مدخل استراتيجي: من شرعية البنادق إلى شرعية الإدارة والأسواق
لم تكن سنة 1913 سنة عادية في كرونولوجيا التاريخ المغربي الحديث؛ بل كانت تمثل نقطة الانعطاف الحرجة التي تحولت فيها آلة الحماية الفرنسية من منطق "التهدئة العسكرية" والزحف المسلح، إلى منطق "التهدئة الهيكلية" عبر إرساء البنيات التحتية، وضبط الأسواق، وتشييد الإدارات، ومد أسلاك التلغراف. وفي هذا السياق المعقد والمشحون بالتحولات، نضع تحت مجهر التحليل الأكاديمي الصارم العدد السادس والعشرين (26) من "الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية".
إن قراءتنا لهذا العدد لن تكون مجرد سرد أرشيفي مسطح، بل ستكون عملية حفر أركيولوجي في طبقات النص لتفكيك آليات الهيمنة الاستعمارية وكيفية تغلغلها في أدق تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة؛ بدءاً من تدبير كوارث الموانئ الكبرى، مروراً بتخطيط الشوارع وتعديل مسارات أسلاك البرق، وصولاً إلى التدخل في تحديد أجور البنائين وأسعار القمح في أقصى الأسواق القروية. هذا المقال يمثل غوصاً استثنائياً في وثيقة تعكس كيف بدأت الدولة الحديثة (بمفهومها الكولونيالي) في بسط شباكها التنظيمية على جغرافية واقتصاد المملكة.
تحميل العدد 26 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
المحور الأول: التوثيق الهوياتي والمالي للجريدة الرسمية (العدد 26)
قبل الغوص في مضامين القرارات، تقتضي المنهجية العلمية الوقوف عند الديباجة التعريفية والمالية التي تؤطر هذا الإصدار، والتي تعتبر في حد ذاتها مؤشراً على الفلسفة الإدارية للإقامة العامة.
1. الزمكانية والتسعير: صدر هذا العدد من عاصمة الإيالة الشريفة، رباط الفتح، حاملاً تاريخاً يزاوج بين التقويمين الهجري والميلادي: 29 ذي القعدة عام 1331 الموافق لـ 31 أكتوبر سنة 1913. وقد حافظت الإدارة على الثمن الرمزي للنسخة وهو "عشرون سنتيم" ، وهو ثمن مدروس بعناية لضمان تداول الجريدة على أوسع نطاق بين الإداريين، القضاة، التجار، والمستعمرين الجدد.
2. شبكة التوزيع الجغرافي والاشتراكات: لضمان وصول هذه التشريعات إلى كافة شرايين الإيالة، ربطت الإدارة توزيع الجريدة بشبكة البريد الناشئة، حيث نصت بوضوح على أنه "يجب على من اراد الاشتراك في هذه الجريدة ان يطلبه من ادارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية بالرباط ومن جميع بنيقات البوسطة بالمغرب". كما ضبطت المسطرة المحاسبية بجعل "مبدأ الاشتراك من أول الشهر".
وقد عكس سلم الاشتراكات فوارق جغرافية دقيقة:
- الداخل المغربي: حُددت أثمنة تشجيعية (3.50 فرنكات لثلاثة أشهر، 6 لستة أشهر، و10 فرنكات لسنة كاملة).
- الخارج: روعيت التكاليف اللوجستية للنقل البحري للمشتركين خارج المغرب، فارتفعت الأسعار إلى (4.50 فرنكات، 8 فرنكات، و15 فرنكاً على التوالي).
المحور الثاني: القسم الرسمي - إدارة الأزمات وحماية الرأسمال (حريق الدار البيضاء)
يحتوي "القسم الرسمي" في هذا العدد على قرار وزيري وحيد، ولكنه ذو أبعاد اقتصادية وتأمينية ضخمة، حيث يسلط الضوء على تداعيات واحدة من أكبر الكوارث التي ضربت العصب التجاري للمغرب في تلك الفترة.
1. خلفية القرار: كارثة المرسى
يتعلق القرار بـ "تولية عضوين باللجنة المكلفة بالنظر في الشكايات المتعلقة بديوانة الدار البيضاء". والديوانة (الجمارك) كانت تمثل الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد الرأسمالي الوافد. السياق التاريخي يعود إلى "الحريق الواقع بمرسى الدار البيضاء في الليلة التي بين الثاني والعشرين والثالث والعشرين من شهر مايو سنة 1913". لقد خلف هذا الحريق أضراراً جسيمة، مما دفع الإدارة لتشكيل لجنة لتلقي الشكايات وتحديد التعويضات عن "الفساد والضياع اللاحقين للسلع في مدة خزنها في الاهرية او عند نزولها من المراكب وذلك قبل تاريخ 31 يوليو سنة 1913".
2. الحركية الإدارية وتجديد الدماء في اللجنة
نظراً لطول مسطرة دراسة التعويضات، برزت مستجدات مهنية لأعضاء اللجنة تطلبت تدخلاً من الصدر الأعظم. فقد أشار القرار إلى أنه "بسبب كون المسيو كمبنا رئيس الادارات البلدية انتقل إلى الرباط والمسيو لفيفر فكري التاجر بارح الدار البيضاء لمدة غير معينة وحسب تعويضهما لعضوين آخرين". هذا التبرير يوضح مدى حركية الموظفين الفرنسيين والتجار في تلك المرحلة التأسيسية.
3. التعيينات الجديدة والتوازن المصلحي
بمقتضى "الفصل الأول" و"الفصل الثاني" من هذا القرار، تم سد الفراغ بتعيينات تحافظ على التوازن بين الإدارة (البلدية) ورأس المال (التجار):
- تعيين "المسيو كوليو نائب رئيس الادارة البلدية بالدار البيضاء" (كممثل للسلطة الإدارية).
- تعيين "المسيو بوفين التاجر القاطن بها" (كممثل للفاعلين الاقتصاديين المتضررين). وقد أسند "الفصل الثالث" مهمة تنفيذ هذا القرار لكل من "الكاتب العام لدى الدولة الحامية والمدير العام بادارة الاشغال العمومية". وحمل القرار توقيع المقيم العام "ليوطي" شخصياً في 27 أكتوبر 1913.
المحور الثالث: القسم غير الرسمي - أوراش البنية التحتية والتعمير بالعاصمة الرباط
ينقلنا "القسم الغير الرسمي" إلى واجهة الأحداث الميدانية، وتحديداً إلى الدينامية العمرانية التي كانت تشهدها مدينة الرباط كعاصمة سياسية وإدارية جديدة.
1. التدبير الحضري والأشغال البلدية:
قدمت الجريدة تقريراً مفصلاً عن إنجازات "إدارة اشغال المجلس البلدي بهذه المدينة الرباطية" خلال شهر سبتمبر، والتي شملت أوراشاً كبرى لتغيير الوجه الحضري للمدينة:
- شارع الجزاء: تمت "تتمة اشغال اصلاح شارع الجزاء واصلاح المجاري الحارة به". هذا يعكس بداية إرساء بنية تحتية للصرف الصحي.
- شارع القناصل: تم "اتمام اشغال شارع القناصل" ، وهو الشارع الدبلوماسي العريق.
- هندسة المحيط النهري والصناعي: تمت مباشرة أشغال ضخمة لـ "ردم الطريق المؤدية الى الوادي خارج السور الغربي الشمالي ومجاري الدباغ".
- الصيانة الوقائية: شملت الأعمال "اصلاح اقنية شتى تداعت من ثقل مرور العربات عليها" ، وهو ما يشير إلى الضغط الكبير الذي أحدثته الآليات الثقيلة والعربات الكولونيالية على بنية تحتية تقليدية لم تصمم لذلك.
- ترصيف الأسوار: تم "ترصيف بعض الطريق التي هي حول السور جنوباً".
2. الضبط العمراني (منع البناء العشوائي): للقضاء على فوضى البناء ومواكبة التخطيط الحضري، أصدرت البلدية قراراً زجرياً وتوجيهياً ينص على أنه "لا يجوز من الآن فصاعداً بناء أي بناية بدون اخذ الاذن من البلدية على ذلك التي تمد الطرقات بالنسبة الى الطلبات التي تقدم لها بهذا الشأن". هذا يمثل الميلاد الفعلي لـ "رخصة البناء" (Permis de construire) كأداة لضبط المجال الحضري وفتح الشوارع.
المحور الرابع: أزمة التلغراف والجيوبوليتيك الإقليمي
تُعتبر شبكة التلغراف العصب الحسي للإمبراطوريات الاستعمارية. وقد قدم هذا العدد تقريراً بالغ الأهمية عن "التلغراف بالمغرب"، كاشفاً كيف تتداخل التكنولوجيا مع الجيوبوليتيك.
1. الانقطاع البريدي وتأثير الفتن في المنطقة الإسبانية:
كانت الاستراتيجية الأولى تعتمد على إرسال البرقيات إلى أوروبا عبر طريق الشمال. لكن التقرير أشار إلى أنه "بسبب الفتنة الحاصلة في المنطقة الاصبنيولية تعذر على الرقاص نقل الرسائل البريدية البرقية بين العرباوي وطنجة". إن مصطلح "الرقاص" (الساعي الراجل) يبرز التمازج الغريب في تلك الفترة بين وسائل الاتصال العصرية (البرق) ووسائل النقل البدائية. الانفلات الأمني في منطقة النفوذ الإسباني هدد بقطع الاتصال بين الإقامة العامة في الرباط والمركز في باريس.
2. الخطة البديلة (الاستدارة نحو الشرق):
لحل هذه الأزمة السيادية، قامت الإدارة بتحويل جذري للمسار: "اخذت الادارة ترسل الرسائل عن طريق فاس وتواريرت إلى الجزائر وفرنسا". وقد كانت هذه الطريق الاستراتيجية الشرقية مقتصرة سابقاً "على الرسائل الرسمية والرسائل المتعجلة" ، لكن بفضل هذه الظروف القاهرة، "فتحت الطريق المذكورة للرسائل العمومية بين الجزائر وفرنسا". ولضمان استمرارية الأعمال التجارية، "قاما مركزا طنجة والدار البيضاء بأرسال الرسائل كلها" عبر هذا الخط الجديد، مما "ضمنت جميع المصالح ووصلت الاخبار البرقية لاربابها".
3. توسيع الشبكة وحماية صومعة حسان:
استمرت أشغال ربط المدن، حيث أفاد التقرير أنه "بعد الانتهاء من مد الخط التلغرافي بين اسفي والصويرة سيرجع المشتغلون به الى الرباط". وفي الرباط، برزت إشكالية هندسية طريفة تتعلق بالتراث والملاحة؛ فقد تقرر أن "ينقلون الخطوط الممدودة حول برج حسان الى ستة كيلومترات بعيداً عنه حتى لا تمس المراكب الداخلة الى الوادي الاسلاك المذكورة بسواريها وتفسد انتظام نقل الاشارات البرقية بتلك الاسلاك". كما أُعلن أنه "قد تم من التلغراف من فاس الى صفرو وفتح للمخابرات العمومية".
المحور الخامس: الدينامية العقارية وتغلغل الرأسمال الأجنبي
رصدت الجريدة مؤشرات واضحة على بداية الاستحواذ العقاري من قبل الأجانب في محيط المدن.
1. صفقات الأراضي بين تمارة ووادي يكم: تحت عنوان "الزراعة في ضواحي الرباط"، كشف التقرير أن "احد الرعايا الاصبنيول قد اشترى قطعتين من الارض ما بين تماره ووادي يكم". وبلغت "مساحة تينك القطعتين 50 هكتاراً". ما يثير الانتباه هو التباين في الأسعار، فقد "بلغ ثمن الاراضي في تلك الناحية 300 فرنك للهكتار"، بينما "في مواضع اخرى بلغ ثمن الهكتار من 70 الى 80 بسيطة حسنية". هذا التفاوت يعكس المضاربات العقارية الأولى بناءً على القرب من المحاور الطرقية والمراكز الحضرية.
المحور السادس: ثورة "الماكادام" - شق الطرقات وربط شرايين المحمية
شكلت "الطرق المرصفة" (Macadam) أداة ليوطي المفضلة للسيطرة العسكرية والانفتاح الاقتصادي. وقد استعرض العدد حصيلة مذهلة لهذه الأوراش.
1. شريان الساحل الأطلسي:
- محور الدار البيضاء - الرباط: أفاد التقرير أن الأشغال متواصلة بالقسم الغربي، و"قد تمت الشعبة من طريق الدار البيضاء الى الرباط حتى اكمة فضاله أي على طول 61 كيلومتر وستماية متر".
- محور الرباط - وادي يكم: تم الإعلان عن طرح "الشعبة الممتدة من الرباط الى وادي يكم في 15 نوفمبر القادم وطولها 22 كيلومتر" للسمسرة (المناقصة).
2. الربط مع عاصمة الجنوب والمراكز الفلاحية:
- محور البيضاء - مراكش: حقق هذا المحور تقدماً كبيراً، حيث "تم منها 81 كيلومتر و 300 متر".
- طرق الشاوية ودكالة: استعدت الإدارة لتفويت صفقات جديدة، حيث "ستوضع بالسمسرة قريباً الشعبة الممتدة بين مديونة وسطات. وكذلك ستسمسر قريباً الشعبة من الطريق بين الجديدة وبير الجديد".
3. اختراق بلاد زعير:
في المناطق الداخلية الصعبة كالزعاير، كان الهدف فك العزلة لتسهيل المراقبة، حيث "يشتغلون اليوم باصلاح الطرقات ما بين مرزاقه ومرشان وبين ميازز ومرشان لتتمكن العربات من السير عليها".
المحور السابع: الاقتصاد القروي وإشكالية التموين (أسواق زعير والغرب)
يقدم هذا العدد كنزاً من الأرقام والإحصائيات التي تعكس حالة الاقتصاد القروي المغربي، وأسعار المواد الأساسية، وتأثير المواسم الفلاحية الجافة.
1. اقتصاد منطقة زعير وتسييس الضرائب:
في إطار رصد أسواق "ناحية كرستيان" و"ناحية مزراقة"، تم تقديم "أسوام" (أسعار) المواد الحيوية:
- القمح: تراوح بين 30 و 40 بسيطة حسنية لكل 155 كيلوغرام.
- الشعير: بين 28 و 32 بسيطة حسنية لكل 155 كيلوغرام.
- البقر: من 125 إلى 225 بسيطة للرأس.
- العجل الفطيم: من 25 إلى 40 بسيطة للرأس.
- الغنم: من 20 إلى 27 بسيطة، والفرس من 500 إلى 600، والبغل من 200 إلى 225 بسيطة.
وبلغ حجم الرواج المالي، حيث "مجمل مبيع سوق النخيله 12000 بالشهر الماضي أي بزيادة الفين ب ح تقريباً عما قبل" ، و"بلغ مجمل مبيع اسواق ناحية كرستيان 200000 بسيطة". والمعطى المثير جداً للاهتمام سوسيولوجياً وسياسياً هو إقرار الجريدة بأنه "لم تؤخذ رسوم على الاسواق بتلك الناحية لاسباب سياسية" ، مما يؤكد أن الإدارة الفرنسية كانت تعفي بعض القبائل المتمردة أو حديثة الخضوع من الضرائب لضمان ولائها. كما أشار التقرير إلى الركود الفلاحي: "اما زراعة الصيفي فكانت كزراعة الشتاء قليلة". واعتمد النقل كلياً على البغال، حيث "اجرة البغل يومياً 5 بسيطات والحراث الوطني يخدم باجرة بسيطتين باليوم". أما معدل الصرف فكان "من 125 الى 130 بالماية" بين العملة الحسنية والفرنك الفرنسي.
2. التطورات الإدارية والمحلية بمدن متعددة:
- الدار البيضاء: لمواكبة النمو الديموغرافي والصحي، "يدرسون الآن بناء مجزر كبير مع الآلات العصرية المطهرة".
- مكناس: بحثاً عن مداخيل جديدة لتمويل البنية التحتية، "تدرس البلدية وضع ضريبة على الأبنية اشبه بضريبة المباني وذلك لادخال الاموال على صندوق الاصلاحات العمومية".
- فاس: "تغيرت كيفية جباية رسوم الاسواق وحذف بعضها".
- القنيطرة وسطات: أدى التحضر السريع إلى تغييرات إدارية، ففي القنيطرة "دعت الضرورة لارسال مراقب مدني يقوم بتنظيم أحوالها لان العمران بها اخذ يتزايد تزايداً سريعاً". ولنفس الغرض "سيعين مراقب مدني ملحقاً بمكتب الاستعلامات في سطات".
3. أزمة النقل بين آسفي ومراكش:
كشف العدد عن أزمة في لوجستيك النقل التقليدي، حيث "تنقل السلع بين مراكش واسفي كما هو معلوم على ظهور الجمال". ولكن بسبب الظروف الاقتصادية، "زاد ارباب القوافل اثمان النقل بالايام الاخيرة". ففي أواخر سبتمبر، "بلغ ثمن نقل حمل الجمل الذي هو 230 كيلو الى 28 بسيطة على معدل 16 بسيطة ونصف لكل ماية كيلو". هذا الارتفاع الصاروخي في تكلفة النقل التقليدي كان يسوغ ويسرع ضرورة بناء الطرق الحديثة والسكك الحديدية.
4. اقتصاد الغرب (مركز دار ابن العامري):
يعتبر تقرير "دار ابن العامري" من أوفى التقارير الاقتصادية.
- حجم المعاملات: "بلغ مجمل النقل الشهري في الاسواق المشهورة بناحية دار ابن العامري ما قدره تقريباً 170000 بسيطة حسنية وكانت الرسوم المجتبية من تلك الاسواق 2000 بسيطة بالشهر". الأسواق المعنية هي: "سوق أولاد يحيى وسوق اولاد محمد وسوق اولاد حنون".
- الأسعار (الأسوام): المد (نحو 40 كيلوغرام) من القمح بلغ (13 إلى 15، وفي سوق آخر 12.50 إلى 17.50)، الشعير (7)، الفول (9.50)، الحمص (10.50). البيض (12 إلى 20 بسيطة للمائة). البقر (100 إلى 200 للرأس)، الغنم (20 إلى 30)، الماعز (19 إلى 25). الخيل (300 إلى 500 للرأس). الصرف الحسني كان 128 بالمائة. وسجلت "علة الذرا (الذرة) قليلة".
- تكلفة النقل (القوافل): أجرة النقل لكل 100 كيلوغرام من دار ابن العامري إلى فاس (17 إلى 18 فرنك)، وإلى مكناس (13 إلى 15 فرنك).
- قطاع البناء والعقار: رصد التقرير أجور العملة الوطنيين في البنيان: "المعلم البناءي من خمسة إلى سبعة بساسط يومياً"، و"المعلم البناءي بالاجور من بسيطتان ونصف الى ثلاثة يومياً"، و"المناول مثله". أما العقار الفلاحي فقد "بلغ ثمن الهكتار من 80 إلى 150 بسيطة حسنية بحسب التربة وخصبها". وقد أشار التقرير إلى صعوبة السيطرة العقارية: "معاملة الشراء صعبة وتحتاج الى مساومة طويلة مع ارباب الاملاك. ومن السهل شراء قطعة من الارض ولكن من الصعب جمع كمية كافية للزراعة".
- الربط اللوجستي: "ما زالت اشغال السكة الحديدية بين دار ابن العامري ومكناس متواصلة". كما بدأ التفكير في النقل السريع: "ويدرسون اليوم من طريق عربات بين دار الكداري ولالا ايطو" ، وتم البدء بـ "اصلاح الطريق ما بين سوق حدكورت والعرباوى ومشرع بن القصيري وبذلك تسهل المواصلات مع جبل كورت والناحية الشرقية من قبيلة الغرب".
المحور الثامن: استنبات الزراعة الاستعمارية وتحديات التأقلم
لم تغفل الجريدة الإشارة إلى الجهود الاستعمارية لتغيير النمط الزراعي وإدخال أنواع جديدة من الأشجار لتحقيق أرباح رأسمالية سريعة. نشرت الجريدة تقريراً تحت عنوان "زراعة الاشجار المثمرة واشجار الزينة بالمغرب". أشارت إلى تأسيس جمعية مدنية مبكرة بالصويرة باسم "جمعية وقاية الاشجار بالمغرب" كنموذج يُقتدى به. المحور الأهم كان في طنجة، حيث "انشأ بطنجة محلات تجارية لجلب الاشجار المثمرة والغير المثمرة منها اسبانيولية وفرنساوية". وقد عكست تفضيلات المزارعين الوطنيين تمايزاً، حيث تبيع المحلات "الاصبانيولية جزع الغرس بمبلغ 75 سنتيما" ومثلها الفرنسية، "لكن المسلمين يتعمدون (يفضلون) الجزوع الفرنساوية على الاصبانيولية". الأنواع المستوردة شملت "التفاح والنجاص والخوخ وحب الملوك". لكن الطبيعة المغربية قاومت هذا الاستنبات، حيث أن "اكثر هذه الجزوع لم تنجح في كل مكان خصوصا حب الملوك الذي يحتاج الى تربة ومناخ خاص به". في المقابل، "تبين أن تربة نواحي طنجة صالحة للاشجار المعروفة باشجار الزينة المجلوبة من فرنسا". وكانت هذه الأشجار تُستورد بطرق لوجستية دقيقة: "تُجلب تلك الجزوع في بالات ملفوفة على بعضها وزن الواحدة من 50 الى 80 كيلو واصولها عارية وتوضع في صناديق غير عامرة بالخشب مصحوبة بالتبن وبالخيش حول الازرار". وتوقعت الإدارة أن "تزداد هذه التجارة نمواً ويزداد عليها الإقبال لان بها فائدة كبرى لهذه البلاد" ، مؤكدة أن "الجنائن التي انشأتها ادارة الزراعة تختبر منذ الان ما يعيش منها في كل صقع وواد" لتعميم التجارب الناجحة.
المحور التاسع: الإعلانات كمرآة للاحتكار الاقتصادي (وكالة باكي)
كعادتها في كل أعدادها التأسيسية، خصصت الجريدة صفحتها الأخيرة لترسيخ الوجود الاحتكاري للشركات الفرنسية الكبرى، وعلى رأسها إعلان "جمعيه للبحث والتجارة بالمغرب" (وكالة باكي).
هذا الإعلان المتكرر يعكس السيطرة الكلية على سلاسل الإمداد ومنافذ التوزيع في المغرب الحديث:
- التواجد الإقليمي والموانئ: امتلكت الشركة فروعاً وشبكات في أهم شرايين المملكة الاقتصادية: "وكالاتها - الدار البيضاء - وطنجة - ومليلة - والرباط واقادير - ومراكش - واسفي - والصويرة".
- التوطين بالعاصمة: أكدت الشركة على مركزها القيادي في قلب الرباط بذكرها: "وكالتها في الرباط موجودة بشارع العلو".
- السيطرة على البناء الثقيل والمكننة: لم تكن الوكالة مجرد متجر، بل كانت مزوداً لمواد البناء الحديثة التي تغير وجه المدن: "عندها الجير والملاط يعني السيمة (الإسمنت) - والعود (الخشب) - والحديد - والاجر". كما كانت بوابة لثورة الآلات: "ومكينات الزراعة - والآلات المحركة - والمضخات يعني البومبات - والاطومبيلات (السيارات) وغير ذلك".
- توفير سلع الرفاهية: لتلبية الأذواق المخملية للمستوطنين والأعيان، وفرت "منسوجات مدينة منشستر (القطن الإنجليزي الراقي) - وحرائر مدينة ليون (الفرنسية)".
واختُتم العدد بالإشارة التوثيقية الدائمة للمؤسسة الطباعية التي أنجزت هذا العمل السجلي الضخم: "مطبعة مرسى وكمبانيته برباط الفتح".
خاتمة تحليلية:
بوصولنا إلى نهاية هذا التشريح العميق لمضامين العدد 26 من الجريدة الرسمية، يتضح لنا جلياً أن وثائق سنة 1913 لا تحكي قصة سيطرة عسكرية تقليدية فحسب، بل تروي قصة تشكل "الدولة-المقاولة" الكولونيالية.
فمن خلال هذا العدد، رأينا كيف تُدار الكوارث (حريق الدار البيضاء) لحماية الرأسمال الأجنبي. ورأينا كيف يُطوع المجال الحضري للرباط لمنع البناء العشوائي، وكيف تُكسر العزلة عن فاس بإعادة رسم مسارات التلغراف هرباً من القلاقل في الشمال الإسباني.
الأهم من ذلك، قدم لنا هذا العدد "داتا" (Data) تاريخية مذهلة عن نبض الأسواق في الغرب وزعير؛ أسواق كانت تُعفى من الضرائب استرضاءً للقبائل المتمردة حيناً، وتُراقب أسعارها وتكلفة نقلها على ظهور الجمال أحياناً أخرى، لتبرير وتسريع شق طرق "الماكادام" التي ستسمح للآلة الاستعمارية بابتلاع المسافات والزمن. إن هذا العدد ليس مجرد حبر قديم مطبوع في "مطبعة مرسي"، بل هو مخطط دقيق لكيفية تفكيك الاقتصاد الأهلي التقليدي وإعادة تركيبه على مقاس المصالح الرأسمالية الفرنسية المتدفقة عبر "وكالة باكي" وأخواتها. إنه وثيقة حية تشهد على الولادة العسيرة والمنظمة للمغرب الحديث.
تحميل العدد 26 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
إرسال تعليق