مقدمة
تُمثّل الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة المغربية ركيزةً وثائقيةً لا غنى عنها لفهم البنية المؤسسية للمغرب في مرحلة الحماية الفرنسية. فهي ليست مجرد نشرة إدارية تُصدر بصفة منتظمة، بل هي مرآةٌ صادقة تعكس عمق التحولات التي عاشتها البلاد منذ فرض نظام الحماية عام 1912، وتُجسّد بجلاء طبيعة التفاعل المعقد بين مؤسسات المخزن التقليدية وآليات الإدارة الاستعمارية الحديثة.
وتزداد أهمية العدد الرابع بعد المئة من هذه الجريدة الصادر في الحادي عشر من جمادى الثانية عام 1333 هجرية، الموافق للسادس والعشرين من أبريل 1915 ميلادية، كون هذا العدد يتضمن وثيقةً تشريعيةً شاملة ومتكاملة هي ظهير تنظيم السجون بالمغرب، التي تُعدّ من أبرز النصوص القانونية التأسيسية في تاريخ الحقوق والمنظومة العقابية المغربية الحديثة. يُضاف إلى ذلك جملةٌ من قرارات التعيين والترقية في أجهزة الشرطة والقضاء والمكتب المدني، فضلاً عن قرار وزيري متعلق بضبط المواد الكيماوية المستخدمة في وقود الخمر (البنزين والكحول)، وختاماً بصفحات المدالية الحربية التي تُسلّط الضوء على مشاركة جنود مغاربة في معارك الحرب العالمية الأولى على الجبهة الجزائرية والفرنسية.
يسعى هذا المقال إلى قراءة شاملة لهذا العدد بمنهج تحليلي تاريخي وقانوني، يُغطي محاوره الكبرى دون تكرار أو إهمال لأيٍّ من جوانبه الجوهرية، مُسلّطاً الضوء على دلالاته العميقة في مسار بناء الدولة المغربية الحديثة.
تحميل العدد 04 بتاريخ 26 أبريل 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: السياق التاريخي والإطار العام للعدد 104
1.1. موقع هذا العدد في مسار تأسيس المنظومة القانونية الحديثة بالمغرب
حين وضعت فرنسا يدها على زمام الحماية في المغرب عام 1912، كانت أمام تحدٍّ مزدوج: الإبقاء على الشرعية الرمزية للمخزن المغربي من جهة، وتحديث الجهاز الإداري والقانوني وفق المعايير الأوروبية من جهة أخرى. وكان من نتيجة هذا التوازن الهشّ أن نشأت منظومة تشريعية هجينة تستند صياغتها إلى لغة السلطة المخزنية التقليدية، بينما تنبثق مضامينها من القانون الاستعماري الفرنسي.
وفي هذا السياق، يأتي العدد 104 من الجريدة الرسمية حاملاً ظهير تنظيم السجون الذي يُمثّل أول تقنين شامل لإدارة المؤسسات العقابية في المغرب الحديث. قبل هذا الظهير، لم يكن ثمة نص قانوني موحّد يُنظّم طريقة تأسيس السجون وضبطها وإدارة شؤون المسجونين فيها. وكان الأمر يُدار بصفة عرفية أو بقرارات جزئية متفرقة تفتقر إلى التنسيق والشمولية. ومن هنا تتجلى القيمة التأسيسية لهذا النص الذي أرسى معالم منظومة سجنية حديثة في المغرب.
1.2. الحرب العالمية الأولى وانعكاساتها على المضامين التشريعية
صدر هذا العدد في السنة الثانية من الحرب العالمية الأولى، وهو ما خلّف أثراً واضحاً في بعض مضامينه. فقد تضمّن قراراً وزيرياً مُهمّاً يتعلق بمخالفة نص قرار وزيري سابق صادر عام 1332 هجرية، يخصّ إسقاط كمية روح الخشب المعروف بالميتيلين التي تُضاف إلى روح الخمر وذلك من عشرة إلى خمسة في المائة. ويُدرك المتأمّل في هذا القرار أن الحرب كانت تُصعّب الحصول على المواد الكيماوية الخام، فاضطرت إدارة الحماية إلى تعديل المعايير التقنية لتُواكب ظروف الندرة.
وأبرز ما يُجسّد حضور الحرب في هذا العدد هو صفحات المدالية الحربية التي رصدت بأسلوب تسجيلي دقيق وقائع بطولية لجنود مغاربة مجنّدين ضمن قوات الجزائر الطابور الثالث، واشتركوا في معارك ضارية على الجبهات الغربية. وتُشكّل هذه الشهادات الرسمية المدوّنة وثيقةً تاريخيةً نادرة تُسلّط الضوء على الدور المغربي المنسيّ في الحرب العالمية الأولى.
1.3. البنية التنظيمية والتحريرية للعدد 104
يتوزع محتوى هذا العدد الذي يشمل الصفحات من 127 إلى 138 على أقسام رئيسية ثلاثة: يضم القسم الأول ظهير تنظيم السجون بأبوابه وفصوله المتعددة، ويستغرق الجزء الأكبر من العدد. ويتضمن القسم الثاني مجموعة من القرارات الوزيرية الخاصة بتعيين الموظفين في مختلف المصالح كالبوليس والمحاكم والمكتب المدني. ويختتم العدد بقسم المدالية الحربية الذي يستعرض قائمة المكافأت الممنوحة للجنود المسلمين المتميزين بشجاعتهم في ساحة القتال.
ثانياً: ظهير تنظيم السجون – نص تأسيسي في تاريخ المنظومة العقابية المغربية
2.1. المبادئ العامة لتنظيم السجون وفق الباب الأول
يُرسي ظهير تنظيم السجون في بابه الأول جملةً من المبادئ التأسيسية التي تحكم منظومة الاحتجاز بأسرها. ويتوزع هذا الباب على عدة فصول تُحدّد طبيعة السجون ووظيفتها، وتُرسم فيه الخطوط العريضة للفصل بين فئات المحتجزين المختلفة.
2.1.1. مبدأ التوزيع الجغرافي والوظيفي للسجون
نصّ الفصل الأول على أن تُجعل سجون بالمغرب في المواضع المناسبة لها من جهة الأمن وحفظ الصحة. وتجدر الإشارة إلى ثنائية المعايير التي اعتمدها النص في اختيار مواقع السجون: فهي في آنٍ واحد مواقع لتنفيذ الأحكام القضائية، ومواضع يتعين فيها مراعاة حماية الصحة العامة. ويكشف هذا التوجه عن وعي نسبي بقضية حقوق الإنسان، وإن جاء في سياق استعماري يجعل من هذا الوعي محدوداً ومنقوصاً.
وقد نصّ الفصل ذاته على وجوب أن تكون السجون مُعدّة لسجن الأهليين والأوروبيين بقصد تنفيذ الأحكام الصادرة عليهم من قبل المحاكم، مع اشتراط أن يكون فيها حاجز بين الأوروبيين والأهليين ثم تشرع الحكومة بعد ذلك في تقسيم السجن على الأقسام الآتي بيانها. ويكشف هذا النص عن التراتبية العنصرية التي كانت تُؤطّر المنظومة الاستعمارية برمّتها، إذ أفرزت تمييزاً صريحاً بين المحتجزين الأوروبيين والمحتجزين المغاربة حتى في مؤسسات تنفيذ العقوبات.
2.1.2. الفصل بين فئات المسجونين
أولى المشرّعون عناية خاصة لمسألة الفصل بين مختلف فئات المسجونين. فقد نصّ الفصل الثاني صراحةً على أنه يجب فصل النساء عن الرجال في جميع الأحوال فصلاً تاماً، كما يجب فصل المسجونين البالغين الذين صدر عليهم حكم خفيف عن غيرهم مثل المتهمين أو المسجونين وقتياً أو لالزام التنفيذ أو المفلسين. ويُشكّل هذا الحكم تطوراً ملحوظاً في تنظيم الاحتجاز إذ يرسي مبدأ التصنيف الذي يعكس قدراً من الاستيعاب للمعايير الأوروبية في تدبير العدالة الجنائية.
وتتضمّن هذه الأحكام كذلك نصّاً صريحاً على الفصل بين المسجونين القاصرين ودون الثامنة عشرة وبين الكبار، إذ يجب إفراد كل مسجون له من العمر أقل من ست عشرة سنة عن المسجونين البالغين ليلاً ونهاراً انفراداً تاماً. ويكمن الغرض من هذا التمييز في الحيلولة دون تأثير المسجونين ذوي السوابق الجنائية الخطيرة على صغار السن.
2.2. ضبط الجهاز الإداري للسجون وتنظيم شؤون الموظفين
يتناول الباب الثاني من الظهير تنظيمَ الجهاز البشري المكلّف بتسيير السجون ومراقبتها، ويُحدّد مهام كل موظف ومسؤولياته ضمن منظومة إدارية متماسكة.
2.2.1. هيكل إدارة السجون والتراتبية الوظيفية
ميّز النص بوضوح بين نوعين من السجون تبعاً لحجمها وأهميتها: سجون كبرى تخضع لمدير يضطلع بمسؤولية الإشراف العام على شؤونها، وسجون صغيرة يرأسها قائد الحراس الذي يتولّى بنفسه تسيير شؤونها اليومية. وقد نصّ الفصل الثاني عشر على أن يُجعل كل سجن تحت مسؤولية مدير أو قائد حراس حسب كبر السجن أو صغره، ويكون معه حزب من الحراس مركّب من مستخدمين فرنساويين ومن أعوان أهليين.
وتُبرز هذه التركيبة مرة أخرى ذلك التهجين المؤسسي الذي ميّز إدارة الحماية، إذ تجمع في كل مستوى إداري بين عنصرَين: موظفين فرنسيين يُمثّلون السلطة التقنية والرقابية، وأعوان مغاربة يُشكّلون اليد التنفيذية الميدانية. وكان الكاتب العام لدى دولتنا الشريفة هو المكلّف بالنظر في جميع الموظفين بإدارة السجون والوقوف على تصرف أمورها، مما يُؤكّد المركزية الإدارية التي ميّزت هذا النظام.
2.2.2. صلاحيات مدير السجن وقائد الحراس
حرص الظهير على تحديد دقيق لصلاحيات مدير السجن وقائد الحراس وتوزيع المهام بينهما بما يضمن وحدة التسيير وعدم التداخل. فالمدير أو قائد الحراس هو المسؤول عن إشغال السجن وينفقه وتأديبهم، وان يحرص على النظام داخل السجن وعليه انيحرر تنبيهات يجري العمل بمقتضاها. وكانت هذه التنبيهات أو التعليمات الداخلية تُرفع للمصادقة عليها من الكاتب العام قبل سريانها، مما يكشف عن تدرّج في السلطة يمنع أي مسؤول محلي من التصرف خارج الإطار المرسوم له.
2.3. معاملة المسجونين: من التصنيف إلى الضبط والتأديب
يُخصّص الباب الثالث للبحث في كيفية معاملة المسجونين وضبط سلوكهم، وهو من أكثر أبواب الظهير ثراءً من حيث القواعد التفصيلية والأحكام الدقيقة.
2.3.1. حقوق المسجونين الأساسية وضمانات الدخول والخروج
نصّ الفصل الخامس عشر على مبدأ أساسي مفاده أن لا يُسجن أحد إلا إذا كان مصحوباً بورقة الإذن أو بنسخة حكم أو بورقة الإذن بالقاء القبض عليه. وتُجسّد هذه القاعدة أحد أهم الضمانات الإجرائية المستحدثة، إذ تُلغي في نظرية الأشياء السجن التعسفي الذي لم يكن فيه ضابط قانوني يحكمه في ظل المنظومة المخزنية التقليدية. ويقيد هذا النص سلطة القائمين على السجون بحيث لا يجوز قبول أي محتجز دون صك قانوني معتمد.
كذلك ألزم الفصل السادس عشر بتسجيل كل من دخل السجن أو خرج منه في سجلات خاصة تُحدّد هوية المسجون وعدده وتاريخه وسبب سجنه ومدة سجنه وبيان حالته المدنية، إلى جانب بيان جميع الأشياء التي نُزعت منه عند دخوله للسجن. وهذا الإجراء التوثيقي الدقيق كان يهدف إلى ضبط السجلات وتجنّب الاحتجاز غير الموثق، مع توفير معطيات إدارية حول حركة المسجونين تُعين الإدارة العليا على الرقابة والمحاسبة.
2.3.2. نظام الاستخدام والعمل داخل السجون
تناول الفصل الرابع مسألة الغرض من استخدام المسجونين داخل مؤسسات الاحتجاز، وأقرّ بأنه يجب في كل سجن استخدام المسجونين في أقرب وقت ممكن اما منفردين أو مجتمعين صامتين والخدمة مناسبة لضروريات الناحية والمحل مثل الاشغال الراجعة للمصلحة العمومية واشغال الاستعمار الصناعي أو الزراعي.
ويمتاز هذا النص بطابعه البراغماتي الواضح، إذ لا يُقرّ بحق العمل من منطلق مصلحة المسجون بل يُنظّمه من زاوية مصلحة الإدارة والاقتصاد الاستعماري. فالمسجون يُوجَّه نحو الأعمال التي تخدم المشاريع العمومية والزراعية والصناعية، في حين تُخصَّص خمسة أعشار أجر المحكوم عليه بسنة واحدة أو أقل من ذلك كعائد مادي للمسجون نفسه.
2.3.3. نظام التغذية ومعايير الصحة داخل السجون
يُفرد الباب الثالث عدة فصول للنظر في المتطلبات المادية للمسجونين. فالفصل السابع بشأن طعام المسجونين يُقرّر بأنه سيصدر قرار وزيري في كيفية طعام المسجونين، في حين يُبيح الفصل الثامن للمسجونين أن يشتروا من مالهم الخاص أنواع المأكولات مثل الخبز والخضر والحليب، مع تمييز مهم بين فئتين: أولئك الذين لم يصدر عليهم حكم أو صدر عليهم حكم خفيف فلهم حرية في أخذ طعامهم من خارج السجن من مالهم الخاص، وأولئك الذين صدر عليهم حكم أثقل فتُمنع لهم هذه الامتيازات.
أما الفصل الثالث عشر المتعلق بما يختص بالطب، فقد أوجب على كل طبيب من إدارة الصحة والإعانة العامة الموجود بدائرته سجن أن يعاين المسجونين كل يوم ويحرّر في آخذ الوسائل التي تظهر له نافعة لصحة المسجونين. وكان هذا الحكم يُؤسّس لتقليد الرعاية الصحية الإلزامية داخل السجون، وإن كانت كثير من المؤسسات السجنية في الأماكن النائية تفتقر إلى الطبيب الدائم.
2.4. الضبط والتأديب: نظام العقوبات داخل السجون
أفرد الباب الرابع نصوصاً دقيقة تتعلق بتأديب المسجونين وبيان العقوبات التي تجري عليهم عند ارتكابهم مخالفات داخل المؤسسة السجنية.
2.4.1. تصنيف المخالفات والعقوبات التأديبية
نصّ الفصل العشرون على أن كل مسجون ارتكب جريمة أو جناية تُجرى عليه الأحكام الاعتيادية، وإذا خالف احدهم القوانين التأديبية بداخل السجن فيعاقبه مدير السجن أو قائد الحراس. وحدّد النص ثلاث فئات من المخالفات والعقوبات المقابلة لها: أولاً المخالفات ذات الطابع البسيط كعدم احترام المستخدمين أو الفروط في خدمة مأموريها أو إنشاء هرجا أو مشاجرة، وتترتب عليها عقوبة حبس الجز والماء مدة تتراوح من ثمانية أيام إلى خمسة عشر يوما. أما ثانياً فهي المخالفات من درجة الكبرى كضرب حارساً أو ضرب مسجوناً أو ارتكب جناية كبيرة لم يتقدم ذكرها في بيت التأديب بقيود من الحديد. وتُضاف إلى العقوبة السابقة ثالثاً عقوبة الإفراد بالانفراد في بيت التأديب لمدة يعيّنها المدير أو قائد الحراس.
2.4.2. قواعد استخدام المسجونين في الحراسة العسكرية
أوضح الفصل الثالث والعشرون أنه تكون في كل سجن عسة من العسكر ويؤسّس رئيس الحراس أو المدير ضابطاً مختصاً بأمور السجن، وذلك بعد الموافقة مع الحكومة العسكرية. وكانت هذه العسة العسكرية تُجسّد البعد الأمني في تسيير السجون، وتكشف عن الطابع المزدوج لمؤسسة السجن في عهد الحماية: فهي مؤسسة قضائية من جهة ومنشأة أمنية-عسكرية من جهة أخرى.
2.5. أحكام خاصة بنقل المسجونين وتسريحهم ووفاتهم
يُكمل الباب الخامس والسادس والسابع والثامن صورةً متكاملة عن دورة حياة المسجون من دخوله إلى إفراج عنه أو وفاته داخل مؤسسة الاحتجاز.
2.5.1. نظام نقل المسجونين وشروطه
نصّ الفصل الرابع والعشرون على أن قائد الحراس يسلّم للأعوان المكلفين بالنقل جميع المسجونين الذين صدر عليهم الإذن بالانتقال أو بالإخراج بالاخراج، وذلك في أي وقت من ليل أو نهار وكما يُسلم لهم الورقة المستند عليها في سجنهم ونسخة من الأحكام الصادرة عليهم. وتهدف هذه القاعدة إلى ضمان سلامة إجراءات النقل ومنع التلاعب بملفات المسجونين، مع توثيق كل خطوة في مسار الاحتجاز من الدخول إلى الإفراج.
2.5.2. أحكام وفاة المسجون داخل السجن
خصّص الفصل الخامس والعشرون نصّاً دقيقاً لحالة وفاة المسجون داخل السجن. فإذا توفي أحد من المسجونين فيجب على قائد الحراس أن ينبه على الكناش المسجونين وبعلم الحكومة الادارية لها المراقبة الأمور أن تقيّد الازدياد والوفاة وكذلك فله ذلك الموظف المأمور أن يبلّغ تقييد الازدياد والوفاة وكان من المسجونين راجعاً للمحاكم الفرنساوية فيعلم به وكيل الدولة أو قاضي الصلح. ويُبيّن هذا النص الدقيق كيف كانت حتى وفاة المسجون تُدار وفق إجراءات إدارية توثيقية محكمة تُشرك مختلف الجهات المعنية من إدارة السجن إلى السلطات القضائية.
ثالثاً: القرار الوزيري المتعلق بضبط روح الخمر والمواد الكيماوية
3.1. دلالات القرار الاقتصادية والتقنية في سياق الحرب
يُمثّل القرار الوزيري المتعلق بمخالفة القرار الوزيري السابق الصادر في التاسع والعشرين من قعدة عام 1332 هجرية الموافق لعشرين من أكتوبر 1914م وثيقةً قانونيةً تقنيةً بامتياز. فهو يتعلق بإسقاط كمية روح الخشب المعروف بالميتيلين التي تُضاف إلى روح الخمر ليدفع عنها اداء مخفف وذلك من عشرة إلى خمسة في المائة.
3.1.1. المضمون التقني للقرار
يُوضح النص الجديد أن روح الخشب المعروف بالميتيلين هو الذي يُضاف للمواد المقطرة لأول مرة ولروح الخمر الكريه الطعم ليدفع عنها اداء مخفف. وكان من التقنيات الصناعية المعتمدة آنذاك إضافة كمية من الميتيلين (الكحول الخشبي) إلى الكحول الإيثيلي لجعله غير صالح للشرب وبالتالي إخضاعه لتعريفة جمركية وضريبية مخفّضة بوصفه كحولاً صناعياً لا مشروباً كحولياً.
3.1.2. ارتباط التعديل بسياق الحرب العالمية
يُشير التعديل من نسبة عشرة في المئة إلى خمسة في المئة إلى أن الحرب كانت تُعيق الحصول على الميتيلين بالكمية المطلوبة. فمصانع الكيماويات الألمانية، التي كانت تُمثّل مصدراً رئيسياً لكثير من المواد الكيماوية في أوروبا، باتت حبيسة الحصار الاقتصادي المفروض من الحلفاء. وقد اضطر المسؤولون الإداريون بالمغرب إلى تكييف المتطلبات التقنية مع واقع الندرة، فجاء هذا القرار تسويةً عملية تُوازن بين ضرورة الاستمرار في الإنتاج الصناعي ومتطلبات الضبط الجبائي للمشروبات الكحولية.
رابعاً: قرارات التعيين والترقية في الجهاز الأمني والإداري
4.1. تعيينات الشرطة (البوليس) وأهميتها المؤسسية
تحتل قرارات تعيين أعوان البوليس حيزاً واسعاً من القرارات الإدارية في هذا العدد، مما يعكس الأهمية التي أولتها إدارة الحماية لتأهيل جهاز الشرطة بوصفه الذراعَ الأمنيةَ الميدانية لبسط السيطرة على المجال الجغرافي والسكاني.
4.1.1. التعيينات الجديدة في سلك الشرطة
أصدرت الإدارة قرارات متعددة بتعيين أعوان جدد للبوليس في وظائفهم الرسمية. ففي إطار القرار الوزيري المستند إلى الظهير الشريف الصادر في سادس شوال عام 1331 الموافق لثامن سبتمبر سنة 1913 المتعلق بتنظيم ادارة البوليس العام، عُيّن عدد كبير من أعوان الشرطة الفرنسيين في وظائفهم في سلك الدرجة الرابعة. ومن الأسماء المذكورة في القرار: أوليجي بيير جاكلود، المسيو لفارج ليوناد أوراك، المسيو مرسيل والمسيو جابير والمسيو ميال شارل مريوس كروستي انري والمسيو بابي البير ليوبول، مولاني فرنسوا والمسيو كربوزان، أليكسندر مادريوس والمسيو انجل لويس والمسيو ملانج جادي ريمي مادي جزاف، والمسيو موراشيني دون بير والمسيو ألبير تيني بير والمسيو روك والمسيو جورج مريوس كنسيل والمسيو اونودي جكي ايميل اوبان والمسيو لسياناس فوستان والمسيو أي انري لوى جزاف.
ويكشف طول هذه القائمة عن مشروع منهجي لتكثيف العنصر البشري في جهاز الشرطة، ويُبيّن أن الأعوان الجدد كانوا جميعاً فرنسيين، مما يُؤكّد أن المناصب التقنية والميدانية في قوات الشرطة كانت محفوظة للموظفين الأوروبيين في تلك المرحلة.
4.1.2. تعيين كبار المسؤولين في سلك الشرطة
صدر قرار وزيري بتعيين المسيو مولان والمسيو دلبوس كميسارَيْن للبوليس من الدرجة السابعة، وهي درجة أعلى من درجة الأعوان العاديين، مما يُشير إلى أن النظام الوظيفي في الشرطة كان يتضمن مستويات متعددة للقيادة وأن التعيينات في المناصب العليا تتطلب قرارات وزيرية مستقلة.
4.2. التعيينات في المكتب المدني ومكاتب المحاكم
تضمّن العدد 104 كذلك سلسلة من قرارات التعيين في مكاتب المحاكم والمكتب المدني، وهي امتداد للمسار التنظيمي الذي شرعت فيه الإدارة منذ أوائل الحماية.
4.2.1. التعيينات في مكتبة المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء
صدر ظهير شريف بتعيين موظف مُعاوناً بمكتبة المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء. وتحمل الوثيقة تعيين المسيو بودي جان بتيست من الدرجة الرابعة بمكتبة المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، ابتداءً من السادس والعشرين من جمادى الأولى عام 1333 الموافق لاثني عشر أبريل 1915. وكان هذا النوع من التعيينات يُغذّي الجهاز القضائي بكوادر بشرية جديدة تُواكب التوسع في عمل المحاكم والازدياد المتصاعد في عدد القضايا الناجم عن تنامي السكان الأوروبيين في المدن المغربية وعن تطور المعاملات التجارية والمدنية.
4.2.2. ظهير ترقية كتّاب ومعيّنين بمكاتب المحاكم العدلية
جاء في العدد أيضاً ظهير شريف في ترقي كتاب ومعينين بمكاتب المحاكم العدلية، يُفيد بأن الموظفين المذكورين اسفله قد رُقّوا في درجاتهم. وتتضمن القائمة عدة موظفين رُقّيت درجاتهم، إذ وصلوا إلى رتبة كاتب من الدرجة الخامسة أو السادسة في مكاتب مختلفة كمحكمة الاستئناف بالرباط ومحكمة الصلح بفاس. وتُشير هذه الترقيات إلى أن نظام الموارد البشرية القضائية كان يتطور بصورة منهجية، وأن المسار الوظيفي لموظفي المحاكم كان متدرجاً وواضح المعالم.
خامساً: المدالية الحربية – وثيقة تاريخية نادرة عن بطولات الجنود المغاربة في الحرب العالمية الأولى
5.1. سياق منح المدالية الحربية للجنود المسلمين
يُختتم العدد 104 بقسم بالغ الأهمية التاريخية يُعنى بالمدالية الحربية، وهو القسم الذي يُنبئ بما يُتيحه من معلومات نادرة عن مشاركة جنود مغاربة مسلمين في معارك الحرب العالمية الأولى. ويُصرّح النص الافتتاحي لهذا القسم بأن من يُنعم عليهم بالمدالية الحربية نظراً لشجاعتهم مكافأةً على ما ظهر منهم في ساحة القتال هم ذوو الجنود المسلمين.
5.1.1. هوية الجنود المكرَّمين ومعاركهم
تكشف الوثائق عن أن الجنود المغاربة المكرَّمين كانوا ينتمون إلى الآلاي الثالث والرابع من تيرايور الجزائر (مشاة الجزائر)، وهي وحدات عسكرية كان يضمّها الجيش الفرنسي وتضمّ متطوعين ومجنّدين من شمال أفريقيا وتُرسل إلى جبهات القتال الأوروبية. وقد وردت أسماء عدد من هؤلاء الجنود بتفاصيل بطولاتهم:
مسعود بن الرباع، معاون من الآلاي الرابع من تيرايور الجزائر الطابور الأول، أُقبل من خط ناميه لنجاة قبطانه المجروح جُرح خطراً في موقف الحرس بمركز بير، التصنت على العدو وقطع هذه الايسر. وأما العبساوي (سعيد بن محفوظ) معاون من الآلاي الثالث من تيرايور الجزائر الطابور الثاني، فقد وصل قبل الكل في هجمة الرابع عشر من ديسمبر في هجمة بالسلاح الأبيض إلى خنادق الألمان جاراً ورائه رجال الفرقة ومن ورائه فرقته واظهر مثلاً في الشجاعة.
وإلى جانبهما نجاري (سعيد بن محمد) معاون من الآلاي الثالث من تيرايور الجزائر الطابور الثالث، جُرح في المعركة في عشرين أغسطس وظلّ على خط النار حتى انتهاء المعركة ولم يرجع في عشرين سبتمبر بعد انتهاء المعركة إلا لأنه لم يفقد قياده لوحده وتمكن من الوصول إلى مركز التداوي وظهر بمظاهر الثبات والشجاعة واستحق التنويه به.
5.1.2. اللواذ بن عبد القادر بن عطالله – نموذج بطولي استثنائي
يُستحق التوقف خاصةً عند الشخصية التي يمثلها اللوذر (اللواذ) أبي عيسى بن عطالله بن الهوادي، جندي من الدرجة الثانية من الآلاي الثالث من تيرايور الجزائر الطابور الثاني. وُجدت فرقته بين ناد ين في التاسع والعشرين من أغسطس وناد الألمان وناد فرقة أخرى فتطوع للسير إلى محل تلك الفرقة ليعلمها بتغيير نسق الضرب واظهر بذلك شجاعة فائقة وجُرح بليغاً في الخامس عشر من سبتمبر ورجع إلى ميدان القتال بعد أن شُفي من جرحه.
وأما علي محمد جندي من الدرجة الأولى من الآلاي الثالث تيرايور الجزائر الطابور الثالث، فقد جُرح مرتين في الحرب مرة في الخامس عشر من سبتمبر بالكتف الأيمن ومرة في الخامس والعشرين من نوفمبر في الذراع الأيمن، ورجع إلى القتال في كلا المرتين مُلوءاً بالاندفاع إلى القتال.
وهناك أيضاً عثمان بلميد بن محمد نفار في الآلاي الثاني من الترايور، نفار في هجمة مارس بشجاعته واشتهر وكان الألمان رفعوا كتابة يدعون بها الجنود من الترايور للهرب وسار من الترايور إليهم فتطوع للحرب وساد من الخنادق الفرنساوية وسار إلى خنادق الألمان على مسافة مئتي متر مكشوفة للنيران وحمل لوحة الكتابة وحملها إلى معسكره.
5.2. دلالات المشاركة المغربية في الحرب العالمية الأولى
تستوقف هذه الوثائق المتعلقة بالمدالية الحربية كل باحث في التاريخ المغربي لما تنطوي عليه من دلالات متعددة الأبعاد.
5.2.1. البعد الإنساني: جنود مغاربة في خضم الجحيم الأوروبي
تُجسّد هذه الأسماء والوقائع المُدوّنة بأسلوب جاف في وثيقة إدارية رسمية الحجمَ الإنساني الهائل للتضحيات التي قدّمها جنود مغاربة في حرب لم تكن حربهم بأي معنى مباشر. فقد وجد هؤلاء الشباب المغاربة أنفسهم في خنادق فلاندر وشامبانيا وفرنسا يواجهون آلة حربية أوروبية ضخمة، مُبعدين آلاف الأميال عن بلادهم وذويهم. وقد أبدوا بحسب ما توثّقه هذه الوثائق شجاعةً نادرة وتضحيةً لا تُنكر، وإن ظلّت هذه التضحيات هامشيةً في الرواية التاريخية الكبرى للحرب العالمية الأولى.
5.2.2. البعد السياسي: توظيف البطولة في خدمة الحماية
في المقابل، لا يمكن قراءة صفحات المدالية الحربية دون وعي بأبعادها السياسية. فمنح الأوسمة والمداليات للجنود المغاربة المسلمين لم يكن فعلاً مجرداً من حسابات الحماية، بل كان أداةً ناعمة للتجنيد وتعزيز الولاء في سياق حاجة فرنسا الماسّة إلى مزيد من الجنود لمواجهة الاستنزاف البشري الرهيب على الجبهات الغربية. وكانت هذه التكريمات المنشورة في الجريدة الرسمية تُرسل رسالةً ضمنية للقراء المغاربة المحتملين مفادها أن الانخراط في الجيش الفرنسي هو طريق للتكريم والاعتراف الرسمي.
سادساً: قراءة تكاملية في منظومة الحوكمة الإدارية من خلال العدد 104
6.1. الازدواجية المؤسسية وتوزيع الأدوار بين المخزن والحماية
يُعيد العدد 104 إنتاج الطابع المؤسسي الهجين الذي يُميّز كل أعداد الجريدة الرسمية في تلك المرحلة. فكل وثيقة مفتتحة بـ"الحمد لله وحده" وبـ"أمرنا الشريف بما يأتي"، مما يُوحي بأن السيادة لا تزال في يد السلطان. غير أن آلية الاعتماد والنشر التي يتولاها المقيم العام سانتولار تكشف عن توزيع فعلي للسلطة يضع القرار في نهاية المطاف بيد الإدارة الفرنسية.
6.1.1. دور الوزير الجباص في تدبير الشؤون اليومية
يُواصل الوزير محمد بن محمد الجباص دوره المحوري في توقيع جميع القرارات الوزيرية، سواء تعلق الأمر بتعيين رجال الشرطة أو بقرار ضبط المواد الكيماوية أو بترقية كتّاب المحاكم. ويُشكّل حضوره المستمر ضرورةً إجرائيةً أكثر من كونه تجسيداً لإرادة قرارية فعلية، إذ كانت القرارات الجوهرية تُتّخذ في مكاتب الإقامة العامة ثم تتدفق عبر القنوات الرسمية المخزنية لتكتسب الطابع الشرعي اللازم.
6.1.2. المقيم العام بوصفه حلقة الاعتماد النهائية
يُوقّع سانتولار في نهاية كل ظهير أو قرار وزيري باعتباره المُطّلِع على القرار والمأذون بنشره في الجريدة الرسمية. ويُمثّل هذا الترتيب أوضح تجلٍّ للبنية التراتبية الحقيقية للسلطة في عهد الحماية: مخزن في الواجهة، وإدارة فرنسية في القيادة. وقد كانت أواخر توقيع سانتولار بالرباط تتراوح بين السابع عشر والخامس والعشرين من أبريل 1915 لمختلف وثائق هذا العدد.
6.2. التحديث القانوني بين الضرورة والإكراه
تُثير وثائق هذا العدد تساؤلاً أساسياً حول مفهوم التحديث القانوني في السياق الاستعماري. فظهير السجون، الذي يُقرّ ضمانات إجرائية للمحتجزين كالسجل والتوثيق وإلزامية الصك القانوني، يبدو في ظاهره تقدّماً قانونياً مقارنةً بالمنظومة العقابية التقليدية. غير أنه في جوهره يرسّخ التمييز العنصري من خلال الفصل بين الأوروبيين والأهليين، ويُهيّئ المؤسسة السجنية لاستقبال المعارضين والمقاومين الذين رفضوا الخضوع لنظام الحماية.
هذه الإشكالية الجوهرية تُلقي بظلالها على كل محاولة لتقييم التحديث القانوني في المغرب الاستعماري: أي تحديث؟ ولمصلحة مَن؟ وأيّة حقوق يُكرّسها وأيّة حقوق يُهدرها؟
سابعاً: اللغة القانونية وأسلوب الخطاب الرسمي في العدد 104
7.1. خصائص الصياغة القانونية في ظهير السجون
يتميّز ظهير تنظيم السجون بأسلوب صياغة قانونية أكثر دقةً ومنهجيةً مقارنةً بغيره من الظهائر الواردة في الأعداد السابقة. فهو يعتمد بنيةً موضوعاتيةً واضحة المعالم تتوزع على أبواب وفصول مُعنوَنة بعناوين وصفية تحدد مضمون كل فصل بدقة، كـ"في تنظيم ادارة المسجونين وبضبط السجون" و"في الفصل بين المسجونين" و"في شأن المسجونين الصغار" و"في ضبط استخدام المسجونين".
7.1.1. استيراد المصطلحات القانونية من المرجعية الفرنسية
تُلاحَظ في نص الظهير مصطلحات قانونية هي في الواقع ترجمات عربية مُقرَّبة من المفاهيم الفرنسية في القانون الجنائي والعقوبات. فمصطلح "الكناش" يُقابل le registre (السجل الرسمي)، و"الكانايش" تُقابل les registres، و"أوراق الإذن" تُقابل les mandats d'amener أو les ordres de détention. كذلك مصطلح "الميزانية العامة" يُقابل le budget général، و"بيت التأديب" يُقابل la salle de punition.
7.1.2. اللغة التوثيقية وثقافة الكتابة الإدارية
يُؤسّس هذا الظهير في العديد من أحكامه لثقافة الكتابة الإدارية والتوثيق المنهجي. فهو يُلزم موظفي السجون بتحرير التقارير وتدوين الحوادث وتسجيل المخالفات وإرسال نسخ منها إلى الجهات الإدارية العليا. وتعكس هذه الثقافة البيروقراطية للكتابة نموذجاً للإدارة مختلفاً جذرياً عن الأساليب الشفاهية وغير الموثَّقة التي كانت سائدة في المخزن التقليدي.
7.2. الأرقام والتواريخ بوصفها شواهد على التنظيم الدقيق
تُقدّم وثائق العدد 104 أرقاماً دقيقة تعكس مستوى التقنين والتعيين الكمي في إدارة الحماية. فالمحكوم عليه بأقل من سنة يستحق خمسة أعشار أجر الخدمة، في حين يستحق المحكوم عليه بأكثر من سنة أربعة أعشار. وكان للتقييد في التأديب حدود زمنية محددة: عقوبة الجز والماء من ثمانية أيام إلى خمسة عشر يوماً. ويُجسّد هذا التكميم القانوني نهجاً حديثاً في التشريع يُؤثر الدقة العددية على الصياغات المبهمة.
خاتمة
يُمثّل العدد 104 من الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة الصادر في السادس والعشرين من أبريل 1915 وثيقةً استثنائيةَ الأهمية في مسار تأريخ المؤسسات القانونية والإدارية المغربية. فهو يجمع في صفحاته القليلة مادةً تاريخيةً غنيةً تُلقي ضوءاً كاشفاً على ثلاثة محاور كبرى:
أولها المحور التشريعي، الذي يتجلّى في ظهير تنظيم السجون الذي يُمثّل أول تقنين شامل لإدارة المؤسسات العقابية في المغرب الحديث، ويؤسّس لمنظومة قانونية تجمع بين الضمانات الإجرائية الحديثة والتراتبية التمييزية الاستعمارية.
وثانيها المحور الإداري، المتجلّي في القرارات الوزيرية التي كشفت عن منهجية متواصلة لتأهيل أجهزة الشرطة والقضاء والمكتب المدني بموظفين جدد، في إطار بنية وظيفية متدرّجة ومنظّمة تعتمد على تعاون العنصرَين الفرنسي والمغربي في إطار علاقة غير متكافئة.
وثالثها المحور الإنساني والتاريخي، المتمثّل في صفحات المدالية الحربية التي ترصد بطولات جنود مغاربة على الجبهات الأوروبية، وتُشكّل وثيقةً نادرة في الذاكرة الجماعية المغربية تستحق المزيد من الاهتمام البحثي والتوثيقي.
إن قراءة هذه الوثائق بعيون الحاضر تُذكّرنا أن التاريخ القانوني ليس مجرد تراكم لنصوص مكتوبة، بل هو تعبير عن معادلات القوة والهوية والسيادة التي تشكّل ذاكرة الأمم وتُحدّد مسارات مؤسساتها، وأن فهم جذور الحاضر المؤسسي يتطلب دائماً العودة إلى التحولات الكبرى التي رسمت ملامحه في لحظات التأسيس والانتقال.
تحميل العدد 04 بتاريخ 26 أبريل 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق