مقدمة
تُشكل الأعداد الصادرة من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة خلال شهر غشت من عام 1914 نافذة استثنائية لدراسة التفاعلات العميقة بين السياسات الكولونيالية والأزمات الدولية. فقد شكل اندلاع الحرب العالمية الأولى زلزالاً سياسياً واقتصادياً أجبر الإدارة الفرنسية بالمغرب، بقيادة المقيم العام هوبير ليوطي، على التكيف السريع وإصدار ترسانة تشريعية هجينة؛ تهدف من جهة إلى حماية الاقتصاد المحلي من الانهيار، ومن جهة أخرى إلى مواصلة إرساء أسس الدولة الحديثة بمفهومها الاستعماري.
في هذا الإطار، يبرز العدد 67 من السنة الثانية للجريدة الرسمية، الصادر بتاريخ 21 رمضان 1332 هـ الموافق لـ 14 غشت 1914 م، كوثيقة تاريخية بالغة الأهمية. وعلى عكس العدد السابق (66) الذي غلب عليه طابع الاستنفار النقدي الحاد، يأتي العدد 67 ليعالج تداعيات الأزمة بمنطق أكثر هيكلة وعمقاً، من خلال التدخل لحماية المؤسسات البنكية من الإفلاس، وتنظيم وحماية أجور الموظفين من الحجوزات الجائرة، بالتوازي مع التفاتة حضارية لافتة تتمثل في التقنين المعماري لحماية المعالم التاريخية، وعلى رأسها صومعة الكتبية بمراكش.
تحميل العدد 67 بتاريخ 14 غشت 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
أولا: الإطار الزمني والمؤسساتي لصدور الجريدة الرسمية عدد 67
لا يمكن قراءة النصوص القانونية الواردة في هذا العدد بمعزل عن سياقها الزمني المتسم بالاضطراب الشديد، وعن دلالات التنسيق المؤسساتي الذي حرصت الإقامة العامة على إبرازه.
1.1. السياق التاريخي: استراتيجية احتواء ارتدادات الحرب
صدر هذا العدد في منتصف شهر غشت 1914، أي بعد مرور أسبوعين تقريباً على اندلاع الحرب العالمية الأولى وإعلان التعبئة العامة في فرنسا.
1.1.1. التحول من التوسع العسكري إلى الحماية الاقتصادية
في هذه المرحلة الدقيقة، توقفت مؤقتاً طموحات التوسع العسكري الفرنسي في العمق المغربي (التهدئة)، وتحولت أولويات الإقامة العامة إلى الحفاظ على المكتسبات وتأمين "الجبهة الداخلية" في منطقة الحماية. كان الخوف من الهلع المالي، وانهيار الثقة في المؤسسات الناشئة، يتطلب تدخلاً تشريعياً يوازن بين متطلبات اقتصاد الحرب وضمان السير العادي للمرافق العامة.
1.1.2. دلالات استمرارية المرفق العام والإصدار الدوري
رغم حالة الطوارئ، حرصت السلطات على استمرار صدور الجريدة الرسمية في موعدها، بتوقيع الصدر الأعظم "محمد بن محمد الجباص" والتأشير بالموافقة من قبل المقيم العام "ليوطي" أو من ينوب عنه (مثل بول تيرارد في بعض القرارات). هذا الانتظام يمثل رسالة سياسية واضحة للأعيان المغاربة والمعمرين الأوروبيين بأن الدولة قوية، وبأن المؤسسات الإدارية لم تتأثر بارتدادات الحرب الأوروبية.
1.2. الهيكلة الشكلية وتوزيع المحتويات
حافظ العدد 67 على التبويب الكلاسيكي الصارم للجريدة الرسمية، مما يسهل عملية الوصول إلى المعلومة القانونية.
1.2.1. ثبات التسعيرة كدليل على الاستقرار
رغم بوادر التضخم التي ترافق الحروب عادة، أبقت الجريدة على تسعيرتها المحددة في 20 سنتيماً للنسخة، وقيم الاشتراك الثابتة داخل المملكة الشريفة وخارجها (على سبيل المثال، 10 فرنكات للاشتراك السنوي بالداخل). هذا الثبات الشكلي كان جزءاً من الدعاية لـ "الاستقرار المؤسساتي".
1.2.2. التنوع التشريعي في القسم الرسمي
تميز القسم الرسمي بتنوع لافت؛ فقد جمع بين التدابير المالية الطارئة (حماية البنوك)، والإجراءات الإدارية الهيكلية (تثقيف الرواتب)، والقرارات العمرانية والثقافية، مما يعكس شمولية الرؤية الإدارية التي كان يتبناها ليوطي لإدارة المجال المغربي.
ثانيا: السياسة المالية الطارئة وحماية المؤسسات البنكية من الإفلاس
يعد "الموراتوريوم البنكي" أو تأجيل سداد الودائع من أهم التشريعات الواردة في هذا العدد، وهو يعكس حجم الأزمة التي ضربت القطاع البنكي الناشئ.
2.1. ظهير منح الأجل للبنوك ومحلات الدين (الموراتوريوم)
في ظل أجواء الحرب، سارع المودعون إلى سحب أموالهم من البنوك وتفضيل الاحتفاظ بالسيولة النقدية أو المعادن الثمينة، مما هدد البنوك بانهيار وشيك بسبب نقص السيولة.
2.1.1. تحديد أجل الإمهال القانوني
تدخل المشرع بـ "ظهير شريف يمنح اجلا للمصارف وبيوت المستودعات المالية وذلك لدفع الدراهم المودوعة عندهم". نص الفصل الأول على منح أجل قدره ثلاثون يوماً للمصارف لتأجيل دفع الودائع وما بقي في الحسابات الجارية. هذا الإجراء كان بمثابة طوق نجاة للمؤسسات المالية، حيث وفر لها غطاءً قانونياً لرفض طلبات السحب الفورية والمكثفة التي كانت ستؤدي حتماً إلى إفلاسها المباشر.
2.1.2. تقييد سحوبات المودعين لضمان الحد الأدنى للعيش
بالمقابل، ولكي لا تتوقف الدورة الاقتصادية وتتضرر معيشة المواطنين والتجار بشكل كامل، أقر الظهير استثناءً حيوياً. فقد ألزم البنوك بأن "تدفع للمودعين عند طلبهم مايتين وخمسين فرنكاً وخمسة بالماية من الباقي لهم في الحساب".
هذا التقييد الذكي للسيولة (250 فرنكاً كمبلغ مقطوع + 5% من الرصيد المتبقي) سمح للعائلات والشركات بتغطية مصاريفها اليومية العاجلة، مع الاحتفاظ بـ 95% من الكتلة النقدية داخل الخزائن البنكية للحفاظ على استقرار الاقتصاد الماكرو.
2.2. المرونة التشريعية ومواجهة تقلبات العملة
لم يغفل المشرع عن طبيعة التداول النقدي في المغرب الذي كان يشهد خليطاً من العملات الأجنبية والمحلية.
2.2.1. التعامل مع الودائع بغير العملة الفرنسية
نص الظهير على أنه يجب دفع ما يوازي القيمة المذكورة "حسب السعر الرايج اذا كان ما اودع عندهم ليس من جنس السكة الفرنسوية". هذا المقتضى يحمي البنوك من الخسائر المترتبة عن تقلبات أسعار الصرف (خاصة الريال الحسني مقارنة بالفرنك الفرنسي) في أوقات الأزمات، ويفرض مرجعية الفرنك في التقييم.
2.2.2. تفويض الصدر الأعظم بالتمديد
نظراً لعدم اليقين بمدة الحرب وتداعياتها، نص الفصل الثاني على أنه "يعطى اجل اخر بقرار من الصدر الأعظم يعين فيه القدر الواجب دفعه مدة الاجل الجديد اذا اقتضى الحال ذلك". هذا التفويض أعطى للإدارة الاستعمارية مرونة كبيرة لإدارة الأزمة المصرفية بقرارات إدارية سريعة دون الحاجة لإصدار ظهائر سلطانية جديدة في كل شهر.
ثالثا: الحماية الاجتماعية والقانونية للموظفين (تنظيم تثقيف الرواتب)
يُعد "ظهير شريف ينظم تثقيف الرواتب التي تزيد عن الفي فرنك" من النصوص الإدارية والاجتماعية التأسيسية. ومصطلح "التثقيف" في القاموس الإداري المغربي القديم يعني "الحجز" (Saisie-arrêt)، وهو الإجراء الذي يقوم به الدائن لاقتطاع دينه من منبع أجر المدين.
3.1. الفلسفة الاجتماعية والقانونية لتقييد حجوزات الأجور
لم يكن الموظف في الإدارة الناشئة يتمتع بحماية كافية ضد جشع المرابين والدائنين، مما كان يهدد استقراره المهني والمعيشي.
3.1.1. الإحالة على قانون المرافعات المدنية
جاء في ديباجة الظهير أنه يستند إلى "الفصل 316 من ظهيرنا الشريف المتعلق بالمرافعات المدنية". هذا يؤكد أن الإدارة كانت تعمل على دمج قوانين الوظيفة العمومية مع المسطرة المدنية، لخلق بيئة قانونية متكاملة تضمن حقوق الدائن (التاجر أو البنك) وتصون في الوقت نفسه حقوق المدين (الموظف).
3.1.2. تحديد سقف الإعفاء المطلق من الحجز
أقر الفصل الأول قاعدة ذهبية تنص على أن رواتب الموظفين المدنيين أو العسكريين "لا يمكن ان يثقف منها شيء او يتنازل عنه اذا لم تزد عن الفي فرنك سنويا". يعتبر هذا الإعفاء بمثابة اعتراف قانوني بـ "الحد الأدنى للمعيشة" (Minimum vital) الذي لا يجوز المساس به تحت أي ظرف، لضمان الكرامة الإنسانية للموظف البسيط وأسرته.
3.2. الهندسة النسبية لاقتطاعات الرواتب المرتفعة
بالنسبة للموظفين ذوي الدخل المرتفع (أكثر من 2000 فرنك)، وضع المشرع سلماً تصاعدياً ونسقياً للحجز، لمنع الاقتطاعات العشوائية.
3.2.1. نسب الاقتطاع التدريجية (الخمس والربع والثلث)
حدد الفصل الأول آلية الحجز بدقة متناهية:
- يُحجز "خمس الالف فرنك التي تزيد عن الالفين" (أي نسبة 20% من الشريحة بين 2000 و3000 فرنك).
- يُحجز "ربع الخمسة الاف فرنك الزايدة عن الالفين" (أي 25% للشريحة اللاحقة).
- يُحجز "ثلث ما يزيد عن الستة الاف فرنك او فوق ذلك" (أي 33% كحد أقصى للحجز مهما ارتفع الراتب).
هذا النظام النسبي والتدريجي يشبه إلى حد كبير الأنظمة المعاصرة لحماية الأجور، ويعتبر متقدماً جداً في سياق عام 1914.
3.2.2. ضبط المساطر الإدارية وتحديد جهات الاختصاص
لتفادي التلاعب والشطط، حصر الفصل الثاني صلاحية إجراء هذه التثقيفات (الحجوزات) في يد "الخازن العام للدولة الحامية أو القابضين الخاصين بإدارات المالية". واشترط الفصل الثالث تقديم طلب رسمي يذكر فيه أسماء الأشخاص والقدر المطلوب تثقيفه، مصحوباً بـ "نسخة قانونية من رسم الدين". وإذا فشل الدائن في تقديم الحجة، "يعد الحجز باطلا ولا يقع التثقيف".
3.3. آجال التقادم وتبسيط المساطر القضائية
أضاف الظهير مقتضيات مهمة لتخفيف العبء الإداري على الخزينة العامة والمحاكم.
3.3.1. إعفاء الخزينة من الحضور القضائي
نص الفصل الرابع على أنه "لا يطلب من اعوان الخزينة الحضور للمحكمة للتصريح بان للمثقف له مالا على الخزينة"، بل يكتفون بتسليم شهادة تثبت ذلك، مما يسرع مسطرة التقاضي ويخفف الضغط الإداري عن كاهل الدولة.
3.3.2. إقرار التقادم الخمسي لطلبات الحجز
لتنظيف السجلات الإدارية من الديون القديمة والميتة، أقر الفصل الخامس أن طلبات التثقيف والتنازل "لا يعمل بها الا لمدة خمس سنين ابتداء من تاريخ الطلب". إذا لم يتم تجديد الطلب بعد هذه المدة، "تطرح من الكنانيش" وتصبح ملغاة إدارياً. وهذا يدفع الدائنين إلى متابعة ديونهم بجدية، ويحرر ذمة الموظفين من التبعات طويلة الأمد في حال تقاعس الدائن.
رابعا: السياسة العمرانية وحماية التراث: حالة مسجد الكتبية بمراكش
رغم ضجيج المدافع في أوروبا والأزمة المالية الخانقة، لم تتخلَ الإقامة العامة عن مشروعها الاستراتيجي في الهندسة المعمارية وحماية التراث المغربي، وهو ما يبرزه "قرار وزيري في اجراء البحث على جعل منطقتين لوقاية مسجد الكتبية بمراكش".
4.1. الرؤية الكولونيالية للتراث والاستشراق العمراني
كان ليوطي يولي أهمية قصوى للمدن العتيقة المغربية (Médinas)، وكان يعتمد سياسة الفصل بين "مدينة الأهالي" و"المدينة الجديدة" (Ville nouvelle) للحفاظ على الطابع الجمالي والروحي للأولى، واستغلالها لاحقاً في الترويج السياحي والثقافي.
4.1.1. دور إدارة الفنون الجميلة
صدر القرار بناءً على طلب "مدير ادارة الآثار القديمة والفنون الجميلة والابنية التاريخية". هذا يؤكد انتقال التعاطي مع التراث المغربي من مجرد الإهمال الموروث عن حقبات السيبة، إلى التأطير المؤسساتي الصارم المستمد من القوانين الأوروبية لحماية المآثر التاريخية (Monuments historiques).
4.1.2. مسجد الكتبية كمعلمة سيادية
لم يكن اختيار مسجد الكتبية، درة العمارة الموحدية بمراكش، عبثياً. فقد كانت المئذنة تشكل خط الأفق (Skyline) لمدينة مراكش، وأرادت السلطات الفرنسية ضمان عدم تشويه هذه الرؤية البانورامية بأي زحف عمراني عشوائي.
4.2. التقطيع الطبوغرافي والتنظيم المجالي لمناطق الحماية
اعتمد القرار على هندسة مجالية دقيقة، مقسماً محيط الكتبية إلى منطقتين دائريتين بضوابط صارمة ومختلفة.
4.2.1. "المنطقة الأولى": الحرم المعماري الصارم
تم تحديد المنطقة الأولى جغرافياً بدقة؛ شرقاً زنقة الرميلة، وجنوباً وغرباً بخط يمتد على بعد "150 متر من صومعة الكتبية"، وقبلة على بعد "280 ميتر من الصومعة". ونص القرار بحزم على أنه "يمنع البناء بهاته المنطقة" منعاً كلياً. الغاية من هذا الفراغ العمراني (Esplanade) هي إبراز ضخامة وعظمة الصومعة، ومنع اختناقها بالبناء العشوائي، وخلق ساحة بصرية تبرز جمالية المعمار الموحدي.
4.2.2. "المنطقة الثانية": الارتفاقات العمرانية وتقييد الارتفاع
أما المنطقة الثانية، الأوسع مجالاً، والممتدة نحو "باب دكالة وباب الرب" و"بطحاء جامع الفناء"، فقد سُمح فيها بالبناء لكن بشروط قاسية جداً. نص القرار على أن البناءات الجديدة يجب أن "لا يتجاوز علوها تسعة ميتر وان تكون مسطحة وان تصادق ادارة الفنون الجميلة على رسومها".
هذا التقييد الصارم للارتفاع (9 أمتار) يهدف إلى ضمان بقاء مئذنة الكتبية العنصر المعماري الأعلى والأكثر هيمنة على سماء مراكش. كما أن شرط "الأسطح المسطحة" (Terrasses) والمصادقة على التصاميم يمنع إدخال أشكال معمارية دخيلة (كالأسقف القرميدية المائلة الأوروبية) التي قد تشوه الهوية البصرية للمدينة الحمراء.
4.3. المسطرة القانونية للمنفعة العامة وإبداء الملاحظات
منح الفصل الثاني من القرار لكل من له حق "ان يعرض علينا جميع ملاحظاته بواسطة الكاتب العام لدى الدولة الشريفة". هذا الإجراء يمثل تطبيقاً مسطرياً لـ "بحث المنافع والمضار" (Enquête de commodo et incommodo)، وهو خطوة قانونية ضرورية قبل نزع الملكية أو فرض ارتفاقات (Servitudes) على الملاك الخواص المحيطين بالمعلمة، مما يضفي صبغة قانونية شرعية على قرارات الحماية.
خامساً: الهيكلة الإدارية والترقيات التقنية في أسلاك الدولة
تضمنت الصفحات الأخيرة من العدد مجموعة من القرارات الوزيرية القصيرة، لكنها تحمل دلالات مهمة حول دينامية التوظيف والانتشار الترابي للإدارة.
5.1. التوسع الإداري وشبكة التعويضات المجالية
في إطار تشجيع الموظفين على العمل في المناطق القروية أو العسكرية النائية، صدر قرار يخص معسكر "بتي جان" بناحية مكناس.
5.1.1. إدماج مركز "بني جان" في الطبقة الثالثة
نص القرار على جعل معسكر "بتي جان" (وهي التسمية الاستعمارية لمدينة سيدي قاسم حالياً، نسبة إلى عسكري فرنسي) في "الطبقة الثالثة فيما يتعلق بتعويضات غلاء المعيشة الممنوحة للموظفين".
هذا الإدراج المالي يعتبر مؤشراً على تحول هذا المعسكر العسكري إلى نقطة استقطاب إداري واقتصادي متنامية الأهمية، تتطلب تحفيز الموظفين مالياً للاستقرار بها، مما يسرع عملية الاختراق المجالي والإداري لمنطقة الغرب.
5.2. تأسيس البنية التحتية الهندسية للإدارة
شهد العدد نشر عدة قرارات متطابقة تتعلق بتعيين موظفين تقنيين.
5.2.1. ترسيم الأطر التقنية الأجنبية
تم إصدار قرارات لتعيين كل من "المسيو سيمون اجين"، و"المسيو قريما البير"، و"المسيو اسكير البير" كـ "منشئا رسميا من الدرجة الخامسة" (Commis dessinateur أو رسام هندسي/مخطط).
هذه التعيينات المتزامنة للأطر التقنية الفرنسية في أسلاك الدولة الشريفة تؤكد أن الإقامة العامة كانت تسابق الزمن لتأسيس كادر هندسي وتقني مكلف بتصميم الطرق، والسكك، والبنايات الإدارية، وتخطيط المدن، وهو الكادر الذي سيكلف بتنزيل المشاريع العمرانية الطموحة التي ستميز فترة ليوطي في المغرب.
خاتمة
ختاماً، يمثل العدد 67 من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة الصادر في منتصف غشت 1914، نموذجاً مكثفاً لـ "التشريع في زمن الأزمات". لقد استطاعت سلطات الحماية، بالتعاون مع المخزن الشريف، أن تدير تداعيات اندلاع الحرب العالمية الأولى بكثير من البراغماتية والصرامة.
فقد شكلت التدابير الاستعجالية لمنح الآجال للبنوك وتقييد سحب الودائع جدارَ صدٍّ حمى الاقتصاد الناشئ من سكتة قلبية محققة، بينما جاء ظهير تثقيف الرواتب ليؤسس لقواعد اجتماعية متقدمة تحمي الموظفين من تعسف الدائنين وتحفظ كرامتهم عبر تأمين سقف معفى من أي حجز.
وبالتوازي مع هذه الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، أبانت الإدارة عبر قرارات وقاية مسجد الكتبية بمراكش عن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تؤسس لتقنين المجال العمراني وتحويل التراث المعماري المغربي إلى "أيقونات" محمية بقوة القانون.
إن هذا المزيج الفريد من التشريعات المالية الرادعة، والتنظيمات الإدارية الحمائية، والقرارات الثقافية والعمرانية، الموثق في هذا العدد التاريخي، يكشف لنا بوضوح عن الآلية المعقدة التي بُنيت بها مؤسسات الدولة المغربية الحديثة في ظل نظام الحماية؛ آلية زاوجت باستمرار بين استغلال الأزمات لإحكام السيطرة، وبين إرساء قواعد قانونية مؤسساتية تركت بصمتها العميقة في الترسانة التشريعية للمغرب المعاصر.
تحميل العدد 67 بتاريخ 14 غشت 1914 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة PDF
إرسال تعليق