قراءة تحليلية وتاريخية شاملة في مقتضيات العدد 22 من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية (أكتوبر 1913)

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

مقدمة :

تُعتبر الوثائق الرسمية، وعلى رأسها أعداد "الجريدة الرسمية"، السجل الأصدق والأدق لفهم آليات بناء الدولة وتطور مؤسساتها عبر التاريخ. وفي هذا السياق الأكاديمي والتحليلي، نضع تحت المجهر العدد الثاني والعشرين (22) من "الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية". صدر هذا العدد المفصلي في مرحلة دقيقة جداً من تاريخ المغرب الحديث، وتحديداً في خضم السنة الأولى لصدور الجريدة، يوم 27 ذي القعدة عام 1331 هجرية، وهو ما يوافق بالتاريخ الميلادي 4 أكتوبر سنة 1913.

إن هذا العدد، الصادر من عاصمة الإيالة الشريفة "رباط الفتح"، لا يمثل مجرد حبر على ورق مطبوع، بل هو وثيقة حية توثق المخاض الإداري والتنظيمي الذي شهده المغرب لترسيخ دعائم الإدارة الحديثة. في هذا المقال الاحترافي المطول، سنقوم بتفكيك وتحليل كل قرار وخبر ورد في هذه الوثيقة، لنقدم للباحثين والمؤرخين والمهتمين بالشأن القانوني قراءة شاملة تغطي الجوانب المؤسساتية، الأمنية، الاقتصادية، والاجتماعية لعهد الحماية في بداياته.

 

تحميل العدد 22 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

القسم الأول: الهوية الإدارية والمالية للجريدة الرسمية

قبل الغوص في عمق النصوص التشريعية، لابد من الوقوف عند الجانب اللوجستي والمالي الذي أطّر إصدار هذه الجريدة، والذي يعكس استراتيجية الإدارة في تعميم القوانين على كافة أرجاء المملكة.

1. تسعيرة النسخة وشروط الاشتراك

  • حددت الإدارة الاستعمارية والمخزنية ثمناً رمزياً للصحيفة وهو "عشرون سنتيم" للنسخة الواحدة.
  • وُضعت ديباجة إدارية توضح مسطرة الاشتراك، حيث نُص على أنه يجب على من أراد الاشتراك في هذه الجريدة أن يطلبه من إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية بالرباط.
  • تم الاعتماد على شبكة البريد، حيث أتيح الاشتراك "من جميع بنيقات البوسطة بالمغرب".
  • حُددت قاعدة إدارية تنص على أن "مبدأ الاشتراك من أول الشهر".

2. التعريفة الجغرافية للاشتراكات

لضمان التوازن المالي، اعتمدت الإدارة تسعيرة تختلف باختلاف النطاق الجغرافي للمشتركين:

  • داخل المملكة الشريفة: تم تحديد الأسعار في 3.50 فرنكات لمدة ثلاثة أشهر، و6 فرنكات لمدة ستة أشهر، و10 فرنكات للاشتراك السنوي.
  • خارج المملكة الشريفة: روعيت تكاليف النقل الدولي، فحددت الأسعار في 4.50 فرنكات لثلاثة أشهر، 8 فرنكات لستة أشهر، و15 فرنكاً لسنة كاملة.

 

القسم الثاني: التحليل القانوني للقسم الرسمي (القرارات الوزيرية)

يُشكل "القسم الرسمي" الركيزة الأساسية للجريدة، حيث يتضمن التعيينات والقرارات السيادية. وفي هذا العدد، تركزت القرارات على ضبط الموارد البشرية للإدارة المدنية.

أولاً: إعادة تنظيم هيئة المترجمين المدنيين (التعديل القانوني)

إدراكاً من الإدارة لأهمية الترجمة في التواصل مع الساكنة المحلية لضبط القضاء والإدارة، صدر قرار وزاري لتعديل القرار السابق المؤرخ في 12 مايو 1913 المتعلق بتنظيم طائفة المترجمين المدنيين. يهدف هذا التعديل إلى فرض رقابة صارمة على كفاءة المترجمين عبر الفصول التالية:

  • الترشيح المؤقت: على وجه الوسيلة الوقتية، يقع ترشيح المترجمين وقتياً بشرط أن يحضروا شهادات تدل على أهليتهم للخطة التي يطلبونها من غير أن يعينوا في رتبة من الرتب بشكل نهائي.
  • لجنة الامتحان الصارمة: لا يقع تعيين المترجمين في "حزب المترجمين الرسميين" إلا بعد امتحان.
  • تمتحنهم لجنة عليا مركبة من: مدير إدارة الترجمة العامة، ورئيس بنيقة الترجمة، ورئيس التوسط، ورئيس بنيقة العدلية الإسلامية، ومن مدير المدرسة العليا في اللغتين العربية والبربرية.
  • فترة التمرين: يقع امتحانهم بعد إقامتهم مدة شهر واحد على الأقل بإدارة الترجمة على وجه التمرين، وينفذ لهم تعويض قدره 250 فرنك لا غير.
  • فئة المترجمين المعاونين: إن لم توجد في المترجمين المؤقتين أهلية للدخول في حزب المترجمين الرسميين (سواء لم يرخص لهم باجتياز الامتحان أو لم ينجحوا فيه)، فيمكن حينئذ تعيينهم في "حزب المترجمين المعاونين" وذلك بعد استشارة اللجنة المذكورة.
  • توفيق أوضاع المترجمين القدامى: المترجمون المستخدمون وقت بروز هذا القرار في سائر الإدارات يمكن توليتهم على البت بين أحد الحزبين المذكورين بقرار 12 مايو 1913، مع الرتبة والطبقة التي توازي المرتب المنفذ لهم.
  • يتم ذلك التوفيق عقب تقرير يصدر من رؤساء الإدارات المستخدمين فيها وبعد موافقة اللجنة، ولا تعتبر أسبقيتهم إلا من يوم توليتهم بالراتب المنفذ لهم.
  • تسوية الرواتب المتفاوتة: المترجمون المستخدمون وقت بروز هذا القرار وراتبهم لا يطابق طبقة من الطبقات المؤسسة، يمكن تعيينهم في الطبقة التي راتبها أعلى من الراتب الذي يأخذونه.
  • لا يقع تعيينهم تعييناً باتاً في طبقة من الطبقات إلا بعد تقرير يستندون فيه على رئيس إدارتهم وبعد موافقة اللجنة، وعلى اللجنة النظر في الإجازات والشهادات التي يُدلى بها.
  • عقوبة عدم اجتياز الامتحان: إذا لم يوافق رئيس الإدارة أو اللجنة على تولية المترجمين، فإنهم يبقون على حالتهم ويستخدمون عاماً واحداً.
  • ثم إن لم ينجحوا في الامتحان في هذه المدة الثانية فيعفون من الخدمة، وينفذ لهم تعويض لا يقل عن راتب عام واحد.
  • وقد نص الفصل الثاني على إبطال الفصل السادس عشر من قرار 12 مايو 1913. حُرر هذا القرار بالرباط في 2 شوال 1331 الموافق 4 سبتمبر 1913، واطلع عليه المقيم العام وأذن بنشره في 18 سبتمبر 1913.

ثانياً: التعيينات الجديدة بالمديريات والإدارات المدنية

لتأسيس البيروقراطية الاستعمارية، تم إدماج وتعيين كفاءات فرنسية في مراتب دقيقة، بناءً على الفصل التاسع من الظهير المؤرخ في 11 جمادى الأولى 1331 (12 أبريل 1913). شملت قائمة الموظفين المعينين:

  • رؤساء الأقسام والمكاتب:
    • المسيو مالي: عين رئيس قسم خارج عن الرتب.
    • المسيو بودي: عين رئيس قسم من الرتبة الأولى.
    • المسيو دي شابيني: عين رئيس قسم من الرتبة الأولى.
    • المسيو برجي: عين رئيس مكتبة من الرتبة الأولى.
    • المسيو بو فروح الملقب واتلي: عين رئيس مكتبة من الرتبة الرابعة.
    • المسيو بونصانه: عين رئيس مكتبة من الرتبة الرابعة.
  • سلك المنشئين (المحررين):
    • المسيو كريزيون: عين منشئ من الطبقة العليا من الرتبة الثانية.
    • المسيو كاز ماجو: عين منشئ من الرتبة الأولى.
    • المسيو يوكار: عين منشئ من الرتبة الثانية.
    • المسيو بوي: عين منشئ من الرتبة الثالثة.
    • المسيو بيف: عين منشئ من الرتبة الثالثة.
    • المسيو دانوس: عين منشئ من الرتبة الرابعة.
    • المسيو يروني: عين منشئ من الرتبة الخامسة.
    • المسعودي برار: عين منشئ من الرتبة الخامسة.
    • المسيو برتاير: عين منشئ من الرتبة الخامسة.
    • المسيو أندري: عين منشئ من الرتبة الخامسة.
    • المسيو خالوتي: عين منشئ متطوع.
    • المسيو بروني: عين منشئ متطوع.
    • المسيو أمشار: عين منشئ متطوع.
    • المسيو دي ليلو: عين منشئ متطوع.
    • المسيو باروكير: عين منشئ متطوع.
    • المسيو بيجي: عين منشئ متطوع.
  • سلك الكتاب الناسخين:
    • المسيو سيمون: عين كاتب ناسخ من الرتبة الثانية.
    • المسيو ميرال بوجدة: عين كاتب ناسخ من الرتبة الثانية.
    • المسيو مكاس بوجدة: عين كاتب ناسخ من الرتبة الثانية.
    • المسيو جردل: عين كاتب ناسخ من الرتبة الثانية.
    • المسيو جنيون: عين كاتب ناسخ من الرتبة الثانية.
    • المسيو لريو: عين كاتب ناسخ من الرتبة الثانية.
    • المسيو باي ابراهيم جيدة: عين كاتب ناسخ من الرتبة الثالثة.
    • المسيو لبرنك: عين كاتب ناسخ من الرتبة الثالثة.
    • المسيو بارستي: عين كاتب ناسخ من الرتبة الثالثة.
    • المسيو إطليانو: عين كاتب ناسخ من الرتبة الرابعة.
    • المسيو بربي: عين كاتب ناسخ من الرتبة الرابعة.
    • المسيو دامار: عين كاتب ناسخ من الرتبة الرابعة.
    • المسيو كاسد: عين كاتب ناسخ من الرتبة الرابعة.
    • المسيو بورجة: عين كاتب ناسخ من الرتبة الرابعة.
    • المسيو كروى ماري: عين كاتب ناسخ من الرتبة الرابعة.
    • المسيو نورمة: عين كاتب ناسخ من الرتبة الرابعة.
    • المسيو كوكوي: عين كاتب ناسخ من الرتبة الرابعة.
  • سلك الكتاب المتطوعين:
    • المسيو دنوى: عين كاتب متطوع.
    • المسيو دلوج: عين كاتب متطوع.
    • المسيو كركاسون: عين كاتب متطوع.
    • المسيو برنيه: عين كاتب متطوع.
    • المسيو دموليس: عين كاتب متطوع.
    • السيدة أولميدو: عينت بصفة كاتب متطوع.
    • المسيو مستون: عين كاتب متطوع.

وختم هذا القرار بالرباط في 9 شوال 1331 الموافق 11 سبتمبر 1913، بإمضاء دي سانتولار.

 

القسم الثالث: التحليل المعمق للقسم الغير الرسمي (الأخبار الاقتصادية، الاجتماعية والأمنية)

يُعتبر هذا القسم بمثابة التقرير الميداني الذي ينقل نبض المجتمع المغربي واقتصاده وصحته وتطور بنيته التحتية في تلك الفترة الزمنية الدقيقة.

1. الشأن الزراعي والمطالب الفلاحية: زيارة الجنرال لمركز دار بن العامري

يعكس هذا الخبر الاهتمام المبكر للمستعمرين الفرنسيين باستغلال الأراضي الفلاحية المغربية.

  • تجول الجنرال "بلوندلا" (قومندان ناحية الرباط) مفتشاً مركز دار بن العامري، واستقبله حين وصوله رجال الحكومة والأعيان من الفرنسيين والوطنيين.
  • استغل المزارعون الفرنسيون هذه الزيارة لتقديم مطالب اقتصادية ولوجستية عاجلة للجنرال.
  • طلب الفرنساويون المزارعون البحث فيما إذا كان من الممكن إسقاط بعض الضريبة المجعولة لعام 1913 نظراً لفشل الغلة هذا العام.
  • كما طلبوا إنشاء طريق مرصعة بالحجر تصل دار بن العامري بالقنيطرة ورباط الفتح لتسهيل تسويق المنتجات.
  • وطالبوا بفتح مكتب لتوزيع البوسطة (البريد) يومياً لفك العزلة عن المركز.
  • قيد الجنرال في مذكرته جميع هذه المطالب وأكد لمن طلبها أنه سيرفعها للإدارات المختصة مع موافقته عليها.
  • وبعدئذ توجه الجنرال إلى مليانة على نهر سبو، ومنها إلى سوق الأربعاء في قبيلة الغرب لاستكمال جولته الاستطلاعية.

2. الأمن الصحي وحماية المستهلك: العقوبات على المأكولات المغشوشة

في إطار تأسيس مفهوم "الصحة العمومية" وحماية الأسواق من التدليس، صدر قرار صارم لزجر الغش.

  • بعث الصدر الأعظم إلى جميع عمال المدن بالإيالة الشريفة بقرار يبين كيفية مصادرة المأكولات المغشوشة والحبوب المغذية المضرة.
  • جُعل هذا القرار للمحافظة على الصحة العمومية، وفيه تحذير قاطع بشأن غش المأكولات والحبوب المغذية والأدوية التي تباع للعموم، وغش الشاري بالميزان ونوع السلع.
  • سلطة التفتيش (البوليس): خول القرار لقوميسر البوليس بكل مدينة أو من ينوب عنه حق الدخول إلى حوانيت التجار وتفتيشها بناءً على شكوى بحق التاجر من بعض الأفراد.
  • حماية الامتيازات الأجنبية: تضمن القرار استثناءً قانونياً يراعي الوضعية الدبلوماسية للأجانب (نظام الحمايات والامتيازات)، حيث اشترط تفتيش الأجانب بالحصول على الإذن بذلك من جانب القنصل الذي ترجع إليه جنسية التاجر المذكور.
  • للقوميسرات أو نوابهم حق القبض (الحجز) على السلع المغشوشة.
  • تجري العقوبات على ذلك بحسب شريعة وقوانين بلاد التاجر المقبوضة عنده تلك المغشوشات.

3. التنظيم الحضري والأخلاقي: شروط فتح حانات الخمر بالرباط

مع توافد الجاليات الأوروبية، انتشرت حانات بيع الكحول. ولضبط هذا النشاط من الناحية الحضرية والأمنية، قررت بلدية الرباط وضع دفاتر تحملات صارمة:

  • إتماماً للاحتياطات الكافية التي اتخذت بشأن المحافظة على الصحة العمومية، قررت البلدية ما يأتي في شؤون حانات الخمر.
  • أولاً: تعطى رخصة شخصية للراغب بفتح حانة بيع الخمر، مبنية على ضمانة أدبية وشهادة يقدمها الطالب.
  • ثانياً: تحديد وتقييد عدد الحانات المسموح بها بالمدينة بأكملها.
  • ثالثاً: تحديد عدد الحانات بكل زنقة (شارع) لتجنب التركز المخل بالأمن.
  • رابعاً (الاعتبار الأمني): منع فتح حانة في زنقة ضيقة يتعذر على البوليس مراقبتها.
  • خامساً (الاعتبار الأخلاقي والصحي): منع فتح حانة قريبة من المعاهد الصحية والمعابد (المساجد والكنائس) احتراماً لقدسيتها.
  • سادساً: التزام صاحب الحانة بإنارة الحانة دائماً لمنع الممارسات المشبوهة في الظلام.
  • سابعاً (الزجر): قفل الحانة إذا حصل فيها شغب (أحداث عنف) أو خالف مولاها قوانين البلدية.

4. السياسة البيئية والاقتصادية: غابة المعمورة وزراعة الأشجار

أ. حماية غابة المعمورة واستثمارها:

  • درس رئيس إدارة الغابات الوسائط التي يجب أن تستعمل لحماية غابة المعمورة.
  • قرر اتخاذ الاحتياطات الصارمة ضد الذين يزيلون الأشجار ويسلخون قشورها (عملية استخراج الفلين التي كانت تتم بطرق عشوائية مدمرة).
  • شرع المسؤولون بدرس كيفية استثمار القطعة القريبة من تلك الغابة إلى مدينة القنيطرة الجديدة (التي كانت قيد التأسيس)، وإنشاء المعدات اللازمة لذلك العمل.

ب. زراعة الأشجار المثمرة وأشجار الزينة بالمغرب:

  • أنشأت مؤخراً بالصويرة جمعية باسم "جمعية وقاية الأشجار بالمغرب"، وهي مبادئ حسنة خليق أن يقتدى بها ويعمل بمثلها في جميع مدن الإيالة.
  • أنشئت بطنجة محلات تجارية لجلب الأشجار المثمرة والغير المثمرة منها إسبانيولية وفرنساوية، تجلب إلى ناحية طنجة جزوع الأشجار المثمرة التي يرغبها الوطنيون.
  • تبيع المحلات التجارية الإسبانيولية جزع الغرس بمبلغ 75 سنتيماً، والفرنساوية بنفس السعر تقريباً، لكن المسلمين يتعمدون (يفضلون) الجزوع الفرنساوية على الإسبانيولية.
  • بين النقلات المجلوبة تذكر التفاح والنجاص (الكمثرى) والخوخ وحب الملوك (الكرز).
  • أكثر هذه الجزوع لم تنجح في كل مكان، خصوصاً "حب الملوك" الذي يحتاج إلى تربة ومناخ خاص به.
  • تبين أن تربة نواحي طنجة صالحة للأشجار المعروفة بأشجار الزينة المجلوبة من فرنسا.
  • تجلب تلك الجزوع في بالات ملفوفة على بعضها، وزن الواحدة من 50 إلى 80 كيلو، وأصولها عارية وتوضع في صناديق غير عامرة بالخشب مصحوبة بالتبن وبالخيش حول الأزرار.
  • يُتوقع أن تزداد هذه التجارة نمواً ويزداد عليها الإقبال لأن بها فائدة كبرى لهذه البلاد.
  • تختبر الجنائن التي أنشأتها إدارة الزراعة منذ الآن ما يعيش من هذه الأشجار في كل صقع وواد لتوجيه الفلاحين.

5. الأزمة العقارية: أجور الكراء المرتفعة بمدينة سلا

مع استقرار الإدارة في الرباط، شهدت المدن المجاورة كمدينة سلا أزمة سكن حقيقية بسبب التوافد الكبير.

  • تتجدد عقود الأكرية في العام الهجري الجديد بمدينة سلا، وقد صار من الصعب منذ الآن وجود الأماكن للكراء بتلك المدينة نظراً للطلب المتزايد.
  • قدمت الجريدة دليلاً مرجعياً للأجور الشهرية المعقودة للأكرية هناك لتبيان الغلاء، وهي كما يأتي:
    • دار مؤلفة من ثلاث غرف مبنية على الطرز العجمي (الأوروبي الحديث) تساوي ماية (100) فرنك شهرياً.
    • دار عربية مؤلفة من أربع غرف وبسحة (باحة/فناء) تساوي من 80 إلى 100 فرنك شهرياً.
    • فندق متوسط المساحة مع غرفتين يساوي من 100 إلى 125 فرنك شهرياً.
    • حانوت للتجارة مع محل ورائها للانتفاع بها أيضاً تساوي من 45 إلى 60 فرنكاً شهرياً.

6. الاقتصاد المحلي القبلي: أسواق إدارة ضواحي فاس

لتمويل الإدارات المحلية، كانت الضرائب والرسوم تُجبى عبر نظام "التلزيم" (السمسرة والمزادات).

  • لُزمت بطريقة السمسرة أسواق إدارة ضواحي فاس لستة أشهر أخرى، وكانت سمسرة سوق كل قبيلة على حدة.
  • بالنسبة إلى فشل الغلة (تراجع المحصول الزراعي) وقرب دنو فصل الشتاء، فقد كانت نتيجة السمسرة أقل بكثير من النتيجة السابقة، مما يعكس تدهور القدرة الشرائية للفلاحين.
  • قائمة العائدات والأرقام:
    • الأسواق الخمسة لقبيلتي أولاد جامع والشراردة بلغت سمسرتها: 13,500 بسيطة حسنية.
    • سوق قبيلة المرادية: 5,800 بسيطة حسنية.
    • سوق حجاري: 2,850 بسيطة حسنية.
    • سوق أولاد الحاج في سبو: 420 بسيطة حسنية.
    • المجموع الإجمالي: بلغ 20,470 بسيطة حسنية.
  • جميع الملتزمين (المكترين/الضامنين) للأسواق المذكورة هم من القبائل التابعة لها تلك الأسواق، مما يشير إلى احتكار الأعيان المحليين للحركة التجارية القبلية.

 

القسم الرابع: الإعلانات التجارية كمرآة للاقتصاد الاستعماري

تُختتم الجريدة بصفحة الإعلانات، والتي تقدم لنا صورة واضحة عن نوعية السلع التي كانت تستوردها الشركات الكبرى لتحديث البنية التحتية وتغيير نمط الاستهلاك.

وكالة باكي (Agence Paquet) والتبادل التجاري

يُعد الإعلان التجاري لـ "جمعية للبحث والتجارة بالمغرب" (المعروفة بـ وكالة باكي) من أهم الوثائق الدالة على الاحتكار التجاري.

  • التوسع الجغرافي للشبكة: أعلنت الشركة عن امتلاكها لوكالات تجارية في أهم الموانئ والمدن: الدار البيضاء، طنجة، مليلة، الرباط، أقادير، مراكش، آسفي، والصويرة.
  • ركزت على ذكر عنوانها في العاصمة: "وكالتها في الرباط موجودة بشارع العلو" (وهو من أعرق الشوارع التجارية).
  • مواد التحديث والبناء: لتلبية حاجة الأوراش الكبرى، وفرت الشركة: الجير والملاط (يعني السيمة/الإسمنت)، والعود (الخشب)، والحديد، والآجر.
  • الميكنة والآليات: نقلت التكنولوجيا للمغرب عبر بيع: مكينات الزراعة، والآلات المحركة، والمضخات (المفسرة بكلمة: البومبات)، والأطومبيلات (السيارات) وغيرها.
  • البضائع الاستهلاكية الفاخرة: لتلبية طلبات النخبة الأوروبية والمحلية، عرضت المنسوجات الراقية: "عندها أيضاً منسوجات مدينة منشستر، وحرائر مدينة ليون".

في أسفل الصفحة، وكإجراء توثيقي للإدارة، كُتب اسم المطبعة المعتمدة لإصدار هذه الجريدة السيادية: "مطبعة مرسي وكمبانيته برباط الفتح".

 

خاتمة:

إن القراءة الفاحصة والدقيقة لمضامين العدد 22 من الجريدة الرسمية الصادر في أكتوبر 1913، تكشف لنا بوضوح المنهجية التي اتبعتها سلطات الحماية والمخزن في إعادة هيكلة الدولة. فمن خلال قرارات التعيين وتنظيم المترجمين، نلمس إرساء أسس بيروقراطية وإدارة مدنية تعتمد على الكفاءة (الامتحانات) لضبط مفاصل التسيير.

أما على المستوى الميداني، فتوضح التقارير الاجتماعية والاقتصادية (الزيارات الميدانية للمسؤولين، أسعار الكراء، مراقبة الحانات، زراعة الأشجار المستوردة، ومحاربة غش المأكولات) كيف أن السلطة كانت تحاول الجمع بين التحديث المادي الصارم (استيراد السيارات والأسمنت) وبين الضبط الحضري والبيئي. إن هذا العدد يظل وثيقة تاريخية، قانونية، وعمرانية لا غنى عنها لكل من يبحث في جذور الإدارة والاقتصاد في المغرب المعاصر.

تحميل العدد 22 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 


إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 11/04/2026
تحديث 11/04/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث