مقدمة
تُعدّ الجريدة الرسمية المغربية إحدى أهم المصادر الوثائقية التي تسجّل التحولات الإدارية والقانونية والاقتصادية التي عرفها المغرب عبر مراحله التاريخية المختلفة، وتمثّل العدد 61 الصادر بتاريخ 9 شعبان 1332 الموافق لـ 3 يوليوز 1914 وثيقة بالغة الأهمية لفهم البدايات الأولى لتأسيس الإدارة الحديثة في المغرب خلال الفترة الأولى من نظام الحماية الفرنسية. فهذا العدد، الذي يُمثّل السنة الثانية من إصدار الجريدة الرسمية تحت اسم "الجريدة الكبرى للدولة المعتنية الشريفة الكمربية"، يفتح أمامنا نافذة فريدة على التشريعات والقرارات الوزيرية التي رسمت ملامح الدولة المغربية الحديثة في بدايات القرن العشرين.
يحمل هذا العدد بين دفتيه مجموعة من الظهائر الشريفة والقرارات الوزيرية التي تتناول موضوعات متنوعة، تتراوح بين تنظيم سلك البوليس، وتعيين الموظفين الإداريين، وتأسيس المدرسة العليا بالرباط، والحفاظ على الآثار التاريخية، وتعيين تعويضات السكنى للمستخدمين المدنيين في مناطق الشاوية. كما يتضمن قسماً غير رسمي يقدم تقارير اقتصادية مفصلة عن الحالة التجارية والفلاحية في مختلف مناطق المغرب، مما يجعله مصدراً غنياً للباحثين في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب في تلك الحقبة المفصلية.
تكتسب دراسة هذا العدد أهمية مضاعفة لكونه يعكس مرحلة التأسيس الفعلي لمؤسسات الدولة الحديثة في المغرب، إذ صدر بعد سنتين فقط من توقيع معاهدة الحماية في 30 مارس 1912، وفي عهد المقيم العام الفرنسي ليوطي الذي يظهر توقيعه على معظم القرارات الواردة في هذا العدد. ومن خلال التحليل المعمّق لمحتويات هذا العدد، يمكننا استشفاف ملامح السياسة الإدارية والقانونية والاقتصادية التي سعت سلطات الحماية إلى تطبيقها على الأراضي المغربية، مع الحرص على إضفاء الطابع الشرعي عليها من خلال الإشارة المستمرة إلى السلطان والصدر الأعظم والظهائر الشريفة.
سنتناول في هذا المقال بالتحليل والدراسة المعمّقة جميع الوثائق والقرارات الواردة في هذا العدد التاريخي، مع تقديم قراءة سياقية تساعد على فهم خلفياتها ودلالاتها وآثارها على المسيرة التشريعية والإدارية للمغرب الحديث
.
تحميل العدد 61 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولا: الإطار العام للجريدة الرسمية في فترة الحماية الفرنسية
1.1. السياق التاريخي لإصدار الجريدة الرسمية
1.1.1. ميلاد الجريدة الرسمية في ظل نظام الحماية
شكّل توقيع معاهدة الحماية الفرنسية على المغرب في 30 مارس 1912 منعطفاً حاسماً في تاريخ المغرب الحديث، إذ فتح الباب أمام إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات الإدارية والقانونية والمالية للدولة المغربية. وكانت الحاجة ماسة إلى إنشاء أداة رسمية تتولى نشر القوانين والقرارات والمراسيم التي ستصدرها السلطات الجديدة، فجاء تأسيس الجريدة الرسمية ليلبي هذه الحاجة الملحّة. وقد بدأ إصدار الجريدة الرسمية المغربية في نونبر 1912، أي بعد أشهر قليلة من توقيع معاهدة الحماية، لتصبح المنبر الرسمي الذي تُنشر فيه كافة النصوص التشريعية والتنظيمية.
يُلاحظ من خلال العدد 61 موضوع الدراسة أن الجريدة كانت تصدر باللغة العربية وتحمل اسم "الجريدة الكبرى للدولة المعتنية الشريفة الكمربية"، وهي تسمية تعكس الطابع الرسمي للجريدة وارتباطها بالسلطة المركزية في المملكة الشريفة. كما يُلاحظ أن العدد يُشير إلى أنه من "السنة الثانية" من إصدار الجريدة، مما يؤكد أن الجريدة كانت في بداياتها الأولى، وأن نظام نشر القوانين والقرارات كان لا يزال في طور التشكّل والتأسيس.
1.1.2. الهيكل التحريري والتنظيمي للجريدة
تتكوّن الجريدة الرسمية وفق ما يتبيّن من العدد 61 من قسمين أساسيين: القسم الرسمي الذي يضم الظهائر الشريفة والقرارات الوزيرية والتعيينات الإدارية، والقسم غير الرسمي الذي يتضمن الأخبار والإعلامات من جانب مصلحة الدروس الاقتصادية. وهذا التقسيم يعكس الفلسفة التي قامت عليها الجريدة، والتي تجمع بين الوظيفة التشريعية الرسمية والوظيفة الإعلامية الاقتصادية والاجتماعية، بهدف توفير مادة شاملة للمسؤولين والإداريين والتجار على حد سواء.
تصدر الجريدة من مدينة الرباط، التي كانت قد أصبحت العاصمة الإدارية للحماية الفرنسية، ويتم توزيعها عبر إدارة الجريدة الرسمية بالرباط وكذلك عبر جميع بنيقات (مكاتب) البوسطة بالمغرب. وقد حُدّدت قيمة الاشتراك السنوي في 10 فرنكات داخل المملكة الشريفة و15 فرنكاً خارجها، فيما حُدّدت قيمة الاشتراك لستة أشهر في 6 فرنكات داخلياً و8 فرنكات خارجياً، ولثلاثة أشهر في 3,50 فرنك داخلياً و4,50 فرنك خارجياً. ويبلغ ثمن النسخة الواحدة عشرين سنتيماً، وهي أسعار تعكس طبيعة الفترة الاقتصادية التي صدرت فيها الجريدة.
1.2. أهمية الجريدة الرسمية كمصدر تاريخي
1.2.1. الجريدة الرسمية كمرآة للتحولات الإدارية
تشكّل الجريدة الرسمية، وخاصة الأعداد الصادرة في السنوات الأولى من الحماية، مصدراً لا غنى عنه لفهم التحولات العميقة التي شهدتها الإدارة المغربية. فمن خلال متابعة القرارات الوزيرية والظهائر الشريفة المنشورة فيها، يمكن للباحث أن يُتابع خطوة بخطوة عملية بناء المؤسسات الحديثة، من تنظيم سلك البوليس، إلى تأسيس المدارس العليا، مروراً بإحداث المجالس الاستشارية كمجلس العلماء الأعلى.
ويُلاحظ أن العدد 61 يُقدم نموذجاً مثالياً لهذا التنوع، إذ يحتوي على قرارات تمسّ مجالات متعددة، ابتداءً من التعيينات في سلك البوليس وانتهاءً بتنظيم تعويضات السكنى للمستخدمين المدنيين. وهذا التنوع يعكس حجم العمل التشريعي والتنظيمي الذي كانت تقوم به السلطات في تلك الفترة، والذي كان يهدف إلى بناء إدارة حديثة قادرة على تسيير شؤون البلاد بكفاءة.
1.2.2. الجريدة الرسمية كأداة للشفافية والإعلام القانوني
من المبادئ الأساسية لدولة القانون الحديثة مبدأ نشر القوانين والإعلام بها، حتى يتسنى للمواطنين والمسؤولين الاطلاع عليها والعمل بمقتضياتها. وقد جسّدت الجريدة الرسمية هذا المبدأ منذ بدايات تأسيسها، حيث كانت تنشر القرارات والظهائر بشكل منتظم، مع توفير معلومات تفصيلية عن تواريخ صدورها والجهات المسؤولة عن إصدارها.
كما يُلاحظ أن جميع القرارات المنشورة في العدد 61 تحمل توقيع المقيم العام ليوطي مع عبارة "اطلع عليه المقيم العام واذن بنشره"، مما يعكس النظام الإداري المزدوج الذي كان قائماً في تلك الفترة، حيث كانت القرارات تصدر باسم السلطان المغربي ولكن بإذن وتوقيع من المقيم العام الفرنسي، وهو ما يُعد سمة من سمات نظام الحماية الذي يجمع بين الحفاظ على المظاهر السيادية للدولة المغربية والسيطرة الفعلية للسلطات الفرنسية.
ثانيا: تحليل القرارات الوزيرية المتعلقة بتنظيم سلك البوليس
2.1. القرار الوزيري المتعلق بتولية بعض موظفي إدارات البوليس
2.1.1. سياق صدور القرار وأهدافه
يُمثّل القرار الوزيري المتعلق بتولية بعض موظفي إدارات البوليس بالإيالة الشريفة أحد أهم القرارات المنشورة في العدد 61، إذ يعكس جهود السلطات في تأسيس جهاز أمني حديث قادر على ضمان النظام العام والأمن في المدن المغربية. وقد صدر هذا القرار بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ بسادس شوال عام 1331 الموافق للثامن من سبتمبر سنة 1913، المتعلق بتأسيس إدارة البوليس العام بالإيالة الشريفة.
يأتي هذا القرار في سياق التحولات العميقة التي شهدها جهاز الأمن في المغرب في بدايات عهد الحماية، حيث كان يتم استبدال البنيات التقليدية للأمن، كالعسة (الحرس الليلي) والمخزن، بأجهزة حديثة مهيكلة على النمط الأوروبي، مع الحفاظ على بعض الخصوصيات المحلية. وقد كانت الحاجة ملحّة إلى توفير كادر بشري مؤهل لتسيير هذه الأجهزة الجديدة، مما استلزم القيام بعمليات تعيين وترقية منتظمة.
2.1.2. تفاصيل الترقيات والتعيينات الواردة في القرار
يتضمن القرار جملة من الترقيات في صفوف الموظفين العاملين في إدارات البوليس، يمكن تلخيصها على النحو التالي:
أولاً، تمت ترقية السيد لوي مرسيل الكوميسار من الرتبة الثالثة إلى الرتبة الثانية، وهي ترقية تعكس التطور المهني لهذا الموظف وحصوله على مستوى أعلى من المسؤولية في الجهاز الأمني. ثانياً، تمت ترقية السيد ريفي جوزيف لوي امنويل الكوميسار من الرتبة الرابعة إلى الرتبة الثالثة، وهو ما يدل على وجود نظام واضح للترقيات في سلك البوليس يستند إلى معايير محددة. ثالثاً، تمت ترقية السيد كيلي ارنستيد الكوميسار من الرتبة الخامسة إلى الرتبة الرابعة، مما يؤكد استمرار نفس المنطق التراتبي في الترقيات.
رابعاً، تمت ترقية السيد فري فيكتوريان كاتب البوليس من الرتبة الثانية إلى الرتبة الأولى، وهو ما يكشف عن وجود فئة من الكتاب داخل سلك البوليس لهم تراتبية خاصة. وأخيراً، تمت ترقية السيد أمنيين شارل أوكيست الفرنس عون البوليس من الرتبة الأولى إلى رتبة برغادي البوليس (أي مقدماً) من الرتبة الثانية، وهو ما يدل على إمكانية الانتقال بين مختلف الرتب والوظائف داخل سلك البوليس.
2.1.3. دلالات هذه التعيينات والترقيات
تكشف هذه التعيينات والترقيات عن عدة دلالات مهمة. أولاً، يُلاحظ هيمنة الأسماء الفرنسية على المناصب القيادية في سلك البوليس، وهو ما يعكس واقع الحماية الفرنسية التي كانت تسعى إلى السيطرة على الأجهزة الحساسة كالأمن والقضاء. ثانياً، يدل وجود نظام واضح للرتب (من الرتبة الأولى إلى الرتبة الخامسة على الأقل) على درجة عالية من التنظيم البيروقراطي في الإدارة الأمنية، مما يُمثل تحديثاً جذرياً مقارنة بالأنظمة التقليدية السابقة.
ثالثاً، صدر هذا القرار في 17 جمادى الثانية 1332 الموافق 13 ماي 1914، أي قبل أقل من شهرين من تاريخ نشر العدد، مما يعكس النشاط التشريعي والتنظيمي المكثف الذي كانت تشهده تلك الفترة. ووقّع على القرار محمد بن محمد الجباس بصفته الصدر الأعظم، فيما اطلع عليه المقيم العام ليوطي وأذن بنشره، وهو النموذج المعتاد للقرارات في تلك الفترة.
2.2. القرار الوزيري الخاص بتعيين السيد بيار مالوري
2.2.1. ملابسات التعيين وأهميته
يُكمل هذا القرار، الذي يحمل عنوان "قرار وزيري يعين المسيو مالوري بيار الكميسار المعاون بالبوليس العام كميسار بوليس رسميا من الرتبة السابعة"، مسلسل الإصلاحات في جهاز البوليس. ويتعلق الأمر بترسيم وضعية موظف معين في وظيفته بصفة رسمية، بعد أن كان يشغلها بصفة معاون. وهذا الإجراء يكشف عن وجود فترة تجريبية أو فترة معاونة قبل الترسيم النهائي في الوظيفة، وهو ما يُعد ممارسة إدارية حديثة تهدف إلى التأكد من كفاءة الموظف قبل ترسيمه.
صدر هذا القرار بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331 الموافق للثامن عشر من أبريل سنة 1913، في شأن تنظيم أحزاب (أصناف) الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة، وبمقتضى القرار الوزيري المؤرخ بسادس شوال عام 1331 الموافق للثامن من سبتمبر عام 1913 المتعلق بتأسيس إدارة البوليس العام بالإيالة الشريفة. ويُلاحظ هنا التشابك بين النصوص التشريعية، حيث يستند القرار الجديد إلى نصوص سابقة، مما يعكس وجود منظومة قانونية متكاملة في طور البناء.
2.2.2. تفاصيل القرار ومحتواه
ينص القرار في فصله الفريد على أن المسيو بيار مالوري الكوميسار المعاون بالبوليس العام قد أقرّ على وظيفته وعُيّن رسمياً كوميسار البوليس من الرتبة السابعة، وذلك ابتداءً من فاتح أبريل سنة 1914. ويُلاحظ أن الرتبة السابعة هي رتبة متقدمة في التراتبية، مما قد يُفسّر بأن نظام الرتب في ذلك الوقت كان يبدأ من الرتب الأعلى ثم يتدرج إلى الأدنى، أو أن هناك خصوصية في تصنيف الرتب بين الكوميسار والكوميسار المعاون.
حُرّر القرار بالرباط في 22 جمادى الثانية 1332 الموافق للثامن عشر من ماي سنة 1914، ووقّع عليه محمد بن محمد الجباس الصدر الأعظم، واطلع عليه المقيم العام ليوطي وأذن بنشره. ويُلاحظ أن هذا القرار صدر في نفس الفترة التي صدر فيها القرار السابق المتعلق بالترقيات، مما يدل على وجود حركة إدارية مكثفة في تلك الأسابيع، وأن السلطات كانت منهمكة في استكمال هيكلة الأجهزة الإدارية.
2.3. الأبعاد المؤسساتية لإصلاح جهاز البوليس
2.3.1. التحديث الإداري للجهاز الأمني
تكشف القرارات المتعلقة بسلك البوليس في العدد 61 عن منهجية متكاملة لتحديث الجهاز الأمني في المغرب. فبدلاً من الاعتماد على الأنظمة التقليدية المتمثلة في المخزن والعسة، تم تأسيس جهاز بوليس حديث له تراتبية واضحة (كوميسار، كوميسار معاون، كاتب البوليس، عون البوليس، برغادي)، مع نظام رتب متعدد (من الأولى إلى السابعة على الأقل). هذا التحديث يندرج ضمن المشروع الأوسع لبناء دولة حديثة على النمط الأوروبي.
ويُلاحظ أن هذه الإصلاحات كانت تعتمد على المرجعية الفرنسية بشكل واضح، سواء من حيث الأسماء (التي تكشف عن هوية فرنسية لمعظم المسؤولين)، أو من حيث المصطلحات المستعملة (كوميسار، برغادي، عون)، أو من حيث التراتبية الإدارية. وهذا التأثير الفرنسي العميق يعكس الطبيعة الفعلية لنظام الحماية، حيث كانت السلطات الفرنسية هي الفاعل الحقيقي في بناء المؤسسات الحديثة، رغم الإطار الشرعي المغربي الذي كانت تكتسي به القرارات.
2.3.2. التحديات والآفاق
رغم أهمية هذه الإصلاحات، إلا أنها كانت تواجه تحديات عديدة. أولاً، تحدي ضعف التمغرب في الأجهزة الأمنية، حيث كانت الكفاءات المحلية القادرة على شغل المناصب القيادية شحيحة، مما استدعى الاعتماد على الموظفين الفرنسيين. ثانياً، تحدي تكييف النموذج الفرنسي مع الواقع المغربي، الذي كان يتسم بخصوصيات اجتماعية وثقافية وقانونية مختلفة. ثالثاً، تحدي بناء الثقة بين الجهاز الجديد والسكان المحليين، الذين كانوا لا يزالون مرتبطين بالأنظمة التقليدية.
ومع ذلك، فإن هذه الإصلاحات الأولى رسمت الإطار العام للجهاز الأمني المغربي، وأرست أسساً ستظل قائمة لعقود طويلة. ويمكن القول إن البنية التحتية المؤسساتية للأمن في المغرب الحديث قد تشكّلت في تلك السنوات الأولى من الحماية، مع كل ما رافق ذلك من إيجابيات وسلبيات.
ثالثا: قرار تعيين تعويضات السكنى ومواجهة غلاء المعيشة
3.1. الإطار العام للقرار الوزيري المتعلق بالتعويضات
3.1.1. أسباب صدور القرار ومبرراته
يُمثّل القرار الوزيري المتعلق بتعيين التعويضات في مقابلة غلاء أسعار المعيشة المنفذة للمستخدمين بناحية بولو وبناحية بوشرون من المراقبة المدنية بالشاوية أحد القرارات المهمة في العدد 61، إذ يكشف عن إدراك السلطات لظاهرة غلاء المعيشة في بعض المناطق، وحرصها على دعم الموظفين العاملين فيها. وقد بُني هذا القرار على الفصل الثاني من الظهير الشريف المؤرخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331 الموافق للثامن عشر من أبريل سنة 1914 المتعلق بتعيين التعويضات في مقابلة غلاء أسعار المعيشة المنفذ للمستخدمين المدنيين بالإيالة الشريفة.
تكتسب هذه التعويضات أهمية خاصة في سياق تلك الفترة، حيث كانت بعض المناطق تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار بسبب عوامل متعددة، منها بُعد هذه المناطق عن المراكز الحضرية الكبرى، وصعوبة الوصول إليها، وضعف البنية التحتية. وقد كان هذا الغلاء يُشكّل عائقاً أمام استقطاب الموظفين الكفاءات للعمل في هذه المناطق، مما استدعى التفكير في آلية تعويض تشجّع على القبول بهذه الوظائف.
3.1.2. المناطق المعنية بالقرار
يحدد القرار المناطق المعنية بصرف هذه التعويضات، وهي ناحية "بولو" وناحية "بوشرون" التابعتان للمراقبة المدنية بالشاوية. وتُعد منطقة الشاوية من أهم المناطق الفلاحية في المغرب، وقد عرفت تطوراً ملحوظاً في فترة الحماية بسبب أهميتها الاقتصادية. ومع ذلك، فإن بعض النواحي داخل هذه المنطقة، كبولو وبوشرون، كانت تعاني من صعوبات في الحصول على المواد الأساسية، مما جعل غلاء المعيشة فيها أعلى من المعدل العام.
وتنصّ المادة الأولى من القرار على أن "تعد ناحية بولو وناحية بوشرون من المراقبة المدنية بالشاوية من القسمة الثالثة المعينة بالظهير الشريف المؤرخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331 الموافق للثامن عشر من أبريل المشار إليه أعلاه وذلك من فاتح ماي سنة 1914 والسلام". وهذا التحديد الدقيق يكشف عن وجود تصنيف للمناطق إلى أقسام متعددة بحسب درجة غلاء المعيشة فيها، مع تخصيص تعويضات مختلفة لكل قسم.
3.2. آليات تطبيق نظام التعويضات
3.2.1. التصنيف إلى أقسام والآثار المترتبة عنه
يكشف القرار عن وجود نظام مفصّل لتصنيف المناطق حسب درجة الغلاء، حيث تم تصنيف منطقتي بولو وبوشرون ضمن "القسمة الثالثة"، مما يعني أن الموظفين العاملين فيهما سيستفيدون من تعويضات بقيمة محددة وفق هذه القسمة. ولا شك أن هذا التصنيف كان يأخذ بعين الاعتبار عدة عوامل، منها متوسط الأسعار في المنطقة، وبعدها عن المراكز الحضرية، وصعوبة الوصول إليها، وكلفة المعيشة فيها مقارنة بالمناطق الأخرى.
ويمكن أن نستنتج من هذا التصنيف أن نظام التعويضات كان نظاماً متدرّجاً ومرناً، يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل منطقة، ولا يُطبّق نفس النسبة من التعويضات على جميع الموظفين بشكل آلي. وهذا النهج يعكس درجة عالية من النضج الإداري والوعي بالفوارق المجالية، وهو ما يُعد إنجازاً مهماً في تلك الفترة المبكرة من بناء الإدارة الحديثة.
3.2.2. تاريخ سريان القرار وامتداده
تجدر الإشارة إلى أن القرار يدخل حيز التنفيذ من فاتح ماي سنة 1914، أي قبل تاريخ نشره في الجريدة الرسمية بأكثر من شهر. وهذا التطبيق بأثر رجعي يكشف عن حرص السلطات على عدم حرمان الموظفين من حقوقهم في التعويض، حتى لو تأخر نشر القرار رسمياً. كما أنه يدل على أن هذه التعويضات كانت تمثّل استحقاقاً مالياً مهماً للموظفين، وأن السلطات كانت تسعى إلى تطبيقها بفعالية وعدالة.
حُرّر هذا القرار بالرباط في 19 رجب 1332 الموافق 14 يونيو سنة 1914، ووقّعه محمد بن محمد الجباس، واطلع عليه المقيم العام ليوطي وأذن بنشره في الرباط في 26 جوان سنة 1914. ويُلاحظ من هذه التواريخ أن هناك فترة زمنية تفصل بين صدور القرار ونشره، تمتد لأكثر من أسبوع، وهو ما يعكس البطء النسبي في إجراءات النشر في تلك الفترة، مع الأخذ بعين الاعتبار محدودية وسائل النشر المتاحة.
3.3. الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لقرار التعويضات
3.3.1. حماية القدرة الشرائية للموظفين
يكشف هذا القرار عن وعي مبكر لدى السلطات بأهمية حماية القدرة الشرائية للموظفين العاملين في الإدارات العمومية، خاصة في المناطق التي تشهد ارتفاعاً في أسعار المعيشة. فبدون مثل هذه التعويضات، كان من الممكن أن يتعرض الموظفون لتراجع كبير في مستواهم المعيشي، مما قد يؤثر سلباً على أدائهم المهني وعلى استقرارهم في وظائفهم. كما أن نظام التعويضات يُمثل آلية مالية ذكية تجمع بين العدالة (تعويض الموظفين عن الأعباء الإضافية) والمرونة (تكييف التعويضات حسب طبيعة كل منطقة).
3.3.2. تطوير المناطق النائية وجذب الكفاءات
من جهة أخرى، يُمثّل نظام التعويضات أداة فعّالة لتطوير المناطق النائية وتشجيع الكفاءات على العمل فيها. فبدون حوافز مالية كافية، كان من الصعب جذب الموظفين المؤهلين إلى المناطق البعيدة كناحيتي بولو وبوشرون، حيث الصعوبات أكثر والخدمات أقل. وبالتالي، فإن هذا القرار يندرج ضمن سياسة أشمل تهدف إلى ضمان حضور الإدارة في جميع أنحاء المغرب، بما في ذلك المناطق الريفية والبعيدة عن المراكز الحضرية الكبرى.
رابعا: قرار البحث في تقييد صومعة حسان في الآثار التاريخية
4.1. الأهمية التاريخية والثقافية لصومعة حسان
4.1.1. صومعة حسان رمز تاريخي للمغرب
تُعد صومعة حسان واحدة من أبرز المعالم التاريخية في المغرب، وتعود إلى عهد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور (1184-1199م)، الذي كان يخطط لبناء مسجد ضخم يُعد من أكبر المساجد في العالم الإسلامي. وقد توقّفت أشغال بناء المسجد بعد وفاة المنصور، تاركة وراءها الصومعة الشامخة وبقايا الأعمدة التي لا تزال تشهد على عظمة المشروع الذي لم يكتمل. وتقع الصومعة في مدينة الرباط، وتُمثّل اليوم أحد أهم الرموز التاريخية والمعمارية للمغرب.
ومن هذا المنطلق، فإن القرار الوزيري في شأن البحث عن تقييد صومعة حسان في عدد الأبنية التاريخية، الوارد في العدد 61، يكتسب أهمية بالغة، إذ يُمثّل اعترافاً رسمياً بالقيمة التاريخية والثقافية لهذا المعلم، ويُعد خطوة أولى نحو حمايته والحفاظ عليه من الإهمال والتدمير.
4.1.2. سياق القرار وأهدافه
صدر القرار بمقتضى الفصول الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر من الظهير الشريف الصادر في السابع عشر من ربيع الأول عام 1332 الموافق للثالث عشر من فبراير سنة 1914. وبناءً على طلب مدير إدارة الآثار القديمة والفنون الجميلة والأبنية التاريخية، تقرر إجراء البحث في شأن الطلب الراجع إلى تقييد صومعة حسان وما عد منها في الأبنية التاريخية المحمية بمقتضى القانون.
ويُلاحظ هنا وجود تنسيق مؤسساتي واضح بين إدارة الآثار القديمة والفنون الجميلة من جهة، والسلطات التشريعية من جهة أخرى. فإدارة الآثار هي التي تقدم الطلب بناءً على دراسات تقنية وعلمية، ثم تتدخل السلطات التشريعية لإصدار القرارات اللازمة لحماية المعالم التاريخية. وهذا التعاون المؤسساتي يُعد نموذجاً متطوراً في إدارة التراث، ويعكس درجة عالية من الوعي بأهمية الحفاظ على الموروث الحضاري.
4.2. المحتوى التفصيلي للقرار
4.2.1. تحديد المناطق المحمية والحرم الأثري
ينص القرار في فصله الأول على أن البحث يجري في شأن الطلب الراجع إلى تقييد صومعة حسان، مع تحديد المناطق المحيطة بها التي تشكّل الحرم الأثري للمعلم. ويصف القرار بقايا الجامع نفسها التي تحدها بقايا جدران ملوّنة على الخريطة المضافة لهذا القرار بلون أحمر، وهذه البقايا تتألف من الصومعة والأعمدة والجدران كما ذلك في الباب الأول من الظهير الشريف الصادر في السابع عشر من ربيع الأول عام 1332.
ثم يصف القرار المنطقة المحيطة بالصومعة، حيث يحدد أن "يتمشى طبق الباب الثاني من الظهير المشار له فيما يتعلق بالمنطقة التي تحوط المسافة المذكورة على دائرة 52 متراً شمالاً وغرباً وجنوباً وخمسة عشر متراً فقط شرقاً". هذا التحديد الدقيق للمسافات يكشف عن منهجية علمية في حماية المعالم التاريخية، تأخذ بعين الاعتبار محيط المعلم وامتداده.
4.2.2. ضوابط البناء داخل المنطقة المحمية
يضع القرار جملة من الضوابط الصارمة للبناء داخل المنطقة المحمية، يمكن تلخيصها على النحو التالي. أولاً، يجب ألا يكون علو البناءات التي تحدث فيها أكثر من ثمانية أمتار. ثانياً، يجب أن يكون لها سطح، وأن تُبيض كلها بالجير، مما يحافظ على الانسجام البصري مع المعلم التاريخي. ثالثاً، يجب أيضاً قبل الشروع في البناء أن تدفع اللوائح المتعلقة بذلك إلى إدارة الفنون الجميلة لتوافق عليها، وهو ما يُمثل إجراءً وقائياً يضمن عدم الإضرار بالمعلم.
كما يحدد القرار منطقة أخرى تحدها شمالاً المنطقة السابقة، وغرباً امتداد مع الحد الغربي من المنطقة السابقة، ويحدها جنوباً خط مستقيم متوازٍ للحدود الجنوبية من المناطق السابقة. وفي هذه المنطقة، يمكن لإدارة الفنون الجميلة أن تسمح بإحداث أبنية يكون علوها أكثر من ثمانية أمتار، مما يكشف عن وجود مرونة في النظام، حيث تتدرج درجات الحماية حسب القرب من المعلم التاريخي.
4.3. الأبعاد القانونية والإدارية للقرار
4.3.1. تأسيس منظومة قانونية لحماية التراث
يندرج هذا القرار ضمن مشروع أشمل لتأسيس منظومة قانونية متكاملة لحماية التراث المغربي. فقبل صدور الظهير الشريف لـ 17 ربيع الأول 1332 (13 فبراير 1914)، لم يكن هناك إطار قانوني واضح لحماية الآثار التاريخية في المغرب، مما كان يعرضها لمخاطر الإهمال والتلف والتغيير غير المدروس. وبصدور هذا الظهير والقرارات التطبيقية التي تلته، أصبح بالإمكان وضع المعالم التاريخية تحت حماية القانون، وفرض ضوابط على التدخلات العمرانية في محيطها.
ويُلاحظ أن الفصل الثاني من القرار ينص على أنه "يمكن لكل من له علاقة بهذا الأمر أن يدي ملاحظاته بشأن التقييد المذكور بواسطة الكاتب العام للحكومة الشريفة المكلف بهذا الشأن". وهذا النص يكشف عن وجود مبدأ التشاور والإشراك في عملية التقييد، حيث يُتاح لجميع المعنيين فرصة الإدلاء بملاحظاتهم قبل اتخاذ القرار النهائي. وهذا المبدأ يُعد إنجازاً ديمقراطياً وإدارياً مهماً، يعكس تطور المفاهيم الإدارية في تلك الفترة.
4.3.2. المسؤولية التنفيذية والمتابعة
ينص الفصل الثالث من القرار على أنه "يكلف بتنفيذ هذا القرار الكاتب العام للحكومة الشريفة". وهذا التحديد للجهة المسؤولة عن التنفيذ يُمثل ضماناً لتطبيق القرار على أرض الواقع، ويُسهّل عملية المتابعة والمساءلة. كما أنه يعكس وجود نظام إداري واضح، يحدد الصلاحيات والمسؤوليات بدقة، وهو ما يُعد من ركائز الإدارة الحديثة.
حُرّر القرار بالرباط في التاسع عشر من رجب 1332 الموافق للرابع عشر من يونيو سنة 1914، ووقّعه محمد بن محمد الجباس، واطلع عليه المقيم العام ليوطي وأذن بنشره في 26 جوان سنة 1914. ويُلاحظ أن هذا القرار يتشابه مع القرار السابق المتعلق بالتعويضات في تاريخ النشر، مما يدل على وجود دفعة واحدة من النشر في تلك الفترة.
خامسا: قرار تعيين كاتب بمجلس العلماء الأعلى
5.1. مجلس العلماء الأعلى: نشأته وأدواره
5.1.1. السياق التاريخي لإحداث المجلس
يُعد مجلس العلماء الأعلى إحدى المؤسسات التقليدية في المغرب، التي تجمع بين الطابع الديني والاستشاري. وقد أحدث المجلس في إطار الإصلاحات التي شهدها المغرب في بدايات القرن العشرين، بهدف تأطير الشأن الديني والإفتائي، وتوحيد المرجعية الدينية في الدولة. ويتألف المجلس من كبار العلماء والفقهاء الذين يتمتعون بمكانة علمية وأخلاقية رفيعة، ويُكلفون بالنظر في القضايا الدينية الكبرى وتقديم الفتاوى والآراء الشرعية.
ويعكس وجود قرار وزيري يتعلق بتعيين كاتب بمجلس العلماء الأعلى، كما هو وارد في العدد 61، أهمية المجلس في المنظومة المؤسساتية المغربية. فالكتابة في مثل هذا المجلس ليست مجرد وظيفة إدارية، بل هي مهمة حساسة تتطلب كفاءات علمية ولغوية وإدارية متميزة، نظراً لطبيعة القضايا التي يتناولها المجلس وأهمية توثيقها بدقة.
5.1.2. القرار الوزيري في شأن تعيين الكاتب
صدر القرار الوزيري في شأن تعيين كاتب بمجلس العلماء الأعلى بمقتضى الفصل الثالث من الظهير الشريف المؤرخ بالحادي والعشرين من شهر محرم الحرام عام 1332. وينص القرار على أمرين أساسيين:
أولاً، الفصل الأول: قد ولي السيد عبد الله القباج كاتباً بمجلس العلماء الأعلى. وهذا التعيين يكشف عن وجود نظام واضح للتعيينات في المؤسسات الدينية والاستشارية، يستند إلى قرارات وزيرية رسمية تنشر في الجريدة الرسمية. كما يُلاحظ أن التعيين تم لشخصية مغربية (السيد عبد الله القباج)، وهو ما يعكس وجود مجال للكفاءات المغربية في المؤسسات التقليدية، خلافاً للأجهزة الحديثة كالبوليس التي كانت تهيمن عليها الكفاءات الفرنسية.
ثانياً، الفصل الثاني: ينفذ له عن هذا الوظيف راتب شهري قدره خمس بسائط بسيطة حسنية. وهذا التحديد الواضح للراتب يكشف عن وجود نظام مالي منظم في الإدارة المغربية، حيث تُحدد المرتبات بدقة وتُعتمد العملة المحلية ("البسيطة الحسنية") كأداة للدفع. وقد حُرّر القرار بالرباط في فاتح يونيو سنة 1914، ووقّعه محمد بن محمد الجباس، واطلع عليه المقيم العام ليوطي وأذن بنشره في 26 جوان سنة 1914.
5.2. دلالات التعيين والإطار المؤسساتي
5.2.1. الحفاظ على المؤسسات التقليدية
يكشف هذا القرار عن استمرار الحفاظ على المؤسسات الدينية والتقليدية المغربية، رغم التحديث الجذري الذي كانت تشهده الإدارة في تلك الفترة. فبينما تم إحداث أجهزة جديدة كالبوليس والإدارات الحديثة، فإن المؤسسات التقليدية كمجلس العلماء الأعلى لم تُلغَ، بل تم تعزيزها وتنظيمها بشكل أفضل. وهذا التوازن بين القديم والجديد يُعد من أبرز سمات السياسة الإدارية في فترة الحماية، حيث كانت السلطات الفرنسية حريصة على الحفاظ على المظاهر التقليدية للدولة المغربية مع تطبيق إصلاحات تحديثية في القطاعات الحساسة.
5.2.2. الاعتراف بالكفاءات المغربية
من الجوانب المهمة لهذا القرار الاعتراف الرسمي بالكفاءات المغربية في المجالات الدينية والعلمية. فالسيد عبد الله القباج هو شخصية مغربية تم تعيينها كاتباً في مجلس العلماء الأعلى، وهو ما يدل على وجود فضاءات يتم فيها الاعتماد على الكفاءات المحلية بدلاً من الاستعانة بالموظفين الأجانب. كما أن وجود راتب شهري محدد لهذه الوظيفة يكشف عن الاعتراف بأهمية هذه الوظيفة ومكانتها في المنظومة الإدارية.
سادسا: قرار تعيين رسوم الدخول في امتحانات المدرسة العليا بالرباط
6.1. تأسيس المدرسة العليا بالرباط
6.1.1. السياق التاريخي للمدرسة وأهميتها
تُعد المدرسة العليا بالرباط واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية التي أُسست في المغرب خلال فترة الحماية الفرنسية. وقد جاءت هذه المؤسسة استجابة للحاجة المتزايدة إلى تكوين الكفاءات المؤهلة للعمل في الإدارات العمومية والقطاعات المختلفة. وكانت المدرسة تُقدم تكويناً متخصصاً يجمع بين المعارف الحديثة والعلوم التقليدية، مما يجعل خريجيها قادرين على ربط الجسر بين الإدارة الحديثة والمجتمع المغربي.
يتضمن العدد 61 من الجريدة الرسمية قراراً مهماً في شأن تعيين القدر الذي يجب دفعه على كل من أراد الدخول في الامتحان ليحوز الإجازات والشهادات التي تنحها المدرسة العليا بالرباط. ويكشف هذا القرار عن تطور النظام التعليمي في تلك الفترة، حيث أصبحت هناك امتحانات منظمة وشهادات معترف بها، مع وجود رسوم دخول تشكّل أحد مصادر تمويل المؤسسة.
6.1.2. أنواع الشهادات والإجازات المعنية
يُحدد الفصل الأول من القرار خمسة أنواع من الشهادات والإجازات التي تنحها المدرسة العليا، وهي على التوالي: أولاً، شهادة ابتدائية بمعرفة اللغة العربية الدارجة؛ ثانياً، شهادة ثنوية بمعرفة اللغة العربية؛ ثالثاً، إجازة بمعرفة اللغة العربية؛ رابعاً، شهادة ثنوية بمعرفة اللغة البربرية؛ خامساً، إجازة بمعرفة اللهجات البربرية.
ويكشف هذا التنوع في الشهادات عن عدة جوانب مهمة. أولاً، الاهتمام البالغ بتعليم اللغات العربية والبربرية، باعتبارهما اللغتين الأساسيتين في المجتمع المغربي. ثانياً، التدرج في مستويات الشهادات (من الابتدائية إلى الإجازة)، مما يعكس وجود نظام تعليمي متكامل يمتد من المستوى الأدنى إلى المستوى الأعلى. ثالثاً، التمييز بين اللغة العربية والبربرية، مع الاعتراف بأهمية كلتيهما في التكوين الإداري. رابعاً، التمييز بين "اللغة العربية" بشكل عام و"اللغة العربية الدارجة"، مما يدل على وعي بالخصوصيات اللغوية للمجتمع المغربي.
6.2. شروط وإجراءات الدخول للامتحان
6.2.1. الشروط الواجب توفرها في المرشحين
يحدد الفصل الأول من القرار أنه "يجب على كل من أراد الدخول في الامتحان لحيازة الشهادات والاجازات المذكورة اعلاه أن يحضر الأوراق الواجبة قانوناً ثم يجوز من مدير المدرسة العليا بالرباط شهادة تدل على أنه يقيد في المناظرة". وهذا الشرط يكشف عن وجود إجراءات إدارية واضحة لقبول المترشحين، مع ضرورة تقديم الوثائق المطلوبة قانوناً، والحصول على شهادة من مدير المدرسة تثبت قيد المرشح في الامتحان.
كما ينص الفصل الثاني على أنه "اذا حاز طالب الامتحان شهادة تقييده يجب عليه أن يمتثل القواعد المبينة في الفصل الثاني من القرار الوزيري الصادر في تأسيس الامتحان بالمدرسة العليا بالرباط المؤرخ في الخامس عشر من مارس عام 1914". ويُلاحظ هنا الإشارة إلى قرار وزيري سابق يُحدد قواعد الامتحان، مما يدل على وجود منظومة قانونية متكاملة تُؤطر التعليم العالي في تلك الفترة.
6.2.2. الرسوم المالية المستحقة
يحدد القرار رسوم الامتحان بدقة على النحو التالي: عشرون فرنكاً على الشهادة الابتدائية بمعرفة اللغة العربية الدارجة؛ خمسة وعشرون فرنكاً على الشهادة الثنوية بمعرفة اللغة العربية وعلى الشهادة الثنوية بمعرفة اللغة البربرية؛ خمسون فرنكاً على الإجازة بمعرفة اللغة العربية وعلى الإجازة بمعرفة اللهجات البربرية.
ويعكس هذا التدرج في الرسوم منطقاً واضحاً، حيث ترتفع الرسوم بارتفاع مستوى الشهادة. وتُدفع هذه الرسوم للخازن العام للحماية الفرنساوية أو لأحد القابضين المخصوصين بالمالية في الإيالة الشريفة. ثم يحوز المرشح توصيلاً مقتطعاً من كناش ذي رقعات بعد تسليم شهادة تقييده بيد الخازن العام لتكون له حجة لقبض ما ذكر.
6.3. الإعفاءات والإجراءات الخاصة
6.3.1. الإعفاءات المقررة
ينص الفصل الرابع من القرار على وجود إعفاءات لبعض الفئات، حيث "يعفى من دفع الاداءات المذكورة التلامذة المترجمون المدنيون الذين لا زالوا يقرأون اللغتين الغربية والبربرية بالمدرسة العليا بالرباط وذلك بمقتضى ما نص عليه بالفقرة الثانية من الفصل الحادي عشر من القرار الوزيري المذكور". وهذا الإعفاء يكشف عن سياسة تشجيعية تجاه فئة المترجمين، الذين كانوا يلعبون دوراً محورياً في الإدارة بحكم إتقانهم للغات.
ويعكس هذا الإعفاء أيضاً وعي السلطات بأهمية تكوين المترجمين، الذين كانوا يشكّلون حلقة الوصل بين الإدارة الفرنسية والمجتمع المغربي. فبدون مترجمين أكفاء، كان من المستحيل تطبيق سياسات الحماية على أرض الواقع، مما جعل تكوينهم أولوية استراتيجية.
6.3.2. استرجاع الرسوم في حالات معينة
ينص الفصل الخامس على إمكانية استرجاع بعض الرسوم في حالات معينة: "يرجع البعض من الاداءات المذكورة لمن لم يقبل في الامتحان بعد انتهائه وذلك بمقتضى الفصل الثاني عشر من القرار المذكور على الكيفية الآتية: ثلاثون فرنكاً لمن طلب اجازة في اللغة العربية ولمن طلب اجازة بمعرفة اللهجات البربرية، وخمسة عشر فرنكاً لمن طلب شهادة ثنوية، وعشرة فرنكات لمن طلب شهادة ابتدائية".
وهذا النظام في استرجاع الرسوم يكشف عن وعي بمبدأ العدالة، حيث لا يُحرم المرشح غير الناجح من جميع أمواله المدفوعة، بل يُسترجع له جزء منها. كما أن النسبة المسترجعة تتدرج بحسب مستوى الشهادة، مما يحافظ على نفس المنطق التدرجي الموجود في رسوم الدخول.
سابعا: الأخبار والإعلامات من جانب مصلحة الدروس الاقتصادية
7.1. الواردات البحرية للحماية وتحليلها
7.1.1. تطور الواردات الفرنساوية والألمانية
يُقدم القسم غير الرسمي من العدد 61 معطيات اقتصادية مفصّلة بالغة الأهمية لفهم الوضعية التجارية للمغرب في تلك الفترة. ومن أبرز هذه المعطيات تطور الواردات البحرية للحماية، حيث "ثبت أن من سنة 1911 إلى عام 1913 ارتفع عدد الواردات الفرنساوية من 30 مليون إلى 78 مليون فرنك". وهذا الارتفاع الكبير في الواردات الفرنساوية يكشف عن التغلغل الاقتصادي الفرنسي السريع في المغرب بعد توقيع معاهدة الحماية.
كما "أن الواردات الألمانية التي بلغت 550,000 فرنكاً سنة 1911 صارت 1,320,000 فرنكاً عام 1913". ورغم أن هذا الارتفاع نسبي، إلا أن الفرق بين الواردات الفرنساوية والألمانية يبقى شاسعاً، مما يدل على هيمنة شبه كاملة للاقتصاد الفرنسي على السوق المغربية. وقد بلغت قيمة السلع المجاورة من إنجلترا 31 مليون سنة 1911، وفي عام 1913 أدركت قيمتها 32 مليون فرنك تقريباً، فيما جلبت إسبانيا للحماية بضائع مختلفة قدرها 175,000 فرنك سنة 1911، أتت قيمة أربعة ملايين فرنك عام 1913.
7.1.2. الواردات من الدول الأخرى
أما الحاصل أن الأجناس الأخرى (بلجيك والنمسة والمانية والدول المتحدة والبرتقيز والسويس... إلخ) التي جلبت من البضائع قدراً لا يدرك 5 ملايين فرنك سنة 1911 وردت في مراسي الحماية 33 مليون فرنك من السلع عام 1913. ويُلاحظ من هذه المعطيات تنوع المصادر التجارية للواردات المغربية، حيث كان المغرب يستورد من عدد كبير من الدول الأوروبية والأمريكية.
يستخلص من هذه المعطيات أن التجارة الفرنساوية انتفعت مع التجارة الأجنبية في نمو الواردات، مما يكشف عن سياسة اقتصادية تهدف إلى تطوير التبادلات التجارية مع جميع الشركاء، مع الحفاظ على الموقع المهيمن للتجارة الفرنساوية. ويعكس هذا التوجه نظرية "الباب المفتوح" التي كانت تتبعها فرنسا في المغرب آنذاك، والتي تسمح للدول الأخرى بالاستفادة من السوق المغربية مع ضمان الموقع المتميز للتجارة الفرنساوية.
7.2. الحالة الاقتصادية في مختلف المناطق المغربية
7.2.1. الحالة الاقتصادية بأولماس (زمور)
يتناول العدد الحالة الاقتصادية بمنطقة أولماس (زمور)، حيث يُشير إلى أن "قلت التجارة بأسواق أولماس في شهر ماي". ويعزى ذلك إلى أن "الوطنيون من المحصولات في هذه الأسواق قليلاً جداً يأتوا خصوصاً الدواب والحبوب". كما "وجدت القوة التجارية هناك بسبب المبادلات الواقعة بين حبوب زمور ودواب زاين".
ومن الجوانب الإيجابية المذكورة في هذا التقرير، "ظهرت نتائج حسنة من الحصد الذي بدأ في أول جوان"، فيما "جملت تجريبات أخيراً لتنتشر عند الوطنيين فلاحة الحضرة ونجحت غاية البطاطا". وهذا يكشف عن وجود جهود لإدخال محاصيل جديدة كالبطاطس إلى الفلاحة المغربية، وهي محاصيل لم تكن متعارفة لدى الوطنيين قبل ذلك.
كما يُشير التقرير إلى أن "قد بدأت الفلاحة والنتائج غاية جداً"، وأن "الطريق المطروقة المارة من أولمس إلى بقا (...) مانت وذلك حتى واذ افمور". هذه المعطيات تكشف عن التطورات في البنية التحتية الفلاحية والنقل في تلك الفترة.
7.2.2. مقابلات بين تجارة الدار البيضاء وتجارة مراسي الدنيا الكبيرة
يُقدم القسم غير الرسمي مقارنة مهمة بين تجارة الدار البيضاء وتجارة مراسي الدنيا الكبرى. ويُلاحظ أن "ظهرت منفعة في التفتيش على الأزمنة التي فيها بلغ بعض مراسي الدنيا المعتبرة قدر تجارة الدار البيضاء سنة 1913 أي 80 مليون فرنك، فإن من ذلك الدرس أن المراسي التي أدركت العدد المسطور هي:" ويرد بعد ذلك جدول مفصّل يتضمن مدناً عالمية مع تواريخ بلوغها لمستوى تجاري مماثل للدار البيضاء سنة 1913، ومنها:
- دانتزيج سنة 1860
- بيلباو سنة 1880
- نانت سنة 1900
- روان سنة 1875
- فيوم سنة 1885
- بارجان سنة 1900
- كريستيانيا سنة 1875
- ليزبون سنة 1880
- بوردو سنة 1890
- أوداسا سنة 1860
- ستوكولم سنة 1880
- سيكون سنة 1890
- وهران سنة 1895
- تونس سنة 1905
- فيلادلفيا سنة 1860
- سان فرنسيسكو سنة 1860
- بونس أيرس سنة 1860
- لابلاتا سنة 1907
- مرنته فيداو سنة 1870
- مانيل سنة 1880
هذه المقارنة العالمية تكشف عن طموحات السلطات في تحويل الدار البيضاء إلى ميناء عالمي، وعن وعي بأهمية تطوير البنية التحتية المينائية والتجارية في المغرب. كما تعكس النظرة الاستراتيجية لمستقبل التجارة المغربية في علاقتها بالاقتصاد العالمي.
7.3. الحالة الفلاحية والاقتصادية في باقي المناطق
7.3.1. ناحية مكناس
يتناول التقرير الحالة الاقتصادية في ناحية مكناس، حيث "نتيجة الفلاحات غاية وان سقطت الأمطار في شهر ماي وأن لزادت في التحسين. صلحت حالة الدواب خصوصاً بهايم روان الجنوب بسبب خصب مراعي دار بوسدرة وواد كرف". هذه المعطيات تكشف عن أهمية العامل المناخي في الفلاحة المغربية، وعن التحسينات التي طرأت على القطاع الفلاحي بفضل الأمطار في تلك السنة.
ويُضيف التقرير أن "مخالطة أسواق مكناس متوسطة بسبب الشروع في لحصد. يبدؤ في تصليح الطرق المطروقة المعتبرة بعد تمام شؤون الترتيب لأن شغل أخبار ناحية مكناس قد وصلت الآلات التامة لخدمات الطرق وعينت المرتبات".
7.3.2. الحالة في مكناس والطريق المار منكناس
يُقدم التقرير معطيات تفصيلية عن الحالة الفلاحية في مكناس، حيث "حالة الفلاحة حسنة في جميع وطن مكناس. حصدت كثرة الزروعات والنتيجة كبيرة وأما القمح فظواهر له متوسطة. ولملاحظات الربيع العظيمة ظواهر حسنة توجد فلاحة الدراء بالكثرة عند بني مطير وحالة الدواب العامة غاية مساعدة في ذلك وان تدرس غاية هذا القصد الذي يسبب لها توفيراً عظيماً عن الإضاءة الحجرية الكائنة الآن".
أما "الطريق المار منكناس"، فقد "وجد الآن في تصليح الطرق المطروقة المارة لبلدة مكناس وكذلك في تحسين حالة الجواز من باب تيوكة حداء بتيت جان". وأما الطريق المطروقة المسماة "مولاي حفيظ بين واد فحلي والاذروشن من الجهة الجنوبية الغربية للحاجب فإنها بصدد التصليح وبسكن من هذا المسلك درك الجبل بسهولة في رحلة فاس - مكناس - خنيفرة - مراكش. وتكون الطريق المسطورة في المستقبل احدى الطرق المعتبرة للحماية بلا ريب".
7.4. الأعمال البلدية بالرباط
7.4.1. المشاريع الكبرى للمجلس البلدي
يتناول التقرير الأعمال البلدية بالرباط، حيث "عزم ديوان المجلس البلدي للرباط على أشغال كثيرة تزين وتنظف البلد ويستنفذ بعض العزيمات المأخوذة أخيراً". ومن أهم المشاريع المذكورة ما يتعلق بإتيان الماء للبلد، حيث "عيّن رئيس الأشغال البلدية ليراقب على حفرات المجاري والترع الكائنة".
ويُتابع التقرير أنه "يؤمل بعد تصليح الحفرات المسطورة أن يصل للبلد قدر كاف من الماء، بحيث تكون مائة لتر تقريباً لكل ساكن أوربادي ومن خمسين إلى ستين لتر لكل ساكن وطني". ويُلاحظ هنا التمييز بين السكان الأوربيين والسكان الوطنيين في حصص الماء، وهو ما يعكس الفوارق التي كانت قائمة في تلك الفترة في مستوى الخدمات المقدمة لمختلف فئات السكان.
كما يُشير التقرير إلى مشاريع أخرى، منها أنه "لما يتم التفتيش تجعل مقايسة الترميمات اللازمة لقسطلات الماء ثم يكلف بها مقاول لاشغال بسمسرة، ويظن أن بعد التصليحات هذه يمكن أخذ قدر من الماء الآتي للبلد بعد لسقي الأزقة، ويبنى لذلك صهريج أقصر مما يوجد الآن ليجمع ليلاً الماء الفائض الذي تأتيه المجاري".
7.4.2. الإجراءات الصحية والمعمارية
يتناول التقرير أيضاً الإجراءات الصحية التي يتخذها المجلس البلدي، حيث "تكلف المجلس البلدي من جهة أخرى بسكنى الأرباوين الذين ليس لهم محل، وبنى لهذا القصد موضعاً للليل". كما "عين أيضاً لجنة الصحة لجنة فرعية بلدية لتتيقظ على ملائمة الديار وتأمين لكيلا يسكن الأوربيون والوطنيون المحلات الغير موافقة للصحة".
ومن المشاريع المهمة الأخرى، "كذلك ستؤخذ ضرائب لتمنع انتشار الحمى البلودين، الحمى الآتية من البطيحات وتنفذ التدابير المسطورة للأشغال المختصة بذلك". وهذه الإجراءات تكشف عن وعي مبكر بأهمية الصحة العمومية ومحاربة الأوبئة، خاصة الملاريا التي كانت تنتشر في المناطق الموبوءة.
كما "دعت إدارة الأشغال البلدية في الرباط سوقين وقتين يكون أحدهما في محج العلو والآخر في باب التبن بينما يبني سوق مسقف في نواحي باب التبن". وكذلك "باعت الإدارة المذكورة 35 براديك التي تكرى للتجار ولم تفرط كذلك مسايل المجزرات والتظفير".
7.5. الحالة الاقتصادية بتدرس (زمور)
7.5.1. الأسواق والمعاملات التجارية
يتناول التقرير الحالة الاقتصادية بمنطقة تدرس (زمور)، حيث "تؤم غاية الأسواق الخمسة لتدرس". ويُحدد التقرير "قدر المعاملات الواقعة هناك شهر ماي يبلغ 44000 بسيطة حسنية ووجب من غرامات هذه الأسواق في المدة المذكورة 2225 بسيطة حسنية". وهذه المعطيات الدقيقة تكشف عن وجود نظام إحصائي متطور يُتابع الحركة التجارية في الأسواق.
كما يُذكر أن "يساوي لنقل من الرباط إلى تدرس 60 بسيطة حسنية لكل محمول جمل أي 350 كيلو، و35 بسيطة حسنية لكل محمول بغل أي 120 كيلو". هذه المعطيات حول كلفة النقل وحمولة كل من الجمل والبغل، تكشف عن وجود نظام نقل تقليدي يعتمد على الحيوانات، وعن الكلفة المرتفعة نسبياً لهذا النقل، مما كان يؤثر على الأسعار في المناطق البعيدة.
7.5.2. الفلاحة وبيع الأراضي
يُشير التقرير إلى أنه "لا يثبت تحقيقاً بيع الأراضي في تدرس - ولا يريد تحقيقاً الوطنيون أن يبيعوا أراضيهم - يوجد الآن حصد الزروعات والحبوب الأخرى". وهذا يكشف عن تمسك الوطنيين بأراضيهم وعدم رغبتهم في بيعها، رغم الضغوط التي كانت تمارس عليهم لتسليم الأراضي للمستوطنين الأوربيين.
كما "جملت فلاحات الفوداج (الحشيش اليابس) غاية ثم تصليح الطرق المطروقة المارة من معازير إلى مزراقة". وهذه المعطيات تكشف عن التطورات في القطاع الفلاحي، وعن جهود تحسين البنية التحتية للطرق في المناطق الفلاحية.
ثامنا: الأبعاد القانونية والمؤسساتية للقرارات المنشورة
8.1. التشريع المزدوج: الظهائر الشريفة والقرارات الوزيرية
8.1.1. الظهائر الشريفة كمصدر للسلطة التشريعية
يكشف العدد 61 عن وجود منظومة تشريعية معقدة تجمع بين الظهائر الشريفة الصادرة باسم السلطان، والقرارات الوزيرية التي تستند إلى هذه الظهائر. وتُعد الظهائر الشريفة المصدر الأعلى للتشريع، إذ تصدر باسم السلطان وتحمل توقيعه أو ختمه. أما القرارات الوزيرية، فهي بمثابة المراسيم التطبيقية التي تُفصّل أحكام الظهائر وتُحدد كيفية تطبيقها.
من بين الظهائر المذكورة في العدد 61 نجد: الظهير الشريف المؤرخ بحادي عشر جمادى الأولى عام 1331 الموافق للثامن عشر من أبريل سنة 1913 في شأن تنظيم أحزاب الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة؛ والظهير الشريف المؤرخ بسادس شوال عام 1331 الموافق للثامن من سبتمبر عام 1913 المتعلق بتأسيس إدارة البوليس العام بالإيالة الشريفة؛ والظهير الشريف الصادر في السابع عشر من ربيع الأول عام 1332 الموافق للثالث عشر من فبراير سنة 1914 المتعلق بالآثار التاريخية؛ والظهير الشريف المؤرخ بالحادي والعشرين من شهر محرم الحرام عام 1332 المتعلق بمجلس العلماء الأعلى.
8.1.2. القرارات الوزيرية كأدوات للتطبيق
أما القرارات الوزيرية، فتُعد أدوات أكثر مرونة لتطبيق الظهائر، حيث يُمكن إصدارها وتعديلها بسرعة أكبر لمواكبة التطورات. ويُلاحظ أن جميع القرارات الوزيرية المنشورة في العدد 61 تستند إلى ظهائر شريفة سابقة، مما يكشف عن منظومة تشريعية متكاملة لا تترك مجالاً للقرارات المنفصلة عن الإطار القانوني العام.
ويتم توقيع القرارات الوزيرية من قبل الصدر الأعظم (وهو محمد بن محمد الجباس في تلك الفترة)، باعتباره رئيس الحكومة الشريفة. كما يحمل كل قرار عبارة "اطلع عليه المقيم العام وأذن بنشره" مع توقيع المقيم العام الفرنسي ليوطي، مما يعكس النظام المزدوج للحماية الذي يجمع بين السلطة الشكلية للحكومة الشريفة والسلطة الفعلية للمقيم العام.
8.2. أهمية التواريخ في القرارات
8.2.1. التواريخ المزدوجة (الهجري والميلادي)
من السمات البارزة في القرارات المنشورة في العدد 61 استعمال التواريخ المزدوجة، حيث يُذكر التاريخ الهجري ثم يُتبع بما يقابله بالتاريخ الميلادي. هذا الاستعمال المزدوج يعكس عدة جوانب مهمة. أولاً، الحفاظ على الهوية الإسلامية للدولة من خلال استعمال التقويم الهجري كتقويم رئيسي. ثانياً، الانفتاح على التقويم الميلادي المستعمل دولياً، خاصة في التعاملات مع السلطات الفرنسية. ثالثاً، توفير معطيات دقيقة للقراء من مختلف الخلفيات الثقافية.
ويُلاحظ أن بعض التواريخ تذكر بصيغ مغربية تقليدية، مثل "حُرّر برباط الفتح" بدلاً من "حُرّر بالرباط"، أو استعمال "جوان" بدلاً من "يونيو". هذه المصطلحات التقليدية تعكس استمرار الموروث اللغوي والثقافي في الوثائق الرسمية، رغم التحديثات التي كانت تشهدها الإدارة.
8.2.2. الفجوة الزمنية بين الإصدار والنشر
من الملاحظات المهمة في العدد 61 وجود فجوة زمنية بين تاريخ إصدار القرارات وتاريخ نشرها. فالعديد من القرارات حُرّرت في ماي ويونيو 1914، بينما نُشرت في العدد الصادر في 3 يوليوز 1914. هذه الفجوة تعكس البطء النسبي في إجراءات النشر في تلك الفترة، وكذلك المراحل المتعددة التي يمر بها القرار قبل نشره (التحرير، الموافقة، الترجمة، الطباعة).
ومع ذلك، يُلاحظ أن السلطات كانت تحرص على نشر القرارات في أقرب فرصة ممكنة، خاصة تلك القرارات التي لها أثر مباشر على الموظفين والمواطنين، كقرارات الترقية والتعويضات. كما أن تطبيق بعض القرارات بأثر رجعي (كقرار التعويضات الذي يدخل حيز التنفيذ من فاتح ماي بينما نُشر في يوليوز) يكشف عن مرونة في التطبيق تأخذ بعين الاعتبار المصالح المشروعة للمعنيين.
تاسعا: السياق التاريخي والاستراتيجي للعدد 61
9.1. المغرب في يوليوز 1914: لحظة مفصلية
9.1.1. الوضع السياسي والعسكري
صدر العدد 61 من الجريدة الرسمية في 3 يوليوز 1914، أي قبل أقل من شهر من اندلاع الحرب العالمية الأولى في غشت 1914. وكان المغرب في تلك الفترة لا يزال في مرحلة "التهدئة" العسكرية، حيث كانت السلطات الفرنسية تواصل عملياتها لإخضاع المناطق التي لم تُسلّم بعد بسلطة الحماية. ورغم الطابع الإداري لمحتويات العدد، إلا أن وراء هذه القرارات كان هناك مجهود استراتيجي شامل لتثبيت الوجود الفرنسي في المغرب.
ويُلاحظ أن المقيم العام ليوطي، الذي يظهر توقيعه على معظم القرارات في العدد، كان قد تولى منصبه في أبريل 1912، وكان يتمتع بصلاحيات واسعة لتسيير شؤون المغرب. وقد عُرف عنه استراتيجيته الذكية في الجمع بين "السيف والقلم"، أي استعمال القوة العسكرية حيث لزم الأمر، مع الحرص على بناء مؤسسات مدنية حديثة وفعّالة.
9.1.2. الإصلاحات الإدارية الكبرى
تأتي القرارات المنشورة في العدد 61 ضمن سياق إصلاحات إدارية كبرى كانت تشهدها البلاد. فمنذ تأسيس الحماية في 1912، شرعت السلطات في إعادة هيكلة شاملة للإدارة المغربية، تشمل: إحداث المراقبة المدنية في المناطق الخاضعة للسلطة المدنية، وتأسيس الإدارات الحديثة كالبوليس والمالية والأشغال العمومية، وتطوير القطاعات الاستراتيجية كالتعليم والصحة، وتنظيم المؤسسات التقليدية كمجلس العلماء.
