مقدمة
تُعدّ الجريدة الرسمية من أهم الوثائق التي تعكس بنية الدولة وآليات اشتغال سلطتها، إذ تجمع بين الطابع القانوني والإداري من جهة، والأهمية التاريخية والتوثيقية من جهة أخرى. وفي سياق المغرب إبان الحماية الفرنسية، شكّلت الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة أداةً محوريةً في تأطير الحياة الإدارية للمملكة، وأداةَ تبليغٍ رسميٍّ للقرارات الصادرة عن الوزارة الكبرى بالرباط، والتي كانت تجمع بين شكليّة المخزن المغربي التقليدية ومتطلبات الإدارة الاستعمارية الحديثة.
يُقدّم هذا المقال قراءةً تحليليةً معمّقة في العدد 103 من الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة، الصادر في الرابع عشر من شهر ربيع الأول عام 1333 هجرية، الموافق للتاسع عشر من أبريل سنة 1915 ميلادية. وقد جاء هذا العدد في خضمّ الحرب العالمية الأولى، وهو ما أثّر بصورة واضحة على مضامينه، لا سيما ما يتعلق منها بالتدابير الأمنية والاقتصادية المرتبطة بمنع السلع ذات الصلة بألمانيا والنمسا من الدخول إلى المنطقة الخاضعة للحماية الفرنسية. فضلاً عن ذلك، يحمل العدد سلسلةً من القرارات الوزيرية المتعلقة بتعيين الموظفين وترقيتهم في مختلف المصالح الإدارية كالمحاكم والمكتب المدني وإدارة الصحة والإعانة العمومية.
يستهدف هذا المقال قراءةَ هذه الوثيقة التاريخية من منظور متعدد الأبعاد يشمل: التحليل التاريخي والقانوني للمضمون، واستجلاء طبيعة الحوكمة الإدارية في تلك المرحلة، ورصد البنية المؤسسية للدولة المغربية تحت الحماية، وإبراز خصوصية الجهاز البشري في التسيير الإداري.
تحميل العدد 103 بتاريخ 19 أبريل 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً: الإطار التاريخي والسياقي لصدور العدد 103 من الجريدة الرسمية
1.1. المغرب والحماية الفرنسية: من الاستقلال إلى الانتداب الإداري
حين وقّع المغرب على معاهدة الحماية الفرنسية في الثلاثين من مارس 1912، انفتح فصلٌ جديدٌ من فصول تاريخه السياسي والإداري. كانت تلك المعاهدة تُقرّ ظاهراً بسيادة السلطان وشرعية المخزن، غير أنها في العمق أسّست لنظام إداري مزدوج تضطلع فيه إدارة الحماية بدور محوري في توجيه شؤون البلاد وتسييرها. وقد جاء الجنرال هوبير ليوطي المقيمَ العامَّ الأول للحماية الفرنسية ليضع اللّبنات الأولى لهذا النظام، مؤثراً أسلوب الإدارة غير المباشرة القائم على استمرار المؤسسات المغربية في الشكل مع تحوّلها في الجوهر.
في هذا الإطار، أُسِّست الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة لتكون الذراعَ التوثيقي لهذا النظام الإداري المزدوج، فكانت تنشر القرارات المُوقَّعة باسم الوزير محمد بن محمد الجباص، والذي كان يمثل الوجه المغربي للسلطة التنفيذية، في حين يُجسّد المقيم العام "سانتولار" الهيمنة الفعلية للإدارة الفرنسية. وقد ظهر هذا الازدواج جليّاً في ترتيب التوقيعات الواردة في كل وثيقة، حيث يُسبق اطلاع المقيم العام وإذنه بالنشر ذِكرَ محرّر القرار في الرباط.
1.2. السياق الدولي وأثره على مضامين الجريدة: الحرب العالمية الأولى
صدر العدد 103 في منتصف شهر أبريل 1915، أي في العام الثاني من الحرب العالمية الأولى. كانت فرنسا في حالة حرب مع ألمانيا والنمسا، وكان لهذا الواقع انعكاساتٌ عملية مباشرة على السياسات الاقتصادية للمنطقة الخاضعة للحماية. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الظهائر الشريفة المنشورة في هذا العدد، والمتعلقة بمنع دخول السلع ذات المنشأ أو الصنع الألماني والنمساوي إلى المنطقة الفرنساوية بالإيالة الشريفة. وكانت هذه التدابير تترجم على الصعيد الإداري المحلي ما كانت القوى الحليفة تطبّقه على المستوى الاقتصادي العالمي من حصار للدول المعادية.
يتجلّى من هذا السياق كيف كانت الحماية الفرنسية تسخّر الجهاز الإداري المغربي لخدمة أهدافها الاستراتيجية في الحرب، مستخدمةً الظهائر الشريفة الصادرة باسم الملك أداةً لتنفيذ قرارات ذات طابع دولي، مع المحافظة على شكلانية المخزن ولغته الإنشائية التقليدية التي كانت تفتتح كلَّ وثيقة بعبارة "الحمد لله وحده".
1.3. البنية الشكلية للجريدة الرسمية وخصائصها التحريرية
يتضمّن العدد 103 فهرستاً واضحاً يعكس تنظيماً دقيقاً لمحتوياته، إذ تنتظم فيه الوثائق في صنفين رئيسيين: الظهائر الشريفة ذات الطابع التشريعي، والقرارات الوزيرية ذات الطابع الإداري. وقد صدرت الجريدة في السنة الثالثة من تأسيسها، بثمن الاشتراك المحدد بثلاثة ريالات وخمسين سنتيماً عن ثلاثة أشهر داخل المملكة الشريفة، وبثمانية ريالات للاشتراك السنوي. وكان يشترط من يرغب في الاشتراك أن يطلبه من إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية بالرباط.
وتكشف هذه التفاصيل الشكلية أن الجريدة لم تكن مجرد نشرة رسمية داخلية، بل كانت وسيلةً للتواصل مع عموم القراء، مما يشير إلى أن النظام الجديد كان يسعى إلى بناء ثقافة قانونية متأسّسة على الشفافية التوثيقية، ولو في شكلها الاستعماري الخاص.
ثانياً: الظهائر الشريفة المتعلقة بمنع السلع الألمانية والنمساوية وأهميتها القانونية
2.1. النصوص التشريعية لمنع التجارة مع الدول المعادية
يحتل الجزء التشريعي الأبرز من العدد 103 ثلاثةَ ظهائر شريفة متتالية تتعلق جميعها بمنع ادخال السلع التي تُنبتها ألمانيا والنمسا أو تُصنّعها، أو التي تُعدّ من محصولاتهما، إلى المنطقة الخاضعة لسلطة الحماية الفرنساوية بالإيالة الشريفة. وتتوزع هذه الظهائر في ثلاثة فصول كاملة تُعالج الموضوع من زوايا تشريعية متعددة ومتكاملة.
2.1.1. الفصل الأول: مبدأ الحظر الشامل
ينصّ الظهير الأول في مادته الأولى نصّاً صريحاً وحازماً على حظر إدخال السلع التي تُنبتها ألمانيا والنمسا أو التي هي من محصولاتهما أو من صنعهما إلى منطقة الحماية الفرنسية بالإيالة الشريفة. ويتميّز هذا النص بشموليته؛ إذ لا يقتصر على أصناف بعينها من البضائع، بل يُغطّي كل ما له صلة بالبلدين المعاديين، أياً كان جنسه وأياً كان المُرسِل له أو المُرسَل إليه. وقد حُرّر هذا الظهير بالرباط في الثامن والعشرين من جمادى الأولى عام 1333 هجرية، الموافق للخامس عشر من أبريل 1915م.
2.1.2. الفصل الثاني: تعريف نطاق الحظر وضبط مفهوم السلع المحظورة
جاء الفصل الثاني ليُحكم تعريف نطاق الحظر ويمنع أي تأويل ضيّق يُفضي إلى ثغرات في التطبيق. فقد نصّ صراحةً على أن هذا الحظر يشمل كل السلع التي تُنبتها ألمانيا والنمسا أو التي هي من محصولاتهما أو من صنعهما، مهما كان جنسها والمرسَل لها والمرسَل إليه. ويستشفّ من هذه الصياغة الحرصُ على سدّ باب الاستثناء الذي كان يمكن أن يُفتح لو اقتصر النص على أصناف معينة أو على جنسيات بعينها. وكان المشرعون يهدفون من وراء ذلك إلى ضمان تطبيق العقوبات الاقتصادية المفروضة على ألمانيا والنمسا في كل وسيلة ممكنة للتحايل عليها.
2.1.3. الفصل الثالث: إجراءات التنفيذ وآليات الرقابة الجمركية
لم يكتفِ النص بتقرير مبدأ الحظر وتحديد نطاقه، بل تجاوز ذلك إلى رسم الآليات العملية لتطبيقه ومراقبة تنفيذه. فقد نصّ الفصل الثالث على أن هذه السلع المشار إليها، والتي قد تدخل المنطقة الفرنساوية بالرغم من المنع، يجب حجزها قبل أن يقع نقلها من قبل رؤساء الديوانة المكلفين بالجراس القضائيين الألمانيين والنمساويين إلى أن يُبتّ في الصورة التي وقع فيها إدخال السلع المذكورة وذلك بعد التأمل الكافي. وقد حرص هذا النص على أن يُسند أمر التنفيذ إلى موظفين مختصين على رأسهم رؤساء الديوانة، مما يدل على أن المنظومة الجمركية كانت إلى ذلك الحين قد بلغت درجةً من التنظيم تُهيّئها للاضطلاع بمثل هذه المهام الرقابية الحساسة.
2.2. السياق القانوني لهذه التشريعات: ظهير 1914 وامتداداته
لفهم هذه الظهائر في سياقها الصحيح، يجب الرجوع إلى ظهير شريف سابق أشارت إليه إحدى الوثائق المنشورة في هذا العدد بوصفه الإطار القانوني المرجعي، وهو الظهير المؤرخ في ذي الحجة الحرام عام 1332 هجرية الموافق لعاشر نوفمبر 1914م، والمتعلق بمنع العلاقات التجارية مع ألمانيا والنمسا بخلاف ما هو مستثنى منه. وقد جاء العدد 103 ليُتمّم هذا الإطار القانوني بتفسيراته وتوضيحاته وتعديلاته، مما يُشير إلى أن المنظومة التشريعية الخاصة بالحرب كانت تتطور وتتكيّف مع المتطلبات الميدانية لتطبيق إجراءات الحرب الاقتصادية.
2.3. أثر هذه التشريعات على الاقتصاد المغربي
لا يمكن قراءة هذه التشريعات بمعزل عن تأثيراتها الاقتصادية المباشرة على المغرب. فرغم أن ألمانيا لم تكن الشريك التجاري الأول للمغرب في تلك المرحلة، إلا أن بعض القطاعات كانت تستورد بضائع ذات صنع ألماني أو نمساوي. وقد أسهمت هذه القيود في إعادة توجيه التدفقات التجارية نحو الشركاء الفرنسيين والبريطانيين وحلفائهم. كما كشفت هذه الوثائق أن إدارة الصيد في عمالة وجدة كانت تنظّم عملها وفق منظومة المراقبة البدوية والعمالية التي أرستها الحماية، إذ نصّت إحدى الوثائق على وقف إجراء العمل بالقرار الوزيري المتعلق بانتهاء أمد الصيد في المنطقة الفرنساوية بالإيالة الشريفة، مما يدل على أن الرقابة الاقتصادية كانت شاملة تمتد من التجارة الخارجية إلى استغلال الموارد الطبيعية المحلية.
ثالثاً: القرارات الوزيرية لتنظيم الجهاز الإداري وتعيين الموظفين
3.1. منظومة التعيينات الإدارية وأهميتها المؤسسية
تُشكّل قرارات التعيين والترقي الجزءَ الأكبر من مضامين العدد 103. وتكشف هذه القرارات مجتمعةً عن منظومة إدارية تجمع بين الكفاءات الفرنسية المنتدَبة في المناصب الفنية والتخصصية، والكوادر المغربية التي تضطلع بالوظائف الكتابية والقضائية. وقد استهدف هذا النظام تأهيلَ جهاز إداري هجين قادر على مواكبة متطلبات الحداثة الإدارية مع الإبقاء على الطابع الشرعي المغربي للمؤسسات.
3.1.1. التعيينات في مكاتب المحاكم المدنية والابتدائية
تضمّنت الوثائق الواردة في هذا العدد عدة تعيينات في مكاتب المحاكم المنتشرة في أرجاء المغرب. فقد تقرر تعيين موظف بمكتبة محكمة الصلح بفاس، وآخر بمكتبة المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، وذلك وفق إجراءات موحّدة تعكس وجود نظام هرمي متّسق لتدبير الموارد البشرية القضائية. وتشمل هذه التعيينات شريحتين اجتماعيتين متمايزتين: الموظفون الرسميون الدائمون الذين يُثبَّتون في وظائفهم بظهائر رسمية، والموظفون المتطوعون الذين يُعيَّنون بشكل مؤقت ريثما يُثبَّتون في الدرجات المناسبة.
في هذا الإطار، صدر ظهير شريف بتعيين عمار بن الحاج المين المتطوع في وظيفة كاتب بمكتبة محكمة الصلح بفاس رسمياً، وانخرط في سلك الدرجة الرابعة ابتداءً من فاتح مارس 1915. وبالمثل، صدر ظهير بتعيين السيد كريبوسيا (Criboucia) المسيو المعين من الدرجة الرابعة بمكتبة المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء. ويُلاحَظ هنا التعايش بين الأسماء المغربية وأسماء المُعيَّنين الأوروبيين في السلك الإداري ذاته، مما يعكس الطابع الهجين للجهاز الإداري في عهد الحماية.
3.1.2. التعيينات في المكتب المدني
يُعدّ المكتب المدني من أبرز المؤسسات التي أرستها إدارة الحماية، إذ اضطلع بدور توثيقي وتنسيقي في تدبير شؤون الموظفين الأوروبيين والمحليين العاملين في الإدارة المغربية. وقد تضمّن العدد 103 قرارات عدة تخصّ هذه الهيئة، من بينها تعيين الكاتب بادين لوي (Baudin Louis) رسمياً في وظيفته كناسخ كاتب بالمكتب المدني، وانخرط في سلك الدرجة الرابعة ابتداءً من فاتح أبريل 1914. كما تُكشف وثيقة أخرى عن تعيين المسيو كاريك (Carique) ناسخاً بالالة الكاتبة بالمكتب المدني في الدرجة الرابعة ابتداءً من ثالث أبريل 1914.
ويُشير توظيف آلة الكاتبة في هذا التوقيف المبكر (1914-1915) إلى أن إدارة الحماية حرصت منذ بداياتها على إدخال الأدوات التقنية الحديثة في سير المصالح الإدارية، مما يعكس مشروعاً تحديثياً واعياً للجهاز الكتابي وإن كان يخدم في المقام الأول مصالح الإدارة الاستعمارية.
3.2. تنظيم حزب الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة
شكّل تنظيم حزب الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة واحدةً من أبرز القضايا الإدارية التي تناولها العدد 103. وقد أشارت الوثائق إلى قرارات وزيرية متعددة صادرة بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في حادي عشر جمادى الأولى عام 1331 هجرية الموافق لثامن عشر أبريل 1913م، والمتعلق بتنظيم حزب الموظفين الإداريين بالإيالة الشريفة. وكان هذا الظهير الإطار التنظيمي الأساسي الذي ضبط هيكل المؤسسة الإدارية وحدّد شروط الانتساب إليها وآليات الترقي فيها.
3.2.1. القرار الوزيري الخاص بتعيين الناسخين الكتابيين
صدرت بمقتضى الظهير الشريف المذكور قرارات لتعيين ناسخين كُتّاب في الدرجة الرابعة من سلك الموظفين الإداريين، وذلك في مؤسسات مختلفة، ومن بينها المكتب المدني. وكانت هذه التعيينات تُجرى بصفة متطوعة تمهيداً للتثبيت الرسمي، وكان المعيَّنون ينخرطون في السلك من الدرجة الرابعة بوصفها نقطة الانطلاق في السلّم الوظيفي. ويُلاحَظ أن هذا النظام كان يُخضع تعيين الكتّاب لقرار الوزير الشخصي، مما يدل على مركزية اتخاذ القرار في الجهاز الإداري آنذاك.
3.2.2. القرار الوزيري الخاص بتنظيم التطوع الإداري
تُفيد إحدى الوثائق بأن نظام التطوع كان مسلكاً معترفاً به للدخول إلى الوظيفة العمومية، وكان يُتيح للأفراد الراغبين في الانخراط في الجهاز الإداري تقديم خدماتهم دون مقابل في بادئ الأمر، على أن تُقيَّم كفاءتهم وينخرطوا رسمياً في السلك متى توافرت الشروط والمناصب. وقد تقرر بموجب هذا الإطار تعيين الكاتب بادين ناسخاً متطوعاً رسمياً في وظيفته، وذلك في الدرجة الرابعة ابتداءً من فاتح أبريل 1914.
3.3. منظومة تعيينات قطاع الصحة والإعانة العمومية
حظي قطاع الصحة والإعانة العمومية بنصيب وافر من قرارات التعيين والترقية الواردة في هذا العدد، مما يكشف عن الاهتمام الذي أولته الحماية الفرنسية لتأهيل منظومة صحية حديثة في المغرب، وإن كانت في الغالب موجّهة لخدمة الأوروبيين والنخب المغربية في بادئ الأمر قبل أن تتّسع تدريجياً لتشمل عموم السكان.
3.3.1. القرارات الوزيرية لتعيين الأطباء
تضمّنت الوثيقة الخاصة بإدارة الصحة والإعانة العمومية قائمةً بأسماء الأطباء الذين يتم تعيينهم رسمياً في وظائفهم في سلك الدرجة الخامسة، وينخرطون في التطبيع بعد سنتين لكل واحد منهم. وتُصنَّف هذه القرارات في صنفين: الأول يتعلق بتعيينات جديدة في وظائف الأطباء، والثاني يتعلق بترقيات في الدرجات للأطباء المزاولين مسبقاً. ومن الأطباء المشار إليهم في وثيقة التعيين:
- الطبيب بوفيري شارل لوي (Beaufrey Charles-Louis) كستاف
- الطبيب فريدريك إيميل ليون (Frédéric Émile Léon)
- الطبيب بربنو اشيل مادى (Barbineau Achille Mady) فيكتور دبني
- الطبيب روث بول ابمل سيانفير (Roux Paul)
- الطبيب برديايليس دنيال هيبير (Perdriails Daniel Hiber)
- الطبيب فريدبرسي جورج شارل أليكسندر
3.3.2. القرارات الوزيرية لترقي الأطباء
إلى جانب التعيينات الجديدة، تضمّن العدد 103 أيضاً قراراً وزيرياً لترقية أطباء كانوا قد سبق تعيينهم وكانوا ينتظرون الترقية إلى درجات أعلى. وقد صدرت هذه الترقيات بناءً على قائمة الترقي التي أعدّها المجلس الإداري في جلسته المنعقدة في عاشر مارس 1915. وتتضمن هذه القائمة ترقية الطبيب مودان جيل لوي فرنسوا إلى الدرجة الثانية طبيباً ابتداءً من سابع عشر مايو 1915، وترقية الطبيب مادى (Mady) فرنسوا إلى الدرجة الثالثة طبيباً ابتداءً من ثامن عشر مايو 1915، وترقية الطبيب بيان لوي ميشال إلى الدرجة الثالثة طبيباً ابتداءً من سادس يونيو 1915.
رابعاً: التنظيم القانوني لنشاط الصيد وإدارة الموارد الطبيعية
4.1. وثيقة إيقاف العمل بالقرار المتعلق بانتهاء أمد الصيد
تبرز في العدد 103 وثيقة بالغة الأهمية تتعلق بإيقاف العمل بقرار وزيري سابق يتعلق بانتهاء أمد الصيد في منطقة عمالة وجدة. فقد صدر قرار وزيري بعدم إجراء العمل بالقرار الوزيري المؤرخ بسابع عشر ربيع الثاني عام 1333 الموافق لسابع عشر أبريل 1915م، والمتعلق بانتهاء أمد الصيد بالمنطقة الفرنساوية بالإيالة الشريفة، وذلك في عمالة وجدة وحده.
4.1.1. السياق الإداري لهذا القرار الاستثنائي
يُلاحَظ أن هذا القرار ذو طابع استثنائي، إذ أوقف العمل بقرار سابق في منطقة جغرافية بعينها، وهي عمالة وجدة. ويُشير هذا إلى أن إدارة الحماية كانت واعيةً بالخصوصيات الجغرافية والاقتصادية لكل منطقة، وأنها كانت على استعداد لتعديل قراراتها لتتلاءم مع الواقع المحلي. كما يُشير القرار إلى أن ممارسة نشاط الصيد كانت تخضع لتنظيم صارم من قِبل إدارة الحماية، سواء فيما يتعلق بمواسم الصيد أو بالمناطق الجغرافية المخصصة له.
4.1.2. المراقبة البدوية وصلتها بنشاط الصيد
تكشف الوثيقة كذلك عن صلة وثيقة بين أمد الصيد والمراقبة البدوية، إذ جاء في إحداها أن القرار الوزيري الصادر بتاريخ السادس عشر فبراير 1915 يتعلق بمراقبة البادية. ويُلمح هذا الترابط إلى أن الإدارة الاستعمارية كانت تُدير الموارد الطبيعية ضمن منظومة أمنية متكاملة تربط بين الموارد الاقتصادية وضبط الفضاء الجغرافي والسكاني.
4.2. نظام الرقابة على الأنشطة الاقتصادية في منطقة الحماية
تُظهر الوثائق المتعلقة بالصيد والرقابة الاقتصادية أن إدارة الحماية الفرنسية أسّست منظومة متكاملة للتحكم في الأنشطة الاقتصادية داخل المنطقة الخاضعة لسيطرتها. وكانت هذه المنظومة تستند إلى ثلاثة مستويات تنظيمية متوازية: المستوى التشريعي المتمثل في الظهائر الشريفة، والمستوى التنفيذي المتجسّد في القرارات الوزيرية، والمستوى الميداني المتمثل في الأجهزة الإدارية المحلية كالمراقبة البدوية ورؤساء الديوانة. وقد أتاح هذا التنظيم المتشعّب لإدارة الحماية بسط نفوذها الاقتصادي على كافة جوانب الحياة المادية في المغرب، من التجارة الخارجية إلى الموارد الطبيعية الداخلية.
خامساً: الإصلاح الإداري وبناء الدولة الحديثة في ضوء وثائق الجريدة الرسمية
5.1. الازدواجية المؤسسية بين المخزن والإدارة الاستعمارية
تعكس وثائق العدد 103 بوضوح ذلك الازدواج المؤسسي الذي ميّز تجربة الحماية في المغرب. فمن جهة، تحمل القرارات وصمةَ الشرعية المخزنية المتجسّدة في عبارة "الحمد لله وحده" الافتتاحية التقليدية التي كانت مُلزَمة في كل وثيقة رسمية مغربية، وفي صيغة "أمرنا الشريف بما يأتي" التي تُوحي بأن الإرادة الملكية هي مصدر القرار. ومن جهة أخرى، تُذيَّل هذه القرارات جميعها بتوقيع الوزير محمد بن محمد الجباص أولاً، ثم يُسجَّل اطلاع المقيم العام "سانتولار" وإذنه بالنشر، مما يكشف أن السلطة الفعلية كانت في يد الإدارة الفرنسية.
5.1.1. دور الوزير محمد بن محمد الجباص في الحوكمة الإدارية
يمثل الوزير محمد بن محمد الجباص شخصيةً محوريةً في بنية الحوكمة الإدارية التي تعكسها وثائق هذا العدد. فقد وقّع على جميع القرارات الوزيرية الواردة فيه، سواء تعلق الأمر بالتعيينات الإدارية أو بتنظيم موظفي الصحة أو بالترقيات. وكان الجباص يضطلع بدور الواجهة المؤسسية التي تمنح القرارات الصادرة عن إدارة الحماية قدراً من الشرعية المغربية، وإن كانت الحقيقة الإدارية تكشف أن صلاحياته كانت محدودة بما ترسمه الإدارة الفرنسية من سياسات وتوجهات.
5.1.2. دور سانتولار المقيم العام في اعتماد القرارات
كان المقيم العام "سانتولار" يُسجَّل في نهاية كل وثيقة رسمية بوصفه المُطَّلِع على القرار والمأذون بنشره. ويُمثّل هذا الترتيب إجراءً قانونياً أساسياً، لأنه يعني أن أي قرار صادر باسم الوزير المغربي لا يكتسب صفة النفاذ الرسمي إلا بعد موافقة المقيم العام وإذنه بالنشر في الجريدة الرسمية. وقد كان مكتب النشر بالرباط ينظر في القرارات ويأذن بنشرها في التواريخ الموضحة في كل وثيقة، وهو ما يؤكد الطابع المركزي للرقابة الفرنسية على المنظومة التشريعية والإدارية في المغرب.
5.2. نظام الدرجات والسلم الوظيفي في الإدارة الاستعمارية
تكشف وثائق العدد 103 عن نظام دقيق من الدرجات الوظيفية الذي كان يُنظّم السلّم الهرمي للموظفين في مختلف المصالح. فقد كانت الدرجة الرابعة تمثل درجة الدخول إلى الوظيفة العمومية في الغالب، بينما كانت الدرجة الخامسة درجةً أعلى تليها الدرجة الثالثة ثم الثانية. وكانت الترقية تتم وفق آلية مزدوجة: إما عن طريق قائمة الترقي التي يُعدّها المجلس الإداري، وإما بقرار وزيري مباشر بناءً على اقتراح الجهات المختصة.
5.2.1. ازدواجية المسار الوظيفي بين التطوع والتثبيت الرسمي
اعتمد نظام الوظيفة العمومية في عهد الحماية على مسار وظيفي ثنائي المرحلة: تبدأ أولاً بمرحلة التطوع (le bénévolat) التي يعمل خلالها الموظف دون مقابل لإثبات كفاءته، ثم يلتحق بمرحلة التثبيت الرسمي بمرتب وبدرجة في السلم الوظيفي. وقد كانت هذه المرحلة الأولى مدخلاً مزدوجاً: لاختبار كفاءة المرشح من جهة، ولتوفير يد عاملة مجانية لإدارة كانت لا تزال في طور البناء والتأسيس من جهة ثانية.
5.2.2. دور المجلس الإداري في إدارة الموارد البشرية
كان المجلس الإداري هيئةً استشاريةً مرجعيةً في قرارات الترقية والتعيين. وقد ورد في وثائق العدد 103 ذِكرُه في عدة مناسبات، لا سيما فيما يتعلق بقائمة ترقي أطباء إدارة الصحة والإعانة العمومية، حيث حُرّرت القرارات بمقتضى الرأي الذي قدمه المجلس الإداري في جلسته المنعقدة في عاشر مارس 1915. ويُشير هذا إلى وجود آليات تشاورية في اتخاذ قرارات الموارد البشرية، وإن كانت السلطة النهائية تبقى في يد الوزير ثم المقيم العام.
5.3. التحديث الإداري وإشكاليات التهجين المؤسسي
تُثير وثائق العدد 103 إشكاليةً جوهريةً تتعلق بمفهوم التحديث الإداري في السياق الاستعماري. فمن ناحية، أسهمت الحماية في نقل أساليب تنظيمية حديثة في تدبير الموارد البشرية والمؤسسات القضائية والصحية لم تكن معهودة في المغرب قبل 1912. ومن ناحية أخرى، كانت هذه الأساليب مُثبَّتة في إطار علاقة قوة غير متكافئة تجعل من الوظيفة العمومية أداةً لتكريس السيطرة الاستعمارية لا مجرد جهاز خدمي محايد.
ويمكن القول إن التهجين المؤسسي الذي تعكسه هذه الوثائق كان ظاهرةً لها وجهان: وجه التحديث المادي في الأساليب والهياكل، ووجه التبعية السياسية في التوجهات والغايات. وهذا ما سيُشكّل لاحقاً إرثاً مركّباً واجهه المغرب بعد الاستقلال عام 1956، حين اضطر إلى بناء جهاز دولتي وطني على أسس موروثة من الحقبة الاستعمارية.
سادساً: اللغة القانونية وأسلوب الخطاب الرسمي في الجريدة
6.1. تحليل أسلوب الكتابة الرسمية وصيغها
تتميز لغة الوثائق الواردة في العدد 103 بطابع رسمي رصين يجمع بين العربية الكلاسيكية ذات المرجعية المخزنية، واصطلاحات إدارية وليدة جديدة تعكس ضرورات الترجمة الإدارية من الفرنسية إلى العربية. وتُفتتح الوثائق جميعها بعبارة "الحمد لله وحده"، التي تحمل دلالةً دينيةً وسياسيةً واضحة، إذ تُجعل الوثيقة الرسمية في امتداد خطاب السلطة الشرعية للسلطان.
6.1.1. الصيغ التعريفية والبنى الإنشائية
تعتمد وثائق الجريدة بنية إنشائية ثابتة تسير على النسق الآتي: تحديد الجهة الموضوعة لمادة القرار، ثم الإشارة إلى الأسس القانونية التي يستند إليها القرار بصيغة "بمقتضى الظهير الشريف"، فتحديد تاريخ صدور هذا الظهير المرجعي وموضوعه، ثم الانتقال إلى مضمون القرار المحدد بصيغة "قررنا ما يأتي" أو "قدرنا ما يأتي"، وختم الوثيقة بتاريخ تحريرها وتوقيعات الجهات المختصة. وهذه البنية المحكمة تعكس درجة عالية من التقنين الإجرائي الذي طبع عمل الجهاز الإداري منذ مرحلة الحماية المبكرة.
6.1.2. مصطلحات جديدة في الخطاب الإداري المغربي
يُلاحَظ في وثائق العدد 103 ظهور مصطلحات إدارية جديدة لم تكن معهودة في الخطاب الرسمي المغربي قبل الحماية. فمصطلحات من قبيل "سلك الدرجة الرابعة" و"المكتب المدني" و"إدارة الصحة والإعانة العمومية" و"المقيم العام" و"الالة الكاتبة" (آلة الكتابة) تكشف عن تحولات اصطلاحية عميقة تعكس تحولات مؤسسية أعمق. وكانت هذه المصطلحات تُرجمةً عربيةً لمفاهيم إدارية فرنسية (Résidence Générale, Corps de grade 4, Bureau civil, etc.)، وقد رسّخت في اللغة الإدارية المغربية تقاليدَ توثيقيةً لا تزال حاضرة في بعض تجلياتها إلى اليوم.
6.2. التواريخ المزدوجة وإشكاليات التأريخ في المغرب الاستعماري
ظاهرة أخرى لافتة تطبع وثائق الجريدة الرسمية، وهي استخدام تاريخ مزدوج يجمع بين التاريخ الهجري والتاريخ الميلادي في الوثيقة ذاتها. فكل ظهير أو قرار وزيري يُشير صراحةً إلى تاريخ تحريره بالتقويمين معاً، وكثيراً ما يُبدأ بالتاريخ الهجري ثم يُذيَّل بمقابله الميلادي. ويعكس هذا الازدواج في التأريخ الحالةَ التي كان يعيشها المغرب آنذاك في مرحلة انتقال بين نظامين مرجعيين: النظام المخزني المؤطَّر بالتقويم الهجري، والنظام الاستعماري المنتظم وفق التقويم الميلادي الغربي.
سابعاً: دلالات الجريدة الرسمية بوصفها مصدراً تاريخياً وأرشيفياً
7.1. قيمة الجريدة الرسمية في التوثيق التاريخي
تكتسب الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة قيمةً توثيقيةً استثنائيةً بوصفها مصدراً أوليّاً مباشراً للتاريخ الإداري والاجتماعي للمغرب في مرحلة الحماية. فهي تُتيح للباحثين التاريخيين والقانونيين الاطلاعَ على القرارات الرسمية كما صدرت فعلاً دون وساطة أو تأويل لاحق، مما يجعلها مرجعاً لا غنى عنه لدراسة تطور الجهاز الإداري المغربي وإجراءات الموارد البشرية والتشريعات الاقتصادية والصحية.
7.1.1. ما تكشفه وثائق الموظفين عن البنية الاجتماعية
تكشف قرارات التعيين والترقية عن معطيات ثمينة حول البنية الاجتماعية للجهاز الإداري في عهد الحماية. فمن خلال أسماء الموظفين المُعيَّنين، يتضح بجلاء الانقسام الذي كان قائماً في هرم الوظيفة العمومية: فقد كان الأوروبيون يحتلون في الغالب مواقع الخبرة التقنية (الأطباء، المهندسون، الكتّاب الفنيون)، بينما كان المغاربة يُعيَّنون أساساً في الوظائف الكتابية والقضائية. وكان هذا التوزيع انعكاساً للسياسة الاستعمارية التي حرصت على الإبقاء على وظائف السلطة الرمزية في أيدي المغاربة، مع الاحتفاظ بالسلطة التقنية والإشرافية للموظفين الأوروبيين.
7.1.2. الجريدة الرسمية مرآةً للسياسات الاقتصادية الكبرى
تُجسّد الظهائر الخاصة بمنع السلع الألمانية والنمساوية نموذجاً واضحاً على كيفية انعكاس السياسات الدولية الكبرى على المستوى التشريعي المحلي. فما كانت تقرره الدول العظمى من أحكام الحرب والحصار الاقتصادي كان ينزل إلى مستوى الوثيقة الرسمية المغربية ليُترجَم في ظهائر شريفة تُنشر في الجريدة الرسمية. وهذا يُثبت أن المغرب في تلك المرحلة لم يكن مجرد أرض محكومة، بل كان ساحةً يُعاد فيها إنتاج الصراعات الدولية الكبرى بأشكال ومضامين إدارية محلية.
7.2. الجريدة الرسمية والذاكرة القانونية المغربية
تُشكّل هذه الأعداد الأولى من الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة ركيزةً أساسيةً من ركائز الذاكرة القانونية المغربية. فهي تحمل في طياتها البذور الأولى للمنظومة التشريعية والإدارية الحديثة التي ورثها المغرب بعد الاستقلال، وتعكس المرحلة الانتقالية الصعبة التي انتقل فيها البلد من نظام مخزني تقليدي إلى جهاز دولة حديث ذي بيروقراطية منظّمة. وتُسهم دراسة هذه الوثائق في إعادة بناء الذاكرة المؤسسية للدولة المغربية الحديثة وفهم جذور كثير من الممارسات الإدارية والقانونية التي لا تزال قائمة.
ثامناً: استمرارية المؤسسات وأثر الجريدة الرسمية في الجهاز الإداري المعاصر
8.1. الامتداد المؤسسي من عهد الحماية إلى الدولة المغربية المستقلة
حين نال المغرب استقلاله عام 1956، وجد نفسه أمام إرث مؤسسي معقد تُجسّده الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة بكل ما تحمله من تعقيد وازدواج. فقد واصل المغرب المستقل العمل بمؤسسة الجريدة الرسمية بوصفها الأداةَ الرسميةَ لنشر التشريعات والقرارات الإدارية، وإن تغيّرت تسميتها وجرى تطوير محتواها وأسلوب إصدارها تدريجياً. ومن هنا، فإن قراءة العدد 103 الصادر عام 1915 لا تستهدف فقط استيعاب لحظة تاريخية منقضية، بل تُتيح كذلك فهم المسار التطوري الطويل الذي قطعته المؤسسات المغربية من الحماية إلى الاستقلال.
8.1.1. استمرارية السلك الإداري وتطوره ما بعد 1956
أسهم السلك الإداري الذي أرسى معالمه نظام الحماية، كما تعكسه وثائق هذا العدد، في تكوين النواة الأولى للجهاز الإداري للدولة المغربية المستقلة. فالتنظيمات المتعلقة بالموظفين الإداريين، ونظام الدرجات والترقي، وتحديد صلاحيات المؤسسات المختلفة، كلّ ذلك ترك بصمات عميقة في الإدارة المغربية المعاصرة. صحيح أن السياسةَ المغربية بعد 1956 اتجهت نحو تمغرب الجهاز الإداري وإحلال الكوادر المغربية محل الموظفين الأجانب، إلا أن البنى التنظيمية والإجرائية بقيت في جزء كبير منها مستمرةً وإن تكيّفت مع المتطلبات الوطنية الجديدة.
8.1.2. الجريدة الرسمية من نسخة استعمارية إلى نسخة وطنية
تحوّلت الجريدة الرسمية بعد الاستقلال من وثيقة تحمل في هويتها توقيعَ الازدواج بين السلطان والمقيم العام، إلى أداة تعبير عن السيادة الوطنية الكاملة. وقد تجلّى هذا التحول في اختفاء توقيع المقيم العام من الوثائق، وفي توحيد لغة الإصدار والنشر، وفي توسيع نطاق المجالات التي تُغطيها. كما انتقلت من الإصدار على شكل نسخة مخطوطة إلى الطباعة المتطورة، ومن التوزيع المحدود بالاشتراك إلى الإتاحة الإلكترونية الواسعة في العصر الراهن، مما يعكس المسيرة التحديثية الطويلة التي قطعتها مؤسسات الدولة المغربية منذ تلك البدايات المبكرة.
8.2. درس الحوكمة المستخلص من وثائق 1915
يقدّم العدد 103 من الجريدة الرسمية درساً ثميناً في مبادئ الحوكمة الإدارية ضمن سياق استثنائي. فرغم كل تعقيداته وتناقضاته، يُظهر هذا العدد حرصاً واضحاً على التوثيق المنهجي للقرارات الإدارية وإيداعها في سجل رسمي ومؤرَّخ ومنشور. وهذه الثقافة التوثيقية التي أرستها الحماية، وإن كانت تخدم في الأصل أهداف ضبط وسيطرة استعمارية، أسهمت في نهاية المطاف في بناء إرث من الشفافية الإجرائية يُعدّ أحد الأسس التي قامت عليها الدولة الحديثة في المغرب.
خاتمة
يكشف التحليل المعمّق لوثائق العدد 103 من الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة الصادر في التاسع عشر من أبريل 1915 عن حقبة تاريخية بالغة الثراء والتركيب. فمن خلال مواده المتعددة التي تتوزع بين الظهائر الشريفة المتعلقة بمنع السلع الألمانية والنمساوية، وقرارات التعيين والترقي في المحاكم والمكتب المدني ومصالح الصحة، نستشف صورةً دقيقة لمغرب الحماية في اللحظة الحرجة من الحرب العالمية الأولى.
تجلّت في هذا العدد أربع حقائق محورية: أولها الازدواجية المؤسسية التي كانت تُشكّل جوهر نظام الحماية، إذ جمعت بين الشرعية المخزنية المغربية في الشكل والهيمنة الاستعمارية الفرنسية في الجوهر؛ وثانيها التطور المنهجي للجهاز الإداري في بنيته وهياكله وأسلوب اشتغاله، بما يُمثّل بداية نشأة الدولة البيروقراطية الحديثة في المغرب؛ وثالثها حضور السياق الدولي بعمق في الشأن الإداري الداخلي، متمثلاً في الحرب العالمية الأولى وتداعياتها الاقتصادية والقانونية على المنطقة؛ ورابعها القيمة التوثيقية الفريدة لهذه الوثائق التي تُعدّ أرشيفاً تاريخياً حيّاً يُمكّن من إعادة بناء تاريخ المؤسسات المغربية في إحدى أعقد مراحل تحوّلاتها.
إن القراءة الواعية لهذه الوثائق التاريخية لا تستهدف مجرد استرجاع الماضي، بل تُغني الحاضر بمعرفة أعمق بجذور المؤسسات وتشكّل هويتها عبر الزمن. ويبقى العدد 103 من الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة مرجعاً نفيساً لكل باحث في تاريخ القانون الإداري المغربي، وفي علم الأرشيف والتوثيق الرسمي، وفي تاريخ المغرب الحديث بوجه عام. فهو لا يُوثّق تعيينات وقرارات إدارية فحسب، بل يحمل في طياته فصلاً كاملاً من فصول تشكّل الدولة والهوية والسيادة في مغرب الألفية الثانية.
تحميل العدد 103 بتاريخ 19 أبريل 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق