مقدمة:
في مرحلة دقيقة من تاريخ الإيالة الشريفة، وتحديداً في يوم الجمعة 23 ذي القعدة عام 1331 هجرية الموافق لـ 24 أكتوبر 1913 ميلادية، صدر العدد الخامس والعشرون (25) من الجريدة الرسمية ليؤرخ لمرحلة مفصلية في بناء الدولة المغربية الحديثة. لم تكن هذه النسخة، التي حُدد ثمنها بـ "عشرون سنتيماً"، مجرد نشرة للقوانين، بل كانت وثيقة تثبت استقرار الأركان السيادية وانتقال مركز القرار الفعلي إلى العاصمة الإدارية الصاعدة، رباط الفتح.
إن هذا الإصدار يعكس رغبة الإدارة المركزية في تعميم المعلومة التشريعية عبر نظام اشتراكات دقيق، حيث تم توفير الجريدة من خلال "بنيقات البوسطة" (مكاتب البريد) المنتشرة في المغرب. وقد روعي في تسعيرة الاشتراكات البعد الجغرافي، حيث حددت للمشتركين داخل المملكة بـ 3.50 فرنكات لثلاثة أشهر و10 فرنكات للسنة، بينما ارتفعت للمشتركين خارجها لتصل إلى 15 فرنكاً سنوياً، ما يبرز الاهتمام الدولي المتزايد بمتابعة الشأن التشريعي المغربي في تلك الحقبة.
تحميل العدد 25 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
المحور الأول: المراسيم السيادية - وصول الحضرة الشريفة إلى الرباط
تصدر القسم الرسمي من هذا العدد خبر بالغ الأهمية من الناحية الرمزية والسياسية، وهو وصول جلالة السلطان مولاي يوسف إلى مدينة الرباط. لم يكن هذا الوصول مجرد تنقل عادي، بل كان استعراضاً لمهابة الدولة واكتمال أركان الحكم في العاصمة الجديدة.
تفاصيل الموكب السلطاني ومظاهر الاستقبال
أوردت الجريدة وصفاً دقيقاً للموكب الذي انطلق في تمام الساعة الرابعة مساءً من يوم 21 أكتوبر. تقدمت الموكب طوابير من العساكر الشريفة بملابسهم الرسمية الزاهية، تلتهم فرق الموسيقى العسكرية. وقد شاركت في الاستقبال كبار الشخصيات من الجانبين المغربي والفرنسي، وعلى رأسهم المقيم العام الجنرال ليوطي، والوزراء، والباشوات، وأعيان مدينة الرباط وسلا.
الدلالات السياسية لمركزية الرباط
إن اختيار الرباط كمقر دائم للحضرة الشريفة، كما ورد في تفاصيل العدد، كان يهدف إلى تسهيل التنسيق بين الصدارة العظمى (رئاسة الوزراء) وبين الإدارات المركزية للحماية. وقد احتشدت جماهير غفيرة من سكان العدوتين (الرباط وسلا) والقبائل المجاورة (زعير، بني حسن) على جنبات الطريق المؤدي إلى المشور السعيد، في مشهد يكرس البيعة والولاء ويؤكد على استتباب الأمن في هذه النواحي الاستراتيجية.
المحور الثاني: إصلاحات المنظومة الصحية والاجتماعية
في خطوة تنظيمية رائدة تهدف إلى مأسسة الخدمات الطبية، تضمن هذا العدد قراراً وزيرياً تاريخياً يتعلق بإنشاء "حزب الممرضين" (سلك الممرضين) المخصص للإعانة الطبية العامة.
تأسيس سلك التمريض المهني
بموجب هذا القرار، تم وضع القواعد الأولى لمهنة التمريض في المغرب. لم يعد الأمر مقتصرًا على الممارسات التقليدية، بل أصبح يتطلب تنظيماً إدارياً يتبع مصلحة الصحة والطبابة العامة.
- الأهداف الاستراتيجية: سد الخصاص في الكوادر المساعدة للأطباء الأجانب الذين تم تعيينهم في الأعداد السابقة.
- الانتشار الميداني: تم توزيع هؤلاء الممرضين على المراكز الصحية الناشئة في المدن والقبائل لضمان تقديم الإسعافات الأولية وتنفيذ حملات التلقيح ضد الأوبئة التي كانت تهدد الساكنة.
تنظيم مصلحة "هوية السجناء" (الوزن والتصوير)
من المقتضيات المثيرة للاهتمام في هذا العدد، صدور قرار وزيري يتعلق بتنظيم مصلحة وزن المساجين وتصويرهم. هذا القرار يمثل البداية الفعلية لاعتماد النظم الجنائية الحديثة في تحديد الهوية.
- التوثيق البصري: إلزامية تصوير كل سجين لإنشاء أرشيف بصري يسهل عملية التعرف على ذوي السوابق.
- القياسات الأنثروبومترية: شمل القرار عملية "الوزن" وقياسات الجسد، وهي تقنيات كانت متبعة في أوروبا آنذاك (نظام برتيلون) لضبط السجلات الجنائية ومنع التلاعب بالهويات داخل السجون المخزنية.
المحور الثالث: الهندسة الإدارية والتعيينات في الأشغال العمومية
واصلت الدولة هيكلة مفاصلها الإدارية عبر إصدار قرارات تعيين دقيقة لموظفين فرنسيين ومغاربة في قطاعات حيوية، وعلى رأسها قطاع الأشغال العمومية والترجمة.
تعزيز إدارة الأشغال العمومية
نشرت الجريدة قائمة بأسماء الموظفين الجدد الذين أُسندت إليهم مهام تطوير البنية التحتية. شملت هذه التعيينات مهندسين ومراقبين وتقنيين تم توزيعهم على المديريات الجهوية (الشاوية، الغرب، فاس). كان الهدف من هذه التعيينات:
- تسريع وتيرة بناء الطرق والجسور لربط الموانئ بالداخل.
- الإشراف على المنشآت المائية والكهربائية الناشئة في المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط.
تفعيل دور الترجمة المدنية
صدر قرار من الصدر الأعظم بتولية مترجم مدني جديد، وهو ما يؤكد استمرار الحاجة إلى "الوساطة اللغوية" بين الإدارة الاستعمارية وبين الساكنة المحلية والقضاء الشرعي. هؤلاء المترجمون كانوا يشكلون حلقة الوصل القانونية لضمان تنفيذ المراسيم وتفهيمها للقبائل والأعيان.
المحور الرابع: القسم غير الرسمي - نبض الحياة الاقتصادية والرياضية
بعيداً عن جفاف النصوص القانونية، يقدم القسم غير الرسمي صورة بانورامية للحياة في المغرب سنة 1913، مبرزاً مظاهر الحداثة والترفيه والتبادل التجاري.
سباقات الخيل بوجدة: دبلوماسية "الفنطازيا" والسباق الحديث
أفردت الجريدة مساحة لوصف سباق الخيل الذي أقيم بمدينة وجدة، والذي تميز بتنوع فئاته:
- سباق الوطنيين: خصصت له جائزة بقيمة 600 فرنك، وشارك فيه فرسان من قبائل عمالة وجدة، مما يعكس الاهتمام بالحفاظ على الفروسية التقليدية.
- سباق الضباط: أقيم على أمهار من إدارة الحرس بخصائص عسكرية.
- السباقات الحربية: تم تقسيمها إلى درجات (ثانية وثالثة) بجوائز تراوحت بين 300 و800 فرنك.
- جائزة التجار: في لفتة لدعم الاقتصاد المحلي، تم تخصيص جائزة بقيمة 500 فرنك لتجار وجدة المشاركين أو الداعمين للسباق.
ثورة النقل البحري: الطريق من الدار البيضاء إلى باريس
في تقرير تقني واقتصادي هام، بشرت الجريدة القراء بإمكانية قطع المسافة بين الدار البيضاء وباريس في وقت قياسي يتراوح بين 84 إلى 87 ساعة فقط.
- الخطوط الملاحية: اعتمد هذا التطور على باخرات "كمبانية باكي" (التي تملك خطوط شاوية ودكالة).
- المسار اللوجستي: تقطع الباخرة مسافة البحر في 70 إلى 75 ساعة، مع التوقف في ميناء طنجة الدولي.
- التكامل مع السكك الحديدية: عند الوصول لمرسيليا، يركب المسافر "القطار السريع" في الساعة 19:21 ليصل لقلب باريس في تمام الساعة 10:00 صباحاً. هذا الربط اللوجستي كان يهدف لتشجيع المستثمرين والمسؤولين على التنقل السلس بين المركز (باريس) والمحمية (المغرب).
المحور الخامس: التاريخ التجاري - وكالة باكي والنهضة العمرانية
لا يمكن قراءة هذا العدد دون التوقف عند الإعلانات التجارية التي كانت مرآة للرأسمالية الصاعدة. يبرز إعلان "جمعية للبحث والتجارة بالمغرب" (وكالة باكي) كأحد المحركات الرئيسية للاقتصاد آنذاك.
تغطية جغرافية شاملة
امتلكت الوكالة فروعاً في كل الثغور والمراكز الحيوية: الدار البيضاء، طنجة، مليلة، الرباط (شارع العلو)، أكادير، مراكش، آسفي، والصويرة.
قائمة التجهيزات الحديثة
كانت الوكالة المورد الرئيسي لمواد بناء "المغرب الحديث":
- مواد البناء: الجير، الملاط (الإسمنت)، الحديد، والأجر.
- المكننة الفلاحية والصناعية: المحركات، المضخات (البومبات)، وماكينات الزراعة الحديثة.
- النقل: السيارات (الأطومبيلات) التي بدأت تغيّر ملامح الطرق المغربية الوعرة.
خاتمة :
بإمعان النظر في تفاصيل العدد 25 من الجريدة الرسمية، نجد أنفسنا أمام وثيقة تثبت أن الدولة المغربية قد دخلت مرحلة "الترتيب النهائي". فمن جهة، نرى السلطة السيادية ممثلة في السلطان تستقر في الرباط لتعطي الشرعية للمؤسسات الجديدة، ومن جهة أخرى، نجد الإدارة التقنية (الصحة، السجون، الأشغال العمومية) تضع القواعد الصارمة لضبط المجتمع وعصرنة مرافقه.
إن هذا العدد، الذي طبعته "مطبعة مرسي وكمبانيته" بالرباط، يمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة التأسيس لسنة 1913، حيث اجتمعت فيه هيبة المراسيم السلطانية مع دقة التنظيمات الإدارية الفرنسية، ليرسما معاً ملامح مغرب القرن العشرين؛ مغرب يوازن بين أصالة سباقات الخيل بوجدة وبين حداثة الخطوط البحرية السريعة نحو باريس. يظل هذا الأرشيف القانوني كنزاً لا ينضب للباحثين في كيفية صناعة "الدولة" من خلال الحبر والورق والقرارات الجريئة.
تحميل العدد 25 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
إرسال تعليق