ويعكس العدد 61 هذه الإصلاحات بشكل واضح، حيث تتنوع القرارات بين تنظيم البوليس، وتعويضات الموظفين، وحماية التراث، والتعليم العالي، والمؤسسات الدينية. هذا التنوع يكشف عن استراتيجية شاملة لبناء دولة حديثة، مع الحفاظ على بعض الخصوصيات المحلية.
9.2. الإرث القانوني والمؤسساتي
9.2.1. أسس النظام الإداري المغربي الحديث
يُمثّل هذا العدد، مع باقي الأعداد الصادرة في تلك الفترة، أساساً مهماً للنظام الإداري المغربي الحديث. فالعديد من الأفكار والمؤسسات والنظم التي تم إرساؤها في تلك الفترة لا تزال قائمة حتى اليوم، رغم التعديلات والتطورات التي طرأت عليها. ومن بين هذه الإرث القانوني والمؤسساتي:
- نظام نشر القوانين في الجريدة الرسمية، الذي لا يزال معتمداً حتى اليوم
- النظام الإداري المتدرج بالرتب والوظائف، الذي يُشكل أساس الإدارة المغربية الحديثة
- نظام التعويضات للموظفين، الذي تطور مع الزمن ليشمل تعويضات السكنى والتنقل والمشقة
- نظام حماية التراث الذي أُسس بظهير 1914 ولا يزال ينظم مجال حماية الآثار في المغرب
- نظام التعليم العالي بالمدرسة العليا، التي ستتطور لاحقاً لتصبح أساساً للجامعات المغربية
9.2.2. الموروث اللغوي والمصطلحي
من الجوانب المهمة في الإرث الذي تركه هذا النوع من الوثائق الموروث اللغوي والمصطلحي. فالكثير من المصطلحات الإدارية والقانونية المستعملة اليوم في المغرب تجد جذورها في تلك الفترة، مع وجود بعض المصطلحات التي تغيّرت أو زالت. على سبيل المثال:
- مصطلح "الإيالة الشريفة" الذي كان يُستعمل للدلالة على الدولة المغربية
- مصطلح "البسيطة الحسنية" كعملة، التي تطورت لاحقاً إلى الدرهم
- مصطلح "الكوميسار" و"البرغادي" في سلك البوليس، اللذان لا يزالان مستعملان
- مصطلح "الصدر الأعظم" كرئيس للحكومة، الذي تطور لاحقاً إلى "الوزير الأول" ثم "رئيس الحكومة"
- مصطلح "المقيم العام" الذي اختفى مع نهاية الحماية
خاتمة
تُمثّل دراسة العدد 61 من الجريدة الرسمية المغربية الصادر في 3 يوليوز 1914 رحلة معرفية ثرية في أعماق التاريخ الإداري والقانوني للمغرب، تكشف عن مرحلة مفصلية شهدت تأسيس الأسس الأولى للدولة المغربية الحديثة. ومن خلال التحليل المعمّق لمحتويات هذا العدد، تبيّنت لنا عدة حقائق ومعطيات مهمة تستحق التأمل والتمحيص.
أولاً، يكشف هذا العدد عن النشاط التشريعي المكثف الذي عرفته بدايات عهد الحماية الفرنسية، حيث كانت السلطات تصدر يومياً تقريباً قرارات ومراسيم تتعلق بمختلف القطاعات. وقد جسّد هذا النشاط رؤية شاملة لبناء دولة حديثة، تجمع بين المؤسسات التقليدية المغربية والإصلاحات الحديثة المستوحاة من النموذج الفرنسي. وقد ظهر ذلك جلياً في التنوع الكبير للقرارات المنشورة، التي تتراوح بين تنظيم سلك البوليس وتعيين كاتب لمجلس العلماء الأعلى وحماية الآثار التاريخية.
ثانياً، تكشف هذه الوثيقة عن المنهجية الدقيقة التي اعتمدتها السلطات في صياغة القرارات ونشرها. فكل قرار يستند إلى ظهير شريف سابق، ويحمل توقيعاً مزدوجاً (الصدر الأعظم والمقيم العام)، ويُؤرخ بالتاريخين الهجري والميلادي. هذه المنهجية الدقيقة تعكس درجة عالية من الاحترافية في العمل التشريعي، وتُسهم في توفير وثائق رسمية موثوقة يمكن الاستناد إليها قانونياً وتاريخياً.
ثالثاً، يُقدم العدد معطيات اقتصادية واجتماعية ثمينة من خلال قسمه غير الرسمي، تُلقي الضوء على الحالة الفلاحية والتجارية في مختلف مناطق المغرب. هذه المعطيات تشكّل مصدراً لا غنى عنه للباحثين في التاريخ الاقتصادي للمغرب، إذ توفر إحصائيات ومعطيات دقيقة عن الأسواق والأسعار والمحاصيل والتجارة الخارجية، مما يُمكّن من رسم صورة شاملة عن الاقتصاد المغربي في تلك الفترة.
رابعاً، يكشف هذا العدد عن الأبعاد الاستراتيجية للسياسة الفرنسية في المغرب، حيث تتجلى محاولات السلطات لربط الاقتصاد المغربي بالاقتصاد الفرنسي والأوروبي، مع تطوير البنية التحتية والمؤسسات الإدارية لخدمة هذه الاستراتيجية. ويتضح ذلك بشكل خاص في الإحصائيات المتعلقة بالواردات البحرية، التي تكشف عن الهيمنة الواضحة للتجارة الفرنساوية على السوق المغربية.
خامساً، تظهر من خلال هذه الوثيقة الجهود المبذولة للحفاظ على التراث الثقافي والمعماري للمغرب، كما يتبيّن من قرار البحث في تقييد صومعة حسان في الآثار التاريخية. هذه الجهود تعكس وعياً مبكراً بأهمية حماية الموروث الحضاري للمغرب، وقد أرست أسساً قانونية ستظل قائمة لعقود طويلة في مجال حماية التراث.
سادساً، يكشف العدد عن وجود نظام تعليمي حديث كانت تسعى السلطات إلى تطويره، يتمثّل بشكل خاص في المدرسة العليا بالرباط. وتُمثّل هذه المدرسة، بشهاداتها المتنوعة (الابتدائية والثنوية والإجازة) وتخصصاتها اللغوية (العربية والبربرية)، نموذجاً متطوراً للتعليم العالي، يستجيب لحاجات الإدارة في تكوين الكفاءات المتخصصة.
سابعاً، تُسلّط هذه الوثيقة الضوء على واقع التوازنات بين القوى السياسية في فترة الحماية، حيث نرى السلطة الشكلية في يد السلطان والصدر الأعظم، بينما السلطة الفعلية في يد المقيم العام ليوطي. هذا التوازن المعقّد سيستمر طوال فترة الحماية، وسيُترك بصمات واضحة على الإدارة المغربية الحديثة.
ثامناً وأخيراً، يجب التأكيد على أن هذه الوثيقة، رغم قدمها التي تتجاوز قرناً وعشر سنوات، لا تزال تحتفظ بأهميتها العلمية والتاريخية. فهي تُمثّل مصدراً أساسياً لدراسة بدايات الإدارة الحديثة في المغرب، وتُقدم معطيات دقيقة وموثوقة عن الأحداث والقرارات والشخصيات في تلك الفترة المفصلية. كما أنها تُذكّرنا بأن الكثير من المؤسسات والنظم التي نعيش معها اليوم تجد جذورها في تلك الفترة، وأن فهم الحاضر لا يكتمل دون استيعاب الماضي بكل تعقيداته وتفاصيله.
إن قراءة هذه الوثائق التاريخية ودراستها لا تُمثّل مجرد ترف فكري، بل هي ضرورة معرفية لكل باحث ومهتم بالتاريخ المغربي الحديث. فمن خلال هذه القراءات، يمكننا أن نفهم بشكل أعمق التحولات التي عرفها المغرب في القرن الماضي، وأن نُقيّم بصورة موضوعية المنجزات والإخفاقات التي رافقت هذه التحولات. كما يمكننا أن نستخلص الدروس والعبر التي قد تكون مفيدة لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تُولي الجهات المختصة في المغرب المزيد من الاهتمام بهذه الوثائق التاريخية، من خلال رقمنتها وفهرستها وإتاحتها للباحثين والمهتمين، حتى يتسنى الاستفادة منها على أوسع نطاق ممكن. كما أن إعادة قراءة هذه الوثائق وفق منهجيات علمية حديثة قد تكشف عن جوانب لم يُسلّط عليها الضوء بعد، مما يُثري المعرفة التاريخية للمغرب ويُساهم في بناء وعي تاريخي متين لدى الأجيال القادمة.
تحميل العدد 61 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق