسؤوليته.

3.2.2. التوصيات بشأن منح الرخص

عليه فمصير عليكم حتى يظهر منح الرخصة للأجانب الذين يريدون مباشرة المعاملات العقارية في تراب جهات والقبائل المعتبرة مخطرة لمرور أو إقامة الأجانب يعني في تراب القبائل غير المبيّنة لمرته بسلام. وكُتب بالرباط في ثاني شعبان سنة 1332.

3.3. المنشور الوزيري للقضاة المستغلين

3.3.1. توجيهات للقضاة

وُجّه منشور وزيري من الصدر الأعظم لقضاة المدن والمراسي وللقضاة المستغلين، إذ بمقتضى الفصل الثاني من المنشور الذي كان وجّهه لكم جناب الصدر السيد الحاج محمد المفري في فاتح نوفمبر عام 1912 يحجر عليكم الموافقة على البيوعات الواقعة للأجانب إلا بعد التحصيل على الرخصة الإدارية من قبل المخزن السعيد.

3.3.2. مسؤوليات القضاة في حالات الرفض

وقد نصّ المنشور المذكور على أن منح تلك الرخصة أو رفضها من متعلقات عامل أقرب مدينة أو مرسى. ومنذ التاريخ المذكور صدرت قرارات وزيرية بتفويض من حال الرخصة المذكور لقياد الشاوية ومراقبه الغرب المدنية ودائرة وادي سبو.

3.3.3. التحديثات والاستلطافات

عليه فإننا جدّدنا استلفات أنظاركم لما اقتضته شروط مديد والجزيرة وتوافيكم طيه نسخة مما كتب لعمّال المدن والمراسي لمنهم. حتى يجبوا البحث الدقيق في شأن المعاملات المُطلب بترخيصها كما لا يمكنهم الدفاع عند الاقتضاء على مصالح المخزن الشريف والأفراد.

3.4. الأحكام الانتقالية

3.4.1. تطبيق الفصل السابع من مديد

نصّ المنشور على أن من فصله الأول كان حجر عليكم اذن إقامة لأهليا الا بعد البحث عن العقار وتوجيه الترخيص الشرعي عليه من أوجه مختلفة. وبناءً على ما سبق من الأسباب وعلى وجه الاحتياط فإنكم في المستقبل لاتأذرن في إقامة رسوم الملكيات والتفويتات المتعلقة بالمقارات الخارجة عن الجهات المستثناة فيها الأمن.

3.4.2. المعاملات داخل المناطق الآمنة

والبيّنة طرته بقطع النظر عن سائلها كان أجنبياً أو أهلياً والسلام. وكُتب بالرباط في ثاني شعبان عام 1332. ويعكس هذا الجزء حرص المُشرّع على ضبط المعاملات العقارية في المناطق غير المستقرّة، وحماية الأملاك من النزاعات المحتملة.

رابعاً: الإعلام بشأن الموافقة بين الدولة العثمانية والسفارة الفرنسية

4.1. السياق الدبلوماسي

4.1.1. تاريخ المعاهدة

تضمّن العدد إعلاماً بشأن الموافقة التي عُقدت بين الدولة العثمانية والسفارة الفرنساوية بالأستانة في شأن حماية رعايا الإيالة الشريفة. وقد جاء فيه أن سفير دولة فرنسا بالأستانة والصدر الأعظم للدولة العثمانية قد عقدا بتاريخ الثامن عشر من ديسمبر سنة 1913 موافقة صادق عليها جلالة سلطان تركيا.

4.1.2. مضمون الموافقة

بموجب هذه الموافقة يتمتّع أهل المغرب في أرض الدولة العثمانية كالتونسيين بنفس الامتيازات والإعفاءات المُدرجة للجزائريين، وذلك بصفة كونهم من محبّي الدولة الفرنساوية. وتجري عليهم أيضاً نفس القواعد المرعية في كل الأحوال بشأن الجزائريين المذكورين بموجب الوفق المنعقد مع سفارة دولة فرنسا.

4.2. الالتزامات المتبادلة

4.2.1. التزامات الدولة الفرنسية

وعليه فإن تقاضل فرنسا في تركيا يمكنكم بدون أدنى عائق أن يحموا الرعايا المغربيين الذين اصلهم من منطقة الحماية الفرنساوية وذلك بنفس الصورة التي يتمشّى عليها في حماية الجزائريين والتونسيين والسلام.

4.2.2. النطاق الجغرافي للحماية

تشمل الحماية الفرنسية المغاربة الموجودين في الأراضي العثمانية، وتمنحهم نفس الحقوق الممنوحة للجزائريين والتونسيين بموجب الاتفاقيات السابقة. وتعكس هذه الموافقة الواقع الجديد الذي فرضته معاهدة الحماية على وضع المغاربة في الخارج، وعلى علاقاتهم بالدول الأخرى.

خامساً: القسم غير الرسمي وأخبار مصلحة الدروس الاقتصادية

5.1. الأوضاع الفلاحية في قصبة تادلة

5.1.1. مواعيد الحصاد

أفاد القسم غير الرسمي بأن حصاد الزرع تمّ في منتصف شهر مايو، وحصاد القمح في آخر الشهر المذكور. وتُعدّ هذه المعلومات ذات أهمية بالغة لأنها توثّق الدورة الزراعية في تلك المنطقة، وتُلقي الضوء على نمط الإنتاج الفلاحي السائد آنذاك.

5.1.2. حالة المحاصيل

كانت الفلاحة كلها خصبة جداً وما ضرّ كبير للنتيجات من تأخّر المزروعات الواقع بسبب عدم وجود المطر في السنة الأخيرة. كان الحال حامياً ومقيّداً وثقيلاً في أثناء شهر مايو. وقد عرفت المنطقة قطرة كايكات كلها، ممّا أفرحَ بعض الوطنيين الساكنين بقصبة تادلة عن ديارهم وقبضوا مجازات على ذلك.

5.2. الأشغال الجديدة للمنفعة العامة ببئر القصيري

5.2.1. الأشغال المنجزة في شهر مايو

تمّت في شهر مايو أشغال تصليح الطريق المطروقة المارّة من بئر أوس للالة بطو ودرب العامري، ومشروع بالقصيري في الخدمة. وشُرع في بنيان قنطرة دار كدادي على واد بهت، وتُدرس الآن بنيان قنطرة من اللوح على واد واحد بين دار كدادي ومشرع بالقصيري حيث لم يمكن للمركبات الجواز على أنواد هذا. ويمنع ذلك الجواز على الطريق المطروقة المارة من مشرع بالقصيري إلى دار الكدادي.

5.2.2. الصلح بين القبائل

تمّ صلح الأصبيوليون شاطئ، اللوكوص بين القصر وعرباوة في المرجة التي تمرّ عليها طريق القصر فأس وذلك ليمكن للمركبات والبهائم المحمول عليها الجواز من هناك.

5.3. أسواق ناحية الرباط

5.3.1. الأسواق الكبيرة بالناحية

توجد أربع أسواق كبيرة في ناحية الرباط ويحلّ كل واحد منها يوماً في الجمعة. وقيمة المعاملات التجارية الشهرية الواقعة في الأسواق الأربعة 43000 بسيطة حسنية مدخول منها للمخزن 1660 بسيطة حسنية تقريباً.

5.3.2. الحركة التجارية والحيوانية

والدواب المضرورة بيس السنة الأخيرة أنها تصلح وتوجد الآن في بعض النيران والكباش في حالة حسنة وتعاطي الفلاحون الأرباويون في تربية الخنزير بنجاح.

5.4. أوضاع ناحية سلا

5.4.1. قيمة المعاملات في الأسواق

قيمة المعاملات الشهرية في أسواق ناحية سلا سبعين ألف بسيطة حسنية تقريباً، منها 34000 بسيطة حسنة لسوق الحمير، و41000 بسيطة حسنية لسوق الثلاثة. ووقع الحصد بناحية سلا في أثناء شهر مايو كله والنتيجات حسنة جداً.

5.4.2. الأوضاع الاقتصادية العامة

فلاحة الزرع بالخصوص خصبة. بدت المراعي تيبس لكن بقت حالة الدواب العامة جيدة. لم تزل حالة ناحية سلا الاقتصادية حسنة مع أن الأسواق لم تؤمّ كما في الشهر السابق لأن الوطنيين مشتغلون بالحصاد.

5.5. الصادرات البحرية للحماية

5.5.1. مقارنة بين السنوات

قدر الواردات البحرية للحماية اعظم مما للصادرات البحرية لها وذلك من سنة 1910 إلى الأشهر الأخيرة بسبب الأحوال الغير المطابقة لتكثير المحروجات في الثلاث سنوات الأخيرة. قد بلغت صادرات مراسي الحماية ققط خمسة وخمسون مليون فرنك وذلك سنة 1911 أما في عام 1913 (أي سنة تابعة لعام فلاحة خصبة) بلغت ستين مليون فرنك.

5.5.2. التراجع في الإنتاج

وفي سنة 1913 انقص عدد المحروجات إلى أن صار 30 مليون فرنك فلتك فعلاحة عام 1912 المتوسط وفلاحة عام 1913 الناقصة هما اللتان سببتا بالكثرة ما سطر. ثم يزاد عليها تنظيم الشراءات الواقعة في الوطن للوازم المحلية (الجنود والاوربايون السايكون هناك منذ عهد قريب).

5.5.3. الخصوصية المغربية

ولا تجير التغيرات هذه لأن هذه الصادرات المغربية لا تشتمل بالخصوص الا على محصولات فلاحية. وتستقصى التغيرات المذكورة في المستقبل حين يستغل المغرب وتكون له أشياء أخرى لصادراته (المدن والمصنوعات الغ).

5.6. التحليل المقارن للصادرات

5.6.1. صادرات الحماية على البحر

صدرت الحماية على البحر قدراً من المحصولات يبلغ 60 مليون فرنك سنة 1912 وحذرب تونس 147 مليون فرنك في مدة واحدة. لكن يجب لكي يمكن التمثيل أن تطرح من العدد التونسي سبعون مليوناً ثمن الحديد والرخام والحجر والفحم وما يشبهه الخارجة من تونس سنة 1913.

5.6.2. المحصلة النهائية للمقارنة

تبقى 77 مليون فرنك للمحصولات الشابهة على العموم ما عدا الخمر لما للمغرب والحاصل كما يفهم مما سبق أن صادرات الحماية ليست مشروطة مع كون الأحوال غير مطابقة لذلك والملازم الاقتصادية سيئة وما يشبهه الخارجة من تونس سنة 1913.

سادساً: الأهمية القانونية والتاريخية للعدد 62

6.1. الأبعاد القانونية

6.1.1. التأسيس لمفهوم الملك العام

شكّل ظهير 7 شعبان 1332 (1 يوليه 1914) لبنة أساسية في بناء النظام القانوني المغربي الحديث، إذ وضع أسس مفهوم الملك العام بشكل واضح ومنظّم. وقد استلهم هذا الظهير من المدارس القانونية الفرنسية مع الحفاظ على الخصوصية المغربية المستمدّة من الشريعة الإسلامية.

6.1.2. تنظيم العلاقة بين الدولة والملك العام

أرسى الظهير قواعد واضحة لتدبير العلاقة بين الدولة والملك العام، وحدّد الجهات المسؤولة عن هذا التدبير، والمساطر الإدارية الواجب اتباعها في كل ما يتعلّق بالملك العام، من تحديد ومنح للرخص ومراقبة وصيانة.

6.2. الأبعاد الاقتصادية

6.2.1. حماية الموارد الطبيعية

أبدى الظهير حرصاً كبيراً على حماية الموارد الطبيعية بإدراجها ضمن نطاق الملك العام، وهو ما يدلّ على وعي مبكّر بأهمية هذه الموارد في تنمية الاقتصاد الوطني. ويشمل ذلك المياه والشواطئ والغابات وغيرها من الموارد التي تحتاج إلى حماية خاصة.

6.2.2. تنظيم البنيات التحتية

تضمّن الظهير تنظيماً دقيقاً للبنيات التحتية بإدراج الطرق والسكك الحديدية والمرافئ والمنارات وأسلاك الاتصالات ضمن الملك العام، ممّا يعكس الرؤية الحديثة للدولة في إدارة المرافق العامة.

6.3. الأبعاد الاجتماعية

6.3.1. حماية الحقوق المكتسبة

حرص الظهير على حماية الحقوق المكتسبة قبل صدوره، ممّا يدلّ على احترام مبدأ عدم رجعية القوانين وحماية الاستقرار القانوني والاجتماعي. وقد جسّد هذا التوجّه في الفصل الثاني الذي ألزم باحترام الحقوق المكتسبة وضبط شروط نزعها.

6.3.2. تنظيم العلاقة مع الأجانب

عكست المناشير الوزيرية المُلحقة بالظهير حرص الدولة على تنظيم العلاقة بين الأجانب والأهالي، خاصة فيما يتعلّق بالمعاملات العقارية. وقد وضعت ضوابط دقيقة لحماية مصالح المخزن الشريف والأهالي على حدّ سواء.

سابعاً: الإسقاطات الراهنة والاستفادة من التجربة التاريخية

7.1. الاستمرارية التشريعية

7.1.1. التطوّر من 1914 إلى اليوم

لا تزال كثير من المبادئ التي أرساها ظهير 1914 سارية المفعول في التشريع المغربي المعاصر، وإن تطوّرت صياغتها وتوسّعت تطبيقاتها لتشمل قضايا جديدة. ويُعدّ هذا التواصل التشريعي دليلاً على عمق الرؤية التي حملها هذا الظهير وقدرته على الصمود أمام تحوّلات الزمن.

7.1.2. القوانين الحديثة المستلهمة منه

يمكن تتبّع أثر هذا الظهير في العديد من القوانين الحديثة المتعلّقة بالماء والشواطئ والغابات والطرق وغيرها من المجالات. كما يظهر أثره في القوانين المنظّمة لنزع الملكية للمنفعة العامة، التي تستند إلى نفس المبادئ التي وضعها الظهير الأصلي.

7.2. الدروس المستفادة

7.2.1. أهمية التوثيق التشريعي

تُذكّرنا الجريدة الرسمية المغربية في عددها 62 بأهمية التوثيق التشريعي وضرورة الحفاظ على الذاكرة القانونية للأمة. فبدون هذه الوثائق التاريخية، لن يكون بمقدورنا فهم التطوّر القانوني والإداري للدولة المغربية ولا استلهام الدروس من التجارب السابقة.

7.2.2. الحاجة إلى الاستثمار في رقمنة التراث القانوني

تستدعي قيمة هذه الوثائق ضرورة الاستثمار في رقمنتها وإتاحتها للباحثين والمهتمين بشكل منهجي. وقد بدأت بعض المؤسسات في هذا المسار، إلا أن الحاجة لا تزال ماسّة لتعزيز هذه الجهود وضمان وصول هذا التراث إلى أوسع شريحة ممكنة من المستفيدين.

7.3. آفاق الاستثمار في هذا التراث

7.3.1. البحث الأكاديمي

تُمثّل الجريدة الرسمية المغربية مادة بحثية ثرية يمكن أن تُغني الدراسات الأكاديمية في مجالات القانون والتاريخ والاقتصاد والاجتماع. ومن المهمّ تشجيع الباحثين على الانكباب على هذه الوثائق وإنتاج دراسات تحليلية معمّقة حولها.

7.3.2. التكوين القانوني

يمكن استثمار هذا التراث في التكوين القانوني للأجيال الجديدة من الحقوقيين والقضاة والمحامين، إذ يُساعد على فهم الجذور التاريخية للنظام القانوني المغربي وتطوّره عبر الزمن.

خاتمة

تمثّل الجريدة الرسمية المغربية في عددها 62 الصادر في 16 شعبان 1332 الموافق 10 يوليوز 1914 وثيقةً تاريخيةً وقانونية لا تُقدّر بثمن، ليس فقط بحكم قدمها وأصالتها، بل أيضاً بفضل مضامينها التشريعية والتنظيمية التي شكّلت اللبنات الأولى للنظام القانوني المغربي الحديث. لقد قدّمت هذه الوثيقة من خلال الظهير الشريف المتعلّق بالأملاك العمومية إطاراً تشريعياً متكاملاً لتدبير الملك العام، وحدّدت بوضوح حدوده ومكوّناته وضوابط تدبيره، بما يضمن حمايته من التعديات ويُحقّق المنفعة العامة.

ومن خلال المناشير الوزيرية الموجّهة لعمّال المدن والمراسي وللقضاة، تأكدت الرؤية الحكيمة للسلطة المركزية في تنظيم العلاقة بين الأجانب والأهالي، وضبط المعاملات العقارية بما يصون مصالح المخزن الشريف ويحمي الأملاك من النزاعات المحتملة. وقد عكست هذه المناشير وعياً سياسياً وإدارياً متقدّماً بضرورة التوفيق بين فتح المغرب على المعاملات الدولية وحماية ثرواته وأملاكه من الاستحواذ غير المشروع.

كما كشف الإعلام المتعلّق بالموافقة المُبرمة بين الدولة العثمانية والسفارة الفرنسية عن البُعد الدولي للحماية الفرنسية، وعن المكانة التي كان يحظى بها المغاربة في الخارج بحكم انتمائهم إلى منطقة الحماية الفرنسية. وقد جسّدت هذه الموافقة الواقع السياسي الجديد الذي فرضته معاهدة الحماية على الوضع القانوني للمغاربة في الخارج، ووفّرت لهم نوعاً من الحماية القنصلية والإدارية مماثلاً لما كان يحظى به الجزائريون والتونسيون.

أما القسم غير الرسمي من الجريدة، فقد قدّم صورة بانورامية عن الأوضاع الاقتصادية والفلاحية والتجارية في مختلف ناحيات المملكة، من قصبة تادلة إلى ناحية سلا والرباط، ممرّاً ببئر القصيري وأشغالها الكبرى. وأظهرت هذه المعلومات الإحصائية الدقيقة الأهمية البالغة التي كانت توليها الإدارة للرصد الاقتصادي وتتبّع المؤشّرات الفلاحية والتجارية، باعتبارها أدوات لا غنى عنها في تخطيط السياسات العمومية واتخاذ القرارات المناسبة.

إن قراءة هذه الوثيقة التاريخية اليوم، بعد أكثر من قرن على إصدارها، تُعزّز قناعتنا بأن النظام القانوني المغربي المعاصر يستند إلى تراكم تشريعي ثري ومتنوّع، يجب الحفاظ عليه وتثمينه واستلهام الدروس منه. كما تُذكّرنا بأن البناء المؤسّسي والقانوني لا يتمّ بين عشية وضحاها، بل هو ثمرة جهود متواصلة عبر عقود طويلة، وأن كلّ ما نتمتّع به اليوم من حقوق وحرّيات وضمانات قانونية إنّما هو نتاج هذه التراكمات التاريخية.

ولعلّ من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه القراءة، أهمية الحفاظ على الذاكرة القانونية للأمة من خلال توثيق النصوص التشريعية ورقمنتها وإتاحتها للباحثين والمهتمين. كما تبرز ضرورة الاستثمار في تكوين الأجيال الجديدة من الحقوقيين والمؤرّخين على نحو يجعلهم قادرين على التفاعل مع هذا التراث وتطوير منظومتنا القانونية انطلاقاً منه.

ومن جهة أخرى، تكشف هذه الوثيقة عن قدرة المُشرّع المغربي آنذاك على الموازنة بين متطلّبات الحداثة القانونية المستوردة من المدارس الأوروبية وضرورات الحفاظ على الخصوصية المغربية النابعة من الموروث الفقهي الإسلامي والممارسة الإدارية المخزنية. وهذا التوازن الدقيق هو ما جعل النصوص التشريعية الصادرة في تلك المرحلة قابلة للاستمرار والتكيّف مع التحوّلات اللاحقة، بل وتشكّل أرضية صلبة لتطوير المنظومة القانونية في مرحلة الاستقلال وما بعدها.

كما تستحضر هذه الوثيقة أهمية البعد الاقتصادي في التشريع، حيث لم يكتفِ المُشرّع بالجانب القانوني المجرّد، بل ربط النصوص التشريعية بالواقع الاقتصادي والاجتماعي للمملكة عبر تقارير دقيقة عن الأوضاع الفلاحية والتجارية. وهذا النهج التكاملي يُمثّل نموذجاً يمكن الاستفادة منه في صياغة السياسات العمومية المعاصرة.

في الختام، تظلّ الجريدة الرسمية المغربية في عددها 62 شاهداً على مرحلة تأسيسية مهمّة في تاريخ المغرب، وعلى الجهود التي بُذلت لإرساء قواعد دولة حديثة تتوفّر على منظومة قانونية متكاملة. وستظلّ هذه الوثيقة مرجعاً لا غنى عنه لكل من يريد أن يفهم كيف تطوّر النظام القانوني والإداري في المغرب، وكيف تأسّست مفاهيم الملك العام والمنفعة العامة وحماية الحقوق المكتسبة في مجتمعنا. ويبقى السؤال المطروح اليوم هو: كيف يمكن أن نُحسن استثمار هذا التراث الثري في بناء مستقبل قانوني أفضل، يستلهم من الماضي ما هو صالح ويضيف إليه ما يستجيب لتحدّيات الحاضر وتطلعات المستقبل؟

تحميل العدد 62  بتاريخ 10 يوليوز 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 17/05/2026
تحديث 17/05/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث