مقدمة
يُمثّل العدد 52 من الجريدة الرسمية المغربية الصادر بتاريخ فاتح مايو 1914 الموافق لـ 4 جمادى الثانية 1332 هـ، محطة تشريعية متميزة في المسار التأسيسي للدولة المغربية الحديثة في عهد الحماية الفرنسية. يأتي هذا العدد ليُكرّس جملة من المبادئ القانونية والتنظيمية في قطاعات حيوية، تشمل العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وفرنسا، وتنظيم الموظفين المغاربة في المخزن الشريف، وقانون المطبوعات، وشبكة التليفون بالأيالة الشريفة.
يتضمن هذا العدد نصوصاً تشريعية وإدارية متنوعة، أبرزها رسالة من رئيس الجمهورية الفرنسية للسلطان مولاي يوسف، وظهير شريف يتعلق بكيفية تعيين وعزل الموظفين المغاربة في المخزن الشريف، وظهير شريف بشأن قانون المطبوعات، إضافة إلى قرارات وزيرية متعددة تتعلق بتعيين موظفين إداريين بالأيالة الشريفة، وتحديد الحقوق والاختصاصات لإدارة التليفون، وشروط الامتحان للقبول في وظيفة منشئ متطوع، وقرارات تولية منشئين ونساخين من الرتبة الخامسة.
تحميل العدد 52 بتاريخ فاتح ماي 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغ PDF
تهدف هذه القراءة التحليلية إلى استكشاف المضامين القانونية والسياسية والإدارية لهذا العدد المهم، وإبراز الدلالات التاريخية العميقة التي تكشف عن طبيعة العلاقات بين الدولة الشريفة والجمهورية الفرنسية، وعن المسار التحديثي للإدارة المغربية في تلك المرحلة المفصلية، مع تقديم تحليل دقيق للنصوص التشريعية المعتمدة.
أولاً: رسالة رئيس الجمهورية الفرنسية للسلطان مولاي يوسف
1.1. السياق الدبلوماسي للرسالة
تُعدّ رسالة رئيس الجمهورية الفرنسية الموجّهة لجلالة السلطان مولاي يوسف عبر المقيم العام، وثيقة دبلوماسية بالغة الأهمية، تعكس الطابع الرسمي للعلاقات بين البلدين بعد توقيع معاهدة الحماية. وقد جاءت الرسالة بتوقيع رئيس الجمهورية الفرنسية كاستون دومرك والوزير ريمون بوانكاري، وحُرّرت في 24 مارس 1914.
1.1.1. التوجه التحبيبي والاحتفائي
تستهل الرسالة بصيغة بروتوكولية مفعمة بـعبارات التحبب والاحترام: "حبيبي العزيز الكبير، بمزيد السرور نُعلم جلالتكم بأن مجلس نواب الأمة ومجلس الشيوخ بناءً على ما لهما من الرغبة في إعطاء براهين مليهما للأيالة الشريفة قد ساعدوا على إمضاء سلف قدره خمسة وثلاثين مليونا ريالا ذهبا مخزنياً".
1.1.2. الدلالة الرمزية للسلف المالي
يكشف هذا السلف المالي الضخم عن جانبين أساسيين: الأول هو الالتزام المالي الفرنسي بدعم الأيالة الشريفة في مرحلتها التحديثية، والثاني هو استمرار التحفظ على محصولات الأيالة كضمان لهذا السلف، وذلك اقتصاداً لمبلغ واجب الفائدة على وجه الإمكان.
1.2. أهداف توظيف السلف المالي
1.2.1. مشاريع البنية التحتية
تنص الرسالة على أن السلف سيكون "بحول الله نصفه ديون المخزن والشروع في الأشغال العمومية الكبرى" التي تشمل:
- السكك الحديدية: كأساس للربط بين الجهات المغربية
- الطرق والتلغراف والقناطر: التي تعود بالغناء على القطر المغربي
- منابع الثروة وغناء الأيالة الشريفة
1.2.2. المسار السياسي والأمني
تتضمن الرسالة تأكيداً على التعاضد بين البلدين، حيث يُشير المقيم العام إلى أن "نشر الأمن بسرعة في القبائل الجلية واسترجاع حدود الصحراء" يُشكّل أولوية مشتركة، مع التطلع إلى أن "يدخل المغرب في ظل السعادة والثروة تحت سلطة جلالتكم الشريفة اتحاداً مستمراً للدولة الفرنساوية".
ثانياً: الظهير الشريف المتعلق بتعيين وعزل الموظفين المغاربة
2.1. الإطار التشريعي للظهير
جاء هذا الظهير الشريف الصادر في 23 جمادى الأولى عام 1332، استجابة لـ"ما لاكان نظام تولية الموظفين المخزنيين باعتبارنا الشريفة وغيرها يحتاج إلى ضابط يكون التمشي عليه استقبالاً". وهذا يكشف عن الحاجة الماسة إلى توحيد المساطر الإدارية في الدولة الشريفة.
2.2. الأحكام الرئيسية للظهير
2.2.1. الهرم الإداري المعني
يحدد الفصل الأول من الظهير أن "الصدر الأعظم ووزير العدلية ووزير المالية ومدير عموم الأحباس ونائب الصدر الأعظم في إدارة المعارف ونوابهم"، إضافة إلى "جميع الموظفين المماثلين لهم في الرتبة والباشوات والقواد والمحتسبين وأمناء الأملاك وأمناء المستفاد ونظار الأحباس والقضاة وأعباء الموارث تقع توليتهم ونقلهم وعزلهم بظهير".
2.2.2. شروط تطبيق الظهير
ينص الفصل ذاته على أن جميع هذه التعيينات والعزلات تتم "مع المحافظة على الشروط المبينة في معاهدة الحماية في هذا الأمر"، وهو ما يعكس الطابع المزدوج للسلطة في تلك المرحلة، حيث تحتفظ السلطات الفرنسية بدور رقابي عبر معاهدة الحماية.
2.3. تنظيم الفئات الإدارية الأخرى
2.3.1. كتاب المخزن والمسؤولون المحليون
يحدد الفصل الثاني أن "جميع كتاب المخزن من أي رتبة كانوا، ووابي الباشوات ورباب القواد وكتاب المحاكم والشرطين تقع توليتهم وانتقالهم وعزلهم بقرار يصدر من الصدر الأعظم بعد الموافقة مع الكاتب العام لدى دولتنا الشريفة".
2.3.2. الأبعاد الإدارية للتعيينات
يكشف هذا التقسيم عن هرمية إدارية واضحة تربط بين السلطة المركزية (الصدر الأعظم) والسلطة المحلية (الباشوات والقواد)، مع إدماج البُعد الفرنسي عبر الكاتب العام لدى الدولة الشريفة، وهو ما يُؤسس لـازدواجية في القرار الإداري.
ثالثاً: قرار وزيري في شأن تعيين موظفين إداريين بالأيالة الشريفة
3.1. الإطار المرجعي للقرار
صدر هذا القرار بناءً على الظهير الشريف الصادر في الحادي عشر جمادى الأولى عام 1331 الموافق للثامن عشر أبريل 1913، أمر بتعيين الموظفين المذكورين أسماؤهم ابتداءً من فاتح مايو 1914.
3.2. الترقيات الإدارية المعلنة
3.2.1. ترقيات في رتب رؤساء المكاتب
تتضمن قائمة الترقيات الواردة في القرار:
- رئيس مكتب من الدرجة الأولى: المسيو "ميرزون جورج هنري"
- رئيس مكتب من الدرجة الثانية: المسيو "تورس جول جان"، المسيو "كابانا شارل ألكسندر"
- رئيس مكتب من الدرجة الثالثة: المسيو "ديفيو ماكسيم جان"
- نائب رئيس مكتب من الدرجة الرابعة: المسيو "دامير لوسيان فيكتور ماري لوي"
- نائب رئيس مكتب من الدرجة الثالثة: المسيو "ديكور جان ماري جاك"
3.2.2. ترقيات في حزب المنشئين
تشمل القائمة كذلك ترقيات في حزب المنشئين بمختلف درجاتها:
- الدرجة الأولى: المسيو "فاح لوي المنشئ"
- الدرجة الثانية: المسيو "دوست البين بول ماري جوزيف المنشئ"
- الدرجة الثالثة: السيد الشريف عمر، المسيو "بو هنري لوي فيلكس"، المسيو "ولان أوغست كلود"، المسيو "كونتار نويل لوي هنري"، المسيو "يومي جورج كاستون"، المسيو "بانك لاون فرنان"
3.2.3. ترقيات في الدرجات الرابعة والخامسة
يُسجل القرار ترقيات إضافية في الدرجة الرابعة والخامسة لعدد كبير من المنشئين، بما يدل على تجديد المنظومة الإدارية وتعزيزها بكوادر فرنسية، مع وجود محدود لأسماء مغربية أبرزها السيد عامر محجوب.
رابعاً: الظهير الشريف بشأن قانون المطبوعات
4.1. السياق والمبررات
يُعدّ هذا الظهير الشريف من النصوص التأسيسية لـضبط حرية المطبوعات بالمغرب، وقد جاء "لما كان من المتعين ضبط الأمور المتعلقة بطبع الجرائد وغيرها من المطبوعات الصادرة في أوقات معينة بأيالتنا الشريفة".
4.2. آلية الضبط والتنظيم
4.2.1. اعتماد القانون الفرنسي
ينص الظهير على إجراء الضابط المتعلق بالمطبوعات العمومية المنشور بالجريدة الرسمية الفرنساوية عدد 79 تاريخ فاتح مايو عام 1914 صفحة 396 تحت عنوان "ظهير شريف بشأن قانون المطبوعات. إجراء قانونياً منذ تاريخ نشره".
4.2.2. التوجيه إلى الإدارة المركزية
يُوجّه الظهير "إلى خدامنا الأرضين عمال وقياد أيالتنا السعيدة وكافة رعايانا"، وهو ما يكشف عن النطاق الواسع لتطبيق القانون، الذي يشمل جميع الفئات السكانية والإدارية في الأيالة الشريفة.
4.3. الدلالات السياسية للقانون
4.3.1. تحديث الفضاء الإعلامي
يُشكّل هذا الظهير نقطة انطلاق رئيسية في تنظيم الفضاء الإعلامي المغربي، إذ يضع لأول مرة قواعد قانونية واضحة لممارسة النشر والطباعة، بما يجمع بين متطلبات حرية التعبير ومستلزمات الأمن العام.
4.3.2. تأثير النموذج الفرنسي
يعكس استناد الظهير إلى القانون الفرنسي للمطبوعات درجة عالية من التقارب القانوني بين المنظومتين، وهو ما سيؤثر بشكل عميق على تطور التشريع الإعلامي المغربي طوال القرن العشرين.
خامساً: قرار وزيري في تعيين الحقوق والاختصاصات لإدارة التليفون
5.1. الإطار التشريعي والدبلوماسي
استند هذا القرار إلى المعاهدة المُمضى عليها بباريس في فاتح أكتوبر سنة 1913 الواقعة بين الوزراء المفوض لهم الأمر من قِبل جلالة السلطان وبين جناب رئيس الجمهورية الفرنساوية، في شأن تشكيل إدارة البريد والتلغراف والتليفون بالمغرب. كما يستند إلى الظهير الشريف المؤرخ في 22 فبراير عام 1914.
5.2. الأحكام الرئيسية للقرار
5.2.1. احتكار الدولة للاتصالات
ينص الفصل الأول بصرامة: "لا يجوز لأحد أن يجعل سلكاً معداً للمخابرة على طريق التليفون بداخل منطقة الحماية الفرنساوية بالأيالة الشريفة، إلا بواسطة إدارة التليفون المغربي، أو بعد الإذن من قبل مدير إدارة البريد والتلغراف والتليفون بالأيالة الشريفة".
5.2.2. هيكلة شبكة التليفون
يحدد الفصل الثاني أن "إدارة التليفون العمومي تحتوي على أسلاك ومراكز تجعلها الحكومة وتشغلها بواسطة الإدارة حسب الشروط التي سيبرز قرار في تعيينها".
5.2.3. أنواع الأسلاك التليفونية
يصنف الظهير الأسلاك إلى أنواع:
- أسلاك التليفون المجعولة للمصلحة الشخصية: التي تستوجب أداء سنوية تسمى حق الاستعمال، قدرها بسيطتان حسنيتان لكل مائة متر متصلة من السلك المجزي
- رسوم المراكز: يُدفع على كل مركز من مراكز كل رخصة خمس عشرة بسيطة حسنة، بعدما يسقط من مجموع المراكز مركزان اثنان
5.3. التزامات المرخصين
5.3.1. شراء الآلات وصيانتها
يُلزم الفصل السادس المرخصين لهم في استغلال الأسلاك المجعولة لمصلحتهم الشخصية بأن "يشتروا الآلات اللازمة للأسلاك المذكورة، كما يجب عليهم أيضاً صيانتها، ويجوز لهم أن يسمحوا في استغلال الأسلاك المختصة بهم في أي وقت شاءوا".
5.3.2. حق الإلغاء والتعويض
يحفظ القرار للدولة حق إلغاء الرخصة في حالات محددة، كما تنص الفصول على أن "لا حق لهم في استرجاع ما دفعوه سابقاً ولا في التعويض". وفي حالة انقطاع الأسباب لأسباب طارئة، فلا مسؤولية على الدولة.
سادساً: قرار وزيري بشروط القبول في وظيفة منشئ متطوع
6.1. الإطار العام للقرار
صدر هذا القرار بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في إحدى عشر جمادى الأولى عام 1331 الموافق 18 أبريل عام 1913، الصادر بشأن تنظيم الموظفين المدنيين بالأيالة الشريفة.
6.2. الإحالة على القرار المرجعي
ينص القرار على أن القرار المنشور بالجريدة الرسمية الفرنساوية عدد 79 الصادر في تاريخ فاتح مايو عام 1914 في الصفحة 302، وعنوانه "قرار وزيري يحدد شروط القبول بالامتحان لوظيفة كاتب متطوع بإدارات الأيالة الشريفة، يصير العمل به وينفذ منذ تاريخ الاطلاع عليه والقبول به".
6.3. الدلالات الإصلاحية
6.3.1. اعتماد مبدأ الكفاءة
يُشكّل هذا القرار خطوة مهمة نحو اعتماد مبدأ الكفاءة والامتحان في الولوج إلى الوظيفة العمومية، وهو ما يُعد تطوراً نوعياً مقارنة بنظام التعيين التقليدي.
6.3.2. تأسيس المرفق العام الحديث
تعكس هذه القرارات رؤية متكاملة لتأسيس مرفق عام حديث بالمغرب، يجمع بين المعايير الموضوعية للترقي والتنظيم الإداري الدقيق، بما يتماشى مع متطلبات الدولة الحديثة.
سابعاً: قرارات تولية المنشئين والنساخين
7.1. تولية منشئين من الرتبة الخامسة
7.1.1. القرارات الفردية
يتضمن هذا العدد عدة قرارات لتولية منشئين متطوعين من الرتبة الخامسة، منها:
- المسيو "بول المنشئ المتطوع" قد ولي منشئاً من الرتبة الخامسة من تاريخ فاتح فبراير سنة 1914
- المسيو "بوا موريس المنشئ المتطوع" قد ولي منشئاً من الرتبة الخامسة من تاريخ فاتح يناير سنة 1914
- المسيو "فسكي بول المنشئ المتطوع" قد ولي منشئاً من الرتبة الخامسة من تاريخ 24 فبراير سنة 1914
- المسيو "ليال مكسيم المنشئ المتطوع" قد ولي منشئاً من الرتبة الخامسة من تاريخ فاتح أبريل سنة 1914
- المسيو "ليفيني موريس المنشئ المتطوع" قد ولي منشئاً من الرتبة الخامسة من تاريخ 15 مارس سنة 1914
- المسيو "بطريل دني المنشئ المتطوع" قد ولي منشئاً من الرتبة الخامسة من تاريخ فاتح مارس عام 1914
7.2. تولية ثلاثة كتاب من الرتبة الرابعة
7.2.1. تعيينات النساخ
ينص قرار آخر على أن "المسيو دنوا والمسيو كركسون والمسيو بربينيي كتاباً نساخين أوكتاباً بالماكينة رسميين من الرتبة الرابعة"، الأول من تاريخ فاتح مارس سنة 1914، والثاني من تاريخ 8 مايو سنة 1914، والثالث من تاريخ 15 مايو سنة 1914.
ثامناً: القسم غير الرسمي ومعطياته الاقتصادية
8.1. ناحية أزمور: الاستعمار والحالة الزراعية
8.1.1. أشغال الطرق والاتصالات
تكشف الأخبار عن أن "بوشرت الأشغال بتحسين الطريق بين تادرس واولس وفي خمسة عشر يوماً تنتهي أشغال طريق تادرس سي عبو، والأشغال على طريق منود خميسات سائرة على ما يرام، وابتدأ مد أسلاك التلغراف من تادرس إلى اولس".
8.1.2. الحالة الزراعية بأزمور
تُشير الأنباء إلى أن "ابتدأ نسل الماشية أن يحيى في زمور بفضل خصب المرعى، والمأمول أن تعوض على الفلاح خسارة من هذا النوع". وهذا يدل على حيوية القطاع الزراعي في الجهة في تلك السنة.
8.2. أسواق منطقة أزمور
8.2.1. أسعار البهائم والمأكولات
تتضمن المعطيات أسعار الأسواق التي تباع بأوراق زمور، تشمل القمح والشعير والبقر والغنم، حيث تتراوح الأسعار حسب نوع المنتج وحجم البيع.
8.3. مشرع بن القصيري والمنطقة الفلاحية
8.3.1. أسعار السوق
يُسجل سوق مشر بن القصيري يوم البحت أسعار متنوعة:
- سوق الإثنين: 18000
- سوق الثلثا: 4200
- سوق الخميس: 7000
- سوق السبت: 7000
8.3.2. الأسعار التفصيلية للسلع
تشمل الأسعار: السكر بسيطتان الكيلو، الأتاي من ثلاثة إلى خمسة بساط الكيلو، الليمون ثلاثة بساط الكيلو، القمح خمسة وستون القنطار، الشعير ثمانية وثلاثون القنطار.
8.4. دوكالة: التطورات الزراعية والتجارية
8.4.1. الحالة الزراعية
تُفيد الأخبار بأن "الغلة مقبلة والحقول مخصبة والأشجار مثمرة، لكن شجر الزيتون مصاب بالآفات. والمراعي كثيرة، الربيع والمواشي بحالة جيدة، وقد كثرت المستنقعات من أنواء شهر مارس".
8.4.2. الحالة التجارية
ما زالت أثمان اللحوم غالية، والشعير الوطني نزل سومه. ومن العلامات الاقتصادية البارزة أن "حركة السوق زائدة جداً بهذا الوقت ودخل الرسوم من الأسواق ازداد ازدياداً كبيراً، وكثير من الأجانب يحاولون شراء الأراضي بدوكالة للزراعة".
8.5. الإصلاحات بمراكش
8.5.1. مشاريع الإصلاح والتجديد
تتقدم أشغال إصلاح مشرع بوالعيون منذ أول أبريل، ويُعاد العمل في بنايات سوق الحد وأولاد فرج، وستنتهي قريباً بمشرع بأنرب. ويُلاحظ كذلك "وقت بناء قنطرة على واد مطل ما بين مراكش وأجديدة".
خاتمة
يُجسّد العدد 52 من الجريدة الرسمية المغربية الصادر في فاتح مايو 1914، محطة تشريعية فارقة في تاريخ المغرب الحديث، حيث تتضافر فيه نصوص متنوعة تُؤسس لـمنظومة قانونية وإدارية متكاملة في عدة قطاعات استراتيجية. تكشف الرسالة الدبلوماسية بين رئيس الجمهورية الفرنسية والسلطان مولاي يوسف عن عمق التحالف السياسي والاقتصادي بين البلدين، فيما يُؤسس الظهير المتعلق بتعيين وعزل الموظفين المغاربة لـهرمية إدارية واضحة تجمع بين السلطة المخزنية والإشراف الفرنسي.
تبرز هذه الوثيقة كذلك أهمية قانون المطبوعات كأداة لتنظيم الفضاء الإعلامي والحفاظ على النظام العام، إضافة إلى الدور المحوري لـشبكة التليفون كركيزة من ركائز التحديث التكنولوجي والإداري. ومن خلال قرارات التعيين والترقي الواردة في هذا العدد، تتضح ملامح بناء جهاز إداري حديث يعتمد على معايير الكفاءة والامتحان، مع وجود مكثف للكوادر الفرنسية وحضور محدود للعنصر المغربي في مناصب التسيير.
أما القسم غير الرسمي، فيُقدّم لنا صورة دقيقة عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب في تلك المرحلة، من خلال أسعار الأسواق والمعطيات الفلاحية وأخبار الإصلاحات العمرانية. تكشف هذه المعطيات عن بداية تحول اقتصادي عميق، خاصة في مناطق دوكالة وأزمور ومراكش، مع تنامي اهتمام الأجانب بشراء الأراضي الزراعية، وهو ما سيُشكّل لاحقاً ظاهرة الاستيلاء على الأراضي المغربية.
تظل هذه الوثيقة التشريعية مرجعاً لا غنى عنه للباحثين والمؤرخين والقانونيين المهتمين بدراسة بدايات الدولة الحديثة بالمغرب، إذ تُلقي الضوء على المسار التأسيسي لمختلف القطاعات الحيوية، وتُتيح فهماً عميقاً للتحولات السياسية
والإدارية والاقتصادية التي شهدتها المملكة في فجر القرن العشرين. كما تُذكّرنا بأن الإصلاحات القانونية الكبرى التي تشهدها المغرب اليوم تستند في جزء كبير منها إلى هذا الإرث التشريعي الغني، وأن استيعاب هذا التراث ضرورة معرفية لاستشراف المستقبل، ولا سيما في عصر يشهد تحديات متجددة على مستوى الحكامة الإدارية والتنمية الشاملة.
تحميل العدد 52 بتاريخ فاتح ماي 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغ PDF
إرسال تعليق