قراءة تحليلية وتاريخية شاملة في مقتضيات العدد 21 من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية (سبتمبر 1913)

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 قراءة تحليلية وتاريخية شاملة في مقتضيات العدد 21 من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية (سبتمبر 1913)

مقدمة :

تُعتبر الجريدة الرسمية المرآة العاكسة للتحولات الهيكلية، القانونية، والاقتصادية لأي دولة. وفي دراستنا هذه، نضع تحت المجهر التحليلي البالغ الدقة العدد الواحد والعشرين (21) من "الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية". صدر هذا العدد التاريخي في مرحلة دقيقة جداً من تاريخ المغرب الحديث، وتحديداً في سنتها الأولى، يوم 24 شوال عام 1331 هجرية، وهو ما يوافق بالتاريخ الميلادي 26 سبتمبر سنة 1913.

إن هذا العدد، الصادر من عاصمة الإيالة الشريفة "رباط الفتح"، لا يمثل مجرد حبر على ورق، بل هو وثيقة حية توثق المخاض الإداري والتنظيمي الذي شهده المغرب لترسيخ دعائم الإدارة الحديثة، بدءاً من تنظيم الموانئ والأشغال الكبرى، مروراً بمعالجة النزاعات التجارية وتعويضات الخسائر، وصولاً إلى الاهتمام بالصحة العامة، الزراعة، وتوثيق الحرف التقليدية. في هذا المقال الاحترافي والمطول، سنقوم بتفكيك وتحليل كل كلمة وكل قرار ورد في هذه الوثيقة، لنقدم للباحثين والمؤرخين وخبراء القانون قراءة لا مثيل لها في شموليتها وعمقها.

تحميل العدد 21 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

القسم الأول: الهوية الإدارية والمالية للجريدة الرسمية

قبل الغوص في النصوص التشريعية، لابد من الوقوف عند الجانب اللوجستي والمالي الذي أطّر إصدار هذه الجريدة، والذي يعكس العقلية الإدارية التي كانت تسعى لتعميم القوانين على كافة أرجاء المملكة وخارجها.

1. تسعيرة النسخة وشروط الاشتراك

حددت الإدارة الاستعمارية والمخزنية في ذلك الوقت ثمناً رمزياً ومدروساً للصحيفة وهو "عشرون سنتيماً". وقد وُضعت ديباجة إدارية صارمة توضح مسطرة الاشتراك، حيث نُص على أنه: "يجب على من أراد الاشتراك في هذه الجريدة أن يطلبه من إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية بالرباط، ومن جميع بنيقات البوسطة بالمغرب". وهذا يدل على الاعتماد المبكر على شبكة البريد (البوسطة) لتسهيل الإدارة وتعميم النشرات القانونية. كما حُددت قاعدة محاسباتية تنص على أن "مبدأ الاشتراك من أول الشهر".

2. التعريفة الجغرافية للاشتراكات

لضمان التوازن المالي، اعتمدت الإدارة تسعيرة تختلف باختلاف النطاق الجغرافي للمشتركين، لتغطية مصاريف الشحن والتوزيع:

  • داخل المملكة الشريفة: تم تحديد الأسعار لتشجيع الانخراط المحلي كالتالي: 3.50 فرنكات لمدة ثلاثة أشهر، 6 فرنكات لمدة ستة أشهر، و10 فرنكات للاشتراك السنوي.
  • خارج المملكة الشريفة: روعيت تكاليف النقل الدولي، فحددت الأسعار في: 4.50 فرنكات (3 أشهر)، 8 فرنكات (6 أشهر)، و15 فرنكاً (سنة كاملة).

 

القسم الثاني: التحليل القانوني للقسم الرسمي (القرارات الوزيرية)

يُشكل "القسم الرسمي" العمود الفقري للجريدة الرسمية، حيث يتضمن التعيينات والقرارات السيادية التي صدرت عن "الصدر الأعظم" (بمثابة الوزير الأول)، بناءً على الإطار المرجعي القانوني المتمثل في "الفصل التاسع من الظهير الشريف المؤرخ في 18 أبريل سنة 1913".

أولاً: التنظيم الإداري لإدارة المعاملات البحرية (اللوكوناج)

يعتبر قطاع الموانئ والمعاملات البحرية (Léconage) الشريان الحيوي للاقتصاد الاستعماري الذي كان يعتمد على الاستيراد والتصدير. ولضبط هذا القطاع، صدر قرار وزاري بتعيين نخبة من الموظفين الفرنسيين في مناصب حساسة لضمان السيرورة الإدارية:

  • هيئة التفتيش: تم تعيين المسيو كين ليدخل في رتبة "مفتش" وذلك ابتداءً من 20 يوليو سنة 1913.
  • رؤساء البنيقات (المكاتب): عُين المسيو برتالي رئيساً لمكتب من الدرجة الرابعة ابتداءً من فاتح أغشت 1913، ولحقه في نفس الرتبة والتاريخ المسيو دلو.
  • نواب رؤساء البنيقات: شملت التعيينات كلاً من المسيو رامبال (نائب رئيس بنيقة من الرتبة الثالثة، في 20 يوليو 1913)، والمسيو طنكي (نفس الرتبة، في فاتح أغشت 1913).
  • هيئة التحرير: عُين المسيو دورة في منصب "محرر من الرتبة الخامسة" انطلاقاً من فاتح أغشت 1913.

ثانياً: هيكلة إدارة الأشغال العمومية (القناطر والطرق)

كان بناء البنية التحتية من طرق، قناطر، وسكك حديدية يمثل الأولوية القصوى لربط أطراف المغرب وتسهيل التحركات العسكرية والتجارية. لذا، جاء القرار الوزاري الثاني ليضخ عدداً كبيراً من المهندسين والمراقبين في هذا القطاع الاستراتيجي:

1. سلك المهندسين:

تم إدماج وتعيين كفاءات هندسية فرنسية في مراتب دقيقة:

  • المسيو روسيل شارل: دخل في الرتبة الثالثة (16 يوليو 1913).
  • المسيو طونذور هنري: الرتبة الرابعة (غرة/فاتح يوليو 1913).
  • المسيو سولي فريديريك: الرتبة الرابعة (16 يوليو 1913).

2. سلك الكُتّاب بإدارة القناطر والطرق:

  • المسيو مرياني بول: الرتبة الثالثة (16 يوليو 1913).
  • المسيو مرسيه جول: في نفس الرتبة والتاريخ.
  • المسيو كلوتان ألفريد: الرتبة الأولى (15 يونيو 1913).
  • المسيو كنميلا أندري: الرتبة الخامسة (15 أغشت 1913).
  • المسيو كستاجان: الرتبة السادسة (22 مايو 1913).
  • المسيو سران كستاف: دخل بصفة "كاتب متطوع" (غرة مايو 1913).

3. سلك المراقبين (المشرفين الميدانيين):

تم تعيين جيش من المراقبين لمتابعة الأوراش المفتوحة:

  • المسيو بوشي: مراقب من الرتبة الأولى (فاتح أغشت 1913).
  • المسيو لوفيفر و المسيو مورلي و المسيو أوفيران: مراقبون من الرتبة الثالثة (نفس التاريخ).
  • المسيو منجي، المسيو بوبنا، المسيو مرلو، المسيو نوفلا، و المسيو كودر: عُينوا جميعاً كمراقبين من الرتبة الرابعة في نفس التاريخ المذكور.

ختُم هذا القرار المفصل وحُرر بالرباط في 29 رمضان المعظم 1331 (أول سبتمبر 1913).

ثالثاً: التسوية القانونية والمالية لتعويضات الدار البيضاء (قرار 2 شوال 1331)

يُعد هذا القرار الوزيري من أهم الوثائق التي تؤرخ للتعامل القانوني مع الكوارث والأزمات التي تضررت منها الحركة التجارية. السياق التاريخي يعود إلى تواتر الشكايات المطالبة بالتعويض عن "خسائر وأضرار السلع بالدار البيضاء السابقة لتاريخ 30 يونيه عام 1913".

خلفية القرار وديباجته:

جاء في ديباجة القرار أن إدارة الديوانة (الجمارك) وخزن السلع بالدار البيضاء تلقت شكايات، بعضها قديم جداً، بشأن "الفساد والضياع اللاحق للسلع في مدة خزنها في الأهرية وعند نزولها من المراكب". ولتصفية هذه الملفات المتراكمة، تم تفويض اللجنة المؤسسة بقرار سابق (مؤرخ في 10 رمضان 1331، والذي كان مخصصاً لحريق ليلة 22-23 مايو 1913) لتتولى مهام جديدة.

التفكيك القانوني لفصول القرار:

  • الفصل الأول (توسيع الاختصاص): خول هذا الفصل للجنة الحق في النظر والفصل في الشكايات المتسببة عن فساد السلع أو ضياعها، ليس فقط بسبب الحريق، بل لأسباب أخرى شريطة أن تكون وقائعها قد حدثت "قبل تاريخ 31 يوليه سنة 1913".
  • الفصل الثاني (تقنين الآجال القانونية - التقادم): أرسى هذا الفصل مسطرة إجرائية صارمة، حيث أوجب إرسال الشكايات مرفقة بالحجج إلى رئيس اللجنة داخل آجال محددة تعتمد على معيار الإقامة:
    • 20 يوماً: للشاكي الساكن في مدينة الدار البيضاء (اعتباراً من بروز/نشر القرار).
    • 40 يوماً: لمن هو غير ساكن بها.
    • الجزاء القانوني: "وكل شكاية أرسلت بعد الأجلين المذكورين تلغى ولا تعتبر أصلاً" (سقوط الحق).
  • الفصل الثالث (المسطرة التشاورية): أحال هذا الفصل على الإجراءات والمساطر المنصوص عليها سلفاً في الفصل الثالث من قرار 10 رمضان المتعلق بالحريق.
  • الفصل الرابع (حدود التعويض وموانعه): حدد سقف التعويضات بأن "لا تكون أكثر من مبلغ الخسارة"، وذلك لمنع الإثراء بلا سبب. واشترط تقديم "الحجج الثابتة".

أما الاستثناء الأهم قانونياً فهو إعفاء الإدارة من مسؤولية "القوة القاهرة"، حيث نص صراحة على عدم ترتيب أي تعويض عن الخسائر الناتجة عن "هيجان البحر أو هبوب الرياح العواصف أو ارتفاع المياه أو غير ذلك من الأسباب الخارجة عن طوق البشر".

  • الفصل الخامس (الجهة المنفذة): أسند مهمة التنفيذ إلى الكاتب العام لدى الدولة الحامية والمدير العام للأشغال العمومية.

وقّع هذا القرار نائب الصدر الأعظم "إدريس البوكيلي" في 2 شوال الأبرك 1331 (سبتمبر 1913).

رابعاً: تعزيز سلك التراجمة المتطوعين (وجدة نموذجاً)

إدراكاً من الإدارة لأهمية اللغة في التواصل مع الساكنة المحلية لضبط الإدارة والقضاء، وبناءً على قرار تنظيم "حزب المترجمين المدنيين" الصادر في مايو 1913، قرر الصدر الأعظم تعيين دفعة جديدة من المترجمين المتطوعين في عمالة وجدة، نظراً لموقعها الحدودي الاستراتيجي مع الجزائر الفرنسية.

شمل القرار:

  • السيد الناصف: موظف بوجدة، عُين بصفة كاتب ومترجم من الرتبة الأولى.
  • عُين بصفة "مترجمين معاونين من الرتبة الثالثة" كل من: السيد قاضي محمد بن السيد فرح قدور، السيد رحموني، و السيد عبدي.

(حُرر في 15 شوال 1331 / سبتمبر 1913).

 

القسم الثالث: التحليل المعمق للقسم الغير الرسمي (الاقتصاد والمجتمع)

يُعتبر هذا القسم بمثابة التقرير الميداني الذي ينقل نبض الشارع المغربي واقتصاده وصحته في تلك الفترة الزمنية.

1. الابتكار الزراعي: تجربة زراعة القطن في الشاوية (سطات)

قدمت الجريدة تقريراً زراعياً مفصلاً عن تجربة رائدة تهدف إلى إدخال زراعة صناعية رأسمالية إلى المغرب وهي زراعة القطن، وذلك لتغذية مصانع النسيج الأوروبية.

تفاصيل التجربة الميدانية:

أُجريت التجربة "بكل اعتناء ومراقبة في ناحية ولاد سعيد التابعة لمركز سطات بالشاوية". وقد واجهت هذه التجربة تحدياً مناخياً كبيراً تمثل في "القيظ (الحر الشديد) وعدم نزول الأمطار كالعادة في هذا العام".

المعالجة التقنية والمقارنة:

لإنقاذ المحصول، اضطر المشرفون لـ "ري القطن بالسقي مرات متوالية". وقد قدم التقرير مقارنة علمية دقيقة لنتائج السقي:

  • الغرس المسقي يومياً: أعطى نتائج باهرة، حيث "نمى إلى علو متر واحد وبعضها إلى علو متر وثلاثين سنتيماً". وبحلول 23 أغشت، تغطت الفروع بالبراعم، وبدأ دور الأزهار (التي وُصفت بأنها صفراء اللون ولم تكفهر).
  • الغرس المسقي أسبوعياً: فشل هذا النمط، حيث "لم تنجح أصولها ولم يرتفع قوامها عن الأرض أكثر من 50 سنتيمتر ولم يحصل منها نتيجة كافية".

الخلاصات الزراعية المعتمدة:

استنتج التقرير ثلاث قواعد أساسية لنجاح هذا الاستثمار:

  1. الاعتناء التام بالزراعة من الناحية الفنية.
  2. عدم الاتكال على محاولة إنقاذ المزروعات متى ماتت أصولها (الوقاية والتدخل المبكر).
  3. الوجوب المطلق لـ "وجود الماء الكافي لري القطن بالأراضي الصلبة التربة".

2. الثقافة والاقتصاد التضامني: صناعة التطريز بسلا

في التفاتة سوسيولوجية وصناعية نادرة، خصصت الجريدة الرسمية حيزاً للإشادة بصناعة تقليدية نسائية بحتة في مدينة سلا.

ذكر التقرير أن "صناعة التطريز بسلا منتشرة جداً بين النساء وخصوصاً بين البنات اللواتي يتقن ذلك إتقاناً عجيباً". وبيّن الجانب التنظيمي لهذه الحرفة، مشيراً إلى وجود "أكثر من عشرة بيوت تؤمها البنات للاشتغال بالتطريز تحت إدارة ونظر معلمة وطنية".

المنتجات ودورها الاجتماعي:

أوضح المقال أن هذا التطريز يُخصص لـ "زينة البيوت وعمل الصناعة". وأبرز دور هذه الدور التعليمية كمدارس تحضيرية للفتيات، حيث "أكثر البنات تأتي إلى المدرسة لأجل تطريز جهاز الزواج وبما تحتاج لدورهن من الزينة".

تبدأ عملية التعلم بـ "رسم بعض الأشياء وتحديدها بالخيط". ثم تتدخل "المعلمة" لتضيف لمسات "تناسب الهندسة والذوق".

من أهم المنتجات اليدوية التي وثقها التقرير:

  • المخدات المطرزة بالحرير.
  • الملات (الستائر) التي توضع على الأبواب وهي مصنوعة من القطن.
  • حزامات النساء المعروفة محلياً بـ "المضمة".
  • أغطية الموائد.

واختُتم التقرير بالثناء على هؤلاء الحرفيات: "وقد توصلت المطرزات السلاويات إلى تطريز القماش بألوان مختلفة وإتقان عجيب يجمل معه لهن الشكر والثناء على مهارتهن".

3. إنجازات وتحديات "إدارة الصحة والإعانة العمومية الطبية"

يُعد التقرير الصحي من أهم الوثائق التي تبرز جهود الإدارة لفرض الأمن الصحي، والذي كان يعتبر شرطاً أساسياً لنجاح الاستيطان والاقتصاد.

لغة الأرقام والإحصائيات:

أكد التقرير أن أعمال الإدارة تزداد "انتشاراً وإتقاناً". وقدم حصيلة مبهرة لشهر يوليو 1913:

  • عدد المرضى الذين أمّوا المعاهد الطبية للمداواة بلغ 36,533 مريضاً.
  • عدد المستفيدين من التلقيح بلغ 4,153 نسمة.

التوسع الجغرافي والتوظيف المحلي:

لتقريب الخدمات وتجاوز حاجز اللغة والثقافة، استعانت الإدارة بالعنصر البشري المحلي، حيث "عُين ممرضون وطنيون" في مناطق نائية واستراتيجية، وشمل ذلك:

  • بوجعد (من أعمال تادلة).
  • دار القائد إيطو (من أعمال مكناس).
  • سوق الأربعاء تسة (بالحياينة).
  • أكادير.

حملة التطهير ومحاربة النواقل (البرغش والذباب):

لم يقتصر العمل على العلاج، بل شمل الطب الوقائي الصارم. فقد "اهتمت الإدارة المذكورة بملاشاة البرغش والذباب فأرسلت إلى كل أطبائها تقريراً تبين لهم فيه إتلاف هذه الهوام المضرة".

الوعي الطبي آنذاك كان متقدماً، حيث علل التقرير هذه الحملة بأن "الذباب هو الحامل للمكروبات العديدة التي تنتج عنها الأمراض الشديدة كالحمى والظنطاريا وهواء الأصفر (الكوليرا) وغير ذلك".

الوسائل التقنية لمحاربة الأوبئة:

للقضاء على هذه الحشرات في مهدها، نصحت الإدارة بـ "إتلاف الذباب وقتل مواليده حيث تتولد في المستنقعات والمزابل ومرمى الأوساخ وحفر القذورات". وكانت التقنية المعتمدة والموصى بها هي "رش الأماكن المذكورة بزيت الكاز الكثيف أو ما أشبه به من الشيتت". هذا الإجراء الكيميائي كان يهدف إلى خنق اليرقات في البرك المائية، وهو أسلوب كولونيالي كلاسيكي في السيطرة على الملاريا.

 

القسم الرابع: الدينامية التجارية والتحول نحو الميكنة (الإعلانات)

تُختتم الجريدة بصفحة مخصصة للإعلانات، وهي ليست مجرد حبر إعلاني، بل هي مؤشر اقتصادي قاطع على نوعية التحولات التي كانت تفرضها الشركات الكبرى على النسيج الاقتصادي المغربي.

يبرز الإعلان الضخم والمكرر لـ "جمعية للبحث والتجارة بالمغرب" (المعروفة بـ وكالة باكي - Agence Paquet)، مدى احتكار وتغلغل هذه الشركات في السوق.

  • الشبكة اللوجستية الجغرافية: أعلنت الشركة عن توفر "وكالاتها" في جميع المنافذ البحرية والمراكز الحيوية: "الدار البيضاء، وطنجة، ومليلة، والرباط (شارع العلو)، وأقادير، ومراكش، وآسفي، والصويرة".
  • مواد البناء الحديثة: واكبت الشركة طفرة التعمير ببيع مواد كانت نادرة وشبه معدومة الإنتاج المحلي الصناعي: "الجير، والملاط (يعني السيمة/الأسمنت)، والعود (الخشب)، والحديد، والآجر". هذا الانتقال من البناء التقليدي بالطين والتبن إلى البناء بالحديد والإسمنت يمثل قطيعة عمرانية كبرى.
  • الثورة الميكانيكية: أخذت الشركة على عاتقها إدخال الميكنة للفلاحة والنقل، فعرضت للبيع: "مكينات الزراعة، والآلات المحركة، والمضخات (يعني البومبات)، والأطومبيلات (السيارات) وغيرها".
  • الكماليات والنسيج: لتلبية طلبات الطبقات الميسورة من المستوطنين والمغاربة، استوردت أرقى أنواع الأثواب العالمية: "منسوجات مدينة منشستر (الإنجليزية) وحرائر مدينة ليون (الفرنسية)".

في أسفل الصفحة، كما جرت العادة التوثيقية، يُطبع اسم المطبعة التي أسندت إليها مهمة إصدار ونشر هذه الجريدة السيادية: "مطبعة مرسي وكمبانيته برباط الفتح".

 

خاتمة 

إن استقراءنا التفصيلي للعدد 21 من الجريدة الرسمية الصادر في أواخر شتنبر 1913 يضعنا أمام لوحة بانورامية متكاملة لمغرب يعيش بدايات التحول الراديكالي تحت ظل الحماية.

من الناحية القانونية، نلمس حزماً وتشدداً في تقنين الهياكل الإدارية (الأشغال العمومية والأنشطة البحرية) وضبط المساطر الاستعجالية لتعويض التجار بالدار البيضاء لبث الثقة في نفوس المستثمرين.

ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية، تظهر بوضوح معالم استنبات الزراعة الرأسمالية (تجربة القطن المروي)، موازاة مع احترام وتوثيق الصنائع الأهلية (تطريز سلا). أما التدخلات الطبية الوقائية عبر حملات التلقيح وتدمير مستنقعات الحشرات، فكانت بمثابة التمهيد البيولوجي والجغرافي لاستقرار الجاليات الأوروبية، مما يجعل من هذه الوثيقة كنزاً لا يقدر بثمن للباحثين في أسس تكوين الدولة المغربية الحديثة.

تحميل العدد 21 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 11/04/2026
تحديث 11/04/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث