مقدمة:
تُعد الوثائق الرسمية، ولا سيما الأعداد الأولى من الجريدة الرسمية، السجل الدقيق الذي يوثق المخاض العسير لعملية الانتقال الهيكلي والمؤسساتي الذي شهده المغرب في بدايات القرن العشرين. وفي هذا السياق الأكاديمي والتحليلي، نضع بين أيديكم دراسة قانونية، تاريخية، واقتصادية بالغة الدقة والشمولية لواحد من أهم الأعداد المفصلية في تاريخ التشريع المغربي؛ ألا وهو العدد العشرون (20) من "الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية".
صدر هذا العدد التاريخي في خضم السنة الأولى من عمر هذه النشرة السيادية، وتحديداً من عاصمة الإيالة الشريفة، مدينة رباط الفتح. ويحمل هذا العدد تاريخاً هجرياً يوافق السابع عشر (17) من شهر شوال عام 1331، وهو ما يقابله بالتاريخ الميلادي التاسع عشر (19) من شهر سبتمبر سنة 1913.
تحميل العدد 20 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
التنظيم الإداري والمالي للجريدة
من الناحية المادية والتنظيمية، وثقت الإدارة الاستعمارية في ترويسة الجريدة قيمتها المالية، حيث حُدد "ثمن الصحيفة عشرون سنتيم". وهذا الثمن كان يهدف إلى ضمان انتشار القوانين الجديدة بين فئة التجار، والمحامين، والمسؤولين الإداريين المغاربة والأجانب. ولتأطير عملية التوزيع الجغرافي، وضعت الإدارة نظاماً دقيقاً للاشتراكات؛ حيث نصت التعليمات على أنه "يجب على من أراد الاشتراك في هذه الجريدة أن يوجه طلبه إلى إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية بالرباط". ولتسهيل الإجراءات في مختلف المدن، أُتيح الاشتراك "من جميع بنيقات البوسطة بالمغرب" (مكاتب البريد)، مع تحديد قاعدة إدارية صارمة تنص على أن "مبدأ الاشتراك من أول الشهر".
وقد تم تقسيم التسعيرة بناءً على النطاق الجغرافي للمشتركين لتعكس تكاليف الشحن واللوجستيك. فبالنسبة للمشتركين "داخل المملكة الشريفة"، حُددت قيمة الاشتراك في 3.50 فرنكات لمدة ثلاثة أشهر، و6 فرنكات لستة أشهر، و10 فرنكات لمدة سنة كاملة. أما للمشتركين المتواجدين "خارج المملكة الشريفة"، فقد ارتفعت الرسوم لتصبح 4.50 فرنكات لثلاثة أشهر، و8 فرنكات لستة أشهر، و15 فرنكاً لاشتراك السنة الكاملة.
الفهرس الشامل للقرارات (القسم الرسمي)
تضمن القسم الرسمي من هذا العدد حزمة من التشريعات التي مست صميم البنية التحتية للدولة، وهي مرتبة في الفهرس كما يلي:
- أولاً: ظهير شريف يحدد فيه سلطة إدارة الأحباس العمومية.
- ثانياً: ظهير شريف حاوٍ على نظام تحسين حالة الأحباس العمومية.
- ثالثاً: قرار من الصدر الأعظم في تولية موظفي الأشغال العامة.
- رابعاً: قرار من الصدر الأعظم بشأن تنظيم إدارة البوليس العمومية.
- خامساً: قرار من الصدر الأعظم يعين فيه مراتب ورواتب الموظفين بإدارة المعاملات البحرية.
- سادساً: منشور من الصدر الأعظم يبين فيه الشروط المطلوبة لمتعاطي حرفة الطب بهذه الإيالة (الأطباء، الصيادلة، أطباء الأسنان، القوابل).
- سابعاً: نسخة قرار المجلس البلدي بشأن مباشرة حرفة الطب وبيع الدواء وطب الأسنان وحرفة التوليد بالمغرب.
- ثامناً: منشور الصدر الأعظم بشأن العقوبات على باعة المأكولات المضرة.
- تاسعاً: صورة قرار من جانب المجلس البلدي بشأن المأكولات المضرة وعقوبات باعتها.
سنقوم في هذا المقال بتفكيك هذه النصوص بلغة قانونية رصينة، مستعرضين كل تفصيلة بدقة متناهية لفهم آليات اشتغال الإدارة في تلك الحقبة.
المحور الأول: الثورة العقارية والمالية - إصلاح منظومة الأحباس العمومية
يُعتبر ملف الأحباس (الأوقاف) من أعقد الملفات التي واجهت إدارة الحماية، نظراً لتراكم الفساد الإداري والتداخل بين البعدين الديني والعقاري. ولضبط هذا القطاع، صدر في هذا العدد ظهيران شريفان مفصلان يعيدان هيكلة المؤسسة من جذورها.
1. تحديد سلطات إدارة الأحباس العمومية
يستهل الظهير الأول ديباجته بتوجيه الخطاب السلطاني إلى "خديمنا الأنجد الأحظى الأرشد مدير عموم الأحباس بإيالتنا الشريفة الطالب أحمد الجاي". يُذكر الظهير بالتأسيس الأولي للإدارة بموجب ظهير سابق "المؤرخ في 20 ذي القعدة عام 1330 الموافق 31 أكتوبر عام 1912".
الاختصاصات الإدارية الكبرى: نص الظهير على أن الإدارة المركزية مكلفة بـ "مباشرة الحراسة التامة على تصرف جميع النظار في أملاك الأحباس وسائر شؤونها". كما خولها سلطة المراقبة التامة والمحافظة "على أحباس الزوايا والأحباس الخاصة". هذه الإدارة هي الجهة الحصرية التي "تعطي الإرشادات للمراقبين والنظار وتحدد تصرفهم وتشتغل بنمو الأحباس". ولضمان المرجعية الفقهية، أُمرت الإدارة بأن "تعد مجلساً من عدة علماء ويحضره الكاتب العام أو نائبه". ورغم هذه الاستقلالية الإدارية، احتفظ السلطان بحق التعيين والعزل في المناصب الحساسة، حيث نُص على أن "المراقبين والنظار فلجنابنا الشريف ولايتهم وعزلهم".
الضبط المحاسبي ونظام الكنانيش (السجلات): للقضاء على العشوائية، ألزم الظهير إدارة الأحباس باعتماد ترسانة من السجلات الإجبارية، حيث حدد أنه "يتعين أن تتخذ الإدارة عدداً من الكنانيش التي تقتضيها الخدمة... فالعمل بها واجب". وهذه السجلات الثمانية هي:
- "كناش لتقييد جميع أملاك الأحباس في كل مكان".
- "كناش لضبط حسابات النظار السنوية"، مع إلزامهم بتقديم "جميع الكنانيش والأوراق التي ربما تطلبها الإدارة منهم" في أقرب وقت.
- "كناش لضبط الجلسات والجزاءات السابقة".
- "كناش مطالب الأكرية لأجل بعيد".
- "كناش مطالب المعاوضة بالسمسرة".
- "كناش استعمال وإحالة الأحباس إلى صلات خصوصية كأعمال خيرية أو مصلحة عمومية".
- "كناش لتقييد جميع الوارد من المكاتيب والأجوبة على اختلاف أنواعها".
- "كناش لتقييد جميع الصادر من المكاتيب والأجوبة على اختلاف أنواعها".
آليات الرقابة والتفتيش: منح الظهير للإدارة صلاحية أن "تنيب عنها بعض المراقبين أو القاضي أو المفتي أو غيرهم في إثبات حسابات النظار والبحث والتفتيش في كنانيشهم للاطلاع على كيفية تصرفاتهم في أي وقت كان". ولتعزيز الرقابة المركزية، سُمح لها بأن "تنيب عنها مفتشاً عاماً يجول في كل سنة في أحباس إيالتنا الشريفة".
تدبير العقار وصيانته: تكلفت الإدارة بالتأطير الاستراتيجي، فلها أن "تأذن في الأكرية لأجل بعيد وتأذن في المعاوضة بالسمسرة إن كانت فيها مصلحة". كما خُولت النظر في "تعويض الملك المبيع وضبط صلات الأحباس التي بيد الغير" ومتابعة "الدعاوي المرفوعة لدى الشرع في شأن جميع الأملاك المتغلب عليها". أما على المستوى الميداني، فقد "تُكلف النظار بمباشرة إصلاح وصيانة أملاك الأحباس". لكن "إنشاء البناءات فإنه يتعين بناؤها بالسمسرة". ووُضعت مسطرة مالية صارمة للإصلاحات؛ حيث "يقيد الناظر الصواير بواسطة عدلين في كناش خصوصي ويعرضه على المراقب ليوافق عليها بشرط أن كانت لا تتجاوز ثلاثماية بسيطة". وإذا زادت التكلفة عن 300 بسيطة، يجب على المراقب "أن يعلم برأيه في ذلك الإدارة لأجل أن تنظر فيه". ويُستثنى من هذه البيروقراطية "البناء الذي أشرف على السقوط فإنه يجب إصلاحه فوراً"، مع توجيه قائمة الصوائر للادارة مع "موجب القاضي متضمناً أن الإصلاحات التي وجبت عنها تلك الصوائر لا تقبل تأخيراً".
وختم الظهير بضرورة إعداد "تقييد عام لمدخول الأحباس ليتحقق شأن الحالة التي عليها أملاك الأحباس" في آخر كل سنة، مع إخطار الحكام بـ "كل خطأ أو غفلة وقعت من نظار منطقتهم". حُرر هذا الظهير في "8 شعبان عام 1331".
2. نظام تحسين حالة الأحباس العمومية (دفتر التحملات الشامل)
الظهير الثاني الموجه أيضاً للمدير "أحمد الجاي"، يُعتبر بمثابة "مدونة عقارية" متكاملة لتدبير الأوقاف. علل السلطان هذا التشريع بأن "مسألة الأحباس من أعظم الأشياء التي يهتم بها سائر المسلمين ينبغي أن تعين أوامر مضبوطة لتدبير شؤونها لأن حالتها اليوم غير مرضية من حيث أن مدخولها لا يكفي للمصاريف اللازمة لها". ولإنقاذها، تم وضع نظام دقيق لـ "كرائها ومعاوضتها" مقسم إلى أبواب.
الباب الأول: في الأكرية المعتادة (الإيجارات القصيرة)
تم تقنين مدد الكراء بشكل صارم لمنع احتكار العقارات الوقفية بأسعار زهيدة لمدد طويلة.
- المدد ونوعية العقار: "تكرى العقارات المبنية كالحوانيت والفنادق والأهرية والحمامات والديار لمدة عامين بالمنادات العمومية". أما "الأراضي الخالية من البناء سواء كانت بداخل المدن أو بخارجها لمدة عام واحد بالمنادات العمومية أيضاً" لحراثتها.
- مسطرة السمسرة (المزاد العلني): تتم المناداة "بحسب الشروط المقررة بكراسة الالتزامات" (دفتر التحملات). تقع السمسرة بـ "محل معين بالمنادات العمومية ويسلم المحل لأكثر وآخر زايد على الثمن". لضمان الشفافية، "تكون السمسرة باللغة العربية وباللغة الفرنساوية".
- عتبات الزيادة المسموح بها: ضُبطت الزيادات لمنع المزايدات الوهمية: "لا تقل الزيادة على ريال واحد إذا كان الثمن الواقع عليه المزايدة مائة ريال. وإذا كان الثمن المذكور من مائة ريال إلى ألفي ريال فلا تقل الزيادة عن عشرة ريالات. وإذا كان الثمن المشار له يزيد عن ألفي ريال فالزيادة لا تقل عن خمسين ريالاً".
- لجنة السمسرة وقراراتها: تتركب من "مراقب الأحباس وناظرها وعدلين من عدولها وتكون الرئاسة للمراقب أو الناظر إن تخلف المراقب". مُنح رئيس اللجنة سلطة حاسمة حيث "يحكم رئيس اللجنة من تلقاء نفسه في كل نزاع يقع في أثناء السمسرة حكماً نهائياً ولا يكون للمحكوم عليه حق في طلب إعادة الحكم". وكل "مشوش وقت المنادات تسقط له اللجنة الحق في السمسرة وتطرده من محلها".
- شروط الدفع والتزامات المكتري: تقبل الزيادة من "كل من هو أهل للزيادة من غير اعتبار بجنسيته". يُدفع الكراء "بالثلاثة أشهر مسبقة". وإن "لم يدفع المكتري كراء أي ثلاثة أشهر كانت بعد تأجيله ثمانية أيام فللادارة الحق في فسخ كرائه" ومحاكمته.
- الصيانة والتعديلات: "يقبل المكتري المحل المكرى له على الحالة التي يكون عليها من غير أن يطلب أي تغيير فيه". الناظر فقط هو من "يصلح ما لا بد منه من إصلاحه فقط وذلك لحفظ المحل". كما "لا يسوغ للمكتري أن يبدل أو يغير شيئاً في المحل المكرى له ولو من ماله الخاص إلا بالإذن كتابة من إدارة الأحباس". وإن أُذن له، "فإن تلك التغييرات تبقى للأحباس من غير أداء أدنى تعويض عليها ولا قدرة للمكتري على هدمها أو إزالتها عند انتهاء مدة الكراء".
- التنازل والضرائب: يمنع على المكتري أن "يحيل أو يكري للغير جميع المحل المكرى له أو بعضه إلا بالإذن كتابة من إدارة الأحباس" وإلا يفسخ عقده ويُطرد دون استرجاع التسبيق. كما أن "جميع الضرائب المترتبة الآن والتي ستترتب في المستقبل تكون على المكتري".
- الرسوم القضائية (الصوائر): يتحمل المكتري جميع صوائر السمسرة. حُددت "أجرة العدلين فهي ريال واحد حسني عن كل رسم".
الباب الثاني: في الأكرية لأجل بعيد (الاستثمار العقاري)
لإدخال العقار الحبسي في الدورة الاقتصادية الرأسمالية وتشجيع الاستثمار، سُمح بإكرائه لمدد طويلة.
- النطاق والمدة: "يمكن أن يؤذن بالأكرية بالسمسرة للأراضي الخالية من البناء ولبعض العقارات الخراب مدة عشر سنين". يتم ذلك بطلب الإدارة أو بطلب الأغيار.
- مسطرة الطلب: يُوجه المطلب للناظر متضمناً: "تعيين العقار وموقعه وحدوده ومساحته على التقريب"، "أسماء وصفات الطالب... ومحل سكناه"، "التزام الطالب... بدفع قدر الكراء السنوي المبذول والمصاريف... لتبتدئ المزايدة في القدر المذكور". يُرفق بـ "تقرير الناظر مضمناً لتاريخ إفراغ العقار ولقدر كرائه السابق وحالة الطالب في شأن قدرته على الخلاص". للإدارة حق تقسيم العقار أو رفض الطلب.
- الإشهار (الإشهار): يتم الإعلان في البلد المتواجد به العقار "قبل السمسرة عليه بعشرين يوماً"، وينادي الدلال في سوق البلد "بين كل مرة ثمانية أيام". والأهم، "ينشر ذلك في الجريدة الرسمية العربية والجريدة الرسمية الفرنساوية... مرتين المرة الأولى قبل السمسرة بشهر والمرة الثانية قبلها بخمسة عشر يوماً". تُرفق الإعلانات بكراس الشروط.
- التزامات المكتري (كراس الشروط):
- النيابة والاستبعاد: لا تُقبل النيابة "إلا إذا كانت بيده وكالة صحيحة". تُسقط اللجنة حق أي "مشوش وقت المنادات العمومية" وتطرده.
- الثمن والزيادات: الثمن الابتدائي للمزايدة هو ما بذله الطالب. نفس قواعد الزيادات السابقة تنطبق (1، 10، 50 ريالاً).
- طبيعة العقار (نظام المقالع والمناجم): "لا تدخل في الكراء مقاطع الحجر على اختلاف أنواعها... كما لا تدخل المناجم المعدنية على اختلاف أنواعها في الكراء المذكور أيضاً".
- الضمان والمساحة: "لا تضمن إدارة الأحباس مساحة الأرض المكتراة". وإذا "وقع فيها غلط يزيد على السدس فيجوز للمكتري أن يطلب فسخ الاتفاق... من غير أداء غرامة". وإن اختار البقاء، "فينقص له شيء من الكراء بالتراضي... وإذا لم يقع تراض بينهما فالقاضي يعين نهائياً القدر الواجب نقصه شرعاً".
- المصلحة العامة: للإدارة الحق في "تسليم بعض الأرض المكتراة أو جميعها لإدارة الأشغال العامة". إذا بلغت المساحة المحوزة الربع، للمكتري حق فسخ العقد دون غرامات. حوز الأرض قد يتأخر، لكن الكراء يُدفع فقط من تاريخ الإفراغ وباعتبار المساحة المحوزة.
- الاستثمار (البناء والغرس): "يمكن للمكتري أن يجعل في الأرض المكتراة له ما شاء من البناءات والغروس والأشغال وذلك من ماله الخاص وتحت دركه من غير طلب إذن". لكن الخطير والمهم قانونياً هو أن "البناءات والتحسينات التي جعلها المكتري فإنها تصير ملكاً للأحباس من غير أن تدفع عن ذلك أدنى تعويض" عند انتهاء العقد. و"لا يمكن للمكتري أن يزيل... البناءات والغروس والتحسينات" في أي وقت. عليه التصرف فيها تصرفاً حسناً ليرجعها بحالة حسنة.
- التفويت (الإحالة): لا يسوغ للمكتري إحالة أو كراء العقار للغير "إلا بالإذن كتابة من إدارة الأحباس وإلا فالإدارة تفسخ كرائه". يوجه المطلب للناظر. وإذا أذنت الإدارة، "يكون للأحباس الحق في الشفعة". أي نزاع يفصل فيه القاضي "فصلاً نهائياً... ولا يطلب استئنافه".
- تجديد العقد (حق الخلو التجاري الجديد): لتحفيز الاستثمار طويل الأمد، "يكون الحق للمكتري في خلال العام التاسع من كرائه في الحصول على تجديد الكراء لمدة عشر سنين أخرى... بزيادة الخمس (20%) في الكراء على ثمن الكراء الأول". ولكن بشرط صارم: "أن يبين للإدارة... أنه صير قدراً يساوي ثمن كراء خمس سنين في البناء والمحلات والغروس". كما له "الخيار في تجديد الكراء في خلال العام التاسع عشر... لمدة عشر سنين أخرى ويزيد في الكراء الخمس من قدر المدة الثانية" (أي زيادة 20% إضافية). عند انقضاء المدة الثالثة (بعد 30 سنة)، يرجع المحل للأحباس.
- الخلاص المالي: الكراء لمدة 10 سنوات، ويدفع المكتري للناظر "حيناً كراء سنة ويدفع زيادة قدرها اثنان في المائة من وجه بقية الصوائر". هذا الدفع المسبق "يصير وديعة على وجه الوثيقة ليخلص منه كراء العام العاشر إلى آخر عام". الكراء العادي "يُدفع الواجب السنوي في مكتبة ناظر الأحباس عند انقضاء كل ستة أشهر". "وإن لم يدفع المكتري كراء آخر ستة أشهر كانت بعد تأجيل شهر فللادارة الحق في فسخ كرائه". عند الفسخ، يترك الأرض على حالتها ويصير كل التحسينات لادارة الأحباس بلا تعويض.
- التوثيق والصوائر: يتحمل المكتري "جميع صوائر السمسرة". "يتحمل طالب المعاوضة بجميع صواير تحديد الملك وإقامة صورته وإثبات الرسوم". كما "يتحمل المكتري أجرة العدلين زيادة على أجرة الدلالية".
- سلم أجور العدول (الرسوم التوثيقية): وُضعت تسعيرة دقيقة لتوثيق العقود: إذا كان الكراء السنوي من 100 إلى 2000 بسيطة حسنية، يأخذ العدلان 12 بسيطة. من 2000 إلى 5000 بسيطة -> 24 بسيطة. من 5000 إلى 10000 بسيطة -> 36 بسيطة. وإذا كان فوق 10000 بسيطة -> 50 بسيطة. "ويدخل في ذلك أجرة إمضاء القاضي" .
- المصادقة الإدارية: "لا تكون السمسرة نهائية إلا بعد مصادقة إدارة الأحباس عليها... وإذا لم تصادق عليها فلا يمكن للمكتري أن يدعي بشيء ويرجع له القدر الذي كان وضعه وديعة... أما الإدارة فلا يلزمها التعريف بسبب عدم المصادقة".
الباب الثالث: في المعاوضات النقدية (تسييل الأصول العقارية)
للتخلص من الأصول غير المدرة للربح، نص القانون على أنه "يمكن معاوضة الأملاك الخالية من البناء بالنقد سواء كانت صالحة للحراثة أو للبناء وذلك بطريق السمسرة، بشرط أن تشتري الإدارة بالنقد المذكور غيرها من الأملاك".
- مسطرة المعاوضة: بطلب الإدارة أو الغير. يوجه الطالب لادارة الأحباس العامة عبر الناظر مطلباً يتضمن: الاسم، تعيين الملك، القدر المبذول، والالتزام بوضع جميع الصوائر "وقدرها على التقريب ثلاثة في المائة" والعشر (10%) من الثمن المبذول . المراقب يرفع رأيه للادارة لتقبل أو ترفض. إذا قُبل الطلب، يضع الطالب المصاريف المطلوبة بيد الناظر.
- التحديد الطبوغرافي: "يباشر الناظر إقامة صورة الملك وقيسه وتطبيق حدوده... بواسطة مهندس تعينه الإدارة" على نفقة الطالب. يُكلف القاضي عدلين لإثبات الرسوم، ثم يُرسل المطلب للقاضي للبدء في السمسرة مرفقاً بـ: الإذن من السلطان، المطلب مصادق عليه، صورة الملك، كراس الالتزامات، ونسخة من الإعلانات . الملك المعاوض "يخرج عن الحبس ويصير ملكاً لصاحب المعاوضة" ويُشطب من سجلات الأحباس. بالمقابل، تلتزم الإدارة بشراء أملاك أخرى في أقرب وقت. يقوم القاضي أو الباشا بتسعير الأملاك المراد شراؤها وتقييدها.
- الإشهار (الإعلانات): تُعلق الإعلانات بالعربية والفرنسية قبل السمسرة "بثلاث جمع" (3 أسابيع). وتنشر مرتين في الجريدة الرسمية قبل شهر و15 يوماً. للطالب التنازل قبل السمسرة دون استرجاع التوثقة، وإن لم يصل المزاد لثمنه بطلت السمسرة وتحمل هو المصاريف.
- كراس الشروط (المعاوضة):
- تقع بالمحل المعين وتسلم للأعلى سعراً.
- لجنة السمسرة: القاضي (الرئيس)، المراقب، الناظر، وعدلان. القاضي يحكم نهائياً في النزاعات.
- تقبل الزيادة من أي جنسية (مع دفع العشر والمصاريف 3%). النيابة توجب التوفر على وكالة.
- سلم الزيادة: 1 ريال (<1000)، 10 ريالات (100-1000)، 50 ريالاً (>1000). الثمن يدفع حالاً.
- الضمان: يقبل المعاوض له الملك "على الحالة التي يوجد عليها من غير أن يطلب أدنى تغيير... في حدوده". الإدارة لا تتحمل مسؤولية تأخر الحوز (إلا بتأخير دفع بقية الثمن). الإدارة "لا تضمن مساحة الملك"، والخطأ بأكثر من السدس يوجب تعويض النقص نقداً دون فسخ العقد.
- المصلحة العامة: يلتزم المعاوض له بتسليم الملك (أو جزء منه) للأشغال العامة مقابل غرامة (تعويض). يُقوم التعويض بخبيرين، وإن اختلفا يعين القاضي خبيراً ثالثاً ويحكم نهائياً.
- الصوائر والرسوم: يتحمل الطالب صوائر التحديد والصور. وتُدفع رسوم السمسرة وفق سلم دقيق للعدول: 1% (100-2000 بسيطة)، 0.75% (2000-5000)، 0.60% (5000-10000)، 0.40% (10000-20000)، ويُزاد "غرش حسني على كل ألف أو كسور الألف فوق العشرين ألف". وتدخل فيها أجرة القاضي ويُضاف لها أجرة الدلال .
- المصادقة: لا نهائية إلا بمصادقة إدارة الأحباس.
الباب الرابع: في بيع الأثمار والغلل
تُباع غلال الأحباس "بالمنادات العمومية" بقرار من الناظر الذي يعلق إعلاناً قبل السمسرة "بخمسة عشر يوماً". ينادي الدلال "في سوق البلد مرتين بين كل مرة ثمانية أيام".
- لجنة السمسرة: المراقب (الرئيس)، الناظر، وعدلان. يحكم رئيس اللجنة نهائياً.
- تُقبل زيادة جميع الجنسيات ويدفع الثمن حالاً. الزيادة: 1 ريال، 10 ريالات، 50 ريالاً.
- الصوائر: 3 بسيطات (<500)، 5 بسيطات (500-1000)، 7 بسيطات (1000-2000)، 9 بسيطات (2000-3000)، و"يزاد غرش حسني على كل ألف أو كسر الألف فوق ثلاثة آلاف المذكورة". المشتري يضمن أي ضرر يحدثه بالمحل، ويحكم فيه القاضي نهائياً.
الباب الخامس: في استعمال أملاك الأحباس وإحالتها وكرائها بصفة مخصوصة
يعالج هذا الباب الغاية الدينية للأوقاف. "جرت القاعدة بتخصيص مدخول الحبس في مصالح المحلات المحبس عليها... كما يؤخذ منه أيضاً ما تقام به شعائر الدين وتعليم العلم وإعانة العلماء والأعمال الخيرية والمصلحة العمومية العائد نفعها على المسلمين". بناءً عليه، يحق للإدارة "أن تستعمل الحبس في بناء مسجد أو مكتب للعاجزين الفقراء أو مستشفى أو غير ذلك من الأعمال بقصد نفع المسلمين وذلك إما بثمن قليل أو بلا ثمن أصلاً". هذا الاستثناء يتطلب "صدور أمرنا به" (أمر سلطاني)، ولا يشمل "ملكية العقار". حُرر هذا الظهير الضخم في "16 شعبان عام 1331 الموافق 21 يوليو عام 1913".
المحور الثاني: التعيينات وتأسيس البنية التحتية الأمنية (البوليس)
1. تعيينات الأشغال العامة (المعاملات البحرية)
لإدارة قطاع الأشغال العامة الحساس، وبناءً على "الفصل التاسع من الظهير المؤرخ في 11 جمادى الأولى سنة 1331 الموافق الثامن عشر من أبريل سنة 1913"، أصدر الصدر الأعظم قراراً ينص في فصله الأول على أن "المسيو بوشى الذي هو كبير مهندسي القناطر والطرقات ومستشار إصلاحي لدى المخزن الشريف قد ولى نائب إدارة الأشغال العامة بطنجة" . وحدد الفصل الثاني راتبه بـ "ينفذ للنائب المذكور بهاته الصفة راتب سنوي قدره 12000 فرنك". صُدر القرار في "20 رمضان عام 1331 الموافق 23 أغشت 1913".
2. تنظيم إدارة البوليس العمومية (الشرطة العصرية)
يُعد هذا القرار التأسيسي لوزارة الداخلية/الشرطة الحديثة في المغرب. فقد قرر الصدر الأعظم "تشكيل إدارة تتكلف بالمحافظة العامة".
اختصاصات الإدارة والمهام:
- أُسست "إدارة مكلفة بالمحافظة العامة بالمملكة الشريفة وتكون تحت مراقبة الكاتب العام بدولتنا الشريفة بمعاضدة موظف يدعى مراقب إدارة البوليس العام". وتشمل "البوليس البلدي والمحافظة العامة".
- الغرض هو "الأمن العام... وحفظ الراحة بالطريق العموم وإجراء العمل بالقوانين والضوابط البلدية".
- يتلقى الموظفون الشكايات، "وإليهم تبلغ إعلانات الجنايات وهم المكلفون بإثباتات التحريات الشرعية مع تحرير التقريرات القضائية".
- يتولون "أخذ الاحتياطات اللازمة... والبحث عن المجرمين وتسليمهم للحاكم بعد القبض عليهم".
- لهم سلطة أمنية وأخلاقية بـ "مراقبة الحانات وديار لعب القمار والنساء الباغيات مراقبة مستمرة".
- مهام أمن الدولة: "بحراسة المراسي ويمنع (الكنطرباندوا) أي إدخال السلاح الحربي" المهرب.
- التبعية: السطوة على الموظفين تكون "للباشا أو الضابط أو الحاكم المكلف بالإدارات البلدية هو المسؤول على الراحة العمومية". في المدن الكبرى، "رئيس الكميسارات هو المدبر للإدارة... بحيث يكون جميع متوظفيها تحت أمره ونهيه".
هيكلة الموارد البشرية والرواتب (متوظفي البوليس): تتم التولية بقرار من الصدر الأعظم. يتركبون من: "كميسارات البوليس... الكتاب والمفتشين والمقدمين والأعوان الفرنساويين والكتاب المترجمين الرسميين والكتاب المترجمين المعاونين والمقدمين والأعوان المسلمين". لا فرق في "مباشرة الوظيفة... من دون اعتبار وامتياز بين الإدارتين لتغير الأهلية".
- الكميسارات (عمداء الشرطة): الترشيح يتم "إلا بعد الامتحان". واستثناءً جازت التولية المباشرة لمن باشر الخطية بفرنسا، الجزائر، تونس والمستعمرات. يُخصص "الثلث من وظيف الكميسارات" للكتاب والمفتشين من الدرجة الأولى بعد 5 سنوات خدمة ونجاح في الامتحان.
- الرواتب السنوية للكميسارات: تتدرج على 9 رتب: הרتبة السابعة (4000 فرنك)، السادسة (4500)، الخامسة (5000)، الرابعة (5500)، الثالثة (6000)، الثانية (6500)، الأولى (7000)، الرتبة الامتيازية (8000)، الرتبة الخارجة عن كل رتبة (9000 فرنك) . بالإضافة لتعويض 30 فرنكاً شهرياً لبنيقاتهم، وللرؤساء 40 فرنكاً.
- الترقي يتم بعد مرور عام وورود الاسم في "جدول الترقي السنوي" الذي تضعه لجنة يرأسها الكاتب العام.
- الطبقة السفلى (الموظفون والأعوان): * الأجانب والفرنسيون: الكتاب المفتشون (تتدرج رواتبهم من 2400 للرتبة الثالثة إلى 4000 للرتبة الخارجة). المقدمون (من 2500 إلى 2600). الأعوان الفرنساويون (من 2000 إلى 2400) . المترجمون (من 3000 إلى 3500) والكتاب المترجمون المعاونون (من 1800 إلى 2100). لا يجوز التولية في الرتبة الأولى من المترجمين لمن "ليس لهم معرفة باللغة العربية الرائجة". ونصف وظائف المقدمين تُعطى لـ "الجندرميين أو من العساكر" بعد امتحان .
- المغاربة المسلمون: يشترط لترشيح الأعوان المسلمين أن يكونوا "من بين قدماء العساكر الذين يحسنون اللغة الفرنساوية". التولية تكون بـ "بصفة متطوعين ثم بعد عامين تقع توليتهم بصفة رسمية".
- رواتب المسلمين: المقدمون المسلمون (الرتبة الأولى: 1500). الأعوان المسلمون (الرتبة الثالثة: 1100، الثانية: 1200، الأولى: 1300). المتطوعون (1000 فرنك) .
- شروط التوظيف للأعوان السفلى: السن بين 25 و30 عاماً (لا يشمل مدة الخدمة العسكرية السابقة). شهادة طبية بالسلامة والقدرة البدنية. أن يكون قد أتم واجب التجنيد. تقديم أوراق: مطلب، حجة عمر، "ورقة عدلية دالة على كونه لم يرتكب جريمة ولم يصدر عليه حكم قط" (حديثة لأقل من شهرين)، و"شهادة دالة على أن سيرته كانت مرضية" .
النظام التأديبي والعقوبات:
وُضع نظام تأديبي صارم لكلا الطبقتين:
- الكميسارات: العقوبات هي: "أولاً الإنذار. وثانياً الملام. وثالثاً التعطيل عن الخدمة لمدة لا تجاوز شهراً واحداً وينفذ فيها نصف الراتب فقط. ورابعاً الإسقاط من رتبة إلى رتبة أدنى منها. وخامساً العزل". الثلاث الأولى يصدرها الكاتب العام بعد تقرير الولاة وسماع دفاع المتهم، والإسقاط والعزل من الصدر الأعظم بعد استشارة "المجلس التأديبي" المكون من الكاتب العام، المستشار العدلي، رئيس الموظفين، مراقب البوليس وكميسار من رتبة المتهم. لا يعد الانتقال عقوبة. وفي حالة الإعفاء لقصور أو عجز، "ينفذ للمعفى... تعويض لا يقل عن راتب عام واحد ولو كان له حق في التقاعد".
- الطبقة السفلى: نفس العقوبات (الإنذار، الملام، التوقيف لشهر بنصف راتب، الإسقاط، العزل). للفرنسيين والمسلمين الرسميين، العقوبة الأولى من رئيس الإدارة، الثانية والثالثة من الكاتب العام، والرابعة والخامسة من الصدر الأعظم باستشارة المجلس التأديبي. أما "الأعوان المسلمون المتطوعون فيصدر الملام عليهم من رئيس الإدارة... وأما العقوبات الأخر فتصدر عليهم من الكاتب العام... بعد الاطلاع على التقرير" . يحق للجميع الاطلاع على ملفهم والدفاع كتابة أو مشافهة . تعويض الإعفاء هنا "لا يقل عن راتب ستة أشهر".
اللباس الرسمي والتسليح:
تم توحيد المظهر الميداني لفرض الهيبة الأمنية.
- الكميسارات: "يكون مثل اللباس الرسمي المجعول لكميسارات البوليس طبق ما هو مقرر في القرار الصادر من والي ولاية الجزائر بتاريخ 29 دسمبر عام 1909".
- موظفي الإدارة البلدية (الفرنسيين): يتكون من "أولاً سروال لونه رمادي وله شريط أحمر. ثانياً منتان ملف صوف أزرق شبيه بلباس الطبجية له تسع عقدات بيض رقبته مستطيلة وعليها علامة مركبة من الملف الأحمر هلال من القردير الأبيض وفي وسط الهلال نمرة العون أرقامها من القردير... وعلى الأكمام ثلاث عقد صغار" . المقدم له شريطتان فضيتان، العون شريطة واحدة. "ثالثاً برنيطة زرقاء عليها نمرة العون في وسطه صورة هلال". المفتش والكاتب لهم علامة "في وسطها صورة شاقور" (فأس). يلبسون "كبابيت مشمعة مثل... الجندرمة"، وخف وسباط من "جلد الجمل". لباس الصيف من "نسيج الكتان الأصفر" والبرنيطة تلف بالكتان الأبيض .
- الأعوان المسلمون: لباسهم مثل الفرنسيين لكن لهم طابع محلي: "لهم سراويل مفصلة على النمط المغربي، ولهم عوض عن البرنيطة شاشية وزرة من الكتان ولهم أيضاً عوض عن الكبوت برنوصاً أزرق أطرافه حمر".
- السلاح: حُدد السلاح بتمييز واضح: "فرد (مسدس) للفرنساويين، وسيف للأعوان المسلمين". صُدر القرار في "6 شوال 1331 الموافق 9 سبتمبر 1913".
المحور الثالث: تنظيم إدارة المعاملات البحرية والنقل البحري (لوكوناج)
استكمالاً للتنظيم، صدر "قرار من الصدر الأعظم يعين فيه مراتب ورواتب الموظفين بإدارة المعاملات البحرية" المسمى بـ "إدارة لكوناج" (أي النقل البحري والمرسوات).
هيكلة المراتب والرواتب:
قُسمت الإدارة المركزية والمركزية الفرعية والمكلفة بالرصيف إلى رتب (من الخامسة للأولى).
- الإدارة الداخلية ورؤساء المكتبات: رواتبهم تتدرج من 6500 للرتبة الخامسة إلى 10000 فرنك للرتبة الأولى . نواب الرؤساء (من 5000 إلى 7000). الكتبة والمتطوعون (من 4000 إلى 5500).
- الإدارة المكلفة بشاطئ البحر والرصيف: المراقبون الخصوصيون (8000 إلى 10000) والمراقبون (4000 إلى 7000) . الموظفون المكلفون بإدارة المراكب (من 4000 إلى 5000 فرنك) .
- التعويضات والحقوق: يُمنح هؤلاء الموظفون التعويضات المعطاة لموظفي الإدارة المدنية "في مقابلة السكنى وغلاء المعيشة وكذلك في مقابلة التنصيب للوظيف". وتطبق عليهم قوانين الترقي والتأديب المدنية، مع تشكيل لجان خاصة لذلك يرأسها "مدير الإدارة العامة للأشغال العمومية" . حرر في "10 سبتمبر 1913".
المحور الرابع: الضبط المهني لقطاع الصحة وحماية المستهلك
1. تقنين المهن الطبية (أطباء، صيادلة، قوابل)
لمحاربة الشعوذة والتطبيب العشوائي الذي انتشر مع تزايد وتوافد الجالية الأوروبية، أصدر الصدر الأعظم "منشوراً يبين فيه الشروط المطلوبة من المتعاطين حرفة الطب" مُوجهاً إلى سائر القياد والعمال.
مضامين المنشور الصدري: يعلل الصدر الأعظم القرار بأن نمو الثروة جلب الأوروبيين، وأن "أصحاب الحرف الطبية هنا أكثرهم ليس من أهل المعرفة... ولم يسبق لهم تعاطي الحرفة المذكورة مدة كافية". ويشدد على أن "من أهم الحرف التي يجب وضعها تحت مراقبة الدولة... هي الحرفة المقصود منها صحة عموم الناس". وحذر من "الخداعين الحقيقيين" الذين يدعون معالجة الأمراض بغير علم، مؤكداً أن "لا يمكن لحكومة متنورة أن تتحمل خدعاً مثل هذه لأنها إن صارت خالية البال... فقد عرضت نفسها إلى التهمة بالمشاركة الحقيقية معهم" .
طالب المنشور العمال بمطالبة قناصل الدول الأجنبية بـ "الإجازات المهمة المعتبرة التي بأيدي محمييهم"، أو أن يثبتوا أن "محمييهم المذكورين قد تعاطوا حرفة الطب بالمغرب منذ 30 مارس عام 1907 في الأقل" ليرشحوا من يستحق الترخيص لحماية "الرعايا الأجانب" .
قرار المجلس البلدي التنظيمي للطب والصيدلة:
أُلحق المنشور بقرار يضع القواعد الصارمة:
- لا يجوز مباشرة الطب والصيدلة وطب الأسنان والقوابل "إلا بالإذن من الباشا وعليه إمضاء المراقب الإداري المحلي"، بناءً على "إجازات مثبتة على يد قنصل بلد الطالب" . وأُعطي الأجانب الممارسون قبل "30 مارس سنة 1912" مدة شهرين لطلب الإذن .
- اختصاصات محددة: "لا يسوغ لبائع (صيدلي) أن يعطي الأدوية المخوفة إلا أن يأذن الطبيب كتابة. كما لا يسوغ لأطباء الأسنان قطع الإحساس عن الجسد (التخدير العام) إلا بحضوره وإعانته. كما لا يسوغ أيضاً للقوابل عمل التشريح وإعطاء الأدوية المخوفة إلا بمحضر الطبيب وإعانته أيضاً" .
- نظام الصيدليات: "لا يجوز لبائع الدواء أن يفتح إلا محلاً واحداً يتصرف فيه بنفسه". يُسمح للمستشفيات والشركات والجمعيات باحتكار الأدوية "لأعضائها وخدمتها لا غير" .
- استثناء مؤقت: "إن الأطباء والقوابل المسلمين لا يجري عليهم حكم هذا القرار إلا بعد حين"، مراعاة للواقع المحلي التقليدي . مخالفو القرار يخضعون لتفتيش كوميسار البوليس والمحاكمة.
2. محاربة الغش في المأكولات والمواد الاستهلاكية
أصدر الصدر الأعظم منشوراً وقراراً بلدياً لوقف التلاعب بصحة وقوت المستهلك.
- المنشور الصدري: أكد أن التزام الحكومة لا يقتصر على العدل بل "بذل الجهد في تعاهد الصحة... والمقصود هو الحذر من الوقوع في الأمراض". حذر من البائعين الذين "يبيعون المأكولات الفاسدة... ومن يغر المشتري في الميزان ومنهم من يجمع بين فساد السلعة وسرقة الميزان". طالب السلطات بـ "تعيين صيدلاني لاختبار المأكولات" و"تفهيم البائعين الفرق بين المأكولات الفاسدة... والصالحة". وطلب جمع أمناء التجار لإرشادهم في ذلك لتكون عقوبة "الغشاشة" رادعة.
- القرار البلدي الرادع: * "يُنهى عن عمل الغش في المأكولات والأدوية المعهودة للبيع كما يُنهى عن عرضها بقصد البيع... إن علم أنها مغشوشة أو فاسدة".
- تجريم التدليس بالوزن: يُمنع "غرور المشتري... مثل أن يسلم البائع المشتري سلعة وزنها أقل مما اشتراه أو يضعها في ظروف يظهر منها أنها كاملة الوزن أو الكيل وهي في الحقيقة ناقصة" .
- المصادرة والإتلاف: المأكولات الفاسدة أو المغشوشة "تحاز وتثقب حسب بائعها إن ظهر بها قبل البيع وتعدم وتمحق... واما التي لا تصلح للأكل أصلاً فتعدم وتسحق أيضاً ولكن صوائر الإعدام تكون من مال أربابها" . وإذا كانت صالحة للأكل رغم مخالفتها، "فتباع ويدخل ثمنها في خزينة الدولة" كعقوبة.
- سلطة التفتيش: "يمكن لكميسارات البوليس أو نوابهم الدخول للحوانيت أو الخزائن... في الساعات المعتادة لفتحها... لكن لا يدخلون لما ذكر إلا بعد إذن من القنصل الحاكم المحلي (إذا كان التاجر أجنبياً) للبحث على مخالفات... وتنقيب المأكولات" لتطبيق القوانين .
المحور الخامس: الشأن التجاري والإعلاني - نافذة على الاقتصاد الرأسمالي الدخيل
في الصفحة الأخيرة من الجريدة الرسمية، نجد دليلاً ملموساً على الدينامية الاقتصادية الجديدة التي بدأها الرأسمال الأجنبي في المغرب، وذلك عبر الإعلان الضخم والبارز لمؤسسة تجارية مركزية.
"جمعية للبحث والتجارة بالمغرب" (وكالة باكي)
يُظهر الإعلان قوة وتمدد "جمعية للبحث والتجارة بالمغرب"، وهي بمثابة شركة قابضة تملك شبكة معقدة من الفروع. فهي تؤكد أن "وكالاتها" متواجدة في: "الدار البيضاء - وطنجة - ومليلة - والرباط - وأقادير - ومراكش - وآسفي - والصويرة" . ونظراً لمقر الجريدة، نوهت أن "وكالتها في الرباط موجودة بشارع العلو".
هذه الشركة، والتي تم تذييل إعلانها باسم "وكالة باكي" (Agence Paquet) ، كانت تمثل الممون الرئيسي للمواد الحيوية لتأسيس البنية التحتية وتحديث المجتمع:
- النهضة العمرانية: تعرض الوكالة المواد الأساسية للبناء الثقيل: "عندها الجير والملاط (يعني السيمة/الإسمنت) - والعود (الخشب) - والحديد - والآجر". هذا يدل على طفرة البناء ومشاريع الأشغال العامة والموانئ.
- التحديث الميكانيكي والفلاحي: لإدخال الميكنة في الأنشطة الاقتصادية، تعرض "مكينات الزراعة - والآلات المحركة - والمضخات (يعني البومبات) - والاطومبيلات وغير ذلك". كان إدخال السيارات والمحركات بمثابة ثورة في وسائل النقل بالمغرب.
- الاستهلاك البرجوازي الفاخر: لتلبية طلبات النخبة والمستوطنين، أعلنت أن "عندها أيضاً منسوجات مدينة منشستر (البريطانية) - وحرائر مدينة ليون (الفرنسية)"، في احتكار استيرادي لأجود أنواع المنسوجات في العالم آنذاك.
تُختتم الجريدة، كما جرت العادة في الأعداد التأسيسية، بإشارة إلى المطبعة المكلفة بهذا المجهود الطباعي الضخم لإصدار التشريعات، وهي "مطبعة مرسي وكمبانيته برباط الفتح". وسبق ذلك إدراج فقرة صغيرة لـ "إصلاح غلط" وقع في العدد 17 بخصوص شروط "الجمعية الاحتياطية الأهلية في التعاون والتفارض" ومجلسها الشوري (الذي يتركب من رئيس وقياد وشيوخ وأمين الصندوق) .
خاتمة:
يُشكل العدد العشرين من الجريدة الرسمية الصادر في 19 سبتمبر 1913 وثيقة أنثربولوجية وقانونية استثنائية. من خلال قراءتنا التفصيلية لنصوصه، يتضح أننا لسنا أمام مجرد قرارات إدارية عابرة، بل أمام "ورشة مفتوحة" لإعادة صياغة الدولة المغربية في قالب الحداثة الرأسمالية والضبط الكولونيالي.
- في المجال العقاري والديني: لم تترك الإدارة الحامية قطاع "الأحباس" العملاقة على حاله من العشوائية، بل سارعت لتقنينه، وإدخال آليات السمسرة الرأسمالية والمزادات والأسعار التصاعدية فيه، محولة العقار الوقفي من مجرد أصول راكدة أو منهوبة إلى رافعة اقتصادية تدار بـ "الكنانيش" والدفاتر المحاسبية الصارمة.
- في المجال الأمني: أسس قرار تنظيم "البوليس العمومي" لأول قوة شرطية نظامية بزي موحد، وتراتبية عسكرية وإدارية دقيقة، ورواتب مقننة، مما مكن السلطة من بسط رقابتها من الموانئ إلى "الحانات"، جامعاً بين العنصرين الفرنسي والمغربي تحت سقف أوامر "الكوميسار".
- في مجالات الصحة والاستهلاك: عكست القرارات المتعلقة بتنظيم مهنة الطب ومحاربة الغش الغذائي وعياً مبكراً بضرورة إرساء "نظام صحة عامة" عصري، يحمي الوافدين الأجانب والمغاربة من دجالي الطب وباعة الطعام الفاسد، مع منح صلاحيات قوية للشرطة لإنفاذ هذه القوانين ومصادرة المواد المخالفة.
هكذا، وبصدور مثل هذه الأعداد من الجريدة الرسمية، كانت الإدارة الاستعمارية ترسي دعائم "المغرب الحديث"، مغرب مبني على القوانين الوضعية والمؤسسات المركزية المهيكلة والمكتوبة.
تحميل العدد 20 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
إرسال تعليق