مقدمة
تُعدّ الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الوعاء القانوني الأساسي الذي يحتضن النصوص التشريعية والتنظيمية، وتُجسّد في كل إصدار لها صورة حية عن مسار الدولة في تسيير شؤونها العامة وتحديث منظومتها القانونية. وقد جاء العدد 7509 الصادر بتاريخ 18 مايو 2026، الموافق لفاتح ذي الحجة 1447 من الهجرة، محمّلاً بجملة من النصوص التي تتوزع على محاور متعددة تشمل سلامة السدود وتدبير البنية التحتية الهيدرولوجية، والحركية الإدارية المتعلقة بتعيينات المسؤولين، وملفات البنية التحتية للنقل السككي، والإطار التنظيمي للتعليم والمعادلات الشهادية، فضلاً عن الشق الاقتصادي البالغ الأهمية المتعلق بمراقبة عمليات التركيز الاقتصادي التي بتّ فيها مجلس المنافسة
.
يتناول هذا المقال هذا العدد بالتحليل والدراسة المعمّقة، مستحضراً السياق القانوني لكل نص، والأثر المنتظر له على الصعيدين المؤسسي والاقتصادي، ومسلطاً الضوء على الانعكاسات العملية لهذه النصوص على المنظومة التشريعية المغربية وعلى الفاعلين الاقتصاديين والمتدخلين في مختلف القطاعات. وتكتسي هذه القراءة أهمية بالغة في ظل التحولات التي يشهدها المغرب على مستوى تحديث الإدارة وتعزيز بيئة الأعمال وضمان شروط المنافسة الحرة والنزيهة.
تحميل العدد 7509 بتاريخ 18 ماي 2026 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولاً - مرسوم سلامة السدود: تقنين صارم لمسك السجل الخاص بالسد
1.1. السياق القانوني للمرسوم رقم 2.25.502
1.1.1. المرجعية التشريعية والإطار القانوني للمرسوم
صدر المرسوم رقم 2.25.502 بتاريخ 30 أبريل 2026، تطبيقاً لأحكام المادة 20 من القانون رقم 30.15 المتعلق بسلامة السدود الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.57 بتاريخ 27 أبريل 2016. ويندرج هذا المرسوم ضمن المنظومة التشريعية الخاصة بالأمن المائي في المغرب، إذ يُرسي آلية دقيقة ومنظمة لضمان استمرارية متابعة الوضع التقني والهندسي للسدود الوطنية عبر إلزام مستغليها بمسك سجل موحد يشمل جميع المعطيات ذات الصلة بالسلامة. وقد جاء هذا المرسوم في سياق إدراك متزايد لأهمية السدود في توفير الأمن الغذائي والمائي، لا سيما أن المغرب يعتمد على منظومة تضم أزيد من 140 سداً كبيراً تُعدّ ركيزة أساسية في تدبير الموارد المائية الشحيحة.
إن ربط المرسوم بموافقة مجلس الحكومة المنعقد بتاريخ 2 أبريل 2026، وتوقيعه من طرف رئيس الحكومة عزيز أخنوش، مع التأشير من وزير التجهيز والماء نزار بركة، يعكس الطابع الاستراتيجي الذي تحظى به سلامة البنية التحتية المائية في التوجهات الحكومية الراهنة.
1.1.2. المضمون الإلزامي لسجل السد وهيكلته التقنية
حدّد المرسوم في مادته الأولى جملة من المعطيات الإلزامية التي يتعين إدراجها في السجل الخاص بكل سد، وتشمل هذه المعطيات البيانات المتعلقة بالملء الأولي للسد، وتفاصيل استغلاله اليومي والموسمي، وعمليات المراقبة التقنية الدورية التي تعتمد على استخدام أجهزة قياس المؤشرات الفيزيائية والهندسية كالضغط والحركة والتسرب، فضلاً عن نتائج الملاحظات الميدانية من ظهور تشققات أو تغيرات في البنية الهيكلية للسد.
كما يشمل السجل قياسات الفحص وتتبع الهيكل، وأشغال صيانة الهندسة المدنية، وأشغال صيانة المعدات الكهروميكانيكية والكهربائية، والعمليات المنجزة على هذه المعدات، وأشغال التعديل في منشآت السد، وأشغال الرفع من الحقينة، والأشغال القريبة من السد، ووصف الأحداث غير الاعتيادية ذات المنشأ الطبيعي كالزلازل والفيضانات، إضافة إلى متابعة الأعطال التي تحدث في السد. وهذا الشمول في المعطيات يجعل من السجل أداة مرجعية متكاملة تخدم أغراض التتبع والوقاية والتدخل المبكر.
1.1.3. آليات التحيين والتواصل المؤسسي وأثرها على منظومة السلامة
نص المرسوم في مادته الثالثة على إلزام مستغل السد بتحيين السجل بصيغتيه الورقية والإلكترونية بانتظام، وذلك عقب كل عملية رصد أو تفتيش أو صيانة أو تعديل أو حادث آخر. وأضاف شرطاً جوهرياً يقضي بأن تحمل كل معلومة مسجلة تاريخاً محدداً وتوقيع المستغل مع الوثائق الثبوتية اللازمة، مما يعزز الطابع القانوني والمسؤولياتي للسجل.
والأهم من ذلك ما تضمنته المادة الرابعة من إلزام مستغل السد بإيفاء السلطة الحكومية المكلفة بالماء والسلطة الإدارية المحلية ووكالة الحوض المائي المعنية بكل تحيين فور إتمامه، وذلك بصيغته الإلكترونية. وهذا الشرط يحقق هدفين متكاملين: ضمان الشفافية الإدارية والرقابة الحكومية الفعلية من جهة، وتوفير شبكة إنذار مبكر تمكّن السلطات المختلفة من التدخل العاجل عند الضرورة من جهة أخرى. وقد أسند التنفيذ إلى وزير التجهيز والماء، مما يضع هذه المسؤولية الكبيرة في موضعها المؤسسي الصحيح.
1.2. الأهمية الاستراتيجية للمرسوم في سياق الاستراتيجية المائية الوطنية
1.2.1. مواءمة المرسوم مع التحديات المائية الراهنة
يأتي هذا المرسوم في سياق ضغوط متصاعدة تواجهها المملكة المغربية على الصعيد المائي، إذ تعاني مناطق واسعة من تراجع الموارد المائية جراء التقلبات المناخية وتزايد الطلب المرتبط بالنمو الديموغرافي والاقتصادي. ويُشكّل التوثيق الدقيق لحالة السدود خطوة ضرورية في إطار مساعي تحسين الحوكمة المائية التي تتبناها استراتيجية الماء 2050. فالسد الذي لا يُتابع بانتظام معرّض لمخاطر هيكلية يمكن أن تنعكس كوارثياً على الساكنة والأراضي الزراعية والبنية التحتية المجاورة.
1.2.2. الانعكاسات على مسؤوليات المستغلين وآليات الرقابة
يُحدث المرسوم تحولاً نوعياً في مسؤوليات مستغلي السدود، إذ ينقل ثقل المتابعة من الإدارة المركزية إلى أصحاب الاختصاص المباشر، مع الحفاظ على الرقابة الحكومية عبر آلية التحيين الفوري الإلكتروني. وسيكون على المستغلين الاستثمار في الكفاءات البشرية والتقنية اللازمة للوفاء بهذا الالتزام التفصيلي، مما قد يدفع نحو مزيد من الاحترافية في قطاع إدارة السدود.
ثانياً - قرارات وزير الداخلية: تعيينات الآمرين المساعدين بالصرف في إطار صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية
2.1. الإطار القانوني والمالي لتعيينات الآمرين المساعدين بالصرف
2.1.1. المرجعيات التشريعية الحاكمة للقرارين 914.26 و926.26
صدر القراران بتاريخ 17 أبريل 2026، واستندا إلى جملة من النصوص التشريعية والتنظيمية في مقدمتها المرسوم الملكي رقم 330.66 الصادر عام 1967 بشأن نظام المحاسبة العامة، ولا سيما الفصلان 5 و64 منه، إضافة إلى المرسوم رقم 2.22.81 الصادر عام 2023 المتعلق بتفويض السلطة والإمضاء، وقانون المالية رقم 40.08 للسنة المالية 2009. ويُجسّد هذان القراران تطبيقاً عملياً لمبدأ الحوكمة المالية اللامركزية، إذ يفوّض وزير الداخلية صلاحيات صرف الاعتمادات من "صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية" إلى مستوى الإقليم.
2.1.2. التوزيع الجغرافي للآمرين المساعدين والنهج اللامركزي في التدبير المالي
الملاحظ في القرارين هو التغطية الجغرافية الشاملة لعدد من الأقاليم الشمالية والغربية للمغرب، شملت: تطوان، العرائش، شفشاون، وزان، تاونات، القنيطرة، سيدي سليمان، وسيدي قاسم. وقد جمع القرار الأول بين العمال الإقليميين بصفتهم آمرين مساعدين وكتابهم العامين نواباً عنهم، في حين تناول القرار الثاني الأمر من زاوية قطاعية تتعلق بالمديرين الإقليميين للتجهيز والنقل واللوجيستيك. ويعكس هذا التوزيع المزدوج حرصاً على التكامل بين البعدين الإداري والتقني في تدبير اعتمادات الكوارث الطبيعية.
2.1.3. الدلالة المؤسسية لتفعيل صندوق مكافحة الكوارث الطبيعية
إن توسيع شبكة الآمرين المساعدين بالصرف على المستوى الإقليمي يُعدّ خطوة استراتيجية تسعى الدولة من خلالها إلى تسريع وتيرة الاستجابة الحكومية عند وقوع كوارث طبيعية. فبدلاً من انتظار الموافقات المركزية في أوقات الأزمات، يصبح المسؤول الإقليمي قادراً على تحريك الاعتمادات المالية بصورة فورية لمواجهة ما يقتضيه الوضع. وقد اكتسبت هذه الآلية أهمية استثنائية في ضوء الكوارث الطبيعية المتكررة التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، من فيضانات وزلازل وجفاف، والتي كشفت عن ضرورة التدخل العاجل وتيسير السيولة المالية دون تعقيدات بيروقراطية.
ثالثاً - قرارات وزير النقل واللوجيستيك: هيكلة منظومة الممرات المستوية السككية
3.1. قرارات حذف الممرات المستوية وتحسين السلامة السككية
3.1.1. البنية القانونية والتقنية لقرارات الحذف والإعادة التصنيف
تضمّن هذا العدد من الجريدة الرسمية جملة من قرارات وزير النقل واللوجيستيك عبد الصمد قيوح المتعلقة بحذف وإعادة ترتيب عدد من الممرات المستوية على خطوط السكة الحديدية. وقد استندت هذه القرارات إلى الظهير الشريف رقم 1.60.110 الصادر عام 1961 بشأن المحافظة على السكك الحديدية وأمنها ومراقبتها واستغلالها، ولا سيما الفصل 26 منه، إضافة إلى قرار وزير التجهيز والنقل واللوجيستيك والماء رقم 638.20 الصادر عام 2020 بشأن الشروط العامة لترتيب الممرات المستوية.
وقد شملت قرارات الحذف ثلاثة ممرات: الممر رقم 6062 من الصنف الثاني عند النقطة الكيلومترية 172+023 على خط سيدي العايدي-مراكش بجماعة ابن جرير، والممر رقم 7002 من الصنف الثالث عند النقطة الكيلومترية 4+466 على خط بنجرير-آسفي بجماعة سيدي علي لبراحلة، والممر رقم 8035 مكرر من الصنف الثاني عند النقطة الكيلومترية 136+900 على نفس خط بنجرير-آسفي بجماعة آسفي.
3.1.2. قرارات إعادة الترتيب والانعكاسات على منظومة الأمن السككي
في المقابل، صدرت أربعة قرارات لإعادة ترتيب ممرات مستوية إلى الصنف الثالث، همّت: الممر 3025 عند النقطة الكيلومترية 63+650 على خط طنجة-سيدي قاسم بجماعة ريصانة الشمالية، والممر 3034 عند النقطة الكيلومترية 90+515 على نفس الخط بجماعة السواكن، والممر 2021 عند النقطة الكيلومترية 117+178 على خط فاس-وجدة بجماعة تازة، والممر 2029 عند النقطة الكيلومترية 139+050 على الخط ذاته بجماعة تادرت.
ويدل نظام التصنيف المعتمد على درجة الخطورة واشتراطات السلامة المطلوبة؛ فالممرات المستوية من الصنف الأول تستوجب حراسة دائمة، فيما تخضع تلك من الصنف الثاني لاشتراطات أقل صرامة، في حين تقتصر ممرات الصنف الثالث على الاشتراطات الأدنى. وتنسجم هذه القرارات مع التوجه العام نحو القضاء التدريجي على الممرات المستوية غير المحروسة التي تُشكّل أكبر مصدر لحوادث السكة الحديدية.
3.2. مقررات التخلي عن ملكية القطع الأرضية لبناء خط القطارات فائق السرعة
3.2.1. المسار القانوني لاستملاك الأراضي ضمن مشروع القطار فائق السرعة
تضمّن هذا العدد أربعة مقررات لوزير النقل واللوجيستيك تتعلق بالتخلي عن ملكية قطع أرضية لازمة لإنجاز خط القطارات ذات السرعة العالية بين القنيطرة ومراكش، وذلك في أجزاء مختلفة من مسار الخط الممتد عبر عدة جهات. وتستند هذه المقررات إلى القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت، مرفقاً بمرسوم تطبيقي صادر عام 1983. وقد اعتُمد إجراء البحث الإداري المنصوص عليه قانوناً لتحديد المالكين الحقيقيين للقطع المعنية وضبط مساحاتها بدقة.
3.2.2. الأبعاد الاقتصادية والتنموية لمشروع القطار فائق السرعة
يندرج مشروع الخط السككي بين القنيطرة ومراكش ضمن المخطط الطموح لتطوير البنية التحتية للنقل بالمغرب في أفق استضافة كأس العالم 2030. وتُشير الوثائق المنشورة إلى أن الخط سيربط أبرز مراكز الثقل الاقتصادي والسياحي في المملكة، مما سيُعزز الاندماج الترابي ويُخفف الضغط عن المحور الطرقي. وتكشف قائمة المقررات المنشورة عن حجم العمل التقني والقانوني الضخم المصاحب لهذا المشروع، إذ يتطلب التخلي عن ملكية مئات القطع الأرضية الخاصة والحبسية موزعة على جماعات عديدة تمتد من سطات ومديونة إلى الرحامنة، مع الحرص على مراعاة حقوق المالكين وتعويضهم بصورة عادلة.
رابعاً - معادلات الشهادات في التعليم العالي والتربية الوطنية: نحو منظومة تعليمية منفتحة
4.1. معادلات شهادات الدكتوراه في طب الأسنان: توسيع دائرة الاعتراف
4.1.1. الإطار القانوني لمعادلات شهادات الدكتوراه الطبية
صدر عن وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ستة قرارات لتتميم القرار رقم 305.03 الصادر عام 2003 بتحديد لائحة الشهادات المعادِلة لشهادة الدكتوراه في طب الأسنان. وقد تمت استشارة اللجنة القطاعية لعلوم الصحة المنعقدة بتاريخ 20 يناير 2026 قبل صدور هذه القرارات، مما يؤكد الطابع التشاوري والمنهجي لهذا المسار.
4.1.2. التوزيع الجغرافي للشهادات المُعادَلة وشروط القبول
أضاف وزير التعليم العالي شهادات من دول متعددة إلى اللائحة المرجعية. فمن الجزائر، قبلت المعادلة شهادة الدكتور في طب الأسنان مسلّمة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية، إضافة إلى دبلوم جراحة الأسنان من المصدر ذاته. ومن الفلبين، قبلت الشهادة المسلّمة من جامعة Lyceum-Northwestern University بتاريخ 7 أغسطس 2020 مع اشتراط اجتياز امتحان تقييمي لدى إحدى كليات طب الأسنان بالمغرب. ومن أوكرانيا، قبلت ثلاث شهادات من مؤسسات طبية مختلفة أيضاً باشتراط الامتحان التقييمي. ومن فيدرالية روسيا، قبلت شهادتان من جامعتين طبيتيتين مع الاشتراط الذاتي. ومن السينغال، قبلت شهادة الدكتور في جراحة الأسنان من جامعة El Hadji Ibrahima Niasse.
ويُشير اشتراط الامتحان التقييمي بالنسبة لبعض الشهادات إلى وعي المشرّع المغربي بأهمية ضمان مستوى كفاءة موحد لدى كل الممارسين للمهنة بصرف النظر عن بلد تكوينهم، مما يحمي جودة الخدمات الصحية للمواطنين.
4.2. معادلات شهادة البكالوريا: تعزيز الانفتاح التعليمي على المستوى الدولي
4.2.1. مسالك متعددة وشهادات معادلة من دول وقارات متنوعة
أصدر وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة خمسة قرارات تحدد جملة من المعادلات بين شهادات البكالوريا الأجنبية ونظيراتها المغربية. وتوزعت المعادلات على شعب متعددة: قبلت شهادة البكالوريا الأوروبية المسلّمة من المدرسة الأوروبية بهولندا لمعادلة بكالوريا "علوم الحياة والأرض"، فيما قبل شهادة General Certificate of Education المسلّمة من هيئة AQA بالمملكة المتحدة لمعادلة الشعبة الذاتية. وفي مسلك "فنون الطبخ"، قبلت شهادة مسلّمة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بمدغشقر. وفي مسلك "العلوم والتكنولوجيات الميكانيكية"، قبلت شهادة من جامعة Cheikh Anta Diop بداكار، السينغال. وفي "شعبة الفنون التطبيقية"، قبلت شهادة مسلّمة من أكاديمية نورماندي بفرنسا.
4.2.2. البعد الاستراتيجي لسياسة المعادلات التعليمية
تنبثق أهمية سياسة المعادلات من كونها أداة فعلية لضمان التنقل التعليمي وتيسير اندماج الجاليات المغربية المقيمة في الخارج وأبنائها في النظام التعليمي الوطني عند عودتهم. كما تفتح الباب أمام استقطاب كفاءات وطلبة من الدول المتعاملة دبلوماسياً وثقافياً مع المغرب. وتُشير التوجهات نحو التنوع الجغرافي في قرارات المعادلة، من أوروبا إلى أفريقيا، إلى رؤية استراتيجية تسعى إلى وضع المغرب قطباً تعليمياً إقليمياً محورياً.
خامساً - مجلس المنافسة: قرارات التركيز الاقتصادي وتأثيرها على المشهد التنافسي
5.1. القرارات المتعلقة بعمليات التركيز الاقتصادي: الحجم والتنوع
5.1.1. القرار رقم 32 ق/2026: تركيز في سوق الخبز الصناعي الملفوف
صدر هذا القرار بتاريخ 23 فبراير 2026، وأجاز لمجلس المنافسة لشركة Grupo Bimbo S.A.B de C.V المكسيكية عبر فرعها Bakery Iberian Investments S.L الإسباني تولّي المراقبة الحصرية غير المباشرة لشركة Joy Food International SARL المغربية. وقد أجرى المجلس تحليلاً تنافسياً معمقاً خلص إلى عدم وجود أي تأثير أفقي أو عمودي أو تكتلي سلبي على المنافسة في الأسواق المرجعية، وهي سوق الخبز المقطع الصناعي الملفوف وسوق الخبز الصغير وسوق خبز البرغر والتورتيال وقواعد البيتزا والخبز اللبناني وقواعد الفطائر.
ومن أبرز ما كشفه التحليل أن الأطراف تحتل حصصاً سوقية محدودة تتراوح بين 6 و25 بالمئة في مسالك التوزيع التقليدية وخدمات الأطعمة، وأن السوق تتسم بتنافسية قوية مع وجود منافسين من أمثال Jacquet وDulcesol وAtlantic Food وTurka. كما لاحظ المجلس أن القوة التفاوضية للمشترين الكبار في مسالك التوزيع الحديثة تُشكّل توازناً فعلياً يحدّ من قدرة الجهة المقتنية على فرض شروط تجارية مقيّدة.
5.1.2. نظرة تحليلية على مسار الاستحواذات في سوق الخبز الصناعي
يُعدّ هذا الاستحواذ مثالاً نموذجياً على الاستراتيجية التوسعية التي تنتهجها مجموعة Bimbo العملاقة عالمياً، والتي تطمح إلى تعزيز حضورها في الأسواق الناشئة وتوسيع محفظة منتجاتها لتشمل شرائح سعرية متنوعة. فبينما تتموضع منتجات Bimbo في الفئة المميزة "Premium"، تستهدف Joy Food الفئة السعرية الأقل "Premier prix"، وهو تكامل استراتيجي يُوسّع قاعدة المستهلكين المستهدفين دون خلق ضغط تنافسي مباشر على الطرفين. ومما يلفت الانتباه في هذا القرار القيمةُ التحليلية العالية لمقاربة المجلس القائمة على التحليل الدقيق لكل قناة توزيع على حدة بدلاً من الاكتفاء بالصورة الكلية للسوق.
5.2. قرارات متنوعة للمجلس في قطاعات متعددة
5.2.1. التركيزات في قطاع التأمين والاتصالات والنقل
شهد هذا العدد إجازة عدد كبير من عمليات التركيز الاقتصادي في قطاعات متنوعة، يمكن استعراضها وفق سياقاتها:
في مجال التجميل الفاخر، أجاز المجلس (القرار 34) لشركة L'Oréal SA تولّي المراقبة الحصرية لشركة Kering Beauté SAS، مستنداً إلى غياب أي ترابط أفقي أو عمودي بين نشاطَي الطرفين على الصعيد الوطني، باعتبار أن الجهة المستهدفة لا تنشط في السوق المغربية.
في قطاع الاتصالات، أجاز المجلس (القرار 40) لشركة Orange SA تولّي المراقبة الحصرية لشركة MasOrange SL الإسبانية، مؤكداً أن هذا الاستحواذ لن يُحدث أي تغيير في بنية السوق الوطنية نظراً لأن نشاط الجهة المستهدفة في المغرب يقتصر على علاقات تعاقدية محدودة في مجال خدمات التجوال.
في قطاع الفندقة الفاخرة بمراكش، أجاز المجلس (القرار 38) لشركة Golden Dunes LLC الإماراتية استحواذها على شركة EHC.Maroc SA المالكة لفندق Four Seasons Resort بمراكش، مستنتجاً غياب أي ترابط أفقي بين أنشطة الجهة المقتنية في السوق الوطنية واستحواذها على هذا الفندق.
5.2.2. تكريس المنهجية التحليلية لمجلس المنافسة: التصنيف الثلاثي للتأثيرات
تكشف قراءة منهجية لمجموع قرارات التركيز الصادرة في هذا العدد عن منهجية متماسكة يعتمدها مجلس المنافسة في تقييم الآثار التنافسية لأي عملية، وتقوم على التحليل الثلاثي المحاور: التأثيرات الأفقية الناجمة عن تقاطع أنشطة الأطراف في نفس الأسواق، والتأثيرات العمودية المرتبطة بالتكامل على طول سلسلة القيمة، والتأثيرات التكتلية النابعة من ربط منتجات أو أسواق غير مترابطة. وفي غالبية القرارات، خلص المجلس إلى انتفاء الآثار السلبية الثلاثة معاً، مما يعكس انفتاح المغرب على الاستثمار الأجنبي مع الحفاظ على إطار رقابي صارم.
5.3. قرار الإعفاء من إلزامية التبليغ: القرار رقم 33
5.3.1. الأساس القانوني لعدم الإخضاع لإلزامية التبليغ
يكتسي القرار رقم 33 ق/2026 أهمية خاصة إذ يُقرر فيه المجلس عدم خضوع عملية استحواذ شركة La Compagnie Financière Holding Atlas SA على شركة M Office Qca SA لإلزامية التبليغ. واستند المجلس في ذلك إلى عدم بلوغ أيٍّ من أعتاب رقم المعاملات المحددة في المادة 12 من القانون رقم 104.12 وفي المادة 8 من المرسوم رقم 2.14.652 المتعلق بتطبيقه. وقد خلص التحليل إلى أن رقم معاملات الأطراف الإجمالي العالمي لا يتجاوز 1.2 مليار درهم، وأن رقم المعاملات المنجز بالمغرب بشكل منفرد لا يفوق 50 مليون درهم. ويُجسّد هذا القرار دوراً وقائياً لمجلس المنافسة، إذ يُوضح للفاعلين الاقتصاديين الحدود الفاصلة بين ما يستوجب التبليغ وما لا يستوجبه.
سادساً - الانعكاسات العامة لمحتوى الجريدة الرسمية على المنظومة القانونية والاقتصادية
6.1. قراءة في السياق التنظيمي الشامل
6.1.1. التوجه نحو الحوكمة التقنية والتدبير المعلوماتي
يتقاطع المرسوم المتعلق بسجل السد مع قرارات التعيينات الإدارية في كونهما يُعبّران معاً عن توجه حكومي واضح نحو تحسين جودة البيانات والمعطيات المتاحة لصانع القرار على المستويين المركزي واللامركزي. فالسجل الإلكتروني للسد يُؤسّس لبنية معلوماتية للبنية التحتية المائية، والآمر المساعد بالصرف الإقليمي يُسرّع دورة اتخاذ القرار المالي. وكلا التوجهين يصبّان في منحى تحديثي يُقلّص فجوة البيانات التي طالما عانت منها المنظومات الإدارية في الدول النامية.
6.1.2. مشروع القطار فائق السرعة بوصفه نموذجاً للمشاريع الكبرى
تُشكّل مقررات التخلي عن ملكية القطع الأرضية جزءاً من منظومة قانونية لإنجاز مشاريع الاستثمار في البنية التحتية. ويُلاحظ القارئ لهذه المقررات أن بعضها جاء تعديلاً لمقررات سابقة، مما يعكس الطابع الديناميكي للمسار وضرورة التكيّف مع التحديات الميدانية كالعثور على قطع غير مُحفّظة أو اكتشاف نزاعات في الملكية. كما يكشف عن التعقيد اللوجيستي لمشروع بهذا الحجم يمتد عبر أقاليم وجهات متعددة.
6.2. ديناميكيات التركيز الاقتصادي وما تُخبر به عن الاقتصاد المغربي
6.2.1. جذب المغرب للاستثمارات الدولية عبر عمليات الاستحواذ والاندماج
إن حجم عمليات التركيز الاقتصادي الواردة في هذا العدد، والتي ناهزت عشرين عملية مُجازة ومرفوضة، يُقدّم دليلاً مثيراً على الجاذبية الاستثمارية التي يتمتع بها المغرب في نظر الشركات الدولية. فمن شركات مكسيكية في قطاع الخبز، إلى مستثمرين إماراتيين في الفندقة الفاخرة، مروراً بصناديق استثمار أوروبية في قطاعات التأمين والبناء والنقل، يتجلى اتساع الطيف الجغرافي والقطاعي للمستثمرين المهتمين بالسوق المغربية.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن كثيراً من هذه الاستحواذات تتعلق بشركات دولية تُوسّع نشاطها لتشمل المغرب ضمن منظور إقليمي وقاري، وهو ما يُعكس الدور المحوري الذي يُريد المغرب أن يلعبه قطباً استثمارياً وبوابةً نحو إفريقيا جنوب الصحراء.
6.2.2. دور مجلس المنافسة في صون التوازن الاقتصادي الوطني
يُبرز مجموع القرارات الصادرة في هذا العدد صورة واضحة عن مجلس المنافسة المغربي بوصفه مؤسسة رقابية ناضجة تعتمد معايير موحدة وشفافة في تقييم عمليات التركيز. وتُعدّ شفافية التحليل التنافسي المُدرج في القرارات إضافةً نوعية للبيئة القانونية المغربية، إذ تُمكّن الفاعلين الاقتصاديين من استشراف موقف المجلس قبل الشروع في مفاوضاتهم، مما يُقلّص حالة عدم اليقين ويُخفض تكاليف المعاملات المرتبطة بمسار التبليغ والترخيص.
خاتمة
يُقدّم العدد 7509 من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية قطعةً تشريعية متكاملة الأبعاد تعكس مرحلة فارقة في مسار تحديث الدولة وتطوير بيئة الأعمال. فمن مرسوم سلامة السدود الذي يضع الأسس التقنية والقانونية لتوثيق الأصول الهيدرولوجية الاستراتيجية، إلى قرارات تعيين الآمرين المساعدين بالصرف التي تُجسّد اللامركزية المالية في مواجهة الكوارث الطبيعية، مروراً بحزمة قرارات تحسين السلامة السككية وتسريع إنجاز مشروع القطار فائق السرعة، ووصولاً إلى قرارات المعادلات التعليمية ومجلس المنافسة؛ تتشكّل صورة دولة تُدار بمنطق المؤسسة وتُحكّم فيها القانون أداةً لضبط الشأن العام.
ويبقى التحدي الأكبر هو ضمان أن تُترجَم هذه النصوص من حبر الجريدة الرسمية إلى واقع ملموس يحسّه المواطن ويشعر به المستثمر؛ وذلك يستدعي الإرادة السياسية والكفاءة الإدارية والموارد البشرية والتقنية اللازمة لتفعيل كل نص بالصورة التي أراد لها المشرع. وفي هذا السياق، يغدو الوعي العام بمضامين الجريدة الرسمية واجباً مدنياً قبل أن يكون اهتماماً أكاديمياً، لأن في فهم القانون تمكيناً للمجتمع في مواجهة التحديات المقبلة.
تحميل العدد 7509 بتاريخ 18 ماي 2026 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق