دراسة تحليلية
معمّقة شاملة: 📜 الجريدة الرسمية العدد الثامن والثلاثون (1914)
📋 فهرس المقال
- مقدمة: الجريدة الرسمية العدد 38 وإشراقة أسبوع آخر من تاريخ المغرب
- السياق التاريخي العام: المغرب في يناير 1914
- القسم الرسمي: الظهائر الشريفة والقرارات التأسيسية
- ضريبة المباني: تحديث النظام الجبائي المغربي
- تعيين الفرق الصحية: ثورة في منظومة الصحة العمومية
- تحسينات البنية التحتية في المدن المغربية
- الأوضاع الاقتصادية: أسعار الغلة والمواشي
- إدارة الأملاك المخزنية وإشكالياتها
- التنظيم العدلي والقضائي في القبائل
- النقل البحري والتجارة الدولية
- الجمعيات المدنية والحياة الاجتماعية
- الأهمية التاريخية والأرشيفية للعدد الثامن والثلاثين
- خاتمة: ما تقوله الوثيقة وما تصمت عنه
تحميل العدد 38 لسنة 1914 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
📖 أولاً: مقدمة — الجريدة الرسمية العدد 38 وإشراقة أسبوع آخر من تاريخ المغرب
في كل عدد يصدر عن الجريدة الرسمية للمغرب في تلك الحقبة المفصلية من تاريخ المملكة، تتجمّع أضواء متعددة تُضيء زوايا متفرقة من الواقع المغربي المعيش، وتُخلّد لحظات عابرة كانت تمرّ دون أن يُحسّ بثقلها التاريخي إلا من عاشها على مضض. وبين يدينا اليوم العدد الثامن والثلاثون من هذه الجريدة، الصادر في الثالث والعشرين من يناير سنة 1914، الموافق للخامس والعشرين من صفر سنة 1332 من الهجرة النبوية الشريفة. هذا العدد الصغير في صفحاته الست، الكبير في دلالاته ومحتوياته، يفتح أمامنا نافذةً ثمينة نطلّ من خلالها على مغرب لحظة التحول والانكسار والبناء المتشابك.
جاء هذا الإصدار بعد أسبوع واحد من العدد السابق الذي تناولنا قراءته وتحليله، وهو ما يمنحنا فرصة نادرة لتتبّع التطور المتسارع للأحداث والقرارات على أساس أسبوعي دقيق. فإذا كان العدد السابع والثلاثون قد تمحور حول التعيينات الإدارية والأوضاع الزراعية المتذبذبة، فإن العدد الثامن والثلاثين يُقدّم لنا حزمةً من الإصلاحات الجوهرية المتعلقة بالضرائب والصحة العمومية والبنية التحتية والتنظيم القانوني والإدارة الاقتصادية، مما يجعله شاهداً على مرحلة انتقالية متسارعة في بنية الدولة المغربية.
ويغدو المقال الذي بين يدي القارئ مُحاولةً جادةً ومتأنيةً لتفكيك هذه الوثيقة الأرشيفية النادرة واستخراج ما تحمله من دلالات ومعطيات تاريخية على المستويين الإداري والاجتماعي، مع الاستعانة بالسياق التاريخي العام لإعطاء هذه الدلالات وزنها وعمقها الحقيقيين. إنه رحلة في ثنايا الزمن الماضي تقودنا إلى فهم أعمق لجذور الحاضر وتحولاته.
🕰️ ثانياً: السياق التاريخي العام — المغرب في يناير 1914
🌍 لحظة دقيقة في تاريخ المغرب والعالم
حين نضع العدد الثامن والثلاثين من الجريدة الرسمية في سياقه التاريخي الأشمل، ندرك أنه يصدر في لحظة دقيقة بالغة الخصوصية. فالمغرب يعيش في يناير 1914 مرحلة البناء المؤسسي المكثف التي انطلقت مع توقيع معاهدة الحماية الفرنسية في مارس 1912. فقد مضى على الحماية قرابة العامين، وهي مدة كافية لتجاوز مرحلة الفوضى الأولى وتأسيس المؤسسات الكبرى، غير أنها غير كافية لاستيعاب التحولات الجذرية وهضمها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
كانت المقاومة المسلحة لا تزال تُشعل ركنيّ الأطلس والريف، في حين أن المدن الكبرى بدأت تُعيد تشكيل هويتها الحضرية تدريجياً في ظل الحضور الأوروبي المتصاعد. وكان المغاربة يتساءلون في صمت محتقن: كيف يُعاد بناء الهوية والاقتصاد والإدارة في ظل سلطة أجنبية تُقدّم نفسها حاميةً لكنها تتصرف كسيدة؟
🏗️ مرحلة بناء المؤسسات: الشتاء 1914
يكشف العدد الثامن والثلاثون بجلاء أننا في مرحلة من مراحل البناء المؤسسي الأكثر تعمّقاً وتنظيماً مقارنةً بالمراحل الأولى. فقد انتقلنا من مرحلة القرارات العاجلة والتعيينات الطارئة إلى مرحلة التشريعات الهيكلية الأعمق التي تُعيد تأسيس علاقة الدولة بالمواطن في مجالات حيوية كالضرائب والصحة والعدل والممتلكات. هذا التعمق المؤسسي هو ما يمنح هذا العدد ثقله التاريخي الخاص ويجعله مختلفاً في طبيعته عن العدد السابق.
ومن أبرز مؤشرات هذه المرحلة التأسيسية الجديدة صدور ظهائر شريفة متعددة تُنظّم ضرائب المباني في ثلاث مدن رئيسية دفعةً واحدة، وإصدار قرار بتعيين فرق صحية متنقّلة تُغطّي مختلف مناطق المغرب، وهي كلها مؤشرات على دولة تسعى إلى ترسيخ حضورها وتوسيع نفوذها في المجال الاجتماعي والاقتصادي.
⚖️ ثالثاً: القسم الرسمي — الظهائر الشريفة والقرارات التأسيسية
يتصدّر القسم الرسمي من هذا العدد ثلاثة ظهائر شريفة متميزة تتعلق كلها بموضوع واحد جوهري هو ضريبة المباني، إضافةً إلى قرار كبير يتعلق بالمنظومة الصحية في المغرب. وهذا التركيز الموضوعي في القسم الرسمي ليس اعتباطياً، بل هو دليل على أجندة إصلاحية واضحة المعالم كانت إدارة الحماية تتبعها بمنهجية في تلك الفترة.
📜 الظهائر الشريفة: صياغة السلطة ومشروعيتها
تُصدر الظهائر الشريفة الثلاثة الواردة في هذا العدد بالصياغة التقليدية ذاتها التي تجمع بين المرجعية الدينية الإسلامية — "الحمد لله وحده" — والمضمون الإداري الحديث. وهذه الصياغة الهجينة تعكس الطابع المزدوج للنظام المغربي في تلك الحقبة: فالظهير يصدر باسم السلطان المغربي ويستمد شرعيته من السلطة الملكية، لكن مضمونه الفعلي يُملي من قِبَل الإدارة الفرنسية التي تُوقّع في النهاية باسم "سانتولار" المقيم العام أو ممثله.
ويتجلى التناقض في حقيقة أن الظهائر الثلاثة صدرت جميعها في اليوم الخامس من صفر عام 1332 الهجري (5 يناير 1914) وأُذن بنشرها في الرابع عشر من يناير الميلادي، وهو ما يعني أن هناك فجوةً زمنية قصيرة بين صدور القرار ونشره، وهي مؤشر على آلية تنسيق منتظمة بين أجهزة البلاط والإدارة الرسمية. وكلها اطّلع عليها المقيم العام وأذن بنشرها في الرابع عشر من يناير سنة 1914، وكان وقّع عليها سانتولار.
🏠 رابعاً: ضريبة المباني — تحديث النظام الجبائي المغربي
💰 الظهائر الثلاثة لضريبة المباني: مكناس وفاس وأزمور
تُشكّل ضريبة المباني المحور الأبرز للقسم الرسمي في هذا العدد، إذ صدرت ثلاثة ظهائر شريفة تُطبّق هذه الضريبة في ثلاث مدن مغربية مختلفة هي: مكناس وفاس وأزمور. وهذا الإطار القانوني المشترك للظهائر الثلاثة يُبيّن أننا أمام تشريع ضريبي موحّد يجري تطبيقه على مراحل في مدن المملكة، لا أمام إجراءات منفردة متفرقة.
🏙️ ظهير ضريبة المباني في مكناس:
يُعلم الظهير الخاص بمدينة مكناس أن ضريبة المباني التي أُذن بإنشائها في المدينة تُطبَّق وفق شروط الضابط المتعلق بهذه الضريبة، وذلك بمقتضى الفصل السادس عشر من عقد مؤتمر الجزيرة والضابط المختص بضريبة المباني. وتُحدّد نصوص الظهير بدقة الفصول التي يجري العمل بها، مُشيرةً إلى أن الضريبة المذكورة قدرها ثمانية في المائة من قيمة كراء الأبنية والسلام.
🏰 ظهير ضريبة المباني في فاس:
تحمل الوثيقة الخاصة بمدينة فاس ذات البنية القانونية والصياغة التشريعية، مع الإشارة صراحةً إلى أن هذه الضريبة ستُطبَّق في المدينة العتيقة بكل أحيائها ومداشرها وفق شروط محددة ومعايير دقيقة. وتستحق الإشارة هنا أهمية مدينة فاس التي كانت تُمثّل في تلك الحقبة العاصمة الروحية والثقافية للمغرب، مما يجعل تطبيق هذه الضريبة فيها ذا رمزية سياسية بالغة تتجاوز بكثير أبعادها المالية والجبائية البحتة.
🌊 ظهير ضريبة المباني في أزمور:
يصدر الظهير الثالث بشأن مدينة أزمور، وهي مدينة ساحلية صغيرة تقع على ضفة نهر أم الربيع. وتطبيق ضريبة المباني في أزمور إلى جانب مكناس الداخلية وفاس المدينة الكبرى، يُبيّن أن المشروع الضريبي الجديد لم يكن مقتصراً على المدن الكبرى والمراكز الحضرية الرئيسية، بل كان يستهدف شمول مختلف التجمعات السكانية المغربية بغض النظر عن حجمها وموقعها الجغرافي.
📊 تحليل ضريبة المباني في ضوء السياق التاريخي
إن فهم ضريبة المباني في عمقها التاريخي والسياسي يستلزم وضعها في سياق منظومة الإصلاحات الضريبية التي كانت تجريها الحماية الفرنسية منذ توقيع معاهدة فاس. فالنظام الضريبي المغربي التقليدي كان يقوم على أسس عرفية وإسلامية تجمع بين الزكاة والأعشار والاستيفاء المخزني، وكان يفتقر في أغلب الأحيان إلى الانتظام والشمولية. وقد رأت الإدارة الفرنسية في هذا النظام عائقاً أمام تحقيق الأهداف المالية التي تبنّتها، فشرعت في استبداله تدريجياً بنظام ضريبي مُقنَّن وشامل يضمن لها موارد منتظمة ومضمونة.
وضريبة المباني المحددة بثمانية في المائة من قيمة كراء الأبنية تُمثّل تحولاً جذرياً في الرؤية الضريبية، إذ تنتقل من الضرائب المرتبطة بالإنتاج الزراعي إلى الضرائب المرتبطة بالتملّك العقاري والكراء، وهو ما يعكس تحولاً من الاقتصاد الريعي الزراعي إلى اقتصاد حضري عقاري ناشئ يُلاحق الثروة في الملكية لا فقط في الإنتاج.
ومن الأهمية بمكان كذلك الإشارة إلى أن هذه الظهائر الثلاثة تستند صراحةً إلى "الفصل السادس عشر من عقد مؤتمر الجزيرة"، أي مؤتمر الجزيرة الخضراء 1906 الذي فتح المغرب أمام النفوذ الأوروبي. وهذا الاستناد يُجلّي البُعد الدولي لهذه الإصلاحات الداخلية، إذ إنها لم تكن قراراً مغربياً خالصاً بل التزاماً مُملى من أُطر الهيمنة الدولية وشروط الدول الأوروبية الكبرى.
💡 معلومة تاريخية دقيقة: مؤتمر الجزيرة الخضراء المنعقد عام 1906 أقرّ بضرورة فتح المغرب أمام النفوذ الأوروبي وأرسى لأسس "الإصلاح" المالي والإداري الذي كان في حقيقته تمهيداً للاستعمار. وقد أصبحت بنود هذا المؤتمر المرجعية القانونية الدولية التي تستند إليها الحماية لتسويغ إصلاحاتها الضريبية وإكسابها الشرعية الدولية اللازمة.
🏥 خامساً: تعيين الفرق الصحية — ثورة في منظومة الصحة العمومية
🩺 قرار تعيين الفرق الصحية النقالة: نص ومضمون
يُمثّل القرار الصادر عن الصدر الأعظم المتعلق بتعيين الفرق الصحية النقالة في نواحي فاس ومكناس والرباط والشاوية ومراكش ودكالة وعبدة، واحداً من أهم وثائق الساعة الصحية للمملكة المغربية. فقد جاء القرار إثر الاطلاع على الفصل التاسع والعشرين من الضابط المؤرخ بالتاسع من إبريل سنة 1913 المتعلق بإدارة الصحة والإعانة الطبية العمومية، وبعد الاطلاع كذلك على طلب إدارة الصحة والإعانة الطبية العمومية المكلّفة بالنواحي والمدن، وبعد موافقة المدير العام قرر ما يأتي.
🔬 تركيب الفرق الصحية وكيفية عملها:
تتكوّن الفرق الصحية المتنقلة في نواحي فاس من طبيب واحد ومن معاونين اثنين ومن ثلاثة سائقين، ويكون لهم ستة بغال على اظهرهم برادع ويتخذ الأطباء معهم أدوية مختلفة ورزمة طبية واحبتان (حقيبتان) واحدة للمستخدمين، وأربع قفف لجمل الأدوية وشواريات ثلاثة محمل القففومن آلة ربط البغال ستة والسلام. وهذا الوصف الدقيق لتجهيزات الفرق الصحية يكشف عن مستوى التفكير التنظيمي والعملي الذي كان يسود في إدارة الصحة الفرنسية، وعن إدراكها لتحدي التضاريس المغربية الوعرة التي تجعل التنقل بالمركبات متعذراً في كثير من الأحيان.
وتعمل هذه الفرق وفق شروط محددة تنصّ على أن الضابط المتعلق بضريبة المباني هو المرجع في تحديد نطاق عملها. ويتبين من صياغة القرار أن الفرق الصحية مُصمَّمة للتنقل الميداني الدائم في المناطق الريفية والنائية، ذلك أن المدن الكبرى كانت تحظى بمرافق صحية ثابتة في حين أن الأرياف كانت محرومة من أي رعاية طبية منتظمة.
🏥 السياق الصحي في المغرب عام 1914
إن فهم دلالات هذا القرار الصحي يستلزم استحضار الواقع الصحي المغربي في تلك الحقبة. كان المغرب يعاني في مطلع القرن العشرين من وباءات متعاقبة طالما جاءت تخترق نسيجه البشري وتُصيب القبائل والمدن على حدٍّ سواء. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر ضربت الطاعون والكوليرا والجدري والسل كثيراً من المناطق المغربية، فيما كانت الملاريا والتراخوما أمراضاً مستوطنة في أجزاء واسعة من البلاد. وكانت البنية الصحية التقليدية تقوم أساساً على الفقيه والعشّاب والحنّاء والرقية، مع وجود محدود للأطباء المدرَّبين تدريباً حديثاً.
في هذا الفراغ الصحي الكبير جاء قرار تعيين الفرق الصحية النقالة ليُمثّل نقلةً نوعية حقيقية في الوصول إلى الخدمة الطبية الحديثة، أو هكذا يُقدَّم على الأقل في خطاب إدارة الحماية. غير أن المحلل التاريخي النقدي لا يمكنه إغفال البُعد الاستعماري لهذا الإجراء الصحي: فإرسال الفرق الصحية إلى المناطق القبلية كان يخدم في الوقت ذاته أغراضاً استخباراتية وجيوسياسية، إذ كان الأطباء يُمثّلون في الغالب أول خيط الاتصال بين إدارة الحماية والقبائل المجهولة أو المتمردة، فيُسهمون بذلك في إرساء سلطة الدولة ورسم خرائطها الاجتماعية والجغرافية في الوقت الذي يُقدّمون فيه الدواء والعلاج.
📊 جدول توزيع الفرق الصحية حسب المناطق:
|
المنطقة |
طبيب |
معاونون |
سائقون |
بغال النقل |
|
فاس وضواحيها |
1 |
2 |
3 |
6 |
|
مكناس |
1 |
2 |
3 |
6 |
|
الرباط |
1 |
2 |
3 |
6 |
|
الشاوية |
1 |
2 |
3 |
6 |
|
مراكش |
1 |
2 |
3 |
6 |
|
دكالة وعبدة |
1 |
2 |
3 |
6 |
🏙️ سادساً: تحسينات البنية التحتية في المدن المغربية
🔧 الرباط: تحديث شارع العلو وتنظيف المدينة
تُعلمنا أخبار القسم غير الرسمي بأن إدارة البلدية بالرباط ابتدأت بترصيف شارع العلو، وابتدأت فرقة من الخدامة الوطنيين بتكسير الحجارة وفرشها هناك. وزادت مصلحة نقل الأوساخ عدد العربات المعدّة لذلك، فأصبحت هناك أربع عشرة عربة تتجول دائماً بالمدينة في جميع نهائها لنقل الاذبال والأوساخ من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الحادية عشر، وهذا ما يزيد في تنظيف وتحسين حالتها الصحية.
يُعطي هذا الخبر الصغير صورةً بالغة الدلالة عن التحولات التي كانت تشهدها مدينة الرباط في عهد الحماية. فمدينة الرباط كانت قد اختارتها إدارة ليوطي عاصمةً للحماية الفرنسية بدلاً من فاس أو مراكش أو الدار البيضاء، وذلك لاعتبارات استراتيجية تتعلق بموقعها الساحلي وسهولة الدفاع عنها والتواصل معها براً وبحراً. ومن ثمّ كانت الرباط تحظى بأولوية خاصة في الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العمومية.
وفكرة تخصيص أربع عشرة عربة لجمع النفايات وتنظيف الشوارع تُعبّر عن رؤية حديثة للصحة العمومية ودور البلدية في خدمة المواطن، وهي رؤية لم تكن مألوفة في المدن المغربية قبل الحماية. غير أن هذا التحديث الحضري لم يكن يطال أحياء المدينة بالتساوي، بل كان يركّز في الغالب على الأحياء الأوروبية الجديدة وينعكس بصورة أضعف على الأحياء التقليدية والمدن العتيقة.
🧹 الجديدة: النظافة الصحية ودور الأمطار
تُخبرنا الجريدة أن ادارة الاشغال البلدية بالجديدة أصبحت طرقاتها على ما يرام من النظافة والانتقاء ورغماً عن الامطار الغزيرة التي سقطت في هذه الايام الاخيرة فلم يتدل حال الطرق في حومات المدينة كالسنقايات التي كانت غالباً مستنقعات قلما تنشف وتنبعث عنها الميكروبات. وتُعدّ هذه الإشارة إلى الميكروبات مُثيرةً للاهتمام لغةً وسياقاً؛ فهي تكشف أن خطاب الصحة الحديثة بمفرداته الجرثومية والميكروبية بدأ يتسرّب إلى الكتابة الصحفية الرسمية المغربية، وإن في قالب معرَّب بسيط.
وفي ناحية تفللت، وهي ناحية ريفية قرب المدينة، تُشير الجريدة إلى أن الاشتغال التي قامت بها إدارة مكتب الاستعلامات في قسم الرباط لتحديد الطريق التي تصل بمسكر منود وتنتهي قريباً إلى المحافظة العسكرية من مركز زمور الزراري، قد انتهت بتقديم تقرير ختامي. وقد أضيف أيضاً أن الملائم الجوية ولا غرو أنها تساعد المزارعين على اشتغالهم في نصائحها العلمية والعملية.
وهذا التزامن بين مشاريع الطرق ومشاريع الإرشاد الزراعي يكشف عن الرابط العضوي بين البنية التحتية والتنمية الاقتصادية في إستراتيجية الحماية، إذ كان فتح الطرق شرطاً لتسهيل وصول الإرشاد الزراعي ووسائل الإنتاج الحديثة إلى المناطق الريفية، وبالتالي تثمين الأراضي الزراعية وزيادة غلتها.
🛣️ مراكش الجديدة: بين التحديث والتوتر
تُعطينا أخبار مراكش الجديدة في هذا العدد صورةً عن مدينة تعيش لحظة توتر إنساني ومعماري بالغة الدلالة. فقد جرى تحسين الطرق وتجويد وسائل النقل بالاتوموبيل الذي صار يخترق جميع الإيالة ويتصل مراكش بالمراسي عبر الاطلنتيك حتى عاصمة الجنوب يصل المسافر إلى مراكش بقليل من النفقات.
ويرصد التقرير خبراً اقتصادياً مثيراً: كانت أجرة الراكب منذ عام مراكش إلى مراكش فيه فدرها خمسمائة فرنك ومنذ بضعة أشهر كان الراكب يدفع ثلاثمائة فرنك واليوم لا يتكلف الراكب إلا تسعين فرنكاً إلى مائة أو مائة وستين فرنكاً ذهاباً وإياباً وتشكّلت شركة جديدة لنقل الركاب بأجرة خمسين فرنكاً فقط لكل راكب. هذا الانخفاض الحاد في أسعار نقل المسافرين خلال مدة قصيرة يُجسّد بجلاء التحولات الاقتصادية السريعة التي صاحبت نمو سوق النقل التنافسي في المغرب.
وكما يُلاحَظ بكل اعتبار زيادة عدد الاجانب بالحمرا، هكذا يرى المسلمون الوافدون على مراكش من داخلية البلاد تترآى على وجوههم حين دخولهم إليها علائم الهدوء والثقة والوطنيون سكان مراكش كانوا يعرفون كيف يقدرون قيمة الراحة والامن. وفي هذا النص إشارة ضمنية إلى أن الوافدين المغاربة من الداخل كانوا يجدون في مراكش الجديدة جواً من الأمن والاستقرار، وإن كان هذا الأمن مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالحضور العسكري الفرنسي الذي يفرضه بالقوة لا بالإجماع.
📈 سابعاً: الأوضاع الاقتصادية — أسعار الغلة والمواشي
🌾 الحالة الاقتصادية في مركز مكناس
تُقدّم الجريدة في هذا العدد بيانات اقتصادية دقيقة عن سوق مكناس في تلك المرحلة، تُعدّ مادةً إحصائية لا تُقدَّر قيمتها. فقد أفادت بأن أثمان الحبوب اللازمة لاود الحياة لم تتغير في شهر واحد ونقص قليلاً ثمن اللحوم لأن المواشي بوعت بالاسواق حيث لم يبق لدى ارباها ما يطعمونها مع جدب المرعى في الوقت الحاضر ولا شك ان تقصان الثمن كان ناتجاً أيضاً عن جنس اللحم لأن المذبوح الان اضعف من المذبوح سابقاً.
وهذه الجملة تحمل قراءةً اقتصاديةً دقيقةً للسوق المغربية في الشتاء: فانخفاض أسعار اللحوم لم يكن دليلاً على رخاء بل كان إشارةً إلى ضائقة، إذ اضطرّ أصحاب المواشي إلى بيع قطعانهم بأثمان متدنية لأنهم عجزوا عن إطعامها في غياب المراعي الكافية. وهذا نمط اقتصادي متكرر في المجتمعات الرعوية التقليدية التي تتعرّض للجفاف.
وتُكمل الجريدة الصورة بأرقام دقيقة مقارِنة بين شهري نوفمبر ودسمبر في ذلك العام:
📊 جدول أسعار اللحوم في مكناس (1913-1914):
|
نوع اللحم |
نوفمبر (الكيلو) |
دسمبر (الكيلو) |
|
لحم البقر |
2.76 |
2.18 |
|
لحم الغنم |
2.30 |
2.13 |
|
لحم الماعز |
2.09 |
2.04 |
ومع هذا فالظاهر من الاثمان انها ما زالت غالية جداً اما اتمان الحبوب فكانت كما يأتي:
📊 أسعار الحبوب في مكناس:
|
الصنف |
نوفمبر (الكيلو) |
دسمبر (الكيلو) |
|
كيلو خبزة وطنية جيد |
1.000 |
1.012 |
|
كيلو خبزة وطنية ثاني |
0.720 |
0.88 |
|
القمح المائة كيلو |
67.000 |
74.000 |
|
الشعير المائة كيلو |
42.000 |
47.336 |
تُكشف هذه الأرقام عن ارتفاع واضح في أسعار الحبوب بين الشهرين، مما يعني أن ضغطاً تضخمياً حقيقياً كان يُثقل كاهل المستهلك العادي في مكناس وضواحيها. وهذا الارتفاع في أسعار الحبوب في فصل الشتاء قبيل موسم الحصاد التالي هو ظاهرة موسمية متوقعة في الاقتصاد الزراعي التقليدي، لكنه في تلك السنة كان يتزامن مع ضعف الموسم الزراعي السابق مما ضاعف وطأته على الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
🏪 مراكش القديمة والجديدة: توترات اقتصادية
يرصد تقرير مراكش في هذا العدد توتراً اقتصادياً صريحاً بين المدينة القديمة والمدينة الجديدة. فقد كان الجنرال قومندان الجنوب بمراكش يرى أن الحمراء القديمة لا ترضي تجارياً الاوروبيين ولا يمكن أن ترضيهم لأن نقل السلع لا يمكن أن يتوصل بواسطة البهائم في ازقتها الضيقة والموجة ولا ينبغي للتجار الاجانب أن يفتكروا باعتماد طرق نقل السلع بالحمرا كما تنقل بإوروبا لأنه يستحيل لأنه يستحيل توسيع الطرق وهدم المدينة وان يحفظ المدينة على حالتها العربية وان يعفظ لعاصمة الجنوب المستحسن والاوفق مع بقاء الاجانب بالحمراء القديمة.
هذه الفقرة تُعبّر بصدق مُثير عن إشكالية التعايش بين المدينة العتيقة الإسلامية والمدينة الأوروبية الحديثة في قلب مراكش. فالجنرال يُقرّ ضمنياً باستحالة تحديث المدينة القديمة وفق المعايير الأوروبية، ويدعو إلى قبول ازدواجية المدينة وتكريسها بدلاً من فرض الاستيعاب والتجانس القسري. وهذه الرؤية تنسجم مع سياسة ليوطي المعروفة بـ"المدينة المزدوجة" التي فصلت بين المدن الأوروبية الجديدة والمدن العربية التقليدية حفاظاً على هوية كل منهما ومنعاً للاحتكاك اليومي المُفضي إلى توترات.
🏦 ثامناً: إدارة الأملاك المخزنية وإشكالياتها
🏘️ الأملاك المخزنية في مراكش: أزمة إدارة وشُح معلومات
تُعدّ الصفحات المخصّصة لإدارة الأملاك المخزنية من أكثر أقسام هذا العدد ثراءً وتعقيداً. فقد أفاد التقرير أنه في العشرين من نوفمبر الماضي وضعت بالسمسرة الملالية ثمانون ملك من أملاك المخزن بمراكش وضواحيها لكراء على يد واحد لجنة خصوصية تشكّلت لهذا الغرض. وبعد الاتفاق مع السلطة الحاكمة بتلك الناحية قُسِمت الاملاك إلى قسمين: القسم الأول يشمل الاملاك الموجودة في دائرة ستة كيلومترات حول المدينة والقسم الثاني الاملاك حول المدينة المزيدة في القسم الأول وقد قبل من الاجانب المزايدة في القسم الأول وعدد قطعه 24 قسماً والباقي حفظ للمسلمين ولم تقبل اللجنة مزايدة الاجانب فيه.
هذا النص يُكشف عن سياسة تمييزية في توزيع حقوق التملّك والكراء، إذ حُدِّدت أجزاء معينة من الأملاك المخزنية للمستوطنين الأوروبيين وأجزاء أخرى حُفظت للمسلمين المغاربة. وهذا التقسيم العقاري بالغ الدلالة السياسية، إذ يعكس سياسة الفصل والتمييز التي كانت تُمارَس في إطار نظام يتشدّق ظاهرياً بالمساواة والإصلاح.
وفُتح من السمسرة المذكورة 31359 ريالاً مخزنياً منها 21847 ريالاً لقطع الاملاك القسم الأول والباقي للقطع الم التابعة للقسم الثاني. واخذت ستة قطع وحذفت من السمسرة واكريت بلباشا مراكش والشرفاء لمدة عام بمبلغ 500 ريالاً.
🌾 فاس: أملاك مخزنية مروية ومن مواضع الري
يُعطي تقرير فاس تفاصيل دقيقة عن السمسرة العمومية التي جرت بواسطتها على إملاك مخزنية من أرض ما هو بعيد عن مواضع الري منها ما هو مروي والاملاك المذكورة في الجوار وعذيب الشرفاء والكراء للحرث والحصاد من عام 1913 الصادر من 1914. وتُشير الجريدة إلى أن تلك السمسرة 7220 للاملاك المخزنية المسقية و9059 للاملاك الغير مروية الحراثية.
هذه الأرقام التفصيلية عن قيمة الأملاك المخزنية المؤجَّرة في فاس تُعطينا فكرة عن حجم الاقتصاد الزراعي المرتبط بهذه الأراضي وحجم الإيرادات التي كانت تُدرّها على الخزينة المخزنية. ويُلاحَظ التمييز الدقيق بين الأملاك المروية (التي تُسقى اصطناعياً) والأملاك الحراثية البعلية، وهو تمييز يعكس تطوراً في الإدارة الزراعية ومحاولةً لتثمين الموارد المائية والأراضي الخصبة.
🏗️ القنيطرة: أملاك مجاورة وتحديات التقسيم
تُوضح الجريدة أن قطع الأراضي المجاورة للقنيطرة والتي جُزئت مؤخراً بالسمسرة العمومية في الخامس والعشرين من دسمبر الماضي مكتب مراقبة القرب الغرب كانت المزايدة على ثمانية وأربعين قطعة ومساحة كل قطعة تختلف من 380 متراً إلى 830 متراً فتنتج عن ذلك 28693 بسيطة مخزنية وكان عدد الامتار 30418 متراً مما يكون تقريباً بسيطة لكل متر. وأكثر هذه المحلات استأجرها التجار وأصحاب الصنائع الموجودين بالقنيطرة والنازلين بأملاك مخزنية موقتاً.
يُبيّن هذا التقرير أن مدينة القنيطرة كانت في مرحلة نشأتها وتوسّعها في تلك الفترة، وأن الأملاك المخزنية كانت تُستغل بوصفها أداةً لاستقطاب التجار وأصحاب الحِرَف وتوفير البنية الأساسية لمدينة ناشئة. وهذا الأسلوب في التنمية العقارية من خلال تقطيع الأراضي وتأجيرها يعكس نموذجاً حضرياً مختلفاً عن نموذج المدينة المغربية التقليدية القائمة على الملكية الوقفية والبنية الحرفية المتوارثة.
⚖️ تاسعاً: التنظيم العدلي والقضائي في القبائل
🏛️ التنظيم العدلي في قبيلتَي الغرب وبني حسن
يُفرد هذا العدد مساحةً واسعة لموضوع التنظيم العدلي في القبائل المغربية، وهو موضوع يكشف عن واحد من أعقد مجالات التفاعل بين نظام الحماية والمجتمع المغربي التقليدي. فقد جاء في تقرير الجريدة أن رغبةً في تنظيم العدلية والادارات المكلّفة بالقضاء أقدم المخزن الشريف على تنظيم هذه المصالح في قبيلتَي الغرب وبني حسن. وبعد الامتحان الذي أجراه الذي أجرى لأولئك القضاة المباشرين للخطة القضائية هنالك ظهر عدم كفاءة الكثيرين منهم كما ظهر ان عدد القضاة والنواب كان أكثر مما تدعو اليه الحاجة.
هذا التصريح الصريح بعدم كفاءة القضاة المحليين وفائض عددهم عن الحاجة يُمثّل خطاباً إدارياً بالغ الدلالة في سياق الحماية. فهو يُسوّغ إصلاح المنظومة القضائية بدعوى الكفاءة والعقلنة في حين أن الهدف الحقيقي كان إحكام السيطرة على الجهاز القضائي وإخضاعه لمعايير ومفاهيم القانون الفرنسي.
⚖️ القضاة المعيَّنون في القبائل:
حدّدت الجريدة لائحة القضاة المُعيَّنين في القبيلتين بعد عمليات التقييم والتدقيق:
الأول: السفافلين — أولاد موسى، المختار، أولاد محمد صراد، مسموده وفرقة من بني مالك وسفيان الثانية ضمن محافظة ادارة سبو والجلط وتفلس.
الثاني: ومقامه القنيطرة يكون له سلطة اصدار الاحكام في المهذية وعمر وولاد سالم وولاد نيم والمنصورة والفرقة من سفيان واولاد مالك الثانية ضمن مراقبة مدينة القنيطرة. ولكل من القاضيين المذكورين نائب يتم القضايا المقارية والوراثية وتكليفه محدود من جانب القاضي.
وفي هذا تسهيل للمعاملات في بيع وشراء الاراضي لأن الراغبين بالشراء يمكنهم اليوم ان يسجلوا بيوعاتهم اما عند قاضي مشرع بن القصيري أو قاضي القنيطرة وكانوا مضطرين الى القدوم لسلام لاتمام معاملة اقل معاملة من هذا النوع.
إن التنظيم القضائي الجديد يُقدَّم في خطاب الجريدة بوصفه تيسيراً للمعاملات وتقريباً للعدالة من المواطن، وهو ما يحمل قدراً من الصحة الموضوعية. غير أن هذا التيسير جاء في إطار منظومة قضائية مُعادة الصياغة لتنسجم مع مقتضيات الإدارة الاستعمارية، وهو ما يُعيد طرح السؤال الجوهري: تيسير لمصلحة من؟
⚓ عاشراً: النقل البحري والتجارة الدولية
🚢 شركة بحرية جديدة للمغرب
من أبرز أخبار هذا العدد الإعلان عن شركة بحرية جديدة للمغرب. فقد أُعلم بأن من بوردو أن تلك المدينة ستتصل بشواطئها الاطلنتيك بسفريتين جديدتين، وهذه السفريات تبتدئ بالملاحة في أول إبريل القادم عام 1914. السفرية الاولى تسافر من بوردو رأساً إلى الجديدة في أول كل شهر وتقف بطنجه والدار البيضاء والسفرية الثانية تسافر من بوردو رأساً في الخامس عشر من كل شهر إلى الرباط وتقف بالقنيطرة والبواخر التي تقوم بهذه السفريات معدة لنقل جميع السلع حتى المواد الانتهابية.
يُمثّل هذا الخبر مؤشراً بالغ الأهمية على الاندماج التدريجي للمغرب في المنظومة التجارية الأوروبية من خلال شبكات الشحن البحري المنتظمة. فالخطوط البحرية المنتظمة بين موانئ مغربية كالجديدة والرباط والقنيطرة والدار البيضاء وطنجة، وميناء بوردو الفرنسي، تُجسّد حجم التحول الجاري في علاقة المغرب بالاقتصاد الفرنسي والأوروبي.
ومن اللافت أن هذه السفريات "معدة لنقل جميع السلع حتى المواد الانتهابية"، وهو ما يعني صراحةً أن مضمون هذا النقل كان يشمل المواد الزراعية والمعدنية المُستخرَجة من المغرب، إلى جانب البضائع الأوروبية المُصنَّعة المُصدَّرة إليه. وهو تماماً ذلك النمط الاستعماري للتبادل غير المتكافئ الذي يصنّف المغرب مُصدِّراً للمادة الخام ومستورداً للمنتج النهائي.
⚓ إصلاح مرسى الرباط
تُشير الجريدة في هذا العدد إلى أن اشغال إصلاح مرسى جادة الرباط التي سمسرت في شهر جوان (يونيو) الماضي قد ابتدأ بها منذ شهر رغما عن الصعوبات التي توجد في إنجازها فقد تقدم بها العمل تقدماً جلياً. وكانت في الوقت ذاته حالة البحر قد سمحت لثلاثة بواخر بالدخول إلى الواد وتفريغ مشحوناتها وخروجها مرة بالسلع وكانت حركة البواخر كبيرة في خارج المرسى بالاسبوع المذكور.
وقررت ادارة المامالات البحرية أن توصي ببناء قوارب لأجل تفريغ السلع وشحنها يمكن بواسطتها وضع السلع على الارض وأيضاً أمرت إضاءة ثلاثة نقط بأنوار الستلين لأجل تسهيل الاشتغال ليلاً. وكان الاسبوع الاول من شهر يناير بالمرسى فإن حالة البحر قد سمحت لثلاثة بواخر بالدخول إلى الواد وكانت حركة البواخر الكبيرة في خارج المرسى بالاسبوع المذكور.
يُبيّن هذا الخبر أن ميناء الرباط كان في تلك الفترة يعيش مرحلة إعادة البناء والتحديث، وأن الأعمال كانت تُواجه صعوبات جمّة مرتبطة بطبيعة المكان. فميناء الرباط المطلّ على نهر أبي رقراق كان يعاني من محدودية المداخل وصعوبة الإبحار في القناة بسبب المدّ والجزر والتقلبات الموسمية. ومن هنا جاءت الحاجة إلى بناء قوارب متخصصة لنقل البضائع بين السفن والشاطئ، ولإضاءة الأرصفة ليلاً لتمديد ساعات العمل.
🤝 حادي عشر: الجمعيات المدنية والحياة الاجتماعية
🏛️ جمعية السمسرات العمومية وعقود البيع في طنجة
تجتمعت جمعية السمسرات العمومية وعقود البيع بطنجه في يناير في السادس من يناير لانتخاب مكتب الادارة لعام 1914 فانتخبت السيد علي ذكي رئيساً وكوهن كاتباً وأبير مترجما. ثم اجتمعت الجمعية الخاصة للاشغال العمومية بالمغرب بطنجه في الخامس من يناير لانتخاب مكتب ادارتها لعام 1914 وكان فيها اعضاء مجلس السفراء والنائبان عن المخزن السيد محمد بن عبد الغني القباج والسيو فيليبي فقنصل فرنسا ورئيس مجلس الصحة والمسيو بورشه المهندس العام وفأعيد انتخاب السيد علي ذكي رئيسا و كوهن كاتبا و أبير مترجما.
تكشف هذه الأخبار عن نشأة حياة مدنية منتظمة تقوم على الجمعيات ذات الهيكل الانتخابي والتمثيل المزدوج — مغربي وأجنبي — في إطار مؤسسي محكم. وحضور "أعضاء مجلس السفراء" في اجتماع جمعية الاشغال العمومية يُبيّن المستوى الرفيع للاهتمام الدبلوماسي الدولي بهذه الهيئات المدنية، وهو ما يتوافق مع وضع طنجة الدولي الخاص آنذاك بوصفها منطقة دولية مشتركة تخضع لإشراف الدول الكبرى.
ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام الاسماء الواردة في رئاسة هذه الجمعيات: سيد علي ذكي رئيساً، وكوهن كاتباً، وأبير مترجماً. وهذه الثلاثية تُجسّد بصورة مُصغَّرة التنوع الاجتماعي الذي كان يُميّز المجتمع المغربي في طنجة: مسلم مغربي في الرئاسة، ويهودي مغربي في منصب الكاتب، وأجنبي في منصب الترجمة.
🌿 ترقي مراكش الجديدة: بين الوعد والواقع
ثمة فقرة في هذا العدد مخصّصة لما يمكن تسميته "الدعاية التحديثية" لمراكش الجديدة، إذ تُصرّح الجريدة بأن وسائل تحسين الطرق وإجراء النقل بالاتوموبيل الذي صار يخترق جميع الإيالة ويتصل مراكش بالمراسي عبر الاطلنتيك حتى عاصمة الجنوب وبحر الاطلنتيك جعلت المسافر يصل إلى مراكش بقليل من النفقات.
ثم تُعلّق الجريدة بأن الأهالي الوطنيين في مراكش كانوا يعرفون كيف يقدّرون قيمة الراحة والأمن وشعورهم نحو العدالة والانصاف يتفق مع مبدأ نظام الامن واحترام الذات والمتاع الذي وضمت حكومة الحماية أساسه هناك. وفي كل صباح يفصل رئيس اشغال البلدية قضايا ومنازعات تحصل بين المسلمين ويطلبون منه الفصل فيها.
إن هذا الخطاب لا يخلو من براغماتية بارعة: فهو يُقرّ ضمنياً بأن المغاربة لجأوا إلى رئيس أشغال البلدية الفرنسي لفصل نزاعاتهم، وهو ما قد يُقرأ على وجهين: إما دليلٌ على ثقة المغاربة بالعدالة الفرنسية كما يُقدّمه الخطاب الرسمي، وإما مؤشرٌ على ضعف المؤسسات القضائية التقليدية وإحجامها عن العمل في ظروف الحماية كما يُقدّمه الخطاب النقدي.
🔬 ثاني عشر: الأهمية التاريخية والأرشيفية للعدد الثامن والثلاثين
📚 1. قيمة الوثيقة في منظومة التشريع المغربي الحديث
إن الظهائر الثلاثة الواردة في هذا العدد حول ضريبة المباني لا تُمثّل مجرد قرارات جبائية آنية، بل هي في حقيقتها لبنات أساسية في بناء النظام الجبائي المغربي الحديث. وفهم كيف نشأت هذه الضرائب وعلى أي أسس قانونية استندت وكيف طُبّقت يُعيننا على تفسير كثير من الخصائص البنيوية للنظام الضريبي المغربي التي لا تزال قائمة إلى اليوم. فالمنظومة الجبائية في أي دولة لا تنشأ في فراغ بل تنمو تراكماً عبر أجيال من القرارات التشريعية، وهذا العدد يُشكّل حلقةً من حلقات ذلك التراكم في الحالة المغربية.
🏥 2. الدور التاريخي للفرق الصحية النقالة
يُعدّ قرار تعيين الفرق الصحية النقالة في نواحي فاس ومكناس والرباط والشاوية ومراكش ودكالة وعبدة من أوائل القرارات المؤسِّسة لمنظومة الصحة العمومية الميدانية في المغرب الحديث. وتتبع هذه الفرق وتقييم أثرها الفعلي على الواقع الصحي للسكان مسألةٌ تحتاج إلى دراسة متخصصة، غير أن مجرد وجودها واستمرارها يُمثّل بحد ذاته تحولاً بنيوياً في المنظومة الصحية المغربية من النموذج التقليدي القائم على الطب الشعبي والعلاج العرفي إلى النموذج الحديث القائم على الطب العلمي والرعاية المؤسسية.
وقد كان للفرق الصحية دور في مكافحة الأوبئة المتكررة، لا سيما الملاريا والتيفوس والتراخوما التي كانت تحصد آلاف الأرواح سنوياً في الأرياف المغربية النائية. ومع ذلك لا يمكن إغفال أن هذه الفرق كانت في الوقت ذاته أداةً للتغلغل الإداري الفرنسي في المناطق القبلية التي لم تستوعب بعد سلطة الحماية.
🏘️ 3. إدارة الأملاك المخزنية وإشكالية الملكية
تطرح البيانات التفصيلية حول الأملاك المخزنية في مراكش وفاس والقنيطرة جملةً من التساؤلات الجوهرية حول طبيعة العلاقة بين الدولة والملكية العقارية في المغرب إبّان الحماية. فمن جهة، كانت الإدارة الفرنسية تسعى إلى تعظيم الإيرادات من الأملاك المخزنية من خلال السمسرات العمومية وتشجيع الاستثمار الأجنبي. ومن جهة أخرى، كان المغاربة يخشون من أن هذه السياسة الجديدة ستؤدي تدريجياً إلى تجريدهم من أراضيهم لصالح المستوطنين الأوروبيين الذين يتمتعون بامتياز السيولة المالية وضمانة الحماية الإدارية.
وقد تجلت هذه المخاوف في التمييز الوارد في السمسرة بين الأراضي المخصّصة للأجانب والأخرى المحفوظة للمسلمين، مما يُشير إلى أن الإدارة كانت واعيةً بهشاشة التوازن الاجتماعي وإمكانية أن يُفضي التهافت الأوروبي على الأراضي إلى موجات من السخط الشعبي.
🗣️ 4. اللغة والأسلوب: شاهدٌ على التحولات الثقافية
يكشف الأسلوب اللغوي المستخدم في هذا العدد عن مرحلة مثيرة من تطور العربية الإدارية المغربية في مواجهة الهيمنة الفرنسية. فمن جهة تتمسك الكتابة بمفردات العربية الفصحى التقليدية في الصياغة القانونية والإدارية، ومن جهة أخرى تضطر إلى استيعاب موجة من المصطلحات الفرنسية المُعرَّبة كـ"الكيلومتر" و"الاتوموبيل" و"البواخر" و"الميكروبات" و"السمسرة" و"الفرق الصحية"، وهي كلها مفردات تُجسّد عمق التسرب الثقافي المرافق للتسرب الإداري والاقتصادي.
ومن الأسلوبيات اللافتة في هذا العدد التحوّل من "الكوميسير" الوارد في العدد السابق إلى مصطلحات أكثر عربيةً في مواضع عدة، مما يُشير إلى عدم الاستقرار المصطلحي في تلك المرحلة وصراع المعايير بين التعريب والتفرنس في الكتابة الإدارية الرسمية.
🏁 ثالث عشر: خاتمة — ما تقوله الوثيقة وما تصمت عنه
في نهاية هذه الرحلة التحليلية العميقة في ثنايا الجريدة الرسمية المغربية في عددها الثامن والثلاثين، يمكن القول دون مبالغة إن هذه الوثيقة الصغيرة في حجمها الكبيرة في دلالاتها تُختزل المغرب عام 1914 في كثافة نادرة وثراء استثنائي. فمن ظهير ضريبة المباني في فاس ومكناس وأزمور، إلى الفرق الصحية النقالة وشبكاتها الميدانية، مروراً بأسعار الحبوب واللحوم في مكناس وأخبار ميناء الرباط وجمعيات طنجة وسمسرات أملاك مراكش، تبرز أمامنا بانوراما تاريخية غنية لمجتمع في حالة تحول متسارع ومتناقض.
ما تقوله الوثيقة صراحةً:
تقول هذه الوثيقة صراحةً إن إدارة الحماية الفرنسية كانت في سنة 1914 تُنجز مشروعاً إصلاحياً بنيوياً شاملاً يمسّ أعمدة المجتمع والدولة المغربية: النظام الضريبي، والمنظومة الصحية، والبنية التحتية، والإدارة القضائية، وإدارة الممتلكات. وتقول إن هذا الإصلاح كان يجري في المجمل على الهياكل الرسمية للمؤسسات المغربية التقليدية كالظهائر الشريفة ونظام القياد والأحباس والقضاء الشرعي، مع إحكام السيطرة الفرنسية على مضامينها الفعلية وتوجيهاتها الإستراتيجية.
تحميل العدد 38 لسنة 1914 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
إرسال تعليق