الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة المغربية المحمية – العدد 105 (03 مايو 1915): قراءة تحليلية في السياسات الاقتصادية والتشريع الجبائي وتنظيم القبائل الأمازيغية في زمن الحرب

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
نبذة عن المقال: الكلمات المفتاحية الرئيسية: الجريدة الرسمية المغربية، الإيالة الشريفة، الحماية الفرنسية، التشريع الاستعماري، المغرب 1915، ظهير عصير الشيح،

 مقدمة

لا تزال الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة المغربية تُقدّم لنا في كل عدد من أعدادها الأولى صفحةً جديدة من صفحات التاريخ القانوني والإداري لمغرب بدايات القرن العشرين. فهي ليست مجرد أداة نشر رسمي للمراسيم والقرارات، بل هي وثيقة حيّة تُجسّد التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي في ظل نظام الحماية الفرنسية، وتكشف عن الاستراتيجيات الإدارية التي توسّلت بها سلطة الحماية لبسط نفوذها على مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

يُمثّل العدد الخامس بعد المئة من هذه الجريدة، الصادر في السادس عشر من جمادى الثانية عام 1333 هجرية الموافق للثالث من مايو 1915 ميلادية، نموذجاً بارزاً على هذا التنوع التشريعي الذي ميّز الجريدة الرسمية في مرحلتها التأسيسية. فهو يحمل في طياته ثلاثة محاور تشريعية كبرى ذات أهمية استثنائية: أوّلها ظهير تعديل الأحكام الخاصة بعصير الشيح والمسكرات المستخلصة من النباتات، وهو نصٌّ يندرج في سياق سياسة تنظيم المواد ذات الخطورة الصحية والاجتماعية وفق مقتضيات اقتصادية دقيقة. وثانيها ظهير شريف يتعلق بتنظيم الضريبة المبانية في مدينة القنيطرة الحديثة النشأة. وثالثها قرار وزيري يُعدّل نظام تعيين المخصّصات المالية للقبائل البربرية ووصيف تقديم المواشي والزروعات والأشجار في إطار الضبط الجبائي.

تتكامل هذه المحاور الثلاثة لترسم صورة متكاملة عن نهج الحماية في تسيير الاقتصاد المغربي وإدارة التنوع المجتمعي وبناء مدن جديدة وفق منطق حديث مغاير لمنطق المدينة التقليدية. ويأتي هذا العدد في سياق متشابك تفرضه ضرورات الحرب العالمية الأولى من جهة، ومتطلبات ترسيخ الهيمنة الاستعمارية على المجال المغربي من جهة ثانية.

تحميل العدد  105  بتاريخ  3  ماي 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

أولاً: السياق التاريخي والإطار العام لصدور العدد 105

 

1.1. مغرب مايو 1915: بين إرساء السلطة ومتطلبات الحرب

في الثالث من مايو 1915، كان المغرب يعيش منذ ما يزيد على ثلاث سنوات تحت وطأة نظام الحماية الذي نصّ عليه عقد الثلاثين من مارس 1912. كانت إدارة المقيم العام ليوطي قد نجحت خلال هذه السنوات في تمتين قبضتها على المناطق الحضرية الكبرى، غير أنها كانت لا تزال تواجه جيوب مقاومة في المناطق القروية والجبلية، لا سيما في أعالي الأطلس والأطلس المتوسط حيث تعيش القبائل الأمازيغية في شبه استقلالية عن السلطة المركزية.

في هذا السياق، كانت الحرب العالمية الأولى تُلقي بثقلها الضاغط على السياسات الاستعمارية الفرنسية في المغرب. فمن جهة، كانت فرنسا تحتاج إلى موارد بشرية ومالية واسعة لدعم جبهاتها الأوروبية، مما يعني ضرورة تكثيف استغلال الموارد المغربية. ومن جهة أخرى، كانت الحاجة ماسّةً إلى ضمان الاستقرار الأمني في الخلف الأفريقي لتجنّب الانشغال بجبهة مغربية أثناء الاشتباك في الجبهات الأوروبية.

1.2. البنية الموضوعاتية للعدد ودلالاتها الإدارية

يتميّز العدد 105 بنمط موضوعاتي يختلف عن الأعداد السابقة التي كانت تتضمن أعداداً كبيرة من قرارات التعيين والترقي. فبينما غابت عن هذا العدد تلك القرارات الإدارية المتكررة، حضرت بدلاً منها نصوص تشريعية اقتصادية أكثر تأثيراً على الحياة اليومية للمغاربة، كما حضر إعلان إداري مُتخصّص يتعلق بإجراءات الإعلان عن المزروعات والمواشي في إطار الالتزامات الجبائية.

يعكس هذا التوجه التشريعي نضجاً نسبياً في عمل إدارة الحماية التي كانت تنتقل تدريجياً من مرحلة التأسيس والتنظيم الأولي إلى مرحلة الترشيد والتقنين الاقتصادي الدقيق، وذلك من خلال وضع أُطر قانونية تنظيمية للقطاعات الاقتصادية المختلفة وضبط مداخيلها الجبائية.

1.3. التواريخ المُزدوجة وأثرها في ضبط المرجعية الزمنية

تحمل وثائق هذا العدد كعادة الجريدة الرسمية توقيتات مزدوجة تجمع بين التقويم الهجري والتقويم الميلادي. وقد صدر الظهير المتعلق بعصير الشيح في الحادي عشر من جمادى الثانية عام 1333 الموافق لستة وعشرين من أبريل 1915، في حين صدر ظهير ضريبة المباني بالقنيطرة في السادس عشر من جمادى الثانية الموافق للأول من مايو 1915. وتكشف هذه التواريخ المتقاربة عن وتيرة تشريعية متسارعة تعكس حرص الإدارة على إصدار النصوص التنظيمية لمختلف القطاعات في أسرع وقت ممكن.

ثانياً: ظهير تنظيم المسكرات المستخلصة من الشيح – سياسة صحية واقتصادية متكاملة

2.1. الإطار التشريعي وسياق الإصلاح

يُعدّ هذا الظهير امتداداً وتعديلاً لنص سابق صدر في الثاني عشر من جمادى الأولى عام 1332 هجرية الموافق لثامن أبريل 1914م. وقد تضمّن الظهير الجديد تعديلات جوهرية على الأحكام السابقة، موزّعةً على خمسة فصول تُغطّي مختلف جوانب تنظيم عصير الشيح ومواد الخمر المستخلصة من النباتات.

يكتسب هذا الظهير أهميته من طبيعة الإشكالية التي يُعالجها: فهي إشكالية تجمع بين أبعاد صحية واجتماعية واقتصادية وجبائية في آنٍ واحد. فالمسكرات المستخلصة من الشيح والنباتات الأخرى كانت تُشكّل منتجات شائعة في الأسواق المغربية، غير أنها كانت تُثير تساؤلات جدية حول مدى ملاءمتها للصحة العامة، فضلاً عن كونها موارد جبائية يمكن للدولة استثمارها متى وُضعت في إطار قانوني واضح.

2.1.1. الفصل الأول: تعريف نطاق الحظر وتوسيع نطاق التطبيق

يُحدّد الفصل الأول بدقة ما يشمله الظهير من مواد محظورة بالقول: يُمنع ادخال عصير الشيح المسمى بالابسانت وخلاصته وما شاكلهما من المواد للمنطقة الفرنساوية من الايالة الشريفة كما يُمنع إيضاً صنعهما ودرواجهما وخزنهما وبيعهما وعرضهما للبيع.

وتتجلى في هذه الصياغة دقة تشريعية لافتة تُغلق جميع منافذ التحايل؛ فهي لا تكتفي بحظر الاستيراد بل تمتد لتشمل التصنيع المحلي والتوزيع والتخزين والعرض للبيع. وتكشف هذه الشمولية عن وعي عميق بالثغرات التي يمكن أن تنشأ في النصوص الأقل دقةً.

2.1.2. الفصل الثاني: التعريف الموسّع لمواد عصير الشيح

جاء الفصل الثاني ليُرسّخ التعريف القانوني لعصير الشيح والمواد المشابهة له بصياغة موسّعة تشمل: كل روح خمر فيه خاصية من خواص شجرة الشيح سواء كانت ممزوجة بمواد أخرى عطرية أو غير ممزوجة، وذلك من غير مراعاة لكيفية صنعه. ويتجلى هنا مبدأ قانوني مهم يُقرّ بأن التعريف يقوم على الأثر لا على الأصل، أي أن ما يهم في التصنيف القانوني هو وجود خصائص عصير الشيح في المادة، بصرف النظر عن كيفية تصنيعها أو المواد المُضافة إليها.

ويُضيف النص تعريفاً أشمل يقول: يُعدّ إيضاً من جنس الابسانت كل نوع من روح الخمر يقوم مقامه في البيع ويحتوي على مواد طبيعية أو صناعية تشابه روح الشيح أو ممزوجة بمواد أخرى تشابه روح الشيح. ويُقرّر هذا الفصل بذلك مبدأ التفسير الواسع للنص القانوني لتفادي التحايل عليه بالتركيبات الكيماوية الجديدة.

2.1.3. الفصل الثالث والرابع: الاستثناءات والقواعد التطبيقية

لم يكتفِ التشريع بتقرير الحظر، بل نظّم الاستثناءات المشروعة والقواعد العملية التطبيقية. فقد نصّ الفصل الرابع على أن تجري مقتضيات الفصل الأول من هذا الظهير على خلاصة عصير الشيح وما يجانسه سواء كانت مواد طبيعية أو صناعية أو الأرواح المزجوجة بروح الخمر المزجوجة بمواد أخرى يجانسها مهما كانت كميتها، غير أنه يجوز للصيادلة والمرخص لهم في بيع الادوية أن يجلبوها أو يبيعوها أو يخزنوها أو يعرضوها بصفة عقاقير أو أدوية.

ويكشف هذا الاستثناء الصيدلاني عن وعي تشريعي بالاستخدامات المشروعة للمواد الكيماوية ذات الطابع المزدوج، وهو توجّه يُجسّد النزعة البراغماتية للتشريع الاستعماري الذي كان يسعى إلى الضبط لا إلى المنع المطلق.

2.2. الفصل الخامس: آليات الرقابة على المواد المحظورة

يتضمّن الفصل الخامس آليةً رقابيةً دقيقةً لتطبيق الحظر. فقد نصّ على أنه يجب على من كانت تحت يده المواد المنوعة اعلاه التي لم تُذكر اولاً في الظهير الصادر في تاريخ اثني عشر جمادى الاولى عام 1332 الموافق لثامن ابريل سنة 1914 أن يُعلم بوجودها عند رئيس ادارة البلدية والمراقب المدني أو رئيس مكتب الامور الاهلية.

وتُبرز هذه الآلية نظاماً متكاملاً لنقل المعلومات يُلزم الحائزين على المواد المحظورة بالإعلان عنها طوعاً، مع تحديد دقيق للجهات الإدارية المخوّلة باستقبال هذه التصريحات. وتُشير الإشارة إلى ثلاث جهات مختلفة (رئيس البلدية، المراقب المدني، رئيس مكتب الأمور الأهلية) إلى التنوع الإداري الذي كان يُميّز الهيكل الإداري للحماية.

2.3. الأبعاد الاجتماعية لتشريع حظر الابسانت

يكتسب هذا الظهير أهمية اجتماعية تتخطى حدوده التقنية والاقتصادية. فمشروب الابسانت (l'absinthe) كان في مطلع القرن العشرين مثار جدل صحي واجتماعي واسع في أوروبا، وقد تراكمت الدراسات الطبية والتقارير الاجتماعية الأوروبية التي نبّهت إلى أضراره الصحية الخطيرة التي تشمل التسمم العصبي والاضطرابات النفسية المرتبطة بمادة التوجون الموجودة في نبات الشيح. وكانت فرنسا نفسها قد أقدمت على حظر الابسانت عام 1915، وهو ما يُفسّر صدور هذا الظهير في التوقيت ذاته تقريباً، إذ كانت الحماية الفرنسية تُطبّق على المغرب التشريعات ذاتها التي كانت تنتهجها الدولة الأم.

وفي السياق المغربي تحديداً، كانت مشكلة استهلاك المسكرات لدى فئات اجتماعية معينة تُشكّل قلقاً إدارياً وأمنياً إضافياً، إذ كان يُخشى من أن يُفضي التفشي الواسع للمسكرات الرخيصة إلى اضطرابات اجتماعية تُعيق مشروع الضبط والتنظيم الاستعماري.

ثالثاً: ظهير إجراء العمل في الضريبة المبانية بمدينة القنيطرة

3.1. القنيطرة: نموذج المدينة الاستعمارية الحديثة والإشكاليات الجبائية

تمثل مدينة القنيطرة نموذجاً صارخاً للمدن التي أنشأتها الحماية الفرنسية أو طوّرتها تطويراً جذرياً لخدمة مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. فقد كانت القنيطرة، التي تُعرف في وثائق الحقبة بـ"القنيطرة بالضابط"، مدينةً ساحلية ذات أهمية استراتيجية بوصفها مينأً على المحيط الأطلسي يُسهّل العمليات العسكرية والتجارية الفرنسية.

ومع توسّع المدينة وتكاثر عقاراتها الكائنة والحديثة التي كانت تدفع عنها ضريبة المباني، نشأت الحاجة إلى إطار قانوني مُحكم يُنظّم تقدير هذه الضريبة وطريقة استيفائها من أصحاب العقارات والمنتفعين بها.

3.1.1. إنشاء لجنة الفحص وصلاحياتها

نصّ الظهير على إنشاء لجنة فحص خاصة تتولى النظر في المطالب المتعلقة بتقويم العقارات الكائنة في مدينة الرباط الحديثة والتي تدفع عنها ضريبة المباني. وقد حدّد الفصل الأول من الظهير تركيبة هذه اللجنة المتعددة الأطراف، إذ تتشكل من رئيس إدارة الاشغال العمومية، ووكيل عام المدير العام المالية، ومن عارف يُعيّنه المكلّف بالإداء، ومن نائبه من القنصليات إذا كان المكلّف سمساراً لأحد الدول الاجنبية التي لم تتنازل عن امتيازاتها أو من من رعاياها أو من محمييها.

وتكشف هذه التركيبة عن طابع تمثيلي يجمع بين ممثلي الإدارة الفرنسية وممثلي المكلفين بالضريبة، مع مراعاة خاصة لوضع الرعايا الأجانب المتمتعين بامتيازات قنصلية. وتُبرز هذه الحيطة التشريعية الواقعَ المعقد للمدن المغربية في مطلع القرن العشرين، حيث كانت الجاليات الأجنبية الأوروبية تتمتع بامتيازات خاصة تجعل تطبيق التشريعات العادية عليها أمراً يستلزم مراعاة دقيقة.

3.1.2. اختصاصات اللجنة وحدود طعنها

حدّد الفصل الثاني من الظهير صلاحيات هذه اللجنة: إن أحكام اللجنة المذكورة تبلغ لكل صاحب مطلب على انفراده واما الاعلامات المتعلقة بن كان سمساراً لاحد الدول الاجنبية التي لم تتنازل عن امتيازاتها أو كان من رعاياها أو من محمييها فيجري تبليغها له على يد قنصلاتهم.

ويُقرّر الفصل الثاني كذلك أن أحكام اللجنة لا يُرجع فيها ولا تقبل الاستئناف، وذلك طبقاً للضابط الصادر في عاشر يناير سنة 1908م. ويُجسّد هذا الحكم سمة مألوفة في المنظومة التشريعية الاستعمارية وهي إضفاء طابع القطعية على قرارات لجان جبائية معيّنة لتفادي الطعون القضائية المُطوِّلة التي كانت قد أبطأت تطبيق بعض التشريعات في مناطق أخرى خاضعة للسيطرة الفرنسية.

3.2. الضريبة المبانية في السياق الاقتصادي لمغرب 1915

تُمثّل الضريبة المبانية (ضريبة العقار) إحدى الروافد المالية المهمة لميزانية الحماية، وكانت تُحسب بنسبة ثمانية في المائة من قيمة الكراء كما نصّ على ذلك الفصل الثاني الخاص بظهير القنيطرة. وقد اتّسم نظام الضريبة المبانية في تلك المرحلة بالتعقيد نتيجة التنوع في أوضاع المكلّفين من مواطنين مغاربة وأوروبيين ورعايا أجانب متمتعين بحماية قنصلية.

3.2.1. نسبة الضريبة وآليات التقدير

نصّ الفصل الثاني بوضوح على أن الضريبة المجعولة على المباني الكائنة على المباني الكائنة المذكورة تكون ثمانية في المائة من قيمة الكراء. وكانت عملية تقدير قيمة الكراء تُشكّل الحلقة الأكثر إثارة للنزاعات في منظومة الضريبة المبانية، لأنها تستلزم تقييماً ذاتياً لأصول عقارية قد يختلف في تقديره المكلّف والإدارة الجبائية.

ولهذا جاء إنشاء لجنة الفحص حلاً توفيقياً لحسم هذه النزاعات التقديرية في إطار مؤسسي محايد، وإن كان قصر حق الطعن في أحكامها يُثير تساؤلات حول مدى استيفاء ضمانات العدالة الإجرائية.

3.2.2. الأثر الاقتصادي على المستثمرين والمقيمين

كان للضريبة المبانية تأثير مباشر على قرارات الاستثمار العقاري في المدن الحديثة كالقنيطرة. فبينما كانت توفّر ميزانية الحماية إيراداً منتظماً، كانت من جهة أخرى تُثبّط بعض الاستثمارات العقارية أو تدفع نحو الممارسات التهرّبية. وقد حرص الظهير على سدّ باب التهرّب بإنشاء لجنة فحص ذات صلاحيات واسعة تُقدّر عيانياً قيمة العقارات.

رابعاً: القرار الوزيري الخاص بتنظيم القبائل البربرية والنظام الجبائي لمواردها

4.1. السياق السياسي لتنظيم القبائل الأمازيغية

يُمثّل القرار الوزيري المتعلق بتعيين القبائل المتبعة للمواعيد البربرية نصّاً بالغ الأهمية في سياق العلاقة التي كانت تُبنيها إدارة الحماية مع القبائل الأمازيغية في المناطق الجبلية والقروية. كانت هذه القبائل تُطبّق تقاليد ممارسة ما عُرف بـ"القانون الأمازيغي العرفي" وكانت علاقتها بالسلطة المركزية المخزنية علاقة اعتراف رمزي دون تبعية فعلية في كثير من الأحيان.

كانت إدارة الحماية في تلك المرحلة تُصوّر تعاملها مع القبائل الأمازيغية على أنه "رفع السيطرة المخزنية العربية" عن هذه القبائل لإعادة إدماجها في الدولة مباشرة، وهو الخطاب الاستعماري المعروف الذي كان يُمهّد لما أُفضي إليه لاحقاً بـ"الظهير البربري" عام 1930. غير أن ما كان يجري فعلياً هو دمج هذه القبائل في منظومة الضبط الجبائي الاستعماري عبر آليات من قبيل تعيين المواعيد البربرية وتحديد الالتزامات الإعلانية المتعلقة بالمواشي والزروعات والأشجار.

4.1.1. القرار الوزيري الأول: تعديل النظام القبلي الجبائي

يستند القرار الوزيري المُدرج في هذا العدد إلى الظهير الشريف المؤرخ في بادي وعشرين شوال عام 1332 الموافق لثاني عشر سبتمبر 1914م، والمتعلق بتعيين القبائل التابعة للمواعيد البربرية. وقد تضمّن القرار الجديد تغييراً في الفقرة الثانية من القرار الوزيري السابق المؤرخ في التاسع والعشرين من شوال عام 1332 الموافق لثاني عشر سبتمبر 1914م بشأن تعيين القبائل المتبعة للمواعيد البربرية.

4.1.2. قبيلة جروان الجنوبية وتعديل نظام الإعلانات الجبائية

يتناول القرار بشكل خاص قبيلة جروان الجنوبية المشتملة على فروع قبلية متعددة، من بينها قبيلة آيت احماد وآيت أخماس وآيت لال وآيت لسن وآيت يامين وآيت اويخليفن. ويُحدّد النص الجديد التواريخ الجديدة لتقديم الإعلانات المتعلقة بالزروعات والمواشي والأشجار، إذ يُقرّر أن الأداء يقع قبولاً من تاريخ قبولها إلى نهاية تاريخ عشرين مايو القابل فيما يختص بزروعات فصلي الشتاء والربيع والمواشي والأشجار الثمرة، والى ثلاثين يونيو فيما يختص بمزروعات أو أشجار أخرى.

تكشف هذه التواريخ المحددة عن نظام إداري جبائي دقيق يُراعي الدورة الزراعية الفعلية للقبائل، فيُمنح آجال مختلفة حسب نوع المزروعات والمواشي المُعلَن عنها، مما يُيسّر العملية الإدارية ويُتيح تجميع البيانات الجبائية في أوقات مناسبة لكل نوع من أنواع الموارد الزراعية.

4.2. الإعلان الإداري المتعلق بمواشي وزروعات وأشجار الأوروبيين

يُكمل الإعلان الإداري الوارد في نهاية العدد الصورةَ التشريعية الجبائية برمّتها، إذ يُوجّه خطابه هذه المرة إلى شريحة المكلّفين الأوروبيين والمحميين من رعايا الدول الأجنبية.

4.2.1. نطاق الإلزام والجهات المعنية

يُبيّن الإعلان أن الاعلامات التي يقدمها الاورباويون أو محميو الدول الاجنبية بشأن المزروعات والمواشي والاشجار المثمرة المستوجبة بادارة المالية العامة قسم الاداءات والجبايا يجري عنها من مكاتب الاداءات والجبايا الكائنة بالرباط. ويُحدّد الإعلان الجهة الإدارية المعنية بوضوح: إدارة المالية العامة، قسم الاداءات والجبايا، وهي الهيئة الجبائية المركزية المختصة بجمع الإيرادات الضريبية.

4.2.2. الآليات الإجرائية لتقديم الإعلانات

فصّل الإعلان الإجراءات العملية لتقديم الإعلانات، إذ يُفيد بأنه يُسلم الاعلام للمكلفين تسهيلاً لهم في مكتب كل رئيس دائرة مدنية أو عسكرية وفي ادارة البلدية وفي مكاتب المالية وادارة الاداءات والجبايا الكائنة بالرباط. كما يُحدّد أن من قدم الاعلام من المكاتب المبينة اعلاه كان المكاتب الكائنين بالرباط يجوز منه توصيلاً ما اما رعايا الدول الاجنبية التي لم تتنازل عن امتيازاتها فيستمرون على تقديم اعلاماتهم إلى مكاتب قنصلاتهم.

يُبرز هذا الجانب من الإعلان من جديد التمييز القانوني الذي رسخته الحماية بين الرعايا المغاربة والأوروبيين ورعايا الدول الأجنبية أصحاب الامتيازات القنصلية، وهو تمييز كان يُعقّد العمل الإداري ويخضعه لمنطق متعدد الأطر القانونية غير المتجانسة.

خامساً: التشريع الجبائي ودوره في تأطير العلاقات الاجتماعية الاقتصادية

5.1. الجباية بوصفها أداة حوكمة لا مجرد مورد مالي

تكشف المنظومة التشريعية الجبائية الواردة في هذا العدد عن فلسفة حوكمة تتجاوز الغرض المالي البحت لتستهدف تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية المتشابكة. فضريبة المباني في القنيطرة لم تكن تستهدف فقط توليد إيراد مالي، بل كانت أيضاً أداةً لتسجيل الممتلكات وتوثيق حق الانتفاع وإخضاع السوق العقارية للرقابة الإدارية. وبالمثل، كانت إجراءات الإعلان عن المواشي والزروعات في القبائل الأمازيغية وسيلةً لتعداد الموارد الزراعية وإخضاعها للضبط الإداري.

5.1.1. الجباية وبناء قاعدة البيانات الاقتصادية

كان جمع المعطيات الجبائية يُوفّر للإدارة الاستعمارية قاعدة بيانات اقتصادية دقيقة حول موارد البلاد، مما كان يُمكّنها من رسم السياسات الاقتصادية على أسس واقعية وقابلة للقياس. وتكشف الإشارة إلى إعلانات المواشي والزروعات والأشجار عن نظام إحصاء اقتصادي غير مباشر كان يُغذّي الإدارة المركزية بمعطيات دقيقة حول الإنتاج الزراعي الفعلي في كل منطقة.

5.1.2. الجباية وتوطيد العلاقة بين الأطراف والمركز

أسهم الإطار الجبائي الجديد في إعادة رسم خريطة العلاقات بين القبائل الأمازيغية والسلطة المركزية. فبينما كانت هذه القبائل تحتفظ بقدر من الاستقلالية الفعلية في ظل المخزن التقليدي، أصبحت بموجب الأنظمة الجبائية الجديدة مُلزَمةً بالتفاعل المنتظم مع الهياكل الإدارية الحديثة عبر تقديم إعلاناتها الجبائية في مكاتب محددة ووفق آجال مضبوطة.

5.2. الازدواجية الجبائية بين المغاربة والأجانب والتمييز القانوني

تكشف وثائق هذا العدد عن ازدواجية جبائية واضحة: فبينما يخضع المغاربة للنظام الجبائي المغربي المُدار من قِبل الإدارة المغربية، يستفيد الرعايا الأجانب من امتيازات قنصلية تُخضعهم لمنطق قانوني مختلف. وتُجسّد هذه الازدواجية التفاوتَ الجوهري في المعاملة بين فئات السكان المختلفة، وهو ما كان يُثير إشكاليات عملية كثيرة في العمل الإداري اليومي.

سادساً: السياسة التشريعية في تنظيم المواد ذات الخطورة: بين الصحة العامة والمصلحة الاقتصادية

6.1. تشريعات المواد المخدرة والمسكرات في إطار المنظومة القانونية الاستعمارية

شكّلت تشريعات المواد ذات الخطورة الصحية والاجتماعية حقلاً تشريعياً خاصاً في مرحلة الحماية. فمنذ البدايات، اهتمت الإدارة بوضع أُطر قانونية تُنظّم تداول المواد الكيماوية والنباتية ذات الاستخدام المزدوج (الطبي والترفيهي) كالكحول والمسكرات المستخلصة من النباتات.

6.1.1. الاتساق مع التشريع الفرنسي في الأمّ

يُلاحَظ من مقارنة ظهير عصير الشيح بالتشريعات الفرنسية المعاصرة اتساقٌ واضح بين التوجهين التشريعيين. فبينما كانت فرنسا تُسنّ تشريعات حظر الابسانت في عام 1915 استجابةً لضغوط صحية واجتماعية واسعة، كان المغرب يُطبّق في الوقت ذاته نصوصاً موازية. ويُبيّن هذا التزامن الحرصَ على تطبيق المنظومة التشريعية الفرنسية في المستعمرات بالتوازي مع تطبيقها في الأراضي الفرنسية.

6.1.2. المصالح المتقاطعة بين الصحة والجباية

لا يمكن قراءة هذا التشريع بمعزل عن بُعده الجبائي. فحظر الابسانت الرخيص كان في الوقت ذاته يحمي موقع مشروبات كحولية أخرى أعلى جودةً وأكثر ربحاً من حيث الضريبة الجمركية، كالنبيذ والكونياك والخمور الفرنسية المُعلَّبة. وكان في هذا ما يخدم مصالح تجار الخمور الأوروبيين الذين يُسوّقون منتجات جزائرية ومتوسطية في السوق المغربية.

6.2. التأثيرات الاجتماعية لتشريعات المسكرات على المجتمع المغربي

أثّرت تشريعات تنظيم المسكرات والمواد المحظورة على المجتمع المغربي بطرق متباينة. فمن جهة، أسهمت في تقليص تداول بعض المواد الخطرة الرخيصة التي كانت قد بدأت تنتشر في المدن. ومن جهة أخرى، كرّست هيمنة المنتجات الأوروبية على السوق المغربية من خلال القضاء على المنافسين المحليين الأرخص سعراً.

وتبقى التأثيرات الدينية والثقافية لهذه التشريعات على المجتمع المغربي المسلم إشكاليةً ذات أوجه متعددة، إذ كان تنظيم المسكرات إجراءً ذا بُعد مزدوج: منحَ الإدارةَ الاستعمارية بعضَ الشرعية الأخلاقية بإظهارها حارسةً للقيم الإسلامية من المسكرات، بينما كان يُبقي في الحقيقة على تداول أصناف أخرى من المسكرات الأوروبية التي ظلّت حاضرة في السوق.

سابعاً: اللغة التشريعية وأسلوب الكتابة الرسمية في العدد 105

7.1. الخصائص الأسلوبية للنصوص التشريعية المُعدِّلة

يتميّز العدد 105 بتضمنه نصوصاً تشريعية مُعدِّلة لنصوص سابقة، وهي نوع من التشريع يستلزم أسلوباً خاصاً في الصياغة. فبدلاً من إعادة سرد كامل النص المُعدَّل، يعتمد المشرّع أسلوب الإحالة والاستبدال: يُغير الفصل الأول من الظهير المشار إليه الصادر في اثني عشر جمادى الأولى عام 1332 ويُبدَّل بما يأتي. وتُتيح هذه التقنية التشريعية الاقتصاد في الكلام وتجنّب التكرار، مع وضوح الإحالة إلى النص الأصلي الذي يُعدَّل جزء منه.

7.1.1. توظيف البنية المرجعية في الصياغة التشريعية

تعتمد وثائق هذا العدد اعتماداً واسعاً على البنية المرجعية، وهي أسلوب يُحيل القارئ إلى نصوص سابقة بدلاً من إعادة إدراجها كاملاً. وقد يُصعّب هذا الأسلوب على القارئ غير المُلمّ بالنصوص المرجعية استيعابَ السياق الكامل للتعديل، غير أنه يُحقق فائدة الاختزال ويُجنّب الإيجازَ المُخلّ.

7.1.2. المصطلحات الاقتصادية والجبائية في الخطاب الرسمي

يحمل هذا العدد ثروةً مصطلحيةً اقتصاديةً وجبائية دقيقة تعكس نضج الخطاب الإداري المغربي في مجال المالية العامة. فمصطلحات من قبيل: "الاداءات"، "الجبايا"، "ضريبة المباني"، "قيمة الكراء"، "لجنة الفحص"، "المطالب"، "تقويم العقارات"، "المكلّفون"، تُشكّل حقلاً اصطلاحياً ماليّاً استُمدّ في جوهره من المصطلحات الفرنسية المقابلة ثم عُرِّب ليُناسب البنية اللغوية العربية وقواعدها.

7.2. التوثيق الجغرافي وحضور المجال المكاني في النصوص

يتميّز هذا العدد بحضور لافت للأبعاد الجغرافية في النصوص التشريعية. فالقنيطرة، وفروع قبيلة جروان الجنوبية، وبلدة جروان وآيت يامين وآيت اويخليفن وسائر الوحدات القبلية الواردة، كلّها تُجسّد حرص المشرّع على ربط النصوص القانونية بالأماكن والتجمعات البشرية الفعلية التي تُخاطبها. ويُعكس هذا التوثيق الجغرافي الدقيق مستوىً من المعرفة الميدانية بالتضاريس الإدارية للمغرب كانت قد تراكمت لدى الإدارة الاستعمارية على مدى السنوات الثلاث التي أعقبت فرض الحماية.

ثامناً: مكانة العدد 105 في المسار التشريعي الاقتصادي للحماية

8.1. التحولات في التشريع الجبائي وأثرها على العلاقات الاجتماعية

تُشير التشريعات الجبائية الواردة في هذا العدد إلى مرحلة انتقالية مهمة في مسار الحماية: الانتقال من الاهتمام الأول بالتنظيم الإداري والأمني إلى الاهتمام المتزايد بالتنظيم الاقتصادي والجبائي. وكان هذا الانتقال يعكس حاجةً متنامية لتمويل الجهاز الإداري المتوسّع وتغطية تكاليف المشاريع التحديثية التي كانت إدارة الحماية تُباشرها من بناء للطرق والموانئ والمدن الجديدة.

8.1.1. إدماج القبائل في الاقتصاد النقدي

أسهم النظام الجبائي المُرسى في هذا العدد في تسريع عملية إدماج القبائل الأمازيغية في الاقتصاد النقدي. فمن خلال إلزامها بتقديم إعلانات جبائية عن مواردها الزراعية والحيوانية وأدائها ضريبةً نقديةً، كانت الإدارة تدفع هذه القبائل تدريجياً من اقتصاد المعيشة والمقايضة الذاتي نحو الاندماج في الدورة الاقتصادية النقدية الأوسع التي كانت تُنظّمها الحماية.

8.1.2. التشريع العقاري ومدن الحماية الجديدة

تُمثّل ضريبة المباني في القنيطرة واحدة من أولى التشريعات الجبائية العقارية المرتبطة بالمدن التي أنشأتها الحماية أو طوّرتها. وكانت هذه المدن الجديدة (القنيطرة، الجديدة، بن جرير) تُشكّل مختبرات لتطبيق السياسات الحضرية الحديثة على أرض بكر لا يثقلها الإرث التاريخي والحقوق العرفية المُعقّدة التي تُطبع المدن التاريخية كفاس ومراكش. وكان هذا ما يُتيح للحماية تطبيق أنظمة جبائية أكثر وضوحاً ومنهجية.

8.2. استمرارية هذه التشريعات في التجربة القانونية المغربية

تتحوّل قراءة هذه النصوص التاريخية إلى درس بالغ الأهمية حين نُدرك أن كثيراً من الأنظمة والمفاهيم والمؤسسات التي أرستها هذه التشريعات الأولى لا تزال حاضرة في الإطار القانوني المغربي المعاصر، وإن تطوّرت شكلاً ومضموناً. فالضريبة العقارية، وتنظيم تداول المواد الخطرة، وآليات إعلان الموارد الزراعية، كلّها موروثات هيكلية من هذا التشريع التأسيسي الذي دشّنته أعداد الجريدة الرسمية لمغرب 1915.

خاتمة

يُقدّم العدد 105 من الجريدة الرسمية للإيالة الشريفة، الصادر في الثالث من مايو 1915، صورةً متكاملة عن مرحلة نضج نسبي في التشريع الاقتصادي والجبائي لمغرب الحماية. فبخلاف الأعداد السابقة التي أعطت حيزاً واسعاً لقرارات التعيين والترقية الإدارية، جاء هذا العدد مُركّزاً على الإصلاح التشريعي في قطاعات حيوية ثلاثة: تنظيم المواد ذات الخطورة الصحية والاجتماعية، والتنظيم الجبائي العقاري في المدن الحديثة، والضبط الجبائي للموارد الزراعية في القبائل الأمازيغية.

يكشف الظهير المتعلق بعصير الشيح عن فلسفة تشريعية تُولي أهميةً للصحة العامة بينما تُراعي في الوقت ذاته المصالح الاقتصادية لفئات المنتجين والموزعين المرخّصين. ويُجسّد ظهير ضريبة القنيطرة البُعدَ التحديثي للمشروع الاستعماري في إرساء أنظمة جبائية حضرية حديثة في المدن الوليدة. فيما يُبرز نظام إعلانات القبائل الأمازيغية الاستراتيجيةَ الشاملة لإدماج المجتمع القروي في المنظومة الاقتصادية الحديثة.

تبقى هذه الوثائق مرجعاً لا غنى عنه لكل دارس لتاريخ المؤسسات المغربية، فهي تحمل في طياتها ذاكرةً قانونيةً واقتصاديةً غنيةً يتشابك فيها الاستعماري بالتحديثي، والمحلي بالكوني، والتاريخي بالمعاصر. وكلّما تعمّقنا في قراءة هذه الصفحات، كلّما تجلّت لنا بجلاء أكثر الجذورُ البعيدة للمؤسسات القانونية والإدارية التي تُشكّل الدولة المغربية المعاصرة في صورتها الراهنة.

تحميل العدد  105  بتاريخ  3  ماي 1915 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 31/05/2026
تحديث 31/05/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث