قانون المعادن وأخبار الجنوب: قراءة في وثيقة تأسيسية نادرة 📜 الجريدة الرسمية للمغرب — العدد التاسع والثلاثون (1914)

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 

📅 تاريخ الإصدار: 30 يناير 1914 | 3 ربيع الأول 1332 هـ 🏛️ مكان الإصدار: الرباط — السنة الثانية من الجريدة الرسمية 📄 عدد الصفحات: 27 صفحة | أضخم أعداد هذه المرحلة

 

📋 فهرس المقال

  1. مقدمة: وثيقة تأسيسية في قانون المعادن المغربي
  2. السياق التاريخي: المغرب الباطني بين الثروة المعدنية والمطامع الأجنبية
  3. ظهير المعادن المدنية: أشمل تشريع معدني في تاريخ المغرب الحديث
  4. الضابط التفصيلي لتنظيم المعادن: قراءة في الفصول والأحكام
  5. ظهير المواد المفرقعة: تنظيم المواد الخطيرة
  6. السكنى للمعاونين الصحيين: استكمال منظومة الرعاية الميدانية
  7. قدوم السوسيين إلى مراكش: حراك اجتماعي كبير
  8. العمليات العسكرية في الجنوب: حصار أكادير وما بعده
  9. الحياة الاقتصادية: أسواق وأسعار وبنية تحتية
  10. أخبار المدن: الرباط والدار البيضاء وطنجة وتزنيت
  11. الأهمية التأسيسية للعدد التاسع والثلاثين في المنظومة القانونية المغربية
  12. خاتمة: قانون المعادن وإشكالية السيادة على الثروة الطبيعية

 

📖 أولاً: مقدمة — وثيقة تأسيسية في قانون المعادن المغربي

تُمثّل الجريدة الرسمية للمغرب في عددها التاسع والثلاثين الصادر في الثلاثين من يناير سنة 1914، الموافق للثالث من شهر ربيع الأول سنة 1332 هجرية، حالةً استثنائية في سلسلة هذه الأعداد الأسبوعية. فبينما اتسمت الأعداد السابقة بتنوع مضامينها وتوزّعها على موضوعات متعددة، يتميز هذا العدد بغلبة موضوع بعينه يحتل الجزء الأوفر من صفحاته السبع والعشرين: إنه ظهير المعادن المدنية بضوابطه المستفيضة وفصوله المتشعبة التي تُؤسّس للمرة الأولى في تاريخ المغرب الحديث لمنظومة قانونية شاملة تنظّم استكشاف الثروة المعدنية واستغلالها والتصرف فيها. وهذا الثقل الاستثنائي لموضوع المعادن في هذا العدد ليس مجرد تفصيل تشريعي عابر، بل هو إعلان صريح عن أحد أبرز المطامع الحقيقية التي كانت تُحرّك المشروع الاستعماري الفرنسي في المغرب: الثروة الطبيعية الكامنة في باطن الأرض المغربية.

تحميل العدد 39 لسنة 1914 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

يتّسم هذا العدد بضخامته الاستثنائية قياساً بأعداد سابقة، وهو ما يعكس حجم العمل التشريعي الهائل الذي تضمّنه في مجال واحد. فقانون المعادن المدنية الوارد فيه يحتوي على أبواب متعددة وعشرات الفصول التفصيلية التي تُغطي كل جانب من جوانب العمل المعدني من التنقيب والبحث إلى الاستخراج والبيع والنقل والمراقبة والعقوبات. ويُضاف إلى ذلك ظهير استيراد المواد المفرقعة وقرار بشأن السكنى للمعاونين الصحيين، فضلاً عن الأخبار غير الرسمية التي تنقل صورة حية عن أوضاع المغرب في مطلع تلك السنة المصيرية.

إن قراءة هذه الوثيقة بعمق وإمعان تُعيننا على فهم البُعد الاقتصادي-الاستراتيجي للاستعمار الفرنسي في المغرب فهماً أكثر دقةً ومصداقية، وتُجيبنا على سؤال جوهري: ماذا كان يريد الاستعمار من المغرب فعلاً؟ والجواب في جزء كبير منه يكمن في صفحات هذا العدد الضخم من الجريدة الرسمية.

🕰️ ثانياً: السياق التاريخي — المغرب الباطني بين الثروة المعدنية والمطامع الأجنبية

⛏️ الثروة المعدنية المغربية: إغراء لا يُقاوَم

قبل أن نُقبل على قراءة نصوص ظهير المعادن المدنية بتفاصيله الدقيقة، لا بد من استحضار الحقيقة الاقتصادية الكبرى التي كانت تُشكّل أحد الدوافع الخفية الأعمق للتدخل الأوروبي في المغرب: الثروة المعدنية الهائلة الكامنة في باطن أرضه. فقد كان المغرب يمتلك احتياطيات ضخمة من الفوسفات الذي سيُكتشف بكميات تجارية بعد سنوات، ومن الرصاص والزنك والفضة والكوبالت والمنغنيز والحديد والنحاس في مختلف مناطقه الجبلية والسهلية.

كانت تقارير المستكشفين والجغرافيين الأوروبيين في نهاية القرن التاسع عشر تتحدث بوضوح عن هذه الثروات المعدنية الكامنة وتُشير إلى إمكانات استغلالها الهائلة في حال أمكن الوصول إليها. وقد كانت هذه التقارير تُغذّي شهية الشركات والمستثمرين الأوروبيين وتدفعهم إلى الضغط على حكوماتهم من أجل إرساء نفوذها على المغرب بأي وسيلة ممكنة. ومن ثمّ، جاء قانون المعادن المدنية الوارد في هذا العدد تجسيداً قانونياً صريحاً لهذا المطمع الاقتصادي العميق.

🗺️ الإطار الدولي: مؤتمر الجزيرة وحق الاستغلال

لا يمكن فهم قانون المعادن المغربي لسنة 1914 بمعزل عن المرجعية الدولية التي يستند إليها صراحةً في مقدمته، وهي مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906. فقد أقرّ هذا المؤتمر بمبدأ الباب المفتوح الذي يُسوّغ للرعايا الأجانب الاستثمار في الموارد المغربية بشروط تفضيلية. ومن الناحية العملية، كان هذا يعني أن الشركات الفرنسية والبلجيكية والبريطانية والإسبانية ستتنافس على الحصول على امتيازات التنقيب والاستخراج في أراضٍ كانت حتى وقت قريب مقفلة أمام الأجانب.

وقد جاء ظهير المعادن المدنية ليُرتّب الحقوق والالتزامات في هذا الميدان ترتيباً قانونياً دقيقاً يضمن من جهة حقوق الدولة المغربية في الثروة الطبيعية، ومن جهة أخرى يُوفّر الضمانات القانونية الكافية للمستثمرين الأجانب لتشجيعهم على الإقدام وضخ رؤوس أموالهم في القطاع المعدني المغربي الناشئ.

 

⚖️ ثالثاً: ظهير المعادن المدنية — أشمل تشريع معدني في تاريخ المغرب الحديث

📜 الظهير والضابط: نص مؤسِّس

يفتتح الجزء الرسمي من العدد التاسع والثلاثين بظهير شريف يتعلق بضوابط المعادن المدنية في المغرب، يُعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعزّ أمره إننا بحول الله وقوته نظراً لما يلزم استعماله من الوسائل لأجل التمكّن من استخراج الكنوز المدنية الموجودة بإيالتنا الشريفة والاستفلال بها وما اقتضاه الحال من ضبط البحث عنها والانتفاع بها، أصدرنا أمرنا بما يأتي.

تُكشف هذه الديباجة الرسمية عن شيئين دالّين: أولاً، التأطير الديني والملكي للقرار من خلال استحضار إرادة الله وقوته وإرادة السلطان، وثانياً الاعتراف الضمني بأن الاستغلال المعدني بحاجة إلى إطار قانوني منظّم لضمان الاستفادة المُثلى من هذه الثروات. وبهذا يُقدّم الظهير نفسه في قالب مصلحة وطنية لا في قالب تنازل أو رضوخ للضغوط الاستعمارية.

يُشير الظهير أيضاً إلى أن الضابط التفصيلي حدثت أسبابه قبل نشر الظهير الشريف المتعلق بالمقاطع المدنية كما هو مبيّن في نسخة الظهير الشريف بالطابع الكبير نصّه. ثم ينتهي الظهير بتوقيع ليوطي المقيم العام وتاريخ الرابع والعشرين من يناير 1914 بالرباط.

🏗️ هيكل التشريع المعدني وفلسفته

قبل الغوص في تفاصيل فصول هذا القانون الرائد، لا بدّ من استيعاب فلسفته التنظيمية العامة. فالضابط ينبني على مبدأين جوهريين:

الأول: أن باطن الأرض المغربية هو ملك الدولة وليس ملك صاحب السطح، وهو مبدأ قانوني حديث يُعدّ قطيعةً مع بعض العرف التقليدي المغربي الذي كان يمنح صاحب الأرض حقوقاً واسعة على كل ما فيها من ظاهر وباطن.

الثاني: أن الاستغلال المعدني مشروط بالحصول على إذن صريح من الدولة ممثلةً في إدارة المناجم المدنية، سواء كان الباحث من رعايا المخزن أو من الأجانب.

وهذا التأسيس المزدوج يجعل من الدولة المشغّل الأعلى والحكم الأوفق بين مصالح المستثمرين ومقتضيات الأمن العام والمحافظة على الثروة الوطنية. وإن كان المحلل التاريخي النقدي يُدرك أن "الدولة" في هذا السياق كانت إدارة الحماية الفرنسية لا الدولة المغربية المستقلة.

📋 رابعاً: الضابط التفصيلي — قراءة في فصول القانون المعدني

🔍 الباب الأول: الشروط العمومية وتعريف المعادن المدنية

يُخصّص الباب الأول من الضابط لتعريف المواد التي تعتبرها الدولة "معادن مدنية" خاضعة لأحكام هذا التشريع، وهو تعريف دقيق ومفصّل يكشف عن عمق الدراية التقنية الجيولوجية التي استُعين بها في صياغة هذا القانون.

تُصنّف الجريدة المواد المعدنية في ستة أصناف رئيسية:

أولاً: الحجر الذي يستخرج منه معدن واحد أو معادن مختلطة، وهو ما يشمل خامات الحديد والنحاس والقصدير والرصاص والزنك وسائر المعادن الفلزية.

ثانياً: الحجر الذي يستخرج منه الكبريت أو الزرنيخ أو يختلط بالمعادن المذكورة.

ثالثاً: الملح القابل للذوبان أو الملح المختلط بالمعادن، وهو صنف ذو أهمية اقتصادية بالغة نظراً للاستخدامات الصناعية والغذائية المتعددة للملح.

رابعاً: أنواع المعادن المدنية التي تشبه الرصاص وأنواع الفحم المدني، مع استثناء الفحم البقطي وأنواع الفحم المائي الغير مختلط.

خامساً: أنواع التراب النفيس مثل الذي يعبّر عنه بالفرنساوية بـ"زر كنيم وتريم" وأنواع اليطرون وأنواع الملح المركّب وأنواع الغبار المعدني وأنواع الملح الحيدراني وأنواع الملح القلي وأنواع الملح المركّب.

سادساً: أنواع الغيار المعدني وأنواع المياه الموجودة تحت الأرض والملح الحيدراني ويمكن استخراج الملح منها.

سابعاً: أنواع الصياغة والصناعة.

ثامناً: العيون والمياه المالحة الموجودة تحت الأرض التي يمكن استخراج الملح منها.

ثم يستثني الضابط من هذه القائمة المواد التي لا تُعدّ معادن مدنية وإنما تخضع لنظام البحث والاستغلال وهي: الحجر المعدني البقطي وأنواع الفحم المائي والمعادن الغير مخدومة عدا معدن الذهب.

💡 ملاحظة قانونية: هذا التصنيف التفصيلي للمعادن يُجسّد مرحلة متقدمة من التفكير التشريعي المعدني، إذ يتجاوز التعريف العام المبهم نحو التحديد الدقيق الذي لا يترك مجالاً للتأويل. وهذه الدقة التعريفية هي سمة مميزة للقانون الفرنسي المُلهِم لهذا الضابط، والذي يرفض التعابير المطاطة التي قد تُثير نزاعات تفسيرية مستقبلية.

📝 الباب الثاني: رخص البحث والاستغلال وشروطها

يُنظّم الباب الثاني نظام الرخص بتفصيل دقيق يُغطّي كل مراحل العمل المعدني من البحث الأولي إلى الاستغلال الكامل. وتنقسم الرخص إلى نوعين أساسيين:

رخصة البحث: وهي الرخصة التي تُمنح في بادئ الأمر للباحث الراغب في التنقيب عن المعادن في مساحة محددة. وتُعطى رخص البحث عن المناجم المدنية لكل أحد في منطقة الحماية الفرنسوية لكن لا تُقبل مطالب الشركة إلا إذا كانت مصحوبة بالأوراق الدالة على صحة انعقادها.

وتُحدّد المساحة المخصّصة لرخصة البحث بدقة هندسية بالغة: الحدود المذكورة هي عبارة عن قطعة أرض مربعة الشكل تُعرف أولاً بمركزها وثانياً بإضلاعها باتجاه الشرق والغرب والضلع الصغير. ويُبيّن صاحب الرخصة طول الاضلاع المذكورة في النسخة المذكورة بحسب متر مربع للمائة وخمسين متر للمائة. وإذا ظهر في البحث حين الاطلاع أن المطلب الذي تقدم غير واضح وواسع فإن المساحة المذكورة لا تُعدّ قابلة للطلب بحيث لا يُعدى مطلب متأخّر صاحب المطلب الأخير في أي وقت كان.

رخصة الاستغلال: وهي الرخصة الأعلى درجةً التي تُتيح لصاحبها مباشرة استخراج المعادن فعلياً وبيعها وتحقيق الربح منها. وتُمنح رخصة الاستغلال بظهير شريف وتُحدد المدة وتضمن لصاحبها الحقوق المخوّلة له بالباب الثاني والثالث من هذا الظهير. وتصحّ الرخصة لمدة ثلاث سنوات مسيحية ومن تاريخ حيازتها صاحبها رخصة الاستغلال في هذه المساحة المذكورة إلا بعد ثلاث سنوات أخرى.

 

💰 الباب الثالث: الاستغلال في المناجم المدنية وضرائبها

يُعدّ الباب الثالث من أكثر أجزاء الضابط عملية ودلالة من الناحية الاقتصادية، إذ يُنظّم نظام الضرائب والإتاوات المرتبطة بالنشاط المعدني. والنظام الضريبي المعتمد هو نظام مزدوج يجمع بين:

ضريبة الاستغلال السنوية: يجب على صاحب الرخصة أن يدفع سنوياً ضريبة قدرها عشرون سنتيماً على كل عشرة آلاف متر مربع من المساحة الداخلة في الرخصة في الفصل الثاني وعلى كل حال فلا تكون الضريبة السنوية أقل من ثلاثمائة فرنك وتدفع رخصة الاستغلال كل رخصة وتدفع سلفاً وإن تأخّر الدفع فادارة المناجم تلزم الرخصة بالدفع.

ضريبة المخرجات: تجعل الضريبة الآتية على المعادن المستخرجة من الإيالة المغربية من الأيالة المغربية لتدفع لاعوان الديوانة عند خروج المعادن المذكورة من الإيالة المغربية في البر فعلى كل المواد المدنية الغير مخدومة ثلاثة في المائة بحساب قيمتها وعلى كل المعادن الغير مخدومة المستخرجة من المعادن المختلطة بحساب قيمتها في المائة وعلى الذهب عشرة في المائة وتعيين الديوانة تعيين مراكز المدن المتحدة في الفصل الثاني والثلاثين.

📊 جدول نظام الضرائب المعدنية:

نوع الضريبة

المادة الخاضعة

النسبة أو المقدار

ضريبة سنوية

كل 10,000 متر مربع

20 سنتيما

حدّ أدنى للضريبة السنوية

كل رخصة

300 فرنك

ضريبة مخرجات (معادن مدنية)

عند التصدير

3% من القيمة

ضريبة خاصة بالذهب

عند التصدير

10% من القيمة

ضريبة المعادن المركّبة

عند التصدير

نسبة مئوية بحسب القيمة

⚖️ الباب الرابع: لجنة التحكيم — جهاز قضائي متخصص

تُمثّل اللجنة التحكيمية المنصوص عليها في الباب الرابع من الضابط ابتكاراً مؤسسياً مثيراً للاهتمام. فقد رأى المشرّع ضرورة إنشاء جهاز قضائي متخصص للفصل في النزاعات المعدنية التي تتطلب معرفة تقنية خاصة لا يمتلكها القضاء العادي.

يجب على كل شركة أو على كل شخص أن تعرض دعواها على اللجنة التحكيمية المركّبة من الحكام المباشرين للخدمة أو المتقاعدين عنها يعيّنه ملك الترفيج، ومن رعيته وهذا المحكم يكون هو الحاكم بين أعضاء اللجنة وإذا انقسموا إلى قسمين متساوين ومن عضو يعيّنه المخزن ومن عضو يعيّنه من الدول كل دولة تعيّنه كل من أدعى امام تلك اللجنة كل من ادعى له بحقوق أو كان بيده رسوم أو له دعوى والكل يراجع للمعادن ونحوه ثانياً عن أسباب حدثت قبل نشر الظهير الشريف.

تتشكّل هذه اللجنة من ثلاثة أعضاء على الأقل: ممثل للسلطة الفرنسية، وممثل للمخزن المغربي، وممثل من الدول المعنية بالنزاع. ويُصوّت الأعضاء بالأغلبية ويصدر الحكم التحكيمي المُلزِم للجميع.

وما يُلفت الانتباه في تشكيل هذه اللجنة هو التوازن الظاهري بين المصالح الفرنسية والمغربية والدولية، في حين أن الكفة الفرنسية كانت تميل فعلياً نحو الهيمنة بحكم موقعها في السلطة التنفيذية التي كانت تُنفّذ الأحكام وتُشرف على المؤسسة برمّتها.

🔒 الباب الخامس: العقوبات — ردع المخالفات المعدنية

لا قيمة لأي قانون بلا جهاز عقابي رادع، وقد أدرك المشرّع هذه الحقيقة فأفرد الباب الخامس للعقوبات المترتبة على مخالفة أحكام الظهير. وتتدرج هذه العقوبات من الغرامات المالية المتواضعة إلى السجن وإلغاء الرخصة:

كل من ارتكب مخالفة غير ما ذُكر فيُعاقب بذعيرة قدرها من عشرين فرنكاً إلى خمسمائة فرنك وإن تكرّر منه الفعل فيُعاقب بذعيرة قدرها من أربعين فرنكاً إلى مائة فرنك. أما المخالفات الجسيمة فعقوبتها أولاً: السجن من ثلاثة أشهر إلى عام واحد أو باحدى العقوبتين فقط. وثانياً: يسجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات أو باحدى العقوبتين فقط.

والأشد خطورةً هو إبطال الرخصة، الذي يعني نهاية المشروع المعدني برمّته. فلأرباب الرخصة في رفضها في كل وقت بمجرد اعلام ادارة المناجم بذلك لكن لا يبقى له حق في استرجاع الضرائب التي دفعها ويعتبر رفض الرخصة نافذاً من تاريخ وصول الجواب المذكور له أو من تاريخ رفضها عند سقوطها أو انتهاء أجلها ويجب على رب الرخصة أن يُزيل العلامة الموضوعة بمركز المساحة المذكورة.

 

💥 خامساً: ظهير المواد المفرقعة — تنظيم المواد الخطيرة

يُكمل ظهير المواد المفرقعة الصورةَ التشريعية للعدد التاسع والثلاثين بتنظيم تدفق المواد المتفجرة والخطيرة إلى البلاد. فقد جاء في الظهير الشريف في شأن جلب المواد المفرقعة: نسخة من ظهير شريف يوسفي علوي منيف بالطابع الكبير. يُعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعزّ أمره أننا تقتضيه المصلحة العمومية لوضع قواعد بشأن المواضع المعدّة لخزن المواد المفرقعة وبيعها وجلبها للمملكة الشريفة والاستفادة بها.

🧨 ما هي المواد المفرقعة؟

يُعرّف الظهير المواد المفرقعة بصورة جامعة تشمل: البارود والمتفجرات والديناميت والتوربيدو والمواد التي تُستخدم لأغراض الحرب أو للنسف والهدم في أعمال البناء أو للنزهة أو للصناعة. ويُحدد الظهير بوضوح أن هذه المواد لا يمكن جلبها إلى الإيالة الشريفة إلا بإذن من المخزن وبحسب القواعد التي تقررها إدارة الاشغال العمومية. ولا تُنقل المواد المجلوبة من موضعها إلى الأرض إلا بإذن الديوانة.

🔐 أهمية هذا التشريع في سياقه التاريخي

تُكتسب دلالة ظهير المواد المفرقعة من السياق التاريخي الذي صدر فيه. فالمغرب كان يشهد في تلك الفترة عمليات عسكرية مستمرة لقمع المقاومة المسلحة، وكانت المتفجرات أداةً أساسية في عمليات التعدين التي بدأت إدارة الحماية تُخطط لها. ومن ثمّ، كان التحكم في تداول هذه المواد الخطيرة ضرورةً أمنية من جهة واستراتيجية من جهة أخرى، إذ تضمن للدولة الفرنسية السيطرة على من يملك المتفجرات ومن يستخدمها ولأي غرض.

ولا يخفى أن احتكار المواد المفرقعة كان يُوفّر لإدارة الحماية رافعةً للسيطرة على النشاط المعدني كلّه، لأن استغلال معظم المناجم يقتضي حتماً استخدام كميات كبيرة من المتفجرات لتكسير الصخور وفتح الأنفاق وتهيئة البيئة للعمل المعدني.

🏥 سادساً: السكنى للمعاونين الصحيين — استكمال منظومة الرعاية

في سياق أخف وطأةً من ضخامة قانون المعادن، يتضمن العدد التاسع والثلاثون قراراً لافتاً من الصدر الأعظم يتعلق بتعويضات السكن للمعاونين الأهليين في إدارة الصحة والإعانة الطبية العمومية. يقول القرار: نسخة قرار من الصدر الأعظم في أعطاء تعويضات السكنى للمعاونين الأهليين بادارة الصحة والإعانة الطبية العمومية. وقد صدر هذا القرار استناداً إلى الظهير الشريف المؤرخ بالثامن عشر من إبريل سنة 1913 المتعلق بإجراء العمل بالضابط بالثامن عشر من إبريل سنة 1913 المتعلق بإجراء العمل بالضابط بالرابع عشر من جمادى الثانية المؤرخ للرابع والعشرين من مايو سنة 1913 للاشتغال بخدمة الصحة والاعانة الطبية العمومية بالمغرب ونظراً لما في الفصل العشرين من الضابط المذكور من الضابط المذكور فرردنا ما يأتي: يُنفَّذ هذا القرار من يوم نشره بالجريدة الرسمية للدولة الشريفة. تتمّمها لكل معاون غير متزوج وقدره خمس وعشرين بسيطة حسنية لكل معاون متزوج.

يُكمل هذا القرار مسيرة البناء التدريجي لمنظومة الصحة العمومية التي رصدنا بداياتها في العدد الثامن والثلاثين. فبعد أن أُسّست الفرق الصحية النقالة وحُدّدت مهامها ومناطق عملها في العدد السابق، جاء هذا القرار ليُعالج قضية السكن التي كانت تُشكّل عائقاً عملياً أمام استقرار العاملين في هذا القطاع. والتمييز بين المعاون المتزوج وغير المتزوج في تحديد مقدار تعويض السكن يعكس منهجاً اجتماعياً يُراعي الأعباء الأسرية ويُقرّ بالواجب الاجتماعي للمؤسسة تجاه موظفيها.

 

🚶 سابعاً: قدوم السوسيين إلى مراكش — حراك اجتماعي ذو دلالة عميقة

👥 السوسيون: هوية وتاريخ

يُخصّص القسم غير الرسمي من الجريدة مساحةً واسعة لظاهرة اجتماعية بارزة تعرفها مراكش في تلك الفترة، وهي قدوم السوسيين من منطقة سوس الجنوبية إليها بأعداد كبيرة. والسوسيون هم ساكنة منطقة سوس الواقعة جنوب جبال الأطلس الكبير، من الأمازيغ الذين كانت تجارتهم ولا سيما تجارة السكر والشاي والزيت والأدام مضرب المثل في المغرب.

تُشير الجريدة إلى أن الحركات الحربية ضدّ قبيلة القسيمة التي جرت في ستة عشر دسمبر عام 1913 حول أكادير كانت نتيجتها تفريق الجموع التي كانت مجتمعة حول ذلك المحل. ومنذ النصف الثاني من شهر دسمبر ابتدأ السوسيون بالهبوط إلى أكادير وإلى فنطي وفي كل ساعة يصل جمهور منهم إلى المراكز الأمامية وطلب الخدمة والارتزاق. وقد استخدم منهم ثلاثمائة عامل بتفريغ الباور السركسي.

🌊 دلالة الهجرة: بين الجذب والطرد

إن ظاهرة قدوم السوسيين إلى مراكش في تلك الفترة تحمل في طياتها قراءة اجتماعية-اقتصادية معمّقة. فمن جهة الطرد، كانت العمليات العسكرية الفرنسية في الجنوب تُعطّل أنماط الحياة التقليدية وتُشرّد السكان وتُقوّض اقتصاديات القبائل القائمة على الرعي والتجارة والزراعة. ومن جهة الجذب، كانت مراكش في عهد الحماية تُشهد نشاطاً اقتصادياً متصاعداً بفعل المشاريع الأوروبية الكبرى التي كانت بحاجة دائمة إلى أيدٍ عاملة.

وهكذا تحوّل المغرب الجنوبي من مجال اقتصادي متكامل ذاتياً إلى سوق للعمالة الرخيصة التي تُغذّي مشاريع البنية التحتية الاستعمارية. وهذا التحوّل البنيوي كان من أشد نتائج الاستعمار إيلاماً على المجتمعات القبلية التي اعتاشت لأجيال على نمط إنتاجي مستقل ومتوازن.

 

⚔️ ثامناً: العمليات العسكرية في الجنوب — حصار أكادير وما بعده

🗺️ الجنوب المغربي: جبهة مفتوحة

يكشف قسم غير الرسمي من هذا العدد عن جانب من الصورة العسكرية في المغرب كانت الأعداد السابقة قد أشارت إليه بتحفّظ. فالجنوب المغربي وتحديداً منطقة سوس وأكادير وتزنيت كانت لا تزال تشهد مقاومةً مسلحة حقيقية رفضت الإذعان لسلطة الحماية.

تُشير الجريدة إلى أن الحركات الحربية ضد قبيلة القسيمة كانت نتيجتها تفريق الجموع حول أكادير، وهي صياغة دبلوماسية ناعمة تختار تسمية ما جرى "حركة حربية" لا "عمليات قمع مسلحة". غير أن المدقّق يُدرك أن قدوم ثلاثمائة سوسي للعمل في تفريغ الباخرة السركسية في مرسى أكادير يُعني أن القبائل الجنوبية وجدت نفسها أمام خيارات صعبة: إما المقاومة المسلحة التي يزداد ثمنها قياساً بضعف إمكاناتها، وإما الاندماج في الاقتصاد الاستعماري عمالاً يومية بأجور زهيدة.

🏰 تزنيت: التحسينات الفنية ومشاريع البنية التحتية

تُخبرنا الجريدة بأن الأشغال الجارية في تزنيت تدور حول تحسين الترايبور الجزائري والترايبور المغربي في جوار الآبار القديمة. وقد عُمِّقت فيها الآبار وأُمر عامل أكادير بإجراء التنظيفات في القرية المذكورة وحفر الحنادق للمياه الواسعة. ويُشير التقرير إلى أنهم يشتغلون الآن بتحسين الترايبور الجزائري والتراييبور المغربي في جوار الآبار القديمة وقد عمّقت فيها الآبار وجعل فيها لمياه الحنادق المذكورة.

تُجسّد هذه الأشغال في تزنيت نمطاً معروفاً في إستراتيجية ليوطي العسكرية: "الورشة بدل المعركة"، أي استخدام مشاريع البنية التحتية أداةً للسيطرة وكسب التأييد في المناطق التي أُخضعت عسكرياً حديثاً. فبناء الآبار وتحسين الطرق كان يُقنع السكان المحليين بفوائد الحضور الفرنسي الملموسة ويُضعف الحوافز للعودة إلى المقاومة.

 

📈 تاسعاً: الحياة الاقتصادية — أسواق وأسعار وبنية تحتية

🌾 أسعار الحبوب في مراكش: الغلاء المتصاعد

تُقدّم الجريدة في هذا العدد أرقاماً دقيقة عن أسعار الحبوب في مراكش، وهي أرقام تكشف عن تضخم حادّ في أسعار الغذاء. فقد بلغ ثمن الحبوب بمراكش مبلغاً فاحشاً وهذه الأثمان الأخيرة:

📊 جدول أسعار الحبوب في مراكش (يناير 1914):

الصنف

السعر (المائة كيلو)

ملاحظة

الشعير

50 بسيطة

ارتفاع ملحوظ

الدرا

83.50 بسيطة

أعلى من المعتاد

الجلب

82.40 بسيطة

قياسي

القول

47.50 بسيطة

مرتفع

وكان معدل التغرب بين الحسني والفرنك 4.33 في المدينة.

تُشير هذه الأسعار إلى حالة من الضغط الشرائي الشديد على الطبقات الفقيرة في مراكش، خاصةً أن الجريدة في العدد السابق كانت قد أشارت إلى ارتفاع أسعار الحبوب هناك. ويُشير هذا الاستمرار في الارتفاع إلى أن الأزمة الغذائية لم تكن موسمية عابرة بل كانت بنيوية مُزمنة مرتبطة بتداعيات الاستعمار على الاقتصاد الزراعي المغربي.

🏪 سوق أكادير: حركة تجارية ناشطة

تُعطينا أخبار سوق أكادير في الاسبوع الثاني من يناير صورةً بانورامية عن الحركة التجارية في الجنوب المغربي رغم الأوضاع الأمنية المتوترة. فقد غصّ السوق بالوطنيين لوافدين عليه وأربلو وأكلو ومن تربلت وحملوا إلى السوق محصولاتهم وهي الزيت والادام والاغنام والدجاج وكانت الأثمان متهاودة ومن المأمول أن تروج التجارة في سوق أكادير.

إن هذا المشهد السوقي النابض بالحياة يُبيّن أن الاقتصاد التقليدي لجنوب المغرب لم يتوقف رغم الأحداث العسكرية، وأن الناس كانوا يُحاولون الاستمرار في حياتهم وتجارتهم بحثاً عن الرزق وتأميناً للاحتياجات اليومية.

🚢 مرسى الرباط: تحديات الملاحة

يرصد تقرير مرسى الرباط في هذا العدد الصعوبات الجمّة التي تُواجه الملاحة البحرية في مدخل نهر أبي رقراق. فقد جاء أنه بعد سنوح طويل في شهر دسمبر عام 1913 ودخول الواداي إلى المرسى هاج البحر في يناير ووقفت الحركة بالميناء ولم يدخل إلى البورقراق الا ثلاث مراكب ولم يدخل من شركة باكي تورفيل الا مركب شراعي بخاري، وتنزّفت من شركة مازله اغدا مركب شراعي بخاري.

يكشف هذا الخبر عن المحدودية الكبيرة لميناء الرباط القائم على مصبّ النهر، والتي كانت تجعله غير قادر على استيعاب حركة بحرية منتظمة ومضمونة على مدار السنة. وقد كان هذا أحد أبرز الأسباب التي دفعت الفرنسيين إلى الاستثمار في تطوير ميناء الدار البيضاء الأطلسي المفتوح بوصفه بديلاً ومكملاً لميناء الرباط المحدود الطاقة.

 

🏙️ عاشراً: أخبار المدن — الرباط والدار البيضاء وطنجة وتزنيت

🏛️ الرباط: تأسيس صندوق التوفير وفرع الكوناج

يحمل هذا العدد خبرين مهمين متعلقين بمدينة الرباط العاصمة:

أولاً: فرع صندوق التوفير: تُعلم الجريدة بافتتاح فرع من صندوق التوفير الوطني بالرباط منذ أول يناير عام 1914 وهذا الفرع يخدم المنطقة الفرنساوية بالإيالة الشريفة، فالذين يدهم كتب تحاويل على الصندوق المذكور من فرنسا أو الجزائر أو تونس يمكنهم استخدام تلك الكتب المعطاة بالأداء عليها بدون أدنى نفقة من فرع الرباط الجديد. ويؤكد التقرير أن الفرع الأجنبي الذي يكون خادماً لهذه الامور بالدار البيضاء قد حذف والكتب المعطاة توصيلاً من ذلك الفرع يمكن تبديلها بدون أدنى نفقة من فرع الرباط الجديد.

يُعلن افتتاح فرع صندوق التوفير عن بُعد اجتماعي لافت في السياسة المالية لإدارة الحماية. فصندوق التوفير أداةٌ لتجميع المدخرات الصغيرة للأفراد وحمايتها من التضخم وتوجيهها نحو النظام المالي الرسمي. وإنشاء فرع للصندوق في الرباط يعني في الواقع ربط المدخرات المغربية بالنظام المالي الفرنسي بصورة مُؤسَّسة.

ثانياً: الكوناج ووضع السلع: تُشير الجريدة إلى نسخة قرار من الصدر الأعظم بتولية مكلّف بحساب الكوناج لوضع السلع بالرباط، بمقتضى القرار الوزيري المؤرخ بأول دسمبر سنة 1913 الموافق للثاني من محرم عام 1332 بشأن تأسيس الصناديق المعدة لتسبيق الدراهم لادارة الاشغال العمومية. وتُبيّن هذه الوثيقة الفرعية أن الكوناج أي نظام إيداع البضائع وتخزينها بشكل رسمي ومضمون قد صار ينشط في الرباط ويتطلب تعيين مسؤول متخصص.

🌊 نقل البضائع بالاتوموبيل بين الدار البيضاء والرباط

يُتابع العدد الأخبار الاقتصادية بتقرير عن خدمة نقل البضائع بالسيارات بين مدينتَي الدار البيضاء والرباط. فقد جاء أن تندشين نقل البريد بواسطة الاتوموبيل بين الدار البيضاء والرباط المتح الفتح في 15 يناير، وقد كانت العربة الاولى التي نقلتهم البوسطة شاءت الى اميامها على طريق وكان فيها ستة ركاب ووصلت الى الدار البيضاء في خلال أربع ساعات و12 دقيقة. ورغماً عن أن الطقس لم يتحسن فلم يمنع ذلك العربات الاتوموبيل من نقل البريد حتى اليوم.

يكشف هذا الخبر عن قفزة نوعية في شبكة النقل البريّ بين المدن الكبرى. فالمسافة بين الدار البيضاء والرباط التي كانت تستغرق يوماً كاملاً على الأقل بالحصان أو البغل، باتت تقطعها السيارة في أربع ساعات. وهذا الاختصار الجذري في زمن التنقل كان يعني تسريع دوران رأس المال وتكثيف شبكة الاتصالات التجارية بين عاصمة المال (الدار البيضاء) وعاصمة الإدارة (الرباط).

🤝 مساعدة الوطنيين بالدار البيضاء: بذور الحوكمة المحلية

يُورد العدد خبراً اجتماعياً لافتاً من الدار البيضاء: بعد اتفاق رئيس اشغال البلدية بالدار البيضاء مع أعيان المسلمين أنشأ مجلس هنالك للمساكن الوطنيين يتجاءون إليه ويفتاتون منه. يُشير هذا الخبر إلى محاولة لإشراك الوجاهة المحلية المغربية في إدارة شؤون المدينة من خلال إنشاء مجالس استشارية للمواطنين. وإن كانت هذه المجالس تفتقر إلى صلاحيات تنفيذية حقيقية، فإن مجرد وجودها كان يُمثّل إقراراً ضمنياً بحق المغاربة في التعبير عن مطالبهم وإيصال أصواتهم إلى إدارة الحماية.

📊 ميزانية مدينة طنجة: أرقام وحقائق

يُقدّم العدد التاسع والثلاثون بيانات مالية تفصيلية عن ميزانية مدينة طنجة لعام 1914. فقد فحص المجلس البلدي الطنجي في جلسته الواقعة في الثالث والعشرين من يناير تحت رئاسة المسيو فيليبي قنصل فرنسا لائحة النفقات التي قدمت له والتي تبلغ قيمتها 470164 بسيطة حسنية وما زال بصندوق المجلس مبلغ 29440 بسيطة منها 11466 في البنك المخزني و179882 في أمانة أمين الصندوق. وقد قيل بين تلك الجلسة رئيس الجلسة السيد علي ذكي أن الجمعية قد وضعت خمسمائة وخمسين ألف فرنك لأجل نشل الماء البحرية للمدينة وللمجاري الحارة وامور صحية اخرى. والظاهر أن هذه القيمة كافية لتلك الامور الصحية.

تُعكس هذه الأرقام المالية حجم الاستثمار في البنية التحتية لمدينة طنجة ذات الوضع الدولي الخاص، وتُبيّن أن أولوية الصرف كانت تنصبّ على مشاريع الصحة العمومية كالمياه والصرف الصحي. وهو ما يُقارب في منطقه الاستثمارات الصحية في الرباط والدار البيضاء التي رأيناها في الأعداد السابقة.

 

🔬 حادي عشر: الأهمية التأسيسية للعدد التاسع والثلاثين في المنظومة القانونية المغربية

📚 البُعد التشريعي: قانون المعادن أساساً للتشريع المعدني اللاحق

لا يمكن تقدير الأهمية التاريخية الحقيقية لقانون المعادن المدنية الوارد في هذا العدد دون الأخذ بعين الاعتبار مسار التشريع المعدني المغربي على المدى البعيد. فهذا القانون يُمثّل اللبنة التأسيسية الأولى لمنظومة قانونية ستتطور وتتشعب وتنضج عبر عقود من الزمن، وستُشكّل الإطار التنظيمي لاستغلال ثروات المغرب المعدنية حتى مراحل متأخرة من القرن العشرين.

فالمبادئ القانونية التي أرساها هذا الضابط ظلّت مرجعاً في التشريع المعدني المغربي: من مبدأ ملكية الدولة لباطن الأرض، إلى ضرورة الترخيص المسبق للاستغلال، مروراً بنظام الرسوم والضرائب المعدنية وصولاً إلى آلية التحكيم في النزاعات. كل هذه المبادئ ستُكرَّس في التشريعات اللاحقة وإن بصياغات أكثر حداثةً ودقةً.

والأهم من ذلك أن هذا القانون رسم الحدود الأولى بين ما هو "ملك عام" باطن الأرض وما هو "ملك خاص" سطحها، وهو تمييز قانوني بالغ الأهمية أعاد صياغة علاقة الملكية في المغرب على نحو جذري.

🌍 البُعد الجيوسياسي: السيادة على الثروة في ميزان الحماية

يكشف قانون المعادن عن إشكالية جيوسياسية عميقة في قلب نظام الحماية: من يملك الثروة المعدنية المغربية حقاً؟ فالنص الرسمي يقول إنها ملك الدولة المغربية المتمثلة في السلطان. لكن الواقع العملي كان يقول شيئاً مختلفاً تماماً: فالشركات التي ستحصل على رخص البحث والاستغلال كانت في معظمها شركات فرنسية أو ذات رؤوس أموال أوروبية، والإدارة التي ستُشرف على التطبيق كانت إدارة الحماية الفرنسية، والقضاء الذي سيفصل في النزاعات كانت يخضع في جوهره للتوجه الفرنسي.

ومن ثمّ، فإن قانون المعادن، مهما بدا رسمياً شريفياً مغربياً في صياغته، كان في حقيقته عملية استيلاء قانونية ناعمة على الثروة المعدنية المغربية لصالح رأس المال الأوروبي، وبالأخص الفرنسي منه. وقد تجلّت ثمار هذا الاستيلاء لاحقاً حين بدأت الشركات الفرنسية تستغل مناجم الفوسفات والرصاص والزنك والحديد بعائدات ضخمة لم يذهب إليها من الثروة المغربية سوى الفتات.

🗣️ البُعد اللغوي: الضابط وتحديات التعريب التقني

يمثّل نص ضابط المعادن المدنية تحدياً لغوياً استثنائياً للكاتب العربي المغربي. فالمصطلحات التقنية الجيولوجية والقانونية التي يتضمّنها لا وجود لها في القاموس العربي التقليدي، مما اضطرّ الكتّاب إلى اعتماد استراتيجيات متنوعة للتعامل مع هذا الفراغ المصطلحي: منهم من لجأ إلى التعريب المباشر للمصطلحات الفرنسية كـ"يطرون" و"حيدراني" و"بقطي"، ومنهم من اعتمد الترجمة الوصفية كـ"أنواع التراب النفيس" في مقابل المصطلحات التقنية الفرنسية.

وهذا التنوع في استراتيجيات التعريب ليس ظاهرةً لغوية بسيطة، بل هو مؤشر على عمق الهوّة بين القاموس الحضاري الإسلامي التقليدي والمتطلبات الاصطلاحية للحداثة التقنية الغربية. وقد كان هذا التحدي اللغوي حاضراً في كل مجالات التحديث الاستعماري، لكنه وجد في قانون المعادن التقني تجليّاً خاصاً ومُكثَّفاً.

 

🏁 ثاني عشر: خاتمة — قانون المعادن وإشكالية السيادة على الثروة الطبيعية

يختم العدد التاسع والثلاثون من الجريدة الرسمية المغربية أسبوعاً آخر من تاريخ مغرب سنة 1914 بما يُشبه الإعلان الصريح عن حقيقة المشروع الاستعماري في أبعاده الاقتصادية العميقة. فإذا كانت الأعداد السابقة قد رصدت جوانب الإدارة والضرائب والصحة والبنية التحتية، فإن هذا العدد يذهب مباشرةً إلى قلب المسألة: من يسيطر على باطن الأرض المغربية؟ ومن سيُديّن من عائدات ثرواتها المعدنية الكامنة؟

إن قانون المعادن المدنية بكل فصوله ومبادئه وعقوباته يُجسّد في الواقع وثيقة استسلام اقتصادي مُقنَّع بثوب السيادة الشريفة. فالظهير يصدر باسم السلطان المغربي لكن الشركات التي ستستفيد من رخص البحث والاستغلال فرنسية، والإدارة المُشرفة فرنسية، والقضاء الفاصل في النزاعات يخضع للتوجيه الفرنسي.

الدروس الثلاثة الكبرى لهذا العدد:

الأول: أن الاستعمار الحديث يسبق السيطرة العسكرية والإدارية بالسيطرة القانونية التي تُضفي شرعيةً على الاستيلاء الاقتصادي. وقانون المعادن هو نموذج مثالي لهذا الأسلوب: فبدلاً من نزع الثروة المعدنية بالقوة المجردة، يُؤسَّس لها إطار قانوني يُقنّن الاستيلاء ويُضفي عليه صفة الشرعية والدوام.

الثاني: أن المقاومة الجنوبية في منطقة سوس وأكادير لم تكن مجرد عناد قبلي مُتَزمِّت بل كانت في جوهرها دفاعاً عن حق السيادة الاقتصادية على الأراضي والثروات التي كانت قبائل الجنوب تمتلكها وتستغلها لأجيال. ومن ثمّ فإن قدوم السوسيين إلى مراكش عاملين يومية يُجسّد فداحة الخسارة التي مُنوا بها.

الثالث: أن التاريخ القانوني لا يقل أهمية عن التاريخ السياسي في فهم تجارب الاستعمار وتداعياته البعيدة المدى. فالقوانين التي سنّتها الحماية في تلك الفترة المبكرة تركت آثاراً هيكلية عميقة في المنظومة الاقتصادية والقانونية المغربية ظلّت حاضرة لعقود بعد الاستقلال.

ويبقى العدد التاسع والثلاثون من الجريدة الرسمية المغربية شاهداً لا يُستغنى عنه على هذه المرحلة الفارقة من تاريخ الاستعمار الاقتصادي في المغرب، وعلى طريقة تحويل الثروة الطبيعية من إرث مشترك للشعب إلى ملك قانوني لمن يملك رأس المال والقدرة على توظيف آليات القانون الحديث لصالحه.

تحميل العدد 39 لسنة 1914 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 13/04/2026
تحديث 16/04/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث