مقدمة
تُعدّ الجريدة الرسمية للدولة المغربية من أبرز الوثائق الإدارية والتشريعية التي تُجسّد مرحلة دقيقة وبالغة الأهمية من تاريخ المغرب الحديث، إذ تمثّل الأرشيف الحيّ للقرارات والمراسيم والظهائر الشريفة التي صدرت في ظل نظام الحماية الفرنسي الذي فُرض على المغرب بموجب معاهدة فاس عام 1912. ومن بين أعداد هذه الجريدة التاريخية، يحتلّ العدد الثالث والسبعون (73) الصادر في السنة الثانية من عمرها، الموافق لشهر سبتمبر 1914 - أي الفاتح من محرم 1332 هجرية - مكانةً خاصة في ذاكرة التشريع المغربي الأول، لكونه يضمّ جملةً من النصوص القانونية الجوهرية التي رسمت ملامح المنظومة التشريعية والإدارية للمغرب خلال مرحلته التكوينية الأولى في ظل الحماية.
يتناول هذا المقال بالتحليل والدراسة المضامين الرئيسية لهذا العدد، والذي يشتمل على عدة ظهائر شريفة تعالج قضايا جوهرية متعددة الأبعاد؛ تمتدّ من ميدان القانون التجاري في مسائل الإفلاس وتصفية الحسابات أمام المحاكم، إلى ميدان السياسة النقدية في استبدال الدراهم المخزنية بالأوراق المالية للبنك المخزني، مروراً بالسياسة الإدارية المتعلقة بتنظيم أمور القبائل البربرية ووضع عوائدها تحت رقابة الدولة، وصولاً إلى القرارات الوزارية المتعلقة بتعيينات الموظفين الإداريين للإيالة الشريفة. ويكشف هذا المقال في جوهره كيف أسهمت هذه النصوص التشريعية المبكرة في رسم المعالم الأولى لدولة حديثة تسعى إلى بناء مؤسساتها وفق نموذج قانوني واضح، في سياق تاريخي بالغ التعقيد.
تحميل العدد 73 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً - الجريدة الرسمية المغربية: السياق التاريخي والمؤسسي
1.1. نشأة الجريدة الرسمية ومكانتها في المنظومة التشريعية
أُسّست الجريدة الرسمية للدولة المغربية في مطلع القرن العشرين بوصفها الأداة الرسمية لنشر النصوص القانونية والإدارية الصادرة عن المؤسسات المخزنية، ولقيت في السنوات الأولى من عهد الحماية الفرنسية (1912-1956) دوراً محورياً في تجسيد الطابع الرسمي للتشريع المزدوج الذي كان يُصدره المقيم العام الفرنسي من جهة، والسلطان المغربي من جهة أخرى. وقد جمعت الجريدة في أعدادها تلك النصوصَ التشريعية التي تحمل توقيع السلطان المولى يوسف والمقيم العام ليوطي بصفة متوازية، مما أعطى لها طابعاً خاصاً يُعكس التوازن الهش بين السيادة الرمزية المغربية والسيطرة الفرنسية الفعلية.
وكانت الجريدة في بداياتها تُصدر أسبوعياً من الرباط، حيث كانت تُوزَّع بالاشتراك داخل المملكة المغربية وخارجها. وتشير بيانات الاشتراك الواردة في العدد الثالث والسبعين إلى أن قيمة الاشتراك كانت تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة كاملة، مما يدلّ على الانتشار النسبي لهذه الجريدة وعلى أهميتها في تداول المعلومات الإدارية والقانونية. وقد نُشر هذا العدد بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى بأسابيع قليلة (أغسطس 1914)، وهو ما يضفي على محتوياته دلالة إضافية في فهم كيفية استمرار آليات الحكم وتطورها في ظروف دولية استثنائية.
1.2. الظهائر الشريفة بوصفها أداة تشريعية
يُعدّ الظهير الشريف الأداة التشريعية الأساسية في المنظومة القانونية المغربية منذ القرون الوسطى، غير أن وظيفته ومضمونه تطوّرا تطوراً ملحوظاً في ظل الحماية الفرنسية. فبينما كان الظهير في الفترة السابقة للحماية يصدر استناداً إلى الفقه الإسلامي وممارسة السلطة الملكية المطلقة، بات في مرحلة 1912 وما بعدها يستوعب المبادئ والقواعد القانونية الفرنسية ويُوظّفها في الإطار المغربي، وإن كان يحتفظ بصيغته الدينية التقليدية المستهلّة بعبارة "الحمد لله وحده".
وفي العدد الثالث والسبعين موضع دراستنا، نجد أن الظهائر الثلاثة الرئيسية الواردة فيه تشترك في هذا الطابع المزدوج: فهي تنطلق من السلطة الملكية الدينية الرفيعة وتستمدّ شرعيتها من اسم السلطان، بينما تعكس في مضامينها الجوهرية قواعدَ ومبادئَ مستمدة من القانون الفرنسي أو المُتكيَّفة معه لتناسب الواقع المغربي الخاص. ويُبيّن هذا الازدواج الطابعَ الهجين للمنظومة القانونية المغربية في تلك المرحلة، وهو ازدواج كان في آنٍ واحد مصدراً للتوترات ومدخلاً لتحديث المؤسسات.
1.3. السياق السياسي والاجتماعي لعام 1914
لكي نفهم النصوص التشريعية الواردة في هذا العدد من الجريدة الرسمية، لا بد من استيعاب السياق السياسي والاجتماعي الذي أُنتجت فيه. فعام 1914 هو العام الثاني بعد توطيد الحماية الفرنسية على المغرب، وقد كان المقيم العام الجنرال ليوطي حينها في أوج نشاطه المؤسساتي، إذ كان يعمل بشكل حثيث على إرساء بنية قانونية وإدارية قادرة على إدارة البلاد وتنظيم علاقاتها الاقتصادية الداخلية والخارجية. وفي هذا السياق، كانت الحاجة ماسّة إلى تشريعات عملية تُعالج مشاكل واقعية ملموسة كالإفلاس التجاري، والتعامل بالأوراق النقدية، وضبط العلاقة بين الدولة المركزية والقبائل ذات الأعراف الخاصة.
كما أن اندلاع الحرب العالمية الأولى في أغسطس 1914 أوجد ضغوطاً إضافية، إذ كان بعض التجار المغاربة قد انتفعوا بالحرب لتأجيل التزاماتهم، وهو ما جاءت ظهيرة الإفلاس لمعالجته صراحةً بأحكام خاصة بالمجنّدين. ومن جهة أخرى، كان التوسع الفرنسي في المناطق البربرية لا يزال في طور الاكتمال، وكانت إشكاليات الإدارة والمالية في تلك المناطق تطرح تحديات عملية تستدعي تشريعات ملائمة.
ثانياً - ظهير الإفلاس وتصفية الحسابات في المحاكم التجارية
2.1. الإطار القانوني للإفلاس في المغرب عام 1914
يُمثّل ظهير الإفلاس الصادر في هذا العدد من الجريدة الرسمية حجر زاوية في تاريخ القانون التجاري المغربي. فقبل صدور هذا الظهير، كانت قضايا الإفلاس في المغرب تُعالَج استناداً إلى مبادئ الفقه الإسلامي والعرف التجاري المحلي، غير أن هذه المعالجة كانت تفتقر إلى الإجراءات الموحّدة والمنهجية الكفيلة بصون حقوق الدائنين وضمان التسوية العادلة للديون. وبصدور هذا الظهير، انتقل المغرب نقلة نوعية نحو منظومة قانونية مقنّنة تستلهم نموذجها الأساسي من القانون التجاري الفرنسي، لا سيما الكتاب الثاني منه الخاص بالإفلاس والتصفية.
والجدير بالملاحظة أن الظهير لا يعمل بأحكام الكتاب الثاني من القانون التجاري الفرنسي بصورة مباشرة وحرفية، بل يُحيل إليه مع تقرير صلاحية الصدر الأعظم في رفع المهل والآجال المنصوص عليها وفقاً لملابسات كل حالة، مما يُدخل عنصر المرونة الضرورية في تطبيق القواعد الصارمة لقانون الإفلاس على أرض الواقع المغربي المتنوع.
2.2. أحكام ظهير الإفلاس وفصوله الرئيسية
2.2.1. الفصل الأول: شروط رفع دعوى الإفلاس
ينصّ الفصل الأول من الظهير على قاعدة أساسية مفادها أنه لا يمكن رفع دعوى بإشهار إفلاس من هو مقيم في أرض الحماية الفرنسية إذا كان في مدة التجنيد العام ملتزماً بالبقاء في الجندية أو متطوعاً في المدة ذاتها. ويُجسّد هذا الفصل الاهتمام التشريعي بحماية المجنّدين في الحرب الكونية الأولى من الملاحقات المالية خلال غيابهم القسري، وهو اهتمام مشروع ومبرَّر بالنظر إلى أن هذه الفئة كانت قد وُضعت في موقف يتعذّر عليها فيه الدفاع عن مصالحها التجارية.
كما أن هذا الفصل يتيح إمكانية الزيادة في مدة التجنيد المذكورة بقرار من الصدر الأعظم، مع اشتراط أن يُبقى الدعاوى التي رُفعت قبل التجنيد في حالة توقف تام دون أن يتمكن الدائنون من متابعتها ضد الأشخاص المذكورين. وتكشف هذه الأحكام عن توجّه تشريعي يُوازن بين مصلحتين متقابلتين: مصلحة الدائنين في استيفاء حقوقهم، ومصلحة المجتمع في حماية من يُساهمون في الدفاع عنه.
2.2.2. الفصل الثاني: أحكام التوقف عن الدفع
يُعالج الفصل الثاني حالة التجار الذين توقفوا عن الدفع في الفترة الممتدة من ثاني أغسطس 1914 - تاريخ اندلاع الحرب - أو في مدة التجنيد العام. ويُقرّر الظهير في هذا الشأن أن هذا التوقف لا يُعتبر إفلاساً اعتيادياً إلا إذا امتنعت المحكمة الابتدائية التي تحكم في الأمور التجارية عن المصادقة على عقد صلح المدين بريء، أو إذا أعلنت الإفلاس لعدم كفاءة ما يملكه المدين. كما لا يُعتبر توقف الدفع إفلاساً إذا انتهى الإفلاس بقرار صادر وفق قواعد الباب الثامن من القانون التجاري الفرنسي.
وتتجلى في هذه الأحكام الحكمة التشريعية المبنية على التمييز الدقيق بين التوقف عن الدفع الناجم عن ظروف قاهرة كالحرب، والتوقف الناجم عن الإعسار الحقيقي أو الاحتيال. فكما أن القانون الجنائي يُفرّق بين القوة القاهرة والجريمة المقصودة، يُفرّق قانون الإفلاس في هذا الظهير بين العجز المؤقت المرتبط بظروف الحرب والإفلاس الفعلي الدائم.
2.2.3. الفصل الثالث والرابع: آليات التصفية وصلاحيات المحاكم
تُنظّم الفصول الثالث والرابع آليات التصفية التجارية وصلاحيات المحاكم في هذا الإطار. فالفصل الثالث يُقرّر لكل تاجر توقّف عن الدفع في المدة المشار إليها أن ينتفع بطريقة التصفية في المحاكم المذكورة، وذلك عملاً بالقسم الثاني من الكتاب الثاني من القانون التجاري الفرنسي. وهذه الآلية تعني عملياً أن المحاكم المختصة تتولى الإشراف على عملية تسوية ديون التاجر المعسر بأسلوب منظّم ومنهجي يضمن الإنصاف للجميع.
أما الفصل الرابع فيُقرّر أن العمل بمضامين الكتاب الثاني الذي يجري به العمل في الإفلاس والتصفية يسري على التجار الذين شرع أو سيشرع فيهم الفصل الأول بالمدة المشار لها، مع تخويل الصدر الأعظم صلاحية الزيادة في مدة المهل اللازمة للإفلاس أو التصفية في المحاكم مع ملاحظة ظروف الحال. وتعكس هذه الأحكام الوعي التشريعي بأن القانون المقتبس من الفرنسية قد لا يتلاءم تلقائياً مع الواقع المغربي، وأن الإقرار بصلاحية تعديله وتكييفه عبر سلطة الصدر الأعظم يُمثّل ضمانة أساسية لتطبيقه الفعّال.
2.3. الدلالة التاريخية لظهير الإفلاس وأثره في التشريع التجاري المغربي
يكتسب ظهير الإفلاس لعام 1914 أهمية تاريخية بالغة لكونه يُمثّل من أولى محاولات تقنين القانون التجاري المغربي وتوحيده على أسس مدوَّنة واضحة. وقبل هذا الظهير، كانت المغرب تفتقر إلى نصوص قانونية مُحكَمة تُنظّم علاقات التجار في حالات العسر والإفلاس، مما كان يُفضي في الغالب إلى نزاعات مطوّلة ومآلات غير عادلة. وبصدور هذا الظهير، أصبح باستطاعة المحاكم الاستناد إلى مرجعية قانونية محددة، مما أسهم في تعزيز اليقين القانوني وحفز الثقة في التعاملات التجارية.
وعلى صعيد أعمق، يكشف هذا الظهير عن أحد أبرز سمات التشريع المغربي في تلك المرحلة، وهي الجمع بين الصيغة المخزنية التقليدية (الظهير الشريف) والمضمون القانوني الحديث (القانون التجاري الفرنسي). وهذا الجمع يُمثّل ببراغماتية واضحة محاولةً للتحديث ضمن الاستمرارية؛ فالشكل يُحافظ على الشرعية التقليدية المستمدة من السلطة السلطانية، بينما المضمون يستجيب لمتطلبات الاقتصاد الحديث وقواعد التجارة الدولية.
ثالثاً - ظهير استبدال الدراهم المخزنية بأوراق البنك المخزني
3.1. السياق النقدي والمالي في المغرب عام 1914
يُعالج الظهير الثاني الوارد في هذا العدد من الجريدة الرسمية مسألة بالغة الأهمية في السياسة النقدية المغربية، وهي استبدال الدراهم المخزنية المعدنية بالأوراق المالية للبنك المخزني. ولفهم الأهمية الكبرى لهذا الظهير، لا بد من استيعاب التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب في مطلع القرن العشرين. فقد كان المغرب لقرون طويلة يعتمد على الدرهم الفضي عملةً أساسية، وكانت القوة الشرائية لهذا الدرهم تتذبذب وفق العرض والطلب وتقلبات سعر الفضة في الأسواق الدولية.
ومع فرض الحماية الفرنسية عام 1912، بدأ المغرب يندمج تدريجياً في منظومة مالية حديثة قائمة على البنوك المركزية والأوراق النقدية الورقية، وكان البنك المخزني (الذي أُسّس عام 1907 بموجب اتفاقية الجزيرة الخضراء) الأداة الرئيسية لهذا الاندماج. غير أن التحول من العملة المعدنية التقليدية إلى الأوراق الورقية لم يكن سهلاً في مجتمع اعتاد على قيمة الفضة الملموسة، ومن هنا جاءت الحاجة إلى تشريع ظهير يُقنّن هذه العملية ويُحدّد آلياتها وعقوباتها.
3.2. أحكام ظهير الاستبدال النقدي
3.2.1. الفصل الأول: شروط الاستبدال والعقوبات
يُقرّر الفصل الأول من هذا الظهير أن كل من يطلب ربحاً في مقابلة استبدال دراهم مخزنية بالأوراق المالية للبنك المخزني، أو في مقابلة استبدال الأوراق المالية للبنك بدراهم مخزنية، يُعاقب بالسجن مدة شهرين على الأقل وسنتين على الأكثر، وبغرامة مالية لا يلتزم بردها للأفراد. وتتوقف حدة العقوبة على شروط أساسية: أن هذه الغرامة لا يمكن أن تكون أقل من خمسين مثقالاً مخزنياً.
والملاحظ في هذا الفصل أن المشرّع اتخذ موقفاً صارماً من الاحتكار والمضاربة في عمليات الصرف، وهو موقف مبرَّر في سياق تحوّل نقدي دقيق يستلزم استقراراً مالياً لا يتحقق في ظل الفوضى والمضاربة. فضلاً عن ذلك، تكشف صيغة العقوبة المزدوجة (السجن والغرامة) عن إدراك تشريعي واضح لأهمية الردع في مرحلة انتقالية حساسة.
3.2.2. الفصل الثاني: آليات التطبيق والمرجعية القانونية
يُحيل الفصل الثاني من الظهير إلى الفصل الثالث والستين من القانون الجنائي الفرنساوي فيما يتعلق بالمخالفات المشار إليها، مع اشتراط عدم إعطاء الأذن لهذه التجارة. وبهذا الإحالة، يضع الظهير الجرائم المالية المرتبطة بالاحتكار النقدي في سياق القانون الجنائي المعمّم، مما يُعطيها ثقلاً قانونياً أكبر ويُوضح طبيعتها الجنائية لا مجرد الإدارية.
كما ينصّ الفصل الثاني على أن الظهير يُحرر من الرباط في العشرين من شوال عام 1332 الهجري، الموافق الحادي عشر من سبتمبر 1914، ويُسجّل في الوزارة الكبرى ويُشهر عبر القنوات الرسمية. وتُعدّ هذه البيانات الإجرائية مهمة قانونياً لأنها تحدّد لحظة نفاذ الظهير ومن صدر عنه بصفة رسمية.
3.3. أهمية التشريع النقدي وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية
يكتسب هذا الظهير أهمية مزدوجة: فهو أولاً أداةٌ تشريعية تروم حماية عملية التحديث النقدي من المضاربة والتلاعب، وهو ثانياً شاهدٌ على مرحلة تحوّل جوهري في العلاقة بين المغاربة والنقود. فالانتقال من الدرهم الفضي المعدني إلى الورقة النقدية ليس مجرد تغيير مادي بسيط، بل هو تغيير في طبيعة الثقة الاجتماعية في العملة؛ إذ بينما كان الدرهم الفضي يستمدّ قيمته من معدنه الثمين، تستمدّ الورقة النقدية قيمتها من ضمان مؤسسة مالية (البنك المخزني) والثقة في مصداقيتها.
ولذا، فإن أهمية هذا الظهير تتجاوز الجانب التقني لتطال الجانب الاجتماعي والسيكولوجي؛ فالعقوبات الصارمة على المضاربة لا تهدف فقط إلى ردع أصحاب الشأن، بل تسعى أيضاً إلى بثّ الثقة العامة في العملة الجديدة من خلال الإشارة إلى أن الدولة جادّة في دعمها وحمايتها. وهذا التوجه يندرج في سياق أوسع من سياسات التحديث الاقتصادي التي كان ليوطي يروم تطبيقها في المغرب.
رابعاً - ظهير تنظيم شؤون القبائل البربرية والإيالة الشريفة
4.1. إشكالية القبائل البربرية في السياسة الاستعمارية الفرنسية
يُمثّل الظهير المتعلق بتنظيم شؤون القبائل البربرية أكثر النصوص الواردة في هذا العدد ارتباطاً بالمسألة السياسية والإثنية الحساسة المعروفة في الأدبيات المغربية والاستعمارية بـ"المسألة البربرية". فمنذ بداية الحماية، كان الجانب الفرنسي يتعامل مع المناطق البربرية بأسلوب مختلف عن أسلوبه في التعامل مع المناطق العربية، مستنداً إلى نظرية فحواها أن البربر لم يخضعوا تماماً للإسلام والثقافة العربية، وأن إدارتهم ينبغي أن تُراعي عاداتهم وأعرافهم الخاصة.
غير أن هذه السياسة كانت في الوقت نفسه تسعى إلى إخضاع القبائل البربرية لسلطة الدولة المركزية وضبط علاقتها بالمخزن، وهو ما جسّده هذا الظهير بصورة واضحة. فالظهير لم يُقرّ للقبائل البربرية باستقلالية مطلقة، بل وضعها في منظومة تجمع بين الحفاظ على خصوصيتها الثقافية وإخضاعها للرقابة الحكومية وقانونيّ القبائل والضوابط الصادرة عن الإيالة الشريفة.
4.2. مضمون الظهير وفصوله التنظيمية
4.2.1. الفصل الأول: مبدأ الاعتراف بخصوصية القبائل البربرية
يُقرّر الفصل الأول من هذا الظهير أن القبائل البربرية الموجودة بالإيالة الشريفة تبقى شؤونها جارية على مقتضى قوانينها وعوائدها الخصوصية تحت مراقبة ولاة الحكومة. وهذا النصّ في ظاهره يُبدو الظهير وثيقة للحماية الثقافية، غير أنه في جوهره يُرسّخ مبدأ خضوع هذه القبائل للرقابة الحكومية المركزية في آنٍ واحد. فعبارة "تحت مراقبة ولاة الحكومة" تُزيل أيّ لبس حول طبيعة هذه الخصوصية: إنها خصوصية مُسيَّجة ومُراقَبة، لا خصوصية حرّة ومستقلة.
وهذه المعادلة هي ذاتها التي ستُعبّر عنها السياسة الفرنسية في المغرب لاحقاً بأشكال أكثر جلاءً وصراحةً، حتى بلغت ذروتها في ظهير 1930 المعروف بـ"الظهير البربري"، الذي أفضى إلى ردّ فعل شعبي واسع أعاد تأطير الهوية الوطنية المغربية على أسس إسلامية وعروبية متجاوزةً للتقسيمات الإثنية.
4.2.2. الفصل الثاني: آليات التعيين وصلاحيات الصدر الأعظم
يُحدّد الفصل الثاني من الظهير الجهة المختصة بإصدار قرارات تعيين القبائل المتبعة لعوائد البربرية، وهي جهة الصدر الأعظم بعد موافقة الكاتب العام لدى الدولة الشريفة في تعيين القبائل المتبعة للعوائد البربرية. وتتضمّن هذه الآلية تفاصيل دقيقة تتعلق بتطبيق ما ينطبق على تلك القبائل من قوانين والضوابط الصادرة عنها.
وتكشف هذه الأحكام عن البنية الإدارية المزدوجة للحماية: الصدر الأعظم كمرجعية مغربية رمزية، والكاتب العام للدولة الشريفة كمرجعية فرنسية فعلية. فالموافقة المشتركة بينهما على التعيينات المتعلقة بالقبائل البربرية تُجسّد الشكل العملي للشراكة الصورية بين المخزن والحماية.
4.2.3. التحديد الجغرافي للقبائل المعنية
أفردت قرارات وزارية مصاحبة للظهير تحديداً جغرافياً دقيقاً للقبائل التي تعتبر من القبائل المتبعة لعوائد البربرية، وشملت القائمة الواردة في الجريدة الرسمية: قبيلة بني مطير، وقبيلة جروان، وقبيلة أخلاون وإيت عبدي وإيت مناصف من بني مكيلد، وقبيلة إيت زكو وإيت يعقوب من زيان. وهذه القائمة ليست محايدة، بل تحمل دلالة جيوسياسية واضحة، إذ تضمّ بعض أبرز التجمعات القبلية في جبال الأطلس المتوسط والأطلس الكبير.
وتجدر الإشارة إلى أن تحديد هذه القبائل بالاسم وإدراجها في الجريدة الرسمية لم يكن غرضه فقط تنظيمياً داخلياً، بل كان أيضاً يُؤطّر هذه القبائل في إطار قانوني رسمي تتعامل معه الإدارة الاستعمارية وفق معايير مُحدّدة ومدوَّنة، وهو ما يُمثّل توجّهاً واضحاً نحو إدارة التنوع القبلي بأدوات حديثة.
4.3. خلفيات ظهير القبائل وسياقه الضمني
إن الفهم العميق لهذا الظهير يقتضي تجاوز قراءته الحرفية المباشرة إلى فهم خلفياته الضمنية. فتنظيم القبائل البربرية في إطار قانوني رسمي لم يكن مجرد إجراء إداري بحت، بل كان جزءاً من استراتيجية أشمل يُعرف في الأدبيات الاستعمارية بـ"سياسة التفرقة" (politique des égards)، التي تقوم على التعامل مع البربر بأسلوب مختلف عن أسلوب التعامل مع العرب المسلمين بهدف إيجاد حواجز ثقافية بين مكوّنات الشعب المغربي.
وفي الوقت نفسه، يكشف الظهير عن قلق أمني مشروع من الإدارة الفرنسية إزاء المناطق البربرية التي لم تكن قد خضعت بعد خضوعاً تاماً للسلطة الاستعمارية عام 1914. فإدراج هذه القبائل في منظومة قانونية تخضعها لرقابة الدولة كان يستهدف في نهاية المطاف تحييد أي مقاومة محتملة وإدماجها تدريجياً في منظومة الحكم المركزي.
خامساً - القرارات الوزارية المتعلقة بتعيينات الموظفين الإداريين
5.1. منظومة التوظيف في إدارة الحماية المغربية
تحتلّ القرارات الوزارية المتعلقة بتعيينات الموظفين الإداريين حيزاً لافتاً من العدد الثالث والسبعين من الجريدة الرسمية، وهي وإن بدت في ظاهرها وثائق بيروقراطية جافّة، إلا أنها تنطوي على دلالات عميقة في فهم آليات بناء الجهاز الإداري للحماية الفرنسية في مرحلتها التأسيسية. فقد اشتمل هذا العدد على أربعة قرارات وزارية على الأقل تتعلق بتعيين موظفين في وظائف كتابية إدارية للإيالة الشريفة، وهي وظائف تندرج في سلك الدرجة الرابعة.
وتكشف هذه القرارات عن ظاهرة جوهرية في تركيبة الجهاز الإداري للحماية، وهي التعايش بين المسؤولين الفرنسيين وعدد محدود من الموظفين المغاربة في البنية الإدارية ذاتها. فمن جهة، تتضمن القرارات تعيينات لموظفين فرنسيين تُشير أسماؤهم وألقابهم بوضوح إلى انتمائهم الأوروبي (جوفوروا، تورنان كيوم، رفييل أوكست، شليمو أوكست)، ومن جهة أخرى، تتضمن إشارات إلى إطار تنظيمي يُحكمه قانون متعلق بتنظيم حزب الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة.
5.2. مضمون قرارات التعيين ودلالاتها الإدارية
5.2.1. معايير التعيين والتصنيف
تستند قرارات التعيين الواردة في هذا العدد إلى ظهير شريف صادر في جمادى الأولى عام 1331 الهجري، الموافق لأبريل 1913، وهو الظهير المتعلق بتنظيم حزب الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة. ويُشير هذا الاستناد إلى أن الإدارة الفرنسية كانت تحرص على إضفاء الشرعية التنظيمية على عمليات التعيين من خلال ربطها بمراجع قانونية معترف بها، بدلاً من الاكتفاء بالقرارات التعسفية المباشرة.
وتنصّ القرارات المذكورة على تعيين الموظفين في "سلك الدرجة الرابعة" لوظيفة الكتابة، وهو تصنيف وظيفي هرمي يعكس تطوراً نحو البيروقراطية الرسمية المُدرَّجة. ويُمثّل هذا التصنيف جزءاً من جهود أشمل لتحديث الجهاز الإداري ووضع معايير موضوعية للترقي والتعيين بدلاً من الاعتماد على العلاقات الشخصية والانتماءات القبلية.
5.2.2. الطابع الثنائي للجهاز الإداري
يكشف التأمل في أسماء الموظفين المُعيَّنين عن الطابع الثنائي للجهاز الإداري في المغرب خلال مرحلة الحماية المبكرة. فقرار واحد يتضمن تعيين موظف فرنسي من أصل أوروبي، بينما يتضمن قرار آخر تعيين موظف أو كاتب نساخ من أصول محلية أو مغاربية. وهذا الجمع ليس مصادفةً، بل يُعكس سياسة إدارية تستهدف خلق جهاز إداري ثنائي؛ طبقة عليا من المسؤولين الفرنسيين تتولى الإشراف والتوجيه، وطبقة تنفيذية من الموظفين المحليين تتولى التسيير اليومي.
وقد أتاح هذا النظام الثنائي للحماية الفرنسية تحقيق هدفين في آنٍ واحد: السيطرة الفعلية على القرار الإداري من جهة، وتوفير غطاء من الاستمرارية والألفة للمجتمع المغربي من جهة أخرى. فوجود موظفين مغاربة في الجهاز الإداري، حتى لو كانوا في مناصب تنفيذية دنيا، كان يُخفّف من وطأة الشعور بالاحتلال ويُسهّل تقبّل الإجراءات الإدارية الجديدة.
5.3. دور الموظف الإداري في بناء الدولة الحديثة
إن الاهتمام الذي تُوليه الجريدة الرسمية لقرارات التعيين الإداري يُنبئ بإدراك واضح لأهمية الكادر البشري في بناء الدولة الحديثة. فالتشريعات الجيدة لا قيمة لها في غياب موظفين مُكوَّنين وملتزمين بتطبيقها، وهو ما جعل التعيينات الإدارية مسألةً تشريعية لا مجرد إجراء بيروقراطي روتيني. ومن هذه الزاوية، يُدرك المرء أن نشر قرارات التعيين في الجريدة الرسمية لم يكن مجرد الوفاء بمتطلب إجرائي، بل كان تأكيداً صريحاً على أن بناء الجهاز الإداري يمرّ بالمسار التشريعي الرسمي.
وقد ظلّ هذا التوجه سمةً أساسية للمنظومة الإدارية المغربية، حيث اكتسب الموظف الإداري الذي يُعيّن بمقتضى قرار منشور في الجريدة الرسمية مكانةً قانونية وحقوقاً واجبات محدّدة بموجب القانون، خلافاً لمن كانوا يُعيَّنون بقرارات شفهية أو غير رسمية.
سادساً - الجريدة الرسمية كمصدر تاريخي للتشريع المغربي
6.1. قيمة الجريدة الرسمية في الأرشيف التاريخي المغربي
تحتلّ أعداد الجريدة الرسمية المغربية من مطلع القرن العشرين مكانةً استثنائية في الأرشيف التاريخي للمغرب لأسباب متعددة ومتشابكة. فهي أولاً توفّر للباحثين والمؤرخين نصوص التشريعات الأصلية كما صِيغت وأُقرّت، دون وساطة أو تأويل لاحق. وهذه الأصالة المصدرية تجعل منها مرجعاً لا غنى عنه في أي دراسة جادة للتاريخ القانوني أو الإداري للمغرب. وهي ثانياً تُقدّم مرآة صادقة لأولويات السلطة في مراحل تاريخية بعينها؛ إذ يكشف الاطلاع على محتوياتها عن الملفات التي اعتُبرت عاجلة بما يكفي لإدراجها في الجريدة، ومن ثمّ عن التسلسل الزمني لأولويات الإصلاح أو التنظيم.
وثالثاً، تتيح هذه الجريدة إمكانية تتبّع تطوّر المفاهيم والأدوات القانونية عبر الزمن؛ فمقارنة ظهير الإفلاس لعام 1914 بنظيراته اللاحقة تُتيح رصد التطور الذي طرأ على هذه المفاهيم والمعالجة التشريعية لها. كما تُمثّل هذه الأعداد المبكرة وثيقةً لغوية نفيسة، إذ تحمل نثراً عربياً رسمياً يعكس مرحلة تحوّل في اللغة الإدارية المغربية التي كانت تُسعى في ذلك الوقت إلى التوفيق بين المصطلحية القانونية الفرنسية الحديثة وقاموس اللغة العربية التقليدي.
6.2. الجريدة الرسمية ونقل القانون الفرنسي إلى المغرب
يُعدّ نقل القانون الفرنسي إلى المغرب عبر الجريدة الرسمية ظاهرةً من أدقّ ظواهر الاستعمار القانوني التي تستحق الدراسة المعمّقة. فقد جاء هذا النقل محمّلاً بتناقضات جوهرية؛ إذ تمّ في الغالب بنقل نصوص القانون الفرنسي أو مبادئه وإعادة صياغتها بقالب الظهير الشريف، مما أضفى عليها الطابع الشرعي المحلي في حين احتفظت بجوهرها الفرنسي.
ويتجلى هذا في ظهير الإفلاس الذي يُحيل صراحةً إلى "الكتاب الثاني من القانون التجاري الفرنسي"، وفي ظهير الاستبدال النقدي الذي يستند إلى "الفصل الثالث والستين من القانون الجنائي الفرنساوي". هذه الإحالات الصريحة تعكس نمطاً من التشريع التبعي أو الاستيرادي الذي كان فيه المشرّع المغربي يُقرّ ضمنياً بأن القانون الفرنسي هو المرجعية العليا التي تُستقى منها القواعد والأصول.
غير أن هذا لا يعني أن عملية النقل كانت آلية وسلبية تماماً، بل يكشف الظهيران معاً عن قدر من التكيّف الذي روعيت فيه خصوصية الواقع المغربي. ففي ظهير الإفلاس، أُدرجت أحكام خاصة بالمجنّدين المغاربة في الحرب العالمية الأولى، وأُعطيت للصدر الأعظم صلاحية تعديل الآجال. وفي ظهير القبائل البربرية، جرى الاعتراف صراحةً بالعوائد الخصوصية لهذه القبائل. وهذه التكيّفات تُنبئ بأن منطق الترجمة القانونية لم يكن نقلاً حرفياً جامداً، بل كان يحوي عناصر من الإبداع التشريعي المحلي.
6.3. إرث الجريدة الرسمية في الممارسة القانونية المغربية المعاصرة
يمتدّ إرث هذه الجريدة الرسمية المبكرة إلى الحاضر المغربي بأشكال متعددة. فالجريدة الرسمية للمملكة المغربية لا تزال تُصدر حتى اليوم بوصفها الأداة الرسمية لنشر التشريعات والأنظمة، وإن كانت قد شهدت تطوراً هائلاً في شكلها وأسلوب نشرها. كما أن كثيراً من المفاهيم القانونية التي رُسيت في تلك الظهائر المبكرة لا تزال حاضرة في الفقه القانوني المغربي المعاصر، وإن كانت قد تجلّت عبر أجيال متعاقبة من التقنينات والإصلاحات.
وعلى صعيد أعمق، فإن النموذج الذي رسمته تلك الظهائر في الجمع بين الصيغة الملكية الإسلامية والمضمون القانوني الحديث لا يزال حاضراً في الممارسة التشريعية المغربية. فالمراسيم الملكية اليوم تجمع هي الأخرى بين الشرعية الملكية الموروثة والمضامين القانونية الحديثة التي تستوعب المعايير الدولية، وهو ما يُثبت أن نموذج التشريع الهجين الذي تكوّن في مطلع القرن العشرين قد ترك بصمته العميقة في الهوية القانونية المغربية.
سابعاً - قراءة في اللغة القانونية وأسلوب التشريع في الجريدة الرسمية 1914
7.1. خصائص اللغة الإدارية والقانونية في الجريدة
تتميّز اللغة القانونية والإدارية المستخدمة في الجريدة الرسمية لعام 1914 بجملة من الخصائص الأسلوبية التي تعكس الطابع المرحلي لهذه المرحلة التكوينية في تاريخ التشريع المغربي. فأولاً، تستعمل هذه اللغة أسلوباً بلاغياً تقليدياً ورفيعاً يرسخ الصياغات الدينية كالاستهلال بـ"الحمد لله وحده" والإشارة إلى كون السلطان يتصرف بالأمر الإلهي ("كتابنا هذا اسمه الله واعز أمره"). وهذا الأسلوب يُعبّر عن المبدأ الذي يقوم عليه النظام الملكي المغربي التقليدي، إذ تستمدّ السلطة شرعيتها من المرجعية الدينية الإسلامية.
وثانياً، تُجسّد هذه اللغة توتراً أسلوبياً خاصاً بين السياق الديني-التقليدي والمحتوى القانوني-التقني الحديث. فبعد الاستهلال الديني الرفيع، ينزلق الظهير سريعاً إلى لغة تقنية جافة تتضمن إحالات إلى فصول وكتب القانون الفرنسي، ومصطلحات كالإفلاس والتصفية والمهل القانونية والسجن والغرامات. وهذا التوتر بين المستويين الأسلوبيين يعكس عمق التحول الذي كان المغرب يعيشه في تلك المرحلة.
7.2. المصطلحية القانونية العربية في عصر التحديث
تُقدّم الجريدة الرسمية لعام 1914 شاهداً نفيساً على جهود ترجمة المصطلحية القانونية الحديثة إلى العربية في سياق عربي-مغربي خاص. فمصطلحات كـ"الإفلاس" و"التصفية" و"الغرامة" و"التجنيد" وردت في نصوص الظهائر بصياغة عربية فصيحة تُحاكي استخداماتها في القانون الفرنسي. كما وردت بعض المصطلحات بصيغة تُعرَّب المصطلح الفرنسي مباشرة (كـ"فرنساوي" بدل "الفرنسي").
وتكشف هذه المصطلحية عن مرحلة انتقالية في تطوّر اللغة القانونية العربية بالمغرب، مرحلة كان فيها الفقه القانوني العربي الكلاسيكي يُلاقي الفكر القانوني الغربي الحديث في توتر خلاّق. وقد أسهمت هذه المرحلة في الواقع في إثراء المصطلح القانوني العربي بمفاهيم وتعبيرات جديدة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من القاموس القانوني المعاصر في المغرب والعالم العربي.
7.3. الصيغة الإجرائية وأثرها في إرساء ثقافة دولة القانون
تحتوي الجريدة الرسمية لعام 1914 على صيغ إجرائية دقيقة تتعلق بالإشارة إلى تواريخ صدور الظهائر وتسجيلها في الوزارة الكبرى والإذن بنشرها. وتكشف هذه الصيغ عن وعي إجرائي واضح بأهمية الشكلية في القانون؛ إذ إن الظهير لا يكتسب قوته القانونية بمجرد صدوره، بل يستلزم التسجيل والإشهار الرسمي عبر الجريدة الرسمية، وهو ما يُمثّل ركيزة أساسية من ركائز دولة القانون.
وهذه الثقافة الإجرائية تتجاوز في دلالتها المجرد الشكلي؛ فهي تعني أن القانون ليس ما يُقال في المجالس الضيقة أو ما يُتناقل شفهياً، بل هو ما يُصاغ كتابياً ويُنشر علناً ويُوضع في متناول الجميع. ومن هذه الزاوية، يُمثّل الحرص على النشر في الجريدة الرسمية نقلةً نوعية نحو دولة تسير بقوانين مكتوبة وعلنية لا بقرارات سرية وشفهية.
ثامناً - العدد الثالث والسبعون في سياق مسار الإصلاح التشريعي المغربي
8.1. موقع عام 1914 في منحنى الإصلاح المغربي
يُشكّل عام 1914 نقطة فارقة في مسار الإصلاح التشريعي المغربي خلال القرن العشرين. فهو يقع بعد عامين فقط من إعلان الحماية الفرنسية (1912)، وفي قلب مرحلة التأسيس التي كان فيها النظام الإداري والقانوني الجديد يُبنى من الأساس. وقد كانت التشريعات الصادرة في هذه المرحلة تحمل طابع الإلحاح؛ إذ كان المغرب يستدعي منظومة قانونية تجارية وإدارية عملية في أسرع وقت ممكن لتيسير المبادلات التجارية ومنع الفوضى الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن ظهائر عام 1914 كانت جزءاً من موجة أولى من التشريعات التأسيسية التي رسمت ملامح البنية القانونية الحديثة للمغرب، وكان دورها التأسيسي يتجاوز بكثير قيمتها العملية الآنية. فهي وضعت المعايير والأُطر المرجعية التي ستُقيَس إليها التشريعات اللاحقة وتُبنى على أساسها.
8.2. المقارنة بين النصوص التشريعية الواردة في العدد
إن قراءة النصوص الثلاثة الرئيسية الواردة في العدد الثالث والسبعين مجتمعةً تُجلّي أمام القارئ خطاً إصلاحياً متكاملاً تتكاملت فيه أبعاد ثلاثة: القانوني في ظهير الإفلاس، والاقتصادي-النقدي في ظهير الاستبدال، والسياسي-الاجتماعي في ظهير القبائل البربرية. وهذا التكامل يُنبئ بوجود رؤية إصلاحية شاملة تسعى إلى معالجة المغرب من زوايا متعددة في آنٍ واحد.
ويُلاحَظ أن الظهائر الثلاثة تنتمي جميعها إلى منطق مشترك، وهو منطق تنظيم العلاقة بين الدولة (مخزناً وحماية) والأفراد والمجموعات في ميادين مختلفة. ففي الإفلاس، تُنظَّم علاقة الدولة بالتاجر المعسر. وفي الاستبدال النقدي، تُنظَّم علاقة الدولة بالمتعاملين في السوق النقدية. وفي القبائل البربرية، تُنظَّم علاقة الدولة بالتجمعات البشرية ذات الأعراف الخاصة. وما يجمع هذه الأبعاد الثلاثة هو سعي الدولة إلى توسيع رقعة سيطرتها وتنظيمها على كافة قطاعات المجتمع.
8.3. الأثر الدائم لتشريعات 1914 في المنظومة القانونية المغربية
على الرغم من مرور أكثر من قرن على صدور هذه التشريعات، فإن أثرها في المنظومة القانونية المغربية يظل ملموساً ومتجذّراً على أصعدة متعددة. ففي مجال القانون التجاري، أرست ظهائر تلك المرحلة المفاهيم الجوهرية للمعاملات التجارية وتسوية النزاعات التي ستُوسَّع وتُطوَّر في مدونة التجارة المغربية الصادرة عام 1996. وفي المجال النقدي، مثّل إرساء منظومة الأوراق النقدية الخطوة الأولى في مسار طويل أفضى إلى تأسيس بنك المغرب عام 1959 وإرساء السياسة النقدية السيادية المغربية بعد الاستقلال.
وعلى صعيد السياسة الترابية، فإن الظهائر المتعلقة بالقبائل البربرية مثّلت بذرةً أولى لإشكاليات التنوع الثقافي واللغوي التي لا يزال المغرب يعمل على معالجتها في إطار دستوري يُقرّ بالتعددية الهوياتية. وقد جاء دستور 2011 ليُكرّس الاعتراف الرسمي بالأمازيغية لغةً رسمية إلى جانب العربية، في خطوة تُوصف بأنها أهم تحوّل في السياسة الهوياتية المغربية منذ الاستقلال، وهي خطوة يمكن فهمها في سياقها التاريخي الممتد من تلك الظهائر المبكرة لعام 1914.
خاتمة
يُجلّي الاستعراض التحليلي لمحتويات العدد الثالث والسبعين من الجريدة الرسمية للدولة المغربية، الصادر في سبتمبر 1914، بجلاء أن هذا العدد يحمل قيمة وثائقية وتاريخية نادرة تتجاوز كثيراً حدوده الأرشيفية الضيقة. فهذه الصفحات المتعفّنة بفعل الزمن تحكي قصة مغرب في لحظة تحوّل مصيرية، مغرب كان يسعى في قلب الحماية الفرنسية إلى بناء مؤسساته القانونية والإدارية بأدوات مستحدثة في قالب تقليدي، ووفق منطق يُوازن بين الهوية والتحديث، وبين الاستمرارية والانقطاع.
وقد أبانت الدراسة أن الظهائر الثلاثة الرئيسية الواردة في هذا العدد - ظهير الإفلاس، وظهير الاستبدال النقدي، وظهير القبائل البربرية - تُشكّل معاً منظومةً تشريعية متكاملة الأبعاد تعالج في آنٍ واحد ميادين القانون التجاري والسياسة النقدية وإدارة التنوع الثقافي. وما يجمع هذه الظهائر هو منطق توسيع رقعة الدولة وترسيخ سلطة القانون المدوَّن في مجتمع كان يتعرّف لأول مرة على تجربة الدولة الحديثة بمؤسساتها وإجراءاتها المكتوبة.
كما كشفت الدراسة أن الجريدة الرسمية بوصفها وعاءً للتشريع كانت في حدّ ذاتها ركيزةً لبناء ثقافة دولة القانون في المغرب؛ فنشر النصوص التشريعية وإتاحتها للعموم كان يُجسّد مبدأ الشفافية والعلنية في التشريع، وهو مبدأ يمثّل ركيزة لا غنى عنها في كل تجربة ديمقراطية ودولة حقوقية. ولذا، فإن استدعاء هذه الأعداد التاريخية من الجريدة الرسمية واستقراءها ليس مجرد تمرين في الاستشهاد التاريخي، بل هو عملٌ جادٌّ في استكشاف جذور المنظومة القانونية المغربية وفهم الأسئلة الكبرى التي لا تزال تطرحها مسيرة بناء الدولة المغربية الحديثة حتى اليوم.
إن العودة إلى ينابيع التشريع المغربي المبكرة كعدد 73 من الجريدة الرسمية لعام 1914 تُذكّرنا بأن المنظومات القانونية لا تُبنى في يوم وليلة، وأن ما نلمسه اليوم من تراكم تشريعي ومؤسساتي هو نتاج مسار طويل ومتشعّب، تُسهم فيه كل مرحلة بإضافتها الخاصة إلى صرح القانون الوطني. ومن ثمّ، فإن دراسة هذه الأعداد المبكرة من الجريدة الرسمية تغدو حاجةً علمية موضوعية لكل من يُريد أن يفهم المغرب القانوني في راهنه من خلال جذوره التاريخية.
المراجع والمصادر:
- الجريدة الرسمية للدولة المغربية، العدد 73، السنة الثانية، الرباط، 18 سبتمبر 1914 / 27 شوال 1332هـ.
- ظهير شريف في شأن القوانين التي يتمشى عليها موقتاً فيما يتعلق بالإفلاس وتصفية الحسابات في المحاكم، 1914.
- ظهير شريف في شأن استبدال الدراهم الحسنية بالأوراق المالية للبنك المخزني، 1914.
- ظهير شريف في شأن ما يتعلق بأمور القبائل البربرية بالإيالة الشريفة، 1914.
- قرارات وزارية في تعيين موظفين إداريين للإيالة الشريفة، سبتمبر 1914.
· تحميل العدد 73 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق