مقدمة
يُمثّل العدد 51 من الجريدة الرسمية المغربية، الصادر بتاريخ 24 أبريل 1914 الموافق لـ 27 جمادى الأولى 1332 هـ، حلقة تشريعية بالغة الأهمية ضمن السلسلة التأسيسية للنصوص القانونية في فجر عهد الحماية الفرنسية بالمغرب. يأتي هذا العدد ليُكمّل المسار التشريعي الذي انطلق منذ بداية إنشاء البروتكتورا، ويُعالج جملة من القضايا التنظيمية ذات البُعد الاقتصادي والأمني والعمراني، مما يجعله وثيقة مرجعية لفهم بدايات التحديث الإداري والقانوني بالمملكة الشريفة.
يحتوي هذا العدد على نصوص تشريعية متعددة الأبعاد، تشمل ظهيراً شريفاً يتعلق بتصيف الأبنية وتوسيع المدن والواجبات والضرائب المفروضة على الأبنية، وظهيراً شريفاً يتضمن نظام صناعة المواد المفرقعة، إضافة إلى قرارين وزيريين يتعلقان بإدخال البابورات والمراكب بوادي سبو ووادي بورقراق، وإعطاء رخصة للمسيو "جرار" التاجر الساكن بالرباط لفتح مقطع للحجر بأحواز سلا. كما يتضمن القسم غير الرسمي معلومات اقتصادية وإحصائية قيّمة حول الحركة التجارية بالدار البيضاء والإنتاج الفلاحي بفاس.
تهدف هذه القراءة التحليلية إلى استكشاف المضامين القانونية والتنظيمية لهذا العدد، والوقوف على الأبعاد الاستراتيجية للتشريعات الواردة فيه، مع إبراز الدلالات التاريخية التي تكشف عن طبيعة السياسة التشريعية في تلك المرحلة الانتقالية الحاسمة من تاريخ المغرب الحديث.
تحميل العدد 51 بتاريخ 24 أبريل 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة pdf
أولاً: السياق العام للجريدة وأبرز ملامحها
1.1. الإطار الزمني والقانوني للإصدار
صدر هذا العدد في فترة تتسم بـ تسارع وتيرة الإنتاج التشريعي، وذلك في إطار جهود السلطات الفرنسية والمخزن الشريف لبناء منظومة قانونية متكاملة. وقد سُجّلت معظم الظهائر والقرارات الواردة في هذا العدد بـالوزارة الكبرى بتاريخ 19 و20 جمادى الأولى 1332 هـ، وحملت توقيع الصدر الأعظم محمد بن محمد المقري، مع المصادقة عليها من قِبل المقيم العام الفرنسي ليوطي.
1.1.1. الطابع المزدوج للنصوص
تعكس النصوص الواردة طبيعة النظام القانوني الثنائي الذي تأسس في عهد الحماية، إذ تجمع بين الصياغة المخزنية التقليدية القائمة على الظهير الشريف، والمحتوى التنظيمي الحديث المستوحى من النموذج الفرنسي. وتُختم جميع النصوص بصيغة موحدة: "اطلع عليه المقيم العام وأذن بنشره".
1.1.2. الجهات المُصدرة للنصوص
تتنوع الجهات المُصدرة بين السلطان الشريف الذي يُصدر الظهائر، والصدر الأعظم الذي يُصدر القرارات الوزيرية، وذلك بالتنسيق مع المدير العام للأشغال العمومية ومدير المالية في القضايا ذات الطابع التقني والمالي.
1.2. هيكلة محتوى العدد
1.2.1. القسم الرسمي
يحتوي القسم الرسمي على خمسة نصوص تشريعية محورية: نسخة ظهير شريف في شأن نشر الظهير المتعلق بتصيف الأبنية، ظهير شريف يتضمن نظام صناعة المواد المفرقعة، قرار وزيري في تعيين القدر الذي ينفذ للرؤساء المكلفين بإدخال البابورات والمراكب بوادي سبو وبورقراق، قرار وزيري في إعطاء رخصة للمسيو "جرار" التاجر الساكن بالرباط لفتح مقطع للحجر، إضافة إلى إصلاح غلط في العدد 48.
1.2.2. القسم غير الرسمي
يضم القسم غير الرسمي إعلانات حول بيع 71 قطعة من الأرض المعدة للبناء بمراكش الجديدة، ومعطيات إحصائية حول حركة الوافدين إلى الدار البيضاء في شهر مارس، وأخبار حول الغلة والمحاصيل الفلاحية بفاس، ومعلومات عن معرض مرسيليا الذي يُعرض فيه القسم المغربي.
ثانياً: الظهير الشريف المتعلق بتصيف الأبنية وتوسيع المدن
2.1. الإطار العام والأهداف
يُعد الظهير المتعلق بـ تصيف الأبنية وتوسيع المدن من النصوص التأسيسية للتشريع العمراني المغربي. وقد جاء بناءً على رؤية الحكومة بأن "أيالتنا الشريفة لا تزال آخذة في الاتساع والازدياد"، ومن ثَمّ كان من الضروري وضع قانون يتعلق بتوسيع المدن، محافظة على جمال منظرها وعلى الصحة والراحة العمومية وسهولة التجول فيها.
2.2. الأبعاد التنظيمية للظهير
2.2.1. ضبط التعمير
يهدف الظهير إلى تنظيم البناء والتعمير بشكل يحفظ الجمالية العمرانية للمدن المغربية، ويضمن في الوقت ذاته شروط الصحة العامة التي كانت تُعتبر آنذاك من أولويات السياسات الحضرية الحديثة. ويُشكّل هذا الظهير اللبنة الأولى لـالتخطيط العمراني بالمغرب، الذي سيتطور لاحقاً ليُؤسس لمدن جديدة بجوار المدن العتيقة.
2.2.2. الواجبات والضرائب على الأبنية
ينص الظهير على فرض واجبات وضرائب على الأبنية، وهو ما يعكس بداية تشكُّل منظومة جبائية حضرية حديثة بالمغرب. ويتم العمل بهذه الضرائب اعتباراً من تاريخ نشر النص في الجريدة الرسمية الفرنساوية والسلام.
2.3. الدلالات الاستراتيجية
2.3.1. تحديث المنظومة العمرانية
يُجسّد هذا الظهير التوجه نحو تحديث المنظومة العمرانية المغربية، وذلك بإدخال مفاهيم جديدة كـتصيف الأبنية والتخطيط الحضري والضرائب العقارية، التي ستُشكّل لاحقاً ركائز السياسة العمرانية في المغرب الحديث.
2.3.2. الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية
تحمل هذه التشريعات أبعاداً اقتصادية واجتماعية عميقة، إذ تُساهم في تنظيم سوق العقار، وتُمكّن السلطات من تمويل المرافق العمومية عبر الضرائب المفروضة على الأملاك العقارية.
ثالثاً: الظهير الشريف المتضمن لنظام صناعة المواد المفرقعة
3.1. السياق التشريعي والأهداف
يُعد هذا الظهير من أكثر النصوص تفصيلاً في هذا العدد، ويتكون من ثمانية عشر فصلاً موزعة على عدة أبواب. وقد جاء بناءً على ما "تقتضيه مصلحة الأمن والنظام العام تعين علينا ضبط شروط صناعة المواد المفرقعة ومراقبتها في أيالتنا الشريفة".
3.2. الباب الأول: في الرخصة
3.2.1. شروط منح الرخصة
ينص الفصل الأول على أنه "يسوغ صناعة البارود والدينيميت وغيرهما من المواد المفرقعة بأيالتنا الشريفة في معامل مفتوحة برخصة خصوصية بعد أن يدفع صاحب المعمل الضريبة الواجبة على تلك الصناعة، ومبلغاً يودع على وجه الضمان". وهذا يكشف عن حرص المشرع على المراقبة المُسبقة لهذا القطاع الحساس.
3.2.2. كيفية تقديم الطلب وتحريره
يحدد الفصل الثاني كيفية تقديم الطلب وتحريره، حيث "يُوجه مطلب الرخصة في جعل معمل لصناعة المواد المفرقعة باللغة الفرنساوية إلى المدير العام للأشغال العمومية"، ويذكر فيه ثمانية بنود إلزامية:
- أولاً: اسم الطالب ولقبه ومحل سكناه وحرفته
- ثانياً: تعيين الموضع الذي يكون فيه المعمل تعييناً كافياً
- ثالثاً: جنس المواد المفرقعة المقصودة وتعيين المعامل الموجودة
- رابعاً: جنس المواد المُعدة لصنع المفرقعات والكمية الكبرى من المواد المخزونة
- خامساً: الكمية الكبرى من المواد المفرقعة المصنوعة والمعدة للبيع
- سادساً: العدد الكبير من الخدمة الذين يمكن استخدامهم
- سابعاً: جنس الآلات المعدة للصناعة وعددها
- ثامناً: نظام المعمل المتضمن أيام الخدمة وساعاتها
3.2.3. الخرائط والرسوم المرفقة
يُضاف إلى الطلب خرائط ورسوم بيانية تشمل:
- الخريطة الأولى: تشمل وصف الأرض وموقعها بنسبة 1/5000 جزء، مع تعيين ما ارتفع من الأرض وما يوجد بها من المستنقعات والغابات ومجاري المياه والطرق المؤدية للمساكن، وذلك في منطقة عرضها كيلومتران اثنان حول المعمل
- الخريطة الإجمالية: تُعد لتجهيز المعمل بنسبة 1/100 جزء للمتر الواحد
- رسم بياني: يبيّن فيه القسمات الداخلية لكل محل، مع بيان أهم استحكامات البناءات المعدة للحفظ بنسبة 1/50 جزء
3.3. الباب الثاني: الشروط الواجبة في إحداث المعامل
3.3.1. الشروط الموقعية والهندسية
يشترط الفصل الخامس في المعمل أن "يكون بعيداً عن المساكن والطرقات بمائتين متر على الأقل إلا الطريق الموصلة إليه"، وأن يكون بناؤه من المواد التي لا تقبل الاشتعال، وأن يكون محتوياً على سقوف خفيفة، ولا يدخل في بنائه نوع من المعادن. ويُجعل له أبواب متينة وسراج عليها أسلاك حديدية.
3.3.2. المعايير الأمنية الخاصة
يشترط أن تطوق جميع البنآت بحائط علوه متران اثنان على الأقل، ويُشترط في البنآت المعدة لتركيب المواد المفرقعة كتفتيت أجزائها الأولية وسحنها وتخليطها وغير ذلك كتيبيسها وتعبئتها في القراطيس، تفرقة بعضها عن بعض باستحكامات من التراب. وتُوضع المواد المفرقعة المصنوعة في خزين منفصلة عن جميع المعامل والبناءات، حسب الشروط المبينة في ظهير 17 صفر 1332 الموافق لـ 14 يناير 1914 المتعلق بخزائن المواد المفرقعة.
3.3.3. الإجراءات الإضافية للأمن
تشترط الفصول التفصيلية في تنظيم المعامل: حراسة الخزين بيد الحارس المكلف بالمراقبة، ومحيط بمواضع الخدمة سور كهربائي، وعلى رأسه ناقوس ينبه على فتح تلك الأبواب أو قطع السلك. كما يُضع للضرائب التي يخاف وقوع الضرر منها احتياطات خصوصية للوقاية، خصوصاً إذا كان زيت الكاز أو غيره من الزيوت المعروفة بسرعة الاشتعال.
3.4. الباب الثالث: في المراقبة والضريبة والعقوبات
3.4.1. مراقبة المعامل
يحدد الفصل الخامس عشر أنه "يسوغ للموظفين والأعوان المكلفين بالمراقبة أن يدخلوا للمعامل ليطلعوا على جميع الأوراق ويتخذوا جميع الوسائل التي تظهر لهم لتحقيق أشغال المعمل". ويجب على صاحب المعمل أن يعطي للمراقبين المذكورين الخدمة والموازين والآلات اللازمة للمراقبة. وإذا وُجدت علامات تدل على فساد المواد، فيسوغ إعدامها بعد استشارة المدير العام للأشغال العمومية.
3.4.2. الضريبة المفروضة
يحدد الفصل السادس عشر الضريبة بأنها تُدفع عن كل كيلوغرام من المواد المصنوعة، وتتغير الضريبة حسب جنس المواد وربما يقع تغييرها في كل سنة، وعلى كل حال يقع تقديرها في النسبة الآتية في كل ظهير لها.
3.4.3. العقوبات المقررة
يفرض الفصل السابع عشر عقوبات صارمة على المخالفين:
- العقوبة الأولى: كل من اشتغل بصناعة المواد المفرقعة خفية يُعاقب بـ ذعيرة قدرها من ألف فرنك إلى خمسة آلاف فرنك، وبذعيرة أخرى تساوي ثمن المواد المصنوعة ثلاث مرات
- العقوبة الثانية: السجن من ثلاثة أشهر إلى سنتين، أو بإحدى العقوبتين فقط، إذا وُجد صاحب معمل يبيع المواد المفرقعة لمن ليس بيده ورقة إخراج المواد المصنوعة، فيُعاقب بذعيرة قدرها من مائتي فرنك إلى ألف فرنك
- عقوبات تكرار المخالفة: في حالة التكرار، تتضاعف الذعيرة لتصل إلى أربعين فرنكاً إلى مائة فرنك في المخالفات الأخرى
رابعاً: قرار وزيري في تعيين القدر المنفذ لرؤساء المراكب بوادي سبو وبورقراق
4.1. الإطار التنظيمي للقرار
اقتضى الحال تعيين قدر ما ينفذ للرؤساء المكلفين بإدخال البابورات والمراكب بوادي سبو ووادي بورقراق. وقد جاء هذا القرار في سياق تنظيم الملاحة النهرية والاستغلال الاقتصادي للمجاري المائية الكبرى بالمغرب، خاصة وادي سبو الذي يُعد من أهم الأنهار المغربية، ووادي بورقراق الذي يُشكّل الواجهة المائية لمدينة الرباط.
4.2. الأبعاد الاقتصادية للملاحة النهرية
4.2.1. تشجيع التجارة البحرية والنهرية
يكشف هذا القرار عن استراتيجية الاستثمار في البنية التحتية المائية، حيث تُمثّل الملاحة النهرية وسيلة رئيسية لنقل البضائع والمسافرين في تلك الحقبة. ويأتي تعيين القدر المنفذ للرؤساء المكلفين لـتقنين هذا النشاط وضمان انضباطه.
4.2.2. تطوير الموانئ المغربية
يرتبط هذا القرار بـسياسة شاملة لتطوير الموانئ المغربية، خاصة ميناءَيْ القنيطرة على وادي سبو والرباط على وادي بورقراق، اللذَيْن سيُشكّلان لاحقاً ركائز التجارة الخارجية للمغرب.
خامساً: قرار وزيري بإعطاء رخصة لفتح مقطع للحجر بأحواز سلا
5.1. الإطار العام للقرار
يتعلق هذا القرار بإعطاء رخصة لـالمسيو "جرار" التاجر الساكن بالرباط، لفتح مقطع للحجر بالأرض الموجودة بأحواز سلا، بتراب حصين عند ملتقى وادي عكراش ووادي بورقراق، وذلك بقصد استخراج الحجر المعد لبناء مرسى الرباط.
5.2. تفاصيل الرخصة وشروطها
5.2.1. القطع الأرضية المرخصة
يُرخص للمسيو "جرار" المكلف ببناء مرسى الرباط بأن يحوز القطع الأرضية المبينة في جدول مرفق بالقرار، وذلك لمدة عامين مبدؤها تاريخ القرار. ويتضمن الجدول وصفاً تفصيلياً للأراضي يشمل:
- بيان الموضع: تراب حصين بأحواز سلا عند ملتقى وادي عكراش وبورقراق من الجهة اليمنى
- أصحاب الأراضي: المخزن، قبيلة حصين النائب عنها قائد سلا، والمسيو "جورج برنزويك" الساكن طنجة
- نوع الأراضي: لوطة
- المساحة الإجمالية: ثلاثة عشر ألف متر مربع
- بيان الطرق الموصلة: طرق أهل البلد ووادي بورقراق
5.2.2. الالتزامات المالية للمرخص له
ينص الفصل الثالث على أنه "إذا لم يقع تراض بين المسيو جرار وبين أرباب الأراضي أو من له حق فيها، فيجب عليه أن يدفع لهم تعويضاً قدره ألف ومائتي فرنك على السنة الأولى وألف وثلاثمائة فرنك على السنة الثانية". وإذا لم يُقبل أرباب الأراضي المشار لهم في الجدول هذا التعويض وعجزوا عن إثبات ملكيتهم، فتُوضع تلك الدراهم المدفوعة على السنة الأولى والثانية في البنك المخزني.
5.3. حماية الحقوق
ينص الفصل الرابع على أنه "لا يمكن للمرخص أن يفوّت للغير الحقوق الممنوحة له طبق هذا القرار"، فيما يحدد الفصل الخامس أن "تبقى الحقوق الراجعة للغير محترمة احتراماً كلياً، وإذا وقع ضرر بالناس أو بالأملاك بسبب تقليع الحجر فالمرخص له هو المسؤول عن ذلك وحده".
سادساً: القسم غير الرسمي ودلالاته الاقتصادية
6.1. إعلان بيع الأراضي بمراكش الجديدة
6.1.1. تفاصيل البيع بالمزايدة
في رابع مايو 1914 على الساعة السابعة صباحاً، تقع المزايدة لبيع 71 قطعة من الأرض معدة للبناء، كائنة بين معسكر الجيش وباب دكالة والمعارة. وهي القسمة الأولى من مدينة مراكش الجديدة التي يقع بمكتب الأشغال البلدية بساحة جامع الفناء.
6.1.2. الجهات المشرفة على البيع
تتولى عدة إدارات الإشراف على هذه العملية: إدارة الأملاك الدولة وإدارة الأخبار الاقتصادية بالسفارة، ومكاتب الحكام الجدد بالدواوير والنواحي، وقنصليات فرنسا، ومحلات الأشغال البلدية، ومكاتب مراقبي الأملاك بالجهات.
6.2. الإحصائيات الديمغرافية بالدار البيضاء
6.2.1. حركة الوافدين في شهر مارس
في شهر مارس المنصرم، كان عدد القادمين إلى الدار البيضاء كالآتي:
- فرنساويون: 1235
- إسبنيول: 488
- طليان: 274
- رعايا مختلفة: 103
- المجموع: 2100
وفي الشهر المذكور، ركب البحر من الدار البيضاء إلى الخارج 1130 نفراً.
6.2.2. الدلالة الاقتصادية للأرقام
تكشف هذه الأرقام عن النشاط الاقتصادي المتنامي بمدينة الدار البيضاء التي بدأت تتحول إلى عاصمة اقتصادية للمغرب، وعن تدفق الجاليات الأوروبية، خاصة الفرنسية والإسبانية والإيطالية، التي ستُشكّل لاحقاً نواة الطبقة الأوروبية المؤثرة في الاقتصاد المغربي.
6.3. أخبار الغلة والمحاصيل الفلاحية
6.3.1. الوضع الفلاحي بفاس
تُفيد الأنباء الواردة من فاس بأن محاصيل الغلة بسهل سايس حسنة جداً هذه السنة، والطرق صالحة للمسير، والقوافل غادية رائحة عليها، وأسواق التجارة عامرة في المدينة وخارجها.
6.3.2. التقارير الرسمية حول الغلة
يُستفاد من التقارير الرسمية أن نفع الغلة قد تأكد على جميع أنواعها، وأصبحت محصولات القمح والشعير مؤكدة مقدرة، وصارت التربة صالحة لزراعة الذرة. والربيع كثير، والبهائم بأمن من الجوع، لأن المراعي تكفي العام كله.
6.4. المغرب بمعرض مرسيليا
يظهر من الاستعدادات العديدة التي اتُخذت في القسم المغربي بمعرض مرسيليا، أنها ذلك القسم سيكون من أحسن الأقسام. وسيُمثَّل القسم المذكور واجهة دار المخزن بمكناس، ووراءه سوق معروفة فيه جميع الصنائع المغربية، وأيضاً منظر مغربي من المناظر التي تشاهد من أعالي سطح قصر المقري بفاس. وهذه المشاركة تعكس حرص السلطات على إبراز الموروث الحرفي والثقافي المغربي على المستوى الدولي.
خاتمة
يُجسّد العدد 51 من الجريدة الرسمية المغربية الصادر في 24 أبريل 1914، مرحلة متقدمة من التشريع المخزني-الفرنسي المشترك، الذي يسعى إلى بناء منظومة قانونية متكاملة في قطاعات حيوية واستراتيجية. تكشف النصوص الواردة فيه عن توجه واضح نحو التحديث القانوني والإداري، من خلال تنظيم قطاعات حساسة كصناعة المواد المفرقعة، وتطوير البنية التحتية كالموانئ والمحاجر، وضبط التعمير وتوسيع المدن.
كما يبرز هذا العدد أهمية التكامل بين البُعد الأمني والبُعد الاقتصادي، إذ تتضمن النصوص شروطاً تقنية صارمة لضمان سلامة المنشآت الصناعية، مع إجراءات جبائية لتمويل الخزينة العامة وتنظيم النشاط الاقتصادي. ويُلاحظ أيضاً حرص المشرع على المراقبة الإدارية الفعّالة للمعامل الصناعية والمنشآت، بما يضمن احترام القوانين وحماية المصلحة العامة.
من خلال الإعلانات والمعطيات الاقتصادية الواردة في القسم غير الرسمي، تتجلى ملامح مغرب جديد بدأ يأخذ شكله الحديث، حيث تتطور المدن (الدار البيضاء، مراكش الجديدة)، وتنمو التجارة، وتنفتح البلاد على العالم عبر المعارض الدولية كمعرض مرسيليا. هذه المعطيات الإحصائية حول حركة الوافدين والمحاصيل الفلاحية تُشكّل مادة قيّمة للباحثين في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب.
تظل هذه الوثيقة التشريعية مرجعاً أساسياً لفهم بدايات الدولة الحديثة بالمغرب، حيث وضعت اللبنات الأولى لمنظومات قانونية لا تزال أصداؤها حاضرة في التشريع المعاصر، خاصة فيما يتعلق بـالتخطيط العمراني وتنظيم المواد الخطيرة واستغلال المحاجر والملاحة النهرية. ولا شك أن دراسة هذه النصوص دراسة معمقة تُساهم في استيعاب المسار التاريخي للتشريع المغربي وفهم جذور الكثير من القواعد القانونية المعمول بها اليوم.
إن العودة إلى مثل هذه الوثائق التاريخية ليست مجرد ترف فكري أو ممارسة أكاديمية، بل هي ضرورة معرفية لفهم التحولات العميقة التي شهدها المغرب خلال القرن العشرين، واستلهام الدروس منها لمواصلة مسيرة الإصلاح القانوني والإداري في ظل التحديات المعاصرة التي تواجهها المملكة المغربية في مجالات التعمير والصناعة والاقتصاد.
تحميل العدد 51 بتاريخ 24 أبريل 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة pdf
إرسال تعليق