مقدمة استراتيجية: شتاء 1913 ومرحلة "البناء الرأسمالي" للدولة الكولونيالية
إذا كانت القراءات التقليدية للأرشيف التاريخي للحماية الفرنسية في المغرب تركز غالباً على الجانب العسكري والصدامات المسلحة، فإننا اليوم، ومن خلال التفكيك الأكاديمي الدقيق للعدد الثاني والثلاثين (32) من "الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية"، نقف أمام مشهد مغاير تماماً. إن هذا العدد، الصادر في أواخر ديسمبر 1913، يمثل الإعلان الرسمي عن انتقال الإدارة الاستعمارية من مرحلة "التهدئة العسكرية" (La Pacification) إلى مرحلة "البناء الرأسمالي" للدولة الكولونيالية.
لا يكتفي هذا العدد بسرد المراسيم، بل يفتح أمامنا نافذة بانورامية نرى من خلالها كيف بدأت الآلة الكولونيالية في ربط أوصال المغرب الممزقة عبر هندسة قطاع الأشغال العمومية، وكيف حركت أساطيل الملاحة النهرية في وادي سبو. والأكثر إثارة، أن هذا العدد يكشف لنا بلغة الأرقام الدقيقة كيف بدأت "اللوبيات" الاقتصادية المتمثلة في غرفة التجارة الفرنساوية بالرباط تفرض أجندتها على التشريع الضريبي واللوجستي، معلنة ميلاد "المغرب الرأسمالي" الحديث على أنقاض البنيات التقليدية.
تحميل العدد 32 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
المحور الأول: التوثيق الهوياتي واللوجستي للعدد 32 (مركزية التوزيع)
تقتضي المنهجية التاريخية البدء بتشريح الديباجة المادية للجريدة، والتي تعكس بوضوح فلسفة الإدارة في تعميم القوانين ونشر المعلومة الرسمية.
1. السياق الزمني والتسعير الرمزي
يحمل هذا الإصدار رقم "العدد 32"، وقد صدر من العاصمة الإدارية "رباط الفتح" بتأريخ يجمع بين التقويمين: "21 محرم عام 1332" الهجري، الموافق لـ "19 ديسمبر سنة 1913" الميلادي. (وهنا نلاحظ المفارقة التاريخية في كتابة السنة الهجرية 1331 بدلاً من 1332 التي توافق أواخر 1913). وقد حافظت الإدارة على سياسة التسعير الشعبي والمدروس للنسخة الواحدة وهو "عشرون سنتيم"، لضمان وصول هذه التشريعات إلى يد كل تاجر وموظف وأعيان مغاربة.
2. هندسة الاشتراكات كأداة للربط المجالي
استغلت الإدارة شبكة البريد الناشئة لضمان الاختراق المجالي، فنصت على أنه "يجب على من اراد الاشتراك في هذه الجريدة ان يطلبه من ادارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية بالرباط ومن جميع بنيقات البوسطة بالمغرب". وتم تقسيم الاشتراكات وفق رؤية تميز بين الداخل والخارج لضبط تكاليف الشحن:
- داخل المملكة الشريفة: الأسعار تشجيعية ومقسمة زمنياً (عن ثلاثة أشهر: 3.50 فرنكات، عن ستة أشهر: 6 فرنكات، عن سنة كاملة: 10 فرنكات).
- خارج المملكة الشريفة: روعيت التكاليف اللوجستية البحرية، فارتفعت الأسعار (عن ثلاثة أشهر: 4.50، عن ستة أشهر: 8، عن سنة: 15 فرنكاً). وهذا يعكس أهمية الجريدة للمستثمرين في المتروبول الفرنسي المهتمين بالتشريعات المغربية.
المحور الثاني: القسم الرسمي - هندسة الدولة الكولونيالية عبر قطاع الأشغال العمومية
إذا كانت القوة العسكرية تفتح الطريق، فإن "الأشغال العمومية" (Travaux Publics) هي التي تعبدها وتثبت أركان السيطرة. يعكس العدد 32 هذا التوجه الاستراتيجي من خلال نشر سلسلة من القرارات الوزارية المخصصة حصرياً لترقيات وتعيينات دقيقة داخل هذا القطاع الحيوي.
1. التعيينات العليا: المهندسون وكبار الموظفين
بناءً على "الفصل التاسع من الظهير الشريف الصادر في 18 ابريل سنة 1913"، أصدر الصدر الأعظم قرارات تعيين هامة.
- المهندس شفيروا اكيست فرنسوا: نص القرار على توليته "مهندساً للقناطر والطرق بادارة الاشغال العمومية من الرتبة الثانية". يُعد مهندسو القناطر والطرق نخبة الإدارة الفرنسية. وقد خُصص له "راتب سنوى قدره ثمانية الاف فرنك وذلك من تاريخ 16 أكتوبر سنة 1913". إن تخصيص هذا الراتب الضخم يعكس القيمة الاستراتيجية الكبرى التي يمثلها هذا المهندس في تصميم الجسور وشق المحاور الطرقية.
- بلا نشوا شارل: تم تعيينه كاتباً من الرتبة الرابعة براتب سنوي قدره "ثلاثة الاف فرنك".
- استابلوا جاد: تم تعيينه كاتباً من الرتبة الخامسة براتب سنوي قدره "الفان وخمسماية فرنك".
2. حركية الترقيات والتسوية الإدارية للمتطوعين
صدر قرار وزاري آخر مخصص لـ "ترفيع رتبة بعض المتوظفين بإدارة الاشغال العمومية".
- الفصل الأول: نص على ترقية مجموعة من الكتاب من الرتبة السادسة إلى المرتبة الخامسة (المسيو فيرني، امبلاري، حكوب، توفيل). والأهم من ذلك، هو تسوية وضعية الكتاب المتطوعين، حيث تمت ترقية "البنياك وسران" من رتبة كاتبين متطوعين إلى كاتبين رسميين من الرتبة السادسة.
- الفصل الثاني: حدد الراتب السنوي للموظفين المرقين إلى الرتبة الخامسة بـ "الفان وخمسماية فرنكا"، مع التأكيد على مخصصات السكن والمصاريف المحددة في "الظهير الشريف الصادر في 18 ابريل سنة 1913".
3. التداخل بين الإدارة المدنية والواجب العسكري (حالة كلارنك)
في مراحل تأسيس الإمبراطوريات، غالباً ما يتداخل الواجب العسكري مع المهام المدنية. وقد أضاء هذا العدد على هذه الإشكالية القانونية من خلال قرار الصدر الأعظم أن "كلارين الكاتب من الرتبة الثالثة المستخدم بالمكتبة المدنية لدى جناب المقيم العام الذي قيد في قائمة العساكر المحررة في عام 1912 والذي سيقضى عاما في الخدمة العسكرية يبقى مقيدا في كناش موظفي الادارات المدنية ما دام في الخدمة المذكورة". هذا القرار، المؤرخ في 26 أكتوبر 1913، يمثل حلاً بيروقراطياً يضمن للموظفين الفرنسيين الشبان أداء خدمتهم العسكرية دون فقدان امتيازاتهم الوظيفية ومناصبهم في مكتب الإقامة العامة.
المحور الثالث: الاستقلالية المالية للتدبير الحضري بالدار البيضاء
يتصدر القسم الرسمي في هذا العدد قرار وزيري بالغ الأهمية يعكس التطور الإداري المتسارع لمدينة الدار البيضاء، العصب الاقتصادي للإيالة.
1. سياق القرار والتأسيس القانوني
صدر "قرار وزيري يخول رئيس ادارة الاشغال البلدية بالدار البيضاء تصفية حسابات البلدية والاذن بوضع وترتيب الداخل والخارج من صندوقها". هذا القرار يستند في ديباجته إلى ظهائر تأسيسية سابقة، وهي "الظهير الشريف المؤرخ في 11 جمادي الاولى عام 1331 الموافق 18 ابريل سنة 1913 في تأسيس لجنة بلدية بالدار البيضاء"، وأيضاً الظهير الصادر في "فاتح أبريل سنة 1913 الصادر في تأسيس اللجنة البلدية بمراسي الايالة الشريفة".
2. نقل الصلاحيات وتسهيل المساطر (اللامركزية الإدارية)
جاء "فصل فريد" في هذا القرار لينهي البيروقراطية المعقدة في تسيير العاصمة الاقتصادية، حيث نص على "ان رئيس ادارة الاشغال البلدية بالدار البيضاء له النيابة مستمراً في تصفية المصاريف البلدية والاذن بالدفع وترتيب الاداءات الواجبة". هذا التفويض المالي المباشر لرئيس الأشغال البلدية يمثل خطوة متقدمة نحو "اللامركزية الإدارية"، حيث أصبحت البلدية قادرة على تدبير نفقاتها ومداخيلها بشكل آني دون انتظار موافقات الإدارة المركزية بالرباط، مما سرّع من وتيرة إنجاز البنية التحتية بالمدينة. تم تحرير هذا القرار برباط الفتح في "20 ذي الحجة عام 1331 الموافق 20 نوفمبر سنة 1913"، ووقعه نائب الصدر الأعظم "ابو شعيب الدكالي"، بعد أن "اطلع عليه المقيم العام واذن بنشره".
المحور الرابع: القسم الغير الرسمي - إدارة الأزمات الفلاحية وتحديث المواصلات
ينقلنا "القسم الغير الرسمي" من الجريدة إلى قلب الأوراش الكبرى وإدارة الأزمات الميدانية.
1. تجميد الضرائب الفلاحية في الغرب (إدارة الأزمة)
تحت عنوان "الغاء ضرائب الحرث لعام 1912 بناحية الغرب"، وثق العدد قراراً استراتيجياً من المقيم العام. تم الإعلان عن "الغاء ضرائب الحرث المفروضة على ست من قبائل ناحية الغرب". السبب وراء هذا الإلغاء كان طبيعياً: "اصيبت اراضيهم في تلك السنة بالجفاف واتلفت الزراعة". إن تجميد هذه الضرائب الفلاحية لعام 1912، والذي تم إقراره في نونبر 1913، يعكس محاولة الإدارة الاستعمارية تهدئة القبائل الزراعية الحيوية في الغرب، وتجنب ثورات جياع محتملة قد تهدد أمن المشاريع الفلاحية للمعمرين. تم توقيع القرار برباط الفتح في "فاتح نونبر سنة 1913".
2. الملاحة النهرية في وادي سبو (تحديث اللوجستيك)
ارتبط تحديث المواصلات ارتباطاً وثيقاً بانتهاء العمليات العسكرية الكبرى. أوردت الجريدة تقريراً عن "الملاحة النهرية في وادي سبو". بعد تمكن زوارق البحرية الفرنسية من قطع الوادي حتى قنطرة سبؤ قرب فاس. وقد شهد المرسى نشاطاً سياحياً وتجارياً محسوساً. ولعبت الملاحة النهرية دوراً محورياً في توزيع الوافدين، إذ كان "اكثر السواح يقصدون مشرع بن القصيري ودار بن العامري".
المحور الخامس: تغول الرأسمال - مطالب غرفة التجارة الفرنساوية بالرباط وسلا
عقدت "غرفة التجارة الفرنساوية بالرباط وسلا جلسة في دار قنصلية دولة فرنسا تحت رئاسة المسيو بينت". هذا الاجتماع يمثل أولى تحركات "اللوبيات" الاقتصادية للضغط على التشريع الضريبي واللوجستي، ويقدم خارطة طريق لاحتياجات المعمرين الزراعيين.
1. مطالب ترويج الزراعة (دبلوماسية الديوانة)
جاء المطلب الأول تحت عنوان "تسهيل ترويج الزراعة وتربية المواشي". بناءً على تقرير المسيو بلون، طالبت الغرفة من المقيم العام "ان يلغي رسم العشور عن الالات الزراعية والحيوانات المجلوبة من الخارج لاجل توليد المواشي". هذا المطلب يخدم حصرياً كبار المعمرين الذين يمتلكون الرأسمال لاستيراد المكننة المتطورة وسلالات المواشي لتحسين الإنتاج.
2. المطالب اللوجستية وتأهيل المراسي (سلا)
في الجانب اللوجستي، تقدمت الغرفة بمطالب دقيقة لتأهيل البنية التحتية:
- "تسهيل المعاملات بمرسى سلا" عبر زيادة عدد الحمالين، إصلاح باب المرسى، وإقامة "سقيفه" (مظلة) على الرصيف لحماية السلع.
- "بناء جادة على الشاطيء" (رصيف) لتسهيل الرسو.
- والأهم من ذلك، المطالبة بـ "الغاء عشور الجسر على السلع الصادرة والمجلوبة بالرصيف"، لتقليل تكاليف النقل عبر نهر أبي رقراق.
3. مطالب فك العزلة (الرباط - مراكش)
على مستوى الاتصالات الكبرى، طالبت الغرفة بـ "تسهيل المواصلات البريدية بين الرباط ومراكش"، بهدف ربط العاصمة الإدارية بالجنوب، وتسهيل تحرك التجار والسلع بعيداً عن الطرق التقليدية غير الآمنة.
كما أعلنت الغرفة عن أجندة جلستها القادمة، والتي تناولت قضايا سيادية واقتصادية حساسة جداً:
- "تجميد ضرائب الابواب، الترتيب، ونظام التخزين".
- "تسهيل العقود المحلية لبيع الزرع". هذا يعكس سعي التجارة الفرنسية لاحتكار وتسريع دورة تصدير الحبوب المغربية.
المحور السادس: الإعلانات كمرآة للاحتكار الرأسمالي (وكالة باكي)
تختتم الجريدة صفحاتها بتكريس الهيمنة التجارية المطلقة للشركات الفرنسية الكبرى، وعلى رأسها إعلان "جمعيه للبحث والتجارة بالمغرب" المعروفة بـ "وكالة باكي".
إن تفكيك هذا الإعلان يظهر استراتيجية السيطرة الشاملة على السوق:
- الانتشار الجغرافي الإخطبوطي: فروع في "الدار البيضاء وطنجة - ومليلة - والرباط و افادير - ومراكش - واسعي - والصويرة"، ومقر مركزي في الرباط "بشارع العلو".
- احتكار أوراش البناء الحديثة: تزويد السوق بـ "الجسم (الجير) والملاط يعني السيدة (الإسمنت) - والعيد (الخشب) - المحددة (الحديد) - والآخر (الآجر)".
- تسويق الثورة التكنولوجية والمكننة: واكبت الوكالة سياسة استغلال الأراضي الخصبة ببيعها لأحدث الاختراعات: "مكينات الزراعة - والآلات المحركة - والمضخات (البومبات)، والالوسيلات (السيارات)".
- سلع الرفاهية: لتلبية أذواق الطبقة البرجوازية والمستوطنين، وفرت "منسوجات من متر (منشستر) - بجوابر (وحرائر) مدينه اوان (ليون)".
ويذيل العدد بتوقيع المؤسسة الطابعة التي تحتكر نشر القانون: "مطبعة مرسيه وشركاه - رباط الفتح".
خاتمة تحليلية: المغرب تحت مجهر البيروقراطية المنظمة
عندما نغلق صفحات العدد 32 من الجريدة الرسمية الصادر في ديسمبر 1913، ندرك تماماً أننا لسنا أمام مجرد نشرة قانونية، بل أمام "تقرير إدارة أعمال" لدولة كولونيالية تتصرف بـ "عقلية المقاولة".
لقد تجاوزت الإدارة الفرنسية لغة إخماد الثورات، وبدأت تتحدث بلغة الأرقام، الملاحة النهرية، وتجميد الضرائب الفلاحية. من التفويض المالي لرئيس أشغال بلدية الدار البيضاء، مروراً بتدشين الملاحة النهرية في وادي سبو، وصولاً إلى الضغوطات التشريعية لغرفة التجارة بالرباط لتخفيض الرسوم الجمركية على المكننة الزراعية؛ كل هذه الأحداث تؤكد أن الآلة الاستعمارية كانت تسابق الزمن لقطف ثمار "التهدئة العسكرية". إن الإعلان المتكرر لمنتجات "وكالة باكي" من إسمنت وسيارات وحرير لا يعكس تبادلاً، بل يعكس عملية استنزاف ممنهجة للمواد الخام المغربية مقابل إغراق السوق. هكذا، وفي خريف 1913، تم رسم المخطط النهائي لتحويل المغرب من إيالة سلطانية تقليدية إلى سوق استهلاكية وخزان موارد، تتحكم في مفاصله غرف التجارة والمندوبيات البلدية.
تحميل العدد 32 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
إرسال تعليق