التقرير السنوي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لسنة 2024: قراءة في الحصيلة ورهانات المدرسة المغربية الجديدة

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
نبذة عن المقال: التقرير السنوي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لسنة 2024: قراءة في الحصيلة ورهانات المدرسة المغربية الجديدة

مقدمة: لحظة تأمل في مسار الإصلاح التربوي

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على الصعيد التكنولوجي والاجتماعي والاقتصادي، يجد المغرب نفسه أمام رهانات تربوية حقيقية تستدعي مراجعة شاملة لمنظومته التعليمية. وفي قلب هذا المشهد، يضطلع المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بدور محوري في رصد واقع المنظومة وتقييم أدائها واقتراح سبل تطويرها، انسجاماً مع أحكام الفصل 168 من الدستور المغربي.

جاء التقرير السنوي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لسنة 2024، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7505 بتاريخ 4 ماي 2026، ليشكل محطة فارقة في مسار الولاية الثانية للمجلس. ولم يكن هذا التقرير مجرد وثيقة إدارية تُحصي النشاطات، بل كان حصيلة جهد جماعي ومؤسساتي عميق يرصد واقع المنظومة التربوية الوطنية، ويستشرف آفاق المدرسة المغربية الجديدة بكل ما تحمله من طموحات وتحديات.

يسعى هذا المقال إلى تحليل أهم ما جاء في هذا التقرير الشامل، من خلال استعراض الرهانات السبعة للتحول التربوي، والوقوف على نتائج التقييمات الموضوعاتية، ورصد أبرز ملامح برنامج العمل المستقبلي، بما يتيح للقارئ فهماً عميقاً لواقع التعليم في المغرب وتوجهاته الاستراتيجية.

تحميل العدد 7505 مكرر من الجريدة الرسمية المغربية الصادرة بتاريخ 4 ماي 2026 بصيغة PDF

 

أولاً: السياق العام للتقرير والإطار المرجعي للمجلس

1.1 الإطار القانوني والمؤسساتي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين

يستمد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي شرعيته الدستورية من الفصل 168 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ويُعدّ المؤسسة الاستشارية المرجعية في مجال التربية والتكوين والبحث العلمي. ويحكم عمله القانون رقم 105.12 المتعلق بالمجلس، الذي يُلزمه بإعداد تقرير سنوي ونشره، من خلال رفع حصيلة أنشطته وآفاق عمله إلى صاحب الجلالة، وتوجيهه إلى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي النواب والمستشارين.

ويتجلى دور المجلس في ثلاثة محاور دستورية متكاملة: المهمة الاستشارية، والمهمة الاقتراحية، والمهمة التقييمية. وتُشكّل هذه المحاور الثلاثة البنية الأساسية لكل أعماله وإصداراته، مما يجعل تقريره السنوي وثيقة مرجعية لا غنى عنها لأي متتبع للشأن التربوي المغربي.

1.2 سنة 2024: لحظة الانتقال من التخطيط إلى الإنتاج

تميّزت سنة 2024 عن سابقتها بطابع مختلف من حيث طبيعة الأشغال المنجزة؛ إذ بعد أن شكّلت أنشطة سنة 2023 أولى لبنات انطلاقة الولاية الثانية للمجلس، حيث تم التركيز على تأهيل هياكله المؤسساتية وضبط أولوياته واعتماد استراتيجيته للفترة 2023-2027، أتت أعمال سنة 2024 لتجسّد الانتقال من مرحلة تجديد الهياكل وضبط التوجهات إلى مرحلة الإنتاج وإعطاء دفعة نوعية لمشاريع التفكير الاستراتيجي وأوراش العمل.

وتجلّى هذا الانتقال في إصدار تقرير "المدرسة الجديدة: تعاقد مجتمعي جديد من أجل التربية والتكوين"، وإنجاز أطلسين جغرافيين ترابيين، وتقريرين موضوعاتيين حول قضايا التوجيه المدرسي والمساواة بين الجنسين والبنية التحتية المدرسية، علاوة على حصيلة نشاط مؤسساتي مكثف على مستوى الشراكات والتعاون الدولي.

 

ثانياً: رهانات المدرسة المغربية الجديدة — نحو تعاقد مجتمعي متجدد

2.1 الرؤية الجامعة: المدرسة بوصفها مشروعاً مجتمعياً

انطلق المجلس في تقريره الجوهري حول "المدرسة الجديدة" من قناعة راسخة بينتها الدراسات العلمية، مفادها أن تثمين الرأسمال البشري الوطني يقتضي إحداث تحوّل فعلي وشامل في المنظومة التربوية الوطنية. وهذا التحول ليس مجرد إصلاح تقني للمناهج أو البرامج، بل هو تعاقد مجتمعي جديد بين الأمة ومدرستها، يقوم على ضمان الحق في تعليم ذي جودة للجميع.

ويرسم التقرير ملامح هذه المدرسة الجديدة المنشودة بوصفها مؤسسة توفّر إطاراً ملائماً للفعل التربوي، وتحتضن المتعلم في شموليته المعرفية والنفسية والاجتماعية. مدرسة تسعى إلى تكوين مواطنين يتمتعون بكفاءة عالية وبحس المسؤولية والنزاهة، وفخورين بانتمائهم إلى المجتمع المغربي، وقادرين على التطور والتقدم باستمرار في عالم دائم التغيّر.

2.2 الرهانات السبعة: خارطة طريق للتحول التربوي

حدّد المجلس في تقريره سبعة رهانات رئيسية متشابكة يرى أن كسبها يُشكّل مفتاحاً لإرساء تحول تربوي حقيقي في المغرب. وفيما يلي تفصيل لكل رهان:

أ) الرهان الأول: الاستعداد للتحديات التربوية المستقبلية

يُلحّ التقرير على ضرورة أن تكون المدرسة المغربية الجديدة قادرة على مواجهة تحديات عميقة ومتشابكة. فالتغيرات المناخية والثورة الرقمية والاتجاهات القيمية الجديدة وتحولات سوق الشغل والتطورات الديمغرافية، كلها عوامل من شأنها التأثير مباشرة وغير مباشرة على التربية والتعليم.

ويُفرّق التقرير في هذا الشأن بين ثلاثة مستويات من الاستعداد المدرسي: البيداغوجي، من خلال تهيئة المتعلمين للتكيّف مع التغيّرات المتسارعة وإكسابهم القابلية للتكوين في وظائف لم تُنشأ بعد؛ والقيمي، من خلال إدماج القيم الإنسانية والأخلاقية في التربية؛ والرقمي، من خلال امتلاك القدرة على إدماج الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتحكم في استغلالهما.

ب) الرهان الثاني: إرساء الاستقلالية الذاتية لمؤسسات التربية والتكوين

يُعدّ هذا الرهان من أكثر الرهانات استراتيجية في التقرير، إذ يدعو إلى تجاوز النماذج التقليدية القائمة على التسلسل الهرمي الصارم، نحو اعتماد مقاربة تجديدية تُحرّر الطاقات الخلاقة وتجعل من المؤسسة التعليمية مجموعة تربوية حقيقية. وهذا لا يعني التقليل من الدور الاستراتيجي والناظم للدولة، بل يعني إعادة توزيع الأدوار بين المستوى المركزي والمستوى المحلي.

وفي هذا السياق، يوصي التقرير بإقرار نموذج قيادة ينطلق من القاعدة ويعترف بخصوصية كل مؤسسة وبقدرتها على بلورة مشروعها التربوي المندمج، في إطار استقلالية فعلية تُمكّن الفاعلين التربويين من الابتكار وتحسين الممارسات.

ج) الرهان الثالث: تعزيز دعم المجتمع المحلي للمدرسة

يرى التقرير أن المؤسسة التربوية، وإن تحوّلت إلى "مؤسسة قائمة الذات"، إلا أنها لا تنفصل عن محيطها، بل تحتاج إلى دعمه وتعبئته. ويُوصي بالاستغلال الأمثل لإمكانات الجهوية المتقدمة لتعزيز مشاركة الجماعات الترابية في أجرأة التحول التربوي.

ويقترح التقرير مرحلتين في هذا المسار: مرحلة أولى تشمل نقل الصلاحيات المتعلقة بصيانة وحراسة ونظافة المؤسسات التعليمية والنقل المدرسي والإيواء والمطاعم المدرسية، ومرحلة ثانية تشمل توسيع الصلاحيات المشتركة بين الدولة والجماعات الترابية نحو المشاركة في بلورة المشاريع التربوية الجهوية وتنفيذها.

د) الرهان الرابع: إرساء هياكل فعالة للدعم والتوجيه والضبط

يُشدّد التقرير على ضرورة اعتماد حكامة فعّالة ومنسجمة في منظومة التربية والتكوين، قوامها تعزيز كفاءة الإدارة وتشجيع المشاركة وضمان الشفافية وتكريس المسؤولية. وفي هذا الإطار، يُطالب بإجراء إصلاح شامل للقانون المنظم للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، ومراجعة النظام الأساسي الخاص بمؤسسات التربية والتعليم العمومي، ومهننة الإدارة التربوية.

هـ) الرهان الخامس: تجديد النموذج البيداغوجي والارتقاء بمهن التربية والتكوين

يُشير التقرير إلى أن استراتيجيات التعلم المبنية أساساً على الحفظ والتكرار لم تعد ذات جدوى لإعداد جيل يمتلك الكفايات المطلوبة في القرن الحادي والعشرين. وهذا يستوجب اعتماد مناهج تركّز على تطوير مهارات التفكير العليا وتعزيز الفهم العميق للمعارف، وتستند إلى فهم دقيق لمسار نمو التلميذ وكيفية تطور التعلمات.

وفيما يخص مهن التربية، يرى التقرير أن جودة أي منظومة تربوية تعتمد على كفاءة ومواهب أساتذتها، وأن المنظومة التربوية تواجه تحدياً يتمثل في جعل التدريس مهنةً لأطر مؤهلة وذات كفاءة عالية. ولن يتأتى ذلك دون تثمين مهن التدريس وتعزيز جاذبيتها على المستويات الفكرية والاجتماعية والمادية.

و) الرهان السادس: تعزيز التقائية السياسات العمومية في ميادين التربية والتكوين والبحث العلمي

يُعدّ هذا الرهان من أكثر الرهانات تعقيداً، إذ يتناول إشكالية مزمنة تتمثل في كون مكوّنات التربية والتكوين منغلقة ومجزّأة، ولا يُنظر إليها على أنها منظومة متماسكة ومنسجمة. فالتعليم المدرسي والتكوين المهني والتعليم العالي تظل تعمل بشكل منفصل دون تكامل ولا تعاضد، مما يُفضي إلى هدر كبير في الموارد البشرية والمادية.

ويدعو التقرير إلى تقوية التمفصل بين التعليم الإعدادي والثانوي التأهيلي ومسارات التكوين المهني، وإلى الإصلاح العميق للأسلاك الجامعية الأولى، وإيلاء عناية خاصة بالتعليم الأولي وأهداف هذه المرحلة التعليمية.

ز) الرهان السابع: اعتماد قيادة ناجعة للتغيير

يُختتم إطار الرهانات السبعة بهذا الرهان الجامع، الذي يُشير إلى أن نجاح التغيير المنشود رهين بتقاسمه بين جميع المتدخلين، من المؤسسة التعليمية إلى أعلى مستويات اتخاذ القرار. والتحول التربوي المنشود لا يُختزل في إصلاحات جزئية أو إجراءات ظرفية، بل يستدعي تغييراً بنيوياً ومندمجاً، قوامه رؤية استراتيجية واضحة وحكامة ناجعة وتعبئة جماعية مستدامة.

ثالثاً: التقييمات الموضوعاتية — قراءة تحليلية في قضايا المنظومة

3.1 جودة البنية التحتية المدرسية: واقع التفاوتات وضرورة التدخل

أعدّت الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس "أطلساً مجالياً ترابياً للبنية التحتية المدرسية" يكشف بصورة دقيقة عن جودة ومدى توافر البنى التحتية الضرورية على المستويات الإقليمية والجهوية والمحلية.

وتلخيصاً للنتائج الرئيسية لهذا الأطلس:

أولاً: التحسن العام في جودة البنية التحتية المدرسية بين 2007 و2022. عرفت جميع الأسلاك التعليمية المدرسية تحسّناً خلال الفترة الممتدة من 2007 إلى 2022، وإن كانت وتيرة هذا التحسن متفاوتة؛ إذ كان أكبرها في السلك الابتدائي وأضعفها في الثانوي التأهيلي.

ثانياً: تفاوتات واضحة بين الأسلاك التعليمية الثلاثة. في سنة 2022، سجّلت المدارس الابتدائية أدنى مؤشر للبنية التحتية بـ53 نقطة، مقابل 77 نقطة في السلك الثانوي الإعدادي و81 نقطة في الثانوي التأهيلي.

ثالثاً: الفوارق الحادة في الوسط القروي. تكشف المعطيات عن تباين كبير في جودة البنية التحتية المدرسية بين الوسطين الحضري والقروي، حيث بلغ المؤشر 66 نقطة في الوسط الحضري مقابل 45 نقطة فقط في الوسط القروي سنة 2022. والأشد وطأة أن 99% من المدارس الفرعية بالوسط القروي تعاني من نقص في الربط بشبكات الصرف الصحي، وأن 68% منها غير متصلة بشبكات المياه الصالحة للشرب.

رابعاً: نموذج المدارس الجماعاتية — غير كافٍ. بالرغم من توسّع نموذج المدارس الجماعاتية من 19 مدرسة سنة 2012 إلى 226 مدرسة سنة 2022، إلا أن الأثر الكمي لا يزال محدوداً، إذ لا تستقبل هذه المدارس سوى 3% من تلاميذ التعليم الابتدائي في الوسط القروي، في حين لا يزال 47% يتمدرسون في المدارس الفرعية.

3.2 التوجيه في منظومة التربية والتكوين: نظام يفتقر إلى المرونة والعدالة

خلص التقرير الموضوعاتي حول التوجيه إلى جملة من النتائج المقلقة التي تُلقي الضوء على نظام يحتاج إلى مراجعة جوهرية:

أولاً: غلبة التوجيه نحو الشعب العلمية. من تلاميذ السنة الثالثة إعدادي الذين نجحوا سنة 2019، واصل 41.2% منهم دراستهم في الجذع المشترك العلمي. في المقابل، لم تتجاوز نسبة الذين توجهوا نحو الجذع المشترك التكنولوجي أو المهني أو الأصيل 2.4%.

ثانياً: تأثير الوضعية السوسيو-اقتصادية على التوجيه. يؤثر المستوى الاجتماعي والاقتصادي للتلاميذ ليس فقط على أدائهم الدراسي، بل أيضاً على تطلعاتهم واختياراتهم في التوجيه. فالتلاميذ من المستوى الاجتماعي الميسور أكثر تمثيلاً في الشعب العلمية بفارق 24 نقطة مقارنة بأقرانهم من المستوى الأدنى.

ثالثاً: اعتماد مجلس القسم على النقطة كمعيار أساسي. تبقى النقطة هي العنصر الحاسم في القرار النهائي لمجلس القسم والمعيار الأساسي في التوجيه، مما يُرسّخ الطابع الهرمي للشعب والمسالك الدراسية ويجعل عملية التوجيه أقرب إلى الانتقاء منها إلى التوجيه الفعلي.

رابعاً: محدودية الاستفادة من خدمات التوجيه. تُشير المعطيات إلى أن خدمات التوجيه لا تُستخدم إلا قليلاً؛ إذ كشف التقييم الوطني لمكتسبات 2016 أن 25% فقط من التلاميذ أعلنوا أنهم تلقّوا من مستشار التوجيه استشارة لاختيار الجذع المشترك الذي رغبوا فيه.

خامساً: إكراهات ميدانية تحدّ من فعالية النصوص التنظيمية. يواجه نظام التوجيه اختلالاً في التنسيق بين مستشاري التوجيه وباقي الفاعلين التربويين، فضلاً عن ضعف الانفتاح على عالم الشغل وغياب الأسر عن عملية التوجيه.

3.3 المساواة بين الجنسين: مكاسب ملموسة وتحديات هيكلية مستمرة

تناول التقرير الموضوعاتي حول المساواة بين الجنسين هذه القضية من ستة أبعاد رئيسية:

أ) تصوّرات الأسر ومواقفها

كشفت نتائج البحث الوطني حول الأسر والتربية أن مواقف الأسر لا تزال تتسم بتفاوتات قائمة على النوع الاجتماعي، حيث تميل بعض الأسر، خاصة في الوسط القروي، إلى إعطاء أولوية أكبر لتعليم الذكور. كما يُلاحظ أن الفتيات، حتى في الحالات التي يلتحقن فيها بالمدرسة، يواجهن معيقات إضافية كالانخراط المكثف في الأشغال المنزلية.

ب) الولوج إلى التعليم والمشاركة في المنظومة

تؤكد المعطيات الحديثة أن مشاركة الفتيات والنساء في النظام التعليمي شهدت توسّعاً غير مسبوق خاصة خلال السنوات الأخيرة، مما يعكس دينامية إيجابية نحو تحقيق المناصفة في الولوج إلى التعليم.

ج) مكتسبات المتعلمين والنوع الاجتماعي

يُبرز التقرير الموضوعاتي أن الفوارق المرتبطة بالنوع الاجتماعي تتجلى بشكل أوضح في مجال اللغات، حيث تسجّل الفتيات أداءً أفضل من الفتيان، في حين تظل الفوارق محدودة في الرياضيات والعلوم.

د) العنف في الوسط المدرسي من منظور النوع الاجتماعي

وقف التقرير على كون العنف في الوسط المدرسي يُشكّل أحد العوامل المؤثرة في المناخ المدرسي وجودة التعلمات. وتكشف المعطيات عن اختلافات واضحة في أشكال العنف حسب النوع الاجتماعي: إذ تتعرّض الفتيات بشكل أكبر للعنف اللفظي والتحرش، في حين يُعدّ الفتيان أكثر عرضة للعنف الجسدي المتكرر.

 

رابعاً: القضايا الاستراتيجية قيد الدراسة — أوراش العمل المفتوحة

4.1 محور التربية والتكوين للجميع

اشتغل المجلس، من خلال لجنته الدائمة للتربية والتكوين للجميع والولوجية، على محورين أساسيين: التمييز الإيجابي في التعليم المدرسي، الذي يهدف إلى تطوير سياسات عمومية تحقق مزيداً من الإنصاف والإدماج؛ وضمان الولوج واستكمال الحق في التعليم الإلزامي، الذي يرمي إلى تشخيص المعيقات التي تحول دون الاستكمال الفعلي لهذا الحق.

وعلى صعيد التعليم العالي الدامج، أطلق المجلس دراسة تهدف إلى اقتراح نموذج منصف وفعال لجامعة دامجة، يرتكز على مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص ويُمكّن الجامعة المغربية من الاضطلاع بدورها في مجال الإدماج الاجتماعي والتربوي لجميع الفئات.

4.2 محور حكامة المنظومة الوطنية للتربية والتكوين

في سياق منتصف فترة تفعيل الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، أطلق المجلس مساراً للتفكير في سيرورة إرساء المدرسة الجديدة، بهدف الوقوف على مدى تنزيل الإطار المرجعي للإصلاح وتحديد الإكراهات التي تواجهه.

كما أطلق دراسة حول الإطار المرجعي للجودة الخاص بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، بهدف استشراف الهيكلة المنطقية والوظيفية والأسس التوجيهية لهذا الإطار.

4.3 محور البحث العلمي والتقني والابتكار

اشتغل المجلس على ثلاثة ملفات متكاملة في هذا المحور:

مأسسة البحث العلمي في منظومة التعليم العالي: صياغة مقترحات استشرافية ترمي إلى تطوير البحث العلمي في بلادنا، وبلورة تصور شامل حول بنيات البحث العلمي داخل منظومة التعليم العالي.

تمويل البحث العلمي: دراسة تشخيصية لنظام التمويل الحالي للبحث العلمي (العام والخاص)، من أجل إبراز مواطن القوة والضعف، واستكشاف آليات جديدة لتنويع مصادر التمويل.

الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين: يهدف هذا الملف إلى تشخيص معمّق لوضعية الذكاء الاصطناعي داخل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي في المغرب، في أفق استشراف الخطوط الرئيسية لبناء سياسة وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي في هذا المجال.

 

خامساً: حصيلة أنشطة المجلس لسنة 2024 — مؤشرات الحضور المؤسساتي

5.1 الدورات التداولية وحجم الإنجاز

عقد المجلس خلال سنة 2024 ثلاث دورات عادية للجمعية العامة: الدورة الرابعة في فبراير التي خُصّصت لعرض مدى تقدم مشاريع اللجان؛ والدورة الخامسة في يوليوز التي تميّزت بعرض ومناقشة التقرير الموضوعاتي والأطلس المجالي الترابي حول المساواة بين الجنسين؛ والدورة السادسة في دجنبر التي شهدت المصادقة على تقرير "المدرسة الجديدة" والتقريرين الموضوعاتيين الآخرين.

كما عقدت الهيئات المنبثقة عن الجمعية العامة 159 جلسة عمل داخل المجلس، ونظّمت اللجان الدائمة 13 زيارة ميدانية إلى عدة جهات في المملكة.

5.2 حصيلة الشراكات الوطنية والتعاون الدولي

وقّع المجلس خلال سنة 2024 مجموعة من اتفاقيات الشراكة والتعاون، تشمل ثلاث اتفاقيات ملحقة لتبادل المعطيات والمعلومات مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ووزارة الإدماج الاقتصادي. فضلاً عن اتفاقيات إطار مع مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، وأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، وجامعة محمد الخامس بالرباط.

وعلى الصعيد الدولي، وقّع المجلس اتفاقية شراكة وتعاون مع المجلس الأعلى للتهذيب بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، وأخرى مع مجلس تقييم المدرسة بفرنسا، وهو ما يُعكس الانفتاح المتزايد على التجارب الدولية في مجال التقييم التربوي.

5.3 الأنشطة العلمية والإشعاعية

نظّم المجلس خلال سنة 2024 سلسلة من الأنشطة العلمية والإشعاعية، أبرزها:

  • يوم دراسي حول مقاربة النوع الاجتماعي في المنظومة التربوية (أبريل 2024)، الذي خلص إلى توصيات تعزيز مأسسة مقاربة النوع داخل المنظومة التربوية.
  • ندوة دولية حول الذكاء الاصطناعي بشراكة مع الشبكة الأوروبية لمجالس التربية EUNEC (ماي 2024)، بمشاركة رؤساء هذه المجالس وخبراء من مختلف دول العالم.
  • ندوة حول التكوين في مهن محاربة الأمية بشراكة مع الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية ومنظمة اليونسكو (يوليوز 2024).
  • ورشة عمل حول التحول الرقمي في التربية والتعليم بشراكة مع منظمة اليونسكو (نونبر 2024).
  • يوم دراسي حول التعلم مدى الحياة بشراكة مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب ومنظمة اليونسكو وكلية علوم التربية (دجنبر 2024).

 

سادساً: آفاق عمل المجلس برسم سنة 2025 — توجهات المرحلة القادمة

6.1 آفاق المهمة الاستشارية والاقتراحية

حدّد المجلس جملة من المشاريع التي ستُشكّل محور اشتغاله خلال سنة 2025:

في مجال التربية والتكوين للجميع: إطلاق دينامية لمواصلة معالجة موضوع التمييز الإيجابي في التعليم المدرسي، والشروع في مشروع جديد حول "ضمان الولوج واستكمال الحق في التعليم الإلزامي"، يهدف إلى تعزيز الحق في تعليم إلزامي منصف وذي جودة للجميع في أفق 2030.

في مجال حكامة المنظومة: مواصلة الاشتغال على مشروع إرساء المدرسة الجديدة في منتصف زمن الإصلاح، واستكمال مشروع الإطار المرجعي للجودة.

في مجال النموذج البيداغوجي: بناء العدة المفاهيمية والمنهجية للتفاعل مع مشروع الإطار المرجعي للمناهج، ومواصلة الاشتغال على موضوع الحق في التعليم والاستمرارية البيداغوجية في سياق الأزمات.

في مجال مهن التربية والتكوين: إطلاق ورش مشروع رأي حول مهن التربية والتكوين والبحث، يستند إلى خلاصات التشخيص ومخرجات التشاور.

في مجال الخدمات الاجتماعية والثقافية: إطلاق ورش للتفكير الاستراتيجي في موضوع انفتاح مؤسسات التربية والتكوين على محيطها، وموضوع تعزيز جاذبية المدرسة المغربية.

6.2 آفاق المهمة التقييمية

تشمل تقييمات الهيئة الوطنية للتقييم المبرمجة لسنة 2025 ستة مشاريع جديدة:

  • تقييم إصلاحات التعليم العالي والبحث العلمي: يهدف إلى تحليل أثر الإصلاحات التي عرفها النظام الجامعي منذ سنة 2015.
  • تقييم السياسة العمومية في مجال محو الأمية: لقياس مدى التقدم المحرز مقارنة بالأهداف المحددة.
  • تقييم النجاعة المالية لمنظومة التربية والتعليم العالي: لتحليل النجاعة من خلال دراسة العلاقة بين حجم الإنفاق والنتائج المحققة.
  • تطوير الإطار الوطني لقياس أداء تنزيل الرؤية الاستراتيجية 2015-2030
  • الأطلس المجالي الترابي للفوارق في التربية في نسخته الثانية.
  • تقييم حصيلة عشر سنوات من الإصلاح على ضوء الرؤية الاستراتيجية 2015-2030: وهو مشروع محوري سيوظّف جميع الدراسات والتقارير المنجزة بين 2015 و2025.

سابعاً: البنيات الإدارية للمجلس — ركيزة الفعل المؤسساتي

7.1 قطب الدراسات والبحث ودعم هيئات المجلس

يضطلع هذا القطب بدور محوري في تقديم الدعم العلمي والمنهجي للجان الدائمة ومجموعات العمل. وقد تمحورت أنشطته خلال سنة 2024 حول مواكبة اللجان الدائمة وإعداد الوثائق المرجعية والتحليلية، فضلاً عن مشاريع ذاتية أبرزها: تطوير آليتين مؤسساتيتين لتتبع تنفيذ الإصلاح التربوي، وإرساء أداة لتتبع التوصيات الصادرة عن المجلس، وإرساء آلية دائمة لتعبئة الخبرات في مجالات التربية والتكوين والبحث العلمي من خلال شبكتي الخبراء والباحثين.

7.2 قطب النظم المعلوماتية

انخرط هذا القطب في دينامية شاملة تروم تعزيز التحول الرقمي للمجلس، وأبرز إنجازاته لسنة 2024: تطوير تطبيق "Com'Majlis" للهواتف الذكية، وتحديث التطبيق الجوال "E-MajlisMobile"، واستثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال تطوير وكيل محادثة ثنائي اللغة "MajlisBot".

7.3 قطب الموارد البشرية والمالية

شهدت سنة 2024 إتمام 21 عملية توظيف، بلغ العدد الإجمالي لموظفي المجلس في نهايتها 121 موظفاً. وتميّزت الفئة العمرية للأطر الشابة التي تتراوح أعمارها بين 25 و45 سنة بنسبة 70% من العدد الإجمالي. وبلغت النفقات الإجمالية لسنة 2024 حوالي 100.8 مليون درهم.

 

ثامناً: تقييم نقدي وقراءة في المسار

8.1 الإيجابيات والمكاسب

لا يمكن النظر إلى مسار الإصلاح التربوي في المغرب بعيون سلبية مجردة، فثمة مكاسب حقيقية تستحق التثمين. فمن حيث الولوج، انتقلت نسبة تمدرس الأطفال في سن التعليم الإلزامي إلى مستويات قياسية. ومن حيث المناصفة بين الجنسين، تقلّصت الفجوة بين الفتيات والفتيان في جميع أسلاك التعليم. ومن حيث البنية التحتية، سجّلت جميع الأسلاك التعليمية تحسّناً خلال الفترة 2007-2022.

كما يُسجَّل للمجلس اعتماده مقاربة منهجية قائمة على البيانات والأدلة في تقييم المنظومة التربوية، وهو ما يُعطي توصياته وتقاريره طابعاً علمياً يُميّزها عن الخطاب الإنشائي المجرد.

8.2 الإشكاليات والتحديات الهيكلية

غير أن الإيجابيات المُشار إليها لا تحجب جملة من التحديات الهيكلية العميقة التي تُعاني منها المنظومة:

أولاً: فجوة التنفيذ. يُلاحظ المجلس وجود فجوة واسعة بين مستوى الطموح في نصوص الرؤية الاستراتيجية والقانون-الإطار من جهة، ومستوى التنزيل الفعلي على أرض الواقع من جهة أخرى.

ثانياً: إشكالية الجودة. التمدرس الكمي لا يُترجم دائماً إلى جودة في التعلمات؛ وهذا ما تكشفه نتائج التقييمات الدولية كـ PISA وBRLIM التي تُظهر ضعفاً في مكتسبات المتعلمين المغاربة مقارنة بالمعدلات الدولية.

ثالثاً: التفاوتات الترابية. لا تزال الفجوة بين المدن والأرياف واسعة، وخاصة على مستوى البنية التحتية وتوافر الأطر التربوية المؤهلة.

رابعاً: تمفصل مكونات المنظومة. يبقى التنسيق بين التعليم المدرسي والتكوين المهني والتعليم العالي هشاً، مما ينتج عنه هدر بشري ومادي كبير.

خاتمة: نحو مدرسة مغربية تستحق ثقة الأجيال

خلص التقرير السنوي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لسنة 2024 إلى معادلة واضحة: المدرسة المغربية الجديدة المنشودة ليست حلماً بعيد المنال، بل هي مشروع قابل للتحقيق بشرط توافر ثلاثة عناصر: إرادة سياسية صلبة، وتعبئة مجتمعية مستدامة، وتراكم علمي ومؤسساتي جاد.

ما يُميّز هذا التقرير عن غيره من الوثائق التربوية هو حرصه على تقديم قراءة متكاملة تجمع بين التقييم والاقتراح، وتربط بين التحليل الدقيق للواقع واستشراف آفاق المستقبل. فالرهانات السبعة التي حدّدها المجلس ليست مجرد قائمة بالأمنيات، بل هي أوراق عمل مبنية على الدليل والمقارنة الدولية، ومُنسجمة مع المرجعيات الوطنية للإصلاح من رؤية استراتيجية وقانون-إطار ونموذج تنموي جديد.

والرسالة الضمنية لهذا التقرير يمكن اختزالها في جملة واحدة: التعليم ليس قطاعاً من بين قطاعات عديدة، بل هو المحدد الحقيقي لمستقبل المغرب كبلد وكأمة. وكسب رهان المدرسة الجديدة هو في الوقت ذاته كسب رهان التنمية الشاملة والمستدامة لأجيال تستحق تعليماً بالمستوى الذي تستحق.

والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بما أبان عنه من جدية واجتهاد خلال سنة 2024، يُقدّم نموذجاً في العمل المؤسساتي الرصين القائم على الدليل والبرهان، بعيداً عن الخطاب المُزيَّن والتقارير الفارغة من المعنى. غير أن قيمة هذا الجهد لا تُقاس بجودة الوثائق المنتجة وحدها، بل بمدى التفاعل المؤسساتي مع مضامينها وباستثمار خلاصاتها في بلورة السياسات العمومية الكفيلة بتحقيق التحول التربوي المنشود.

 

المصدر: التقرير السنوي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي عن حصيلة وآفاق عمل المجلس برسم سنة 2024، منشور في الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، عدد 7505 مكرر، بتاريخ 16 ذو القعدة 1447 (4 ماي 2026).

 

تحميل العدد 7505 مكرر من الجريدة الرسمية المغربية الصادرة بتاريخ 4 ماي 2026 بصيغة PDF


إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 11/05/2026
تحديث 11/05/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث