قراءة تحليلية شاملة ومفصلة في العدد 18 من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية (سبتمبر 1913): تشريعات، اقتصاد، وتحولات هيكلية

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

قراءة تحليلية شاملة ومفصلة في العدد 18 من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية (سبتمبر 1913): تشريعات، اقتصاد، وتحولات هيكلية

تحميل العدد 18 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

مقدمة

تشكل الوثائق الرسمية والمراسيم الحكومية القاعدة الصلبة التي يبنى عليها فهمنا لتاريخ المؤسسات وتطور هياكل الدولة. وفي هذا السياق المرجعي، نضع بين أيديكم دراسة تحليلية مستفيضة وقراءة قانونية واقتصادية متعمقة لمحتويات العدد 18 من "الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية". صدر هذا العدد التاريخي، الذي يوثق لأحداث ومراسيم السنة الأولى من عمر هذه النشرة الرسمية، في عاصمة المملكة، رباط الفتح، بتاريخ 3 شوال من عام 1331 هجرية، وهو ما يوافق بالتاريخ الميلادي الخامس (5) من شهر سبتمبر سنة 1913.

لقد كان ثمن الصحيفة الواحدة من هذا العدد محدداً في عشرين (20) صانتيماً، وهو تسعير يعكس القيمة المالية للوثيقة المطبوعة في تلك الحقبة الزمنية. ولضمان وصول هذه النشرة التشريعية والإخبارية إلى كافة المهتمين بالشأن العام، سواء من الإداريين أو التجار أو عموم المواطنين والأجانب، قننت الإدارة نظاماً دقيقاً للاشتراكات. فقد نصت التعليمات الإدارية بوضوح على أنه يجب على كل من أراد الاشتراك في هذه الجريدة أن يوجه طلبه مباشرة إلى إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية الكائن مقرها بالرباط، أو كخيار بديل لتسهيل الإجراءات، يمكن تقديم الطلب من خلال جميع بنيقات (مكاتب) البوسطة (البريد) الموزعة في مختلف أنحاء المغرب. ولضبط الحسابات والآجال، تم التنصيص قانونياً على أن مبدأ سريان الاشتراك يبتدئ وجوباً من أول الشهر.

أما من الناحية المالية الصرفة، فقد وضعت الإدارة تسعيرة اشتراك متدرجة تراعي البعد الجغرافي للمشتركين وتكاليف الإرسال. فبالنسبة للراغبين في الاشتراك من داخل تراب المملكة الشريفة، حُددت قيمة الاشتراك في 3.50 فرنكات لمدة ثلاثة أشهر، و6 فرنكات لمدة ستة أشهر، و10 فرنكات لمدة سنة كاملة. في المقابل، وتغطية لتكاليف الشحن الدولي، تم رفع هذه القيمة بالنسبة للمشتركين المتواجدين خارج المملكة الشريفة لتصبح 4.50 فرنكات لثلاثة أشهر، و8 فرنكات لستة أشهر، و15 فرنكاً لاشتراك السنة الكاملة.

يتميز هذا العدد بهندسة تحريرية واضحة المعالم، حيث ينقسم إلى قسمين رئيسيين يفصلان بين التشريعي الملزم والإخباري التوجيهي، وهو ما يتضح جلياً من خلال "فهرسة" الجريدة. يضم القسم الرسمي مجموعة من المراسيم الحيوية، وتشمل: تعيين في موظفي الإقامة العامة، قرار من المقيم العام بشأن تنظيم مركز الرحامنة والسراغنة وتأسيس مكاتب استعلامات، إلحاق موظف بإدارة الاستعلامات، وتقارير تخص إدارة التعليم العمومي. أما القسم الغير رسمي، فيزخر بتقارير سوسيو-اقتصادية دقيقة تشمل: أخبار وإعلامات من جانب مصلحة الدروس والإعلامات الاقتصادية، أخبار وإفادات عامة، ملف إصلاح الأحباس، نتيجة إحصاء السكان الدقيق لمدينة الرباط، ويختتم بصفحة الإعلانات التجارية.


المحور الأول: القسم الرسمي - الهندسة الإدارية، العسكرية، والتعليمية

يعتبر القسم الرسمي في هذه الوثيقة تجسيداً مادياً لسلطة الإدارة الاستعمارية وسعيها الحثيث لإعادة هيكلة أجهزة الدولة المغربية، بسط النفوذ الترابي، وتأسيس منظومة تعليمية جديدة.

1. التعيينات والتبديلات في هرم الإقامة العامة

في إطار الحركية الإدارية وتجديد الدماء في المفاصل الحساسة للإدارة، أصدرت السلطات العليا قراراً يهم تبديلاً في مستخدمي الإقامة العامة. فبموجب قرار صادر من جناب المقيم العام، يحمل تاريخ 29 أغشت (غشت) عام 1913، تم تعيين المسيو "رافيلو" للقيام بمهام حساسة. المسيو رافيلو، الذي كان يشغل خطة "رئيس قلم من الرتبة الرابعة"، تم ترقيته وتكليفه بمهام "رئاسة المكتب المدني" التابع للإقامة العامة، وهو منصب إداري سيادي يعكس الثقة في قدراته التدبيرية لإدارة الشؤون المدنية في فترة اتسمت بالتحولات السريعة.

2. التنظيم الترابي والأمني: إعادة هيكلة مركز الرحامنة والسراغنة

لم تكن السيطرة على المجال الجغرافي المغربي تتم صدفة، بل عبر قرارات مدروسة تعيد رسم الخرائط الأمنية. وفي هذا الصدد، أصدر المقيم العام (الجنرال ليوطي) قراراً استراتيجياً غاية في الأهمية بشأن تنظيم المركز الحربي في منطقتي الرحامنة والسراغنة، وإنشاء مكاتب للاستعلامات (المخابرات الإدارية) في كل من بن كرير والقلعة، مع الإبقاء على مكتب مؤقت بمراكش. هذا القرار، الذي ذيل بتوقيع ليوطي، حُرر في مدينة مراكش بتاريخ 13 أغشت عام 1913 (الموافق لـ 10 رمضان المعظم 1331)، وتضمن مقتضيات تنظيمية صارمة.

  • المقتضى الأول (التوسيع الجغرافي): تقرر أن المركز الحربي الذي سبق وأن أُنشئ بمنطقة الرحامنة (بموجب قرار سابق يحمل النمرة 1591 وتاريخه 6 أكتوبر)، سيصبح نطاقه الجغرافي أوسع. فقد نص القرار صراحة على أن هذا المركز يشمل ويغطي "منذ الآن فصاعداً" تراب كل من قبيلتي الرحامنة والسراغنة معاً. وبناءً على هذا التوسع، صدر الأمر بأن "يتحول اسمه القديم إلى الاسم الجديد"، ليصبح معترفاً به إدارياً وعسكرياً تحت مسمى "مركز الرحامنة والسراغنة". وقد تقرر أن تكون "إدارته الرئيسية في مراكش"، حيث سيظل هناك أيضاً مكتب الاستعلامات المركزي المتعلق بهذا المركز الشاسع.
  • المقتضى الثاني (الضبط الاستخباراتي والإداري): حدد القرار بدقة المهام والصلاحيات؛ حيث أُوكلت لإدارة مكتب المركز المذكور صلاحية أن "تدير جميع المسائل الراجعة لقبيلتي الرحامنة والسراغنة". ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كلفت أيضاً بأن "تراقب إدارة الرحامنة بالحوز"، وهو القسم الجغرافي الضارب والممتد من هذه القبيلة ما بين منطقة تمصلحت وجبال الجبيلات.
  • تأسيس الفروع الاستخباراتية (أ وب): لإحكام القبضة الميدانية، أقر المقيم العام هيكلة فرعية دقيقة. النقطة (أ) نصت على إنشاء وتأسيس مكتب للاستعلامات من "الدرجة الثالثة" (في نمط وتصنيف هذه المكاتب) بمركز "بن كرير". وقد كُلف هذا المكتب بمهام "المراقبة السياسية والإدارية" للقسم الضارب والممتد ما بين الجبيلات ونهر أم الربيع من تراب القبيلة المذكورة. النقطة (ب) نصت على أن مكتب الاستعلامات ذو الدرجة الثالثة، الذي كان يتواجد بمراكش والمختص حصرياً بالمراقبة السياسية والإدارية بمنطقة "السراغنة"، تقرر أن "سيتحول إلى القلعة" ليكون أقرب إلى مسرح عملياته.

3. قطاع التعليم العمومي: حصيلة سنة التأسيس وآفاق المستقبل

يعتبر التقرير الخاص بإدارة التعليم العام من أهم الوثائق التي ترصد بدايات مأسسة التعليم الحديث في المغرب تحت نظام الحماية. يقدم التقرير حصيلة تقييمية إيجابية، حيث يعلن بفخر أن السنة المدرسية، التي كانت قد ابتدأت في شهر أكتوبر الماضي لعام 1912-1913، قد "انتهت على ما يرام من تحقيق الآمال". ويؤكد محرر التقرير أن هذا النجاح قد تحقق "رغماً عن الصعوبات العديدة التي تلم بكل أمر حين الشروع بتنظيمه" وتأسيسه من الصفر.

وقد لغة الأرقام شاهداً قوياً على هذا التطور السريع؛ فقد بلغ عدد التلامذة والطلاب الذين التحقوا وتلقوا الدروس على مقاعد التلمذة في المدارس نحو 3500 طالب، يضمون خليطاً من الطلاب الأجانب والوطنيين المغاربة. هذا الرقم المسجل في "ختام العام المدرسي" (أي في عام 1913) يعتبر قفزة هائلة، خصوصاً وأن التقرير يشير إلى أن "ابتداء العام لم يكن فيه على مقاعد التدريس غير 500 طالب فقط".

بناءً على هذه الأرقام، تعبر الإدارة التعليمية عن كونها "مبتهجة بهذه النتيجة" الإيجابية في سنة وصفت بأنها كانت "عندها سنة تجربة وتدبير نظام جديد محفوف بجميع الصعاب" والعقبات. ويستخلص التقرير دروساً إدارية هامة، حيث يؤكد أن "الاختبار (التجربة الميدانية) دل على وجوب توحيد الإدارة" وتضافر الجهود للقيام بالعمل التعليمي "بكل تعاضد". ويرى التقرير أن هذا التوحيد "سيكون له نتائج مفيدة بالمستقبل". ويختتم التقرير نظرته التفاؤلية بالإشارة إلى أن السنة المدرسية المقبلة "تبشر بحسب الاستعداد الظاهري أنها ستكون سنة عمل وإقبال بالمدارس"، وهو مؤشر إيجابي "يزيد ميل الإدارة إلى تذليل الصعاب في سبيل إجابة رغبة الطلاب" وتوفير مقاعد الدراسة لهم.


المحور الثاني: القسم الغير رسمي - البنية التحتية، الموانئ، والنهضة الصناعية

يمثل القسم الغير رسمي نافذة واسعة للاطلاع على نبض الاقتصاد والتطور العمراني. من خلال "أخبار من مصلحة الدروس واستعلامات اقتصادية"، ترصد الجريدة تحولات عميقة في البنية التحتية والمواصلات.

1. استراتيجية الأمن المائي: مشروع تزويد الدار البيضاء بالماء

يعكس التقرير الخاص بـ "الماء في الدار البيضاء" وعياً مبكراً بضرورة مواكبة النمو الديموغرافي والاقتصادي للمدينة بتوفير البنية التحتية الأساسية. يفيد التقرير أنه حينما رجع المقيم العام من جولته في منطقة "تادلة" إلى مدينة "الدار البيضاء"، فإنه "اغتنم فرصة وجوده فيها لدرس مسألة جر المياه" الصالحة للشرب إلى تلك المدينة الساحلية التي كانت تعاني من شح الموارد المائية النقية.

وقد اتخذ هذا المشروع طابعاً استعجالياً وجدياً؛ حيث يؤكد التقرير أنه "بعد الاطلاع على جملة تقارير في هذا الموضوع" الحيوي، تم الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فقد "اتخذت جميع الاحتياطات لإنزال المعدات اللازمة لهذه الأشغال" الكبرى وذلك "قبل فصل الشتاء" لتفادي تعطل العمل بسبب سوء الأحوال الجوية. ويخلص التقرير إلى توقع زمني متفائل، مشيراً إلى أنه "من المحتمل أن مدينة الدار البيضاء تشرب من تلك المياه في صيف العام القادم" (أي صيف 1914).

2. التوسع اللوجستي: تعزيز أسطول مرسى الدار البيضاء

في قطاع النقل البحري، تورد الجريدة تفاصيل دقيقة عن تطوير "مرسى (ميناء) الدار البيضاء". فقد وصل في تاريخ 17 من الشهر الماضي إلى ميناء مدينة طنجة "مركب جر يجر ثلاث قوارب كبرى" مخصصة لمرسى الدار البيضاء. وقد أوضحت الوثيقة الغاية من هذا التجهيز، حيث أوردت أنه "ستضاف هذه القوارب لمثلها" المتواجدة أصلاً بالمرسى المذكورة، وذلك "سداً لحاجة شحن وتفريغ السلع" التجارية المتدفقة، وهي حاجة "يتزايد (الطلب عليها) يوماً فيوماً بذاك المرفأ" الاقتصادي النشط.

ولأهمية هذه العملية اللوجستية، أشرف عليها مسؤول رفيع؛ حيث "سافر القومندان كيين، مفتش مصلحة المعاملات البحرية، إلى طنجة" خصيصاً لهذه المهمة. وقد قام بنفسه بجر القوارب المذكورة بواسطة "بابور الجر"، وتمكن من إيصالها بأمان "حتى الدار البيضاء بدون مساعدة بابور آخر"، وفي ظرف زمني قياسي حيث "وصل إلى الدار البيضاء في خلال أربع وعشرين ساعة" فقط.

ولم تقتصر التعزيزات على هذا الحد، بل وصل دعم لوجستي إضافي، حيث جلب البابور (الباخرة) المسمى "سان هيلان" إلى نفس المرسى "ثلاث قوارب للشحن أيضاً". وقد تركت هذه المجهودات المتتالية أثراً إيجابياً بالغاً في الأوساط التجارية؛ فقد "سُرَّ هذا كله تجار الدار البيضاء"، نظراً "لما في ذلك من التسهيلات" في حركة الاستيراد والتصدير، واعتبروه "دليل اهتمام الحكومة بجميع الشؤون" الاقتصادية والتجارية.

3. النهضة الصناعية وتحديث الإنتاج بمدينة آسفي

في إشارة قوية لانتقال المغرب نحو التصنيع، خصصت الجريدة حيزاً للحديث عن "الصناعة الخصوصية بآسفي". يوثق التقرير لقفزة نوعية في النسيج الاقتصادي للمدينة الساحلية، حيث يؤكد أنه قد "أُنشأ في آسفي صناعتان جديدتان" تمثلان قطيعة مع طرق الإنتاج التقليدية البحتة.

  • الصناعة الأولى (الأمن الغذائي): تتجلى في تأسيس "مطحنة على النسق العصري" الحديث. هذه المطحنة، التي أُعلن أنها "ستبتدئ قريباً بالطحن"، تهدف إلى توفير خدمة حيوية للسوق المحلي، حيث ستعمل على أن "تقدم للفرانين (أصحاب المخابز) الطحين النقي بأثمان متهاودة (رخيصة ومناسبة) عن الأثمان الموجودة" في السوق التقليدي، مما سيساهم بشكل مباشر في أن "تصلح بذلك خبز الخبز" وترفع من جودة الرغيف الموجه للمستهلك.
  • الصناعة الثانية (الصناعة الثقيلة والصيانة): تتمثل في افتتاح "معمل حديد" متكامل. هذا المعمل ليس مجرد ورشة بسيطة، بل هو منشأة صناعية قادرة على أن "يصنع جميع الحدايد واللوالب والدواليب والمفاتيح والأقفال وما يلزم من تقاطيع ومفصلات". وتتجلى الأهمية الاقتصادية القصوى لهذا المعمل في قدرته على الصيانة الدقيقة؛ فهذا المعمل "يصلح قطع الاتوموبيلات المعطلة بأثمان قليلة"، وهو ما يعود بنفع عظيم على مالكي السيارات، إذ "يغني أصحابها عن إرسالها بعيداً (إلى الخارج أو لمدن أخرى) لأجل ذلك" الغرض، مما يوفر الوقت والعملة الصعبة ويدعم البنية التحتية لقطاع النقل الحديث.

4. الغلاء والتضخم: تحليل أسعار الحبوب والمحروقات بآسفي

رغم مظاهر التحديث الصناعي، لم تكن الأوضاع المعيشية مثالية. فقد رصد تقرير تحت عنوان "أثمان الحبوب بآسفي" موجة من التضخم والغلاء ضربت الأسواق المحلية. يشير التقرير بوضوح إلى أنه قد "شوهد بشهر يوليو الماضي ارتفاع أثمان الحبوب في أسواق آسفي"، وترافق ذلك مع "ارتفاع أثمان المأكولات" بشكل عام، مما يشير إلى أزمة في العرض أو زيادة مفرطة في الطلب.

ولم يقتصر الغلاء على المواد الغذائية، بل شمل مصادر الطاقة الأساسية للمواطنين؛ فأما "فحم الحطب، فقد زاد زيادة تذكر" وارتفع ثمنه بشكل ملحوظ. ولتوثيق هذا الارتفاع بلغة الأرقام الدقيقة، أوردت الجريدة أن "حمل الجمل" من فحم الحطب قد بُيع منه في أواخر شهر يوليو بمبلغ قياسي وصل إلى "375 فرنك"، في حين بلغ ثمن "حمل الحمار" من نفس المادة مبلغ "250 فرنك". هذه الأرقام تعكس عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على كاهل الفئات الشعبية التي تعتمد كلياً على هذا الوقود في حياتها اليومية.


المحور الثالث: ثورة "الاتوموبيلات" - تحول جذري في طرق المواصلات

يمثل التقرير المخصص لـ "الاتوموبيلات بالمغرب" وثيقة تاريخية نادرة تؤرخ لدخول عصر السيارات إلى المملكة الشريفة، وكيف غيرت هذه الآلة مفهوم المسافة والزمن.

يستهل التقرير بيانه بإعلان حقيقة ميدانية جديدة: لقد "أصبحت الاتوموبيلات اليوم لهذه الإيالة الواسطة الوحيدة المألوفة لتنقل المسافرين" وقطع المسافات الطويلة، متجاوزة بذلك الدواب والقوافل التقليدية. ويستشرف التقرير مستقبلاً واعداً لهذا القطاع، مؤكداً أن هذه السيارات "ستصل كذلك إلى جميع الجهات"، ولكن هذا الوصول مشروط بـ "أن يتم إنشاء الطرقات الجديدة من كل نوع وفن" هندسي. وبالفعل، أثبتت الملاحظة الميدانية هذا الارتباط العضوي بين البنية التحتية والمركبات، حيث يُسجل التقرير: "ونرى عدد الاتوموبيلات يتزايد بتزايد إصلاحات الأكامات (التضاريس الوعرة) والطرقات بالداخلية".

ولتدعيم هذه الظاهرة لغة الأرقام، قدمت "مصلحة الديوانات" (الجمارك) إحصائيات دقيقة ترصد حجم الاستيراد المالي والتجاري. ففي عام 1912، ذكرت المصلحة أن ما دخل إلى البلاد من الاتوموبيلات قد "بلغ عدده 27 سيارة"، وقد قدرت القيمة المالية الإجمالية لهذه السيارات المستوردة بأن "ثمنها جميعاً 160,000 فرنك". لكن هذا الرقم سرعان ما شهد طفرة هائلة في العام الموالي؛ فقد "بلغ عدد الداخل منها في الستة شهور الأولى من العام الجاري (1913) 98 سيارة"، وقفزت قيمتها المالية ليبلغ "ثمنها حسب ما سُجل بالديوانات 420,000 فرنكاً". ويعبر التقرير عن تفاؤل اقتصادي كبير، مؤكداً أنه "لا غرو (لا عجب) أن الزيادة ستكون أكثر فأكثر في النصف الثاني من العام"، والسبب المباشر في هذا التوقع الإيجابي يعود "بسبب الإصلاحات العديدة التي أجريت بالطرقات" والتي شجعت المزيد من المستثمرين والأفراد على اقتناء هذه المركبات.

ولإثبات كفاءة هذه السيارات وسرعتها المذهلة مقارنة بوسائل النقل التقليدية، أوردت الجريدة تقارير عن رحلات موثقة تحت عنوان "سير فخيم".

  • الرحلة الأولى (مراكش - آسفي): أقدم أحد التجار المغامرين على قطع المسافة الرابطة بين مدينتي مراكش وآسفي، والتي يبلغ "طولها 170 كيلومتر"، في ظرف قياسي بلغ "6 ساعات" فقط في رحلة الذهاب. ولم يكتفِ بذلك، بل تمكن من أن "يرجع (في رحلة الإياب) بمدة 4 ساعات" فقط، وهو إنجاز مذهل في تلك الحقبة يبين مدى جودة أجزاء من تلك الطريق وقوة محرك السيارة.
  • الرحلة الثانية (الدار البيضاء - مراكش): وثقت الجريدة رحلة طويلة وشاقة لـ "السيارة التي هي من نمر 14"، والتي تمكنت من أن "تجتاز المسافة بين الدار البيضاء ومراكش بيوم واحد". وقد حدد التقرير هذه المسافة بدقة متناهية في "280 كيلو و500 متر". وقدم التقرير "سجل الرحلة" (Logbook) بالتفصيل الممل لإثبات هذا الإنجاز:
    • رحلة الذهاب: "سافرت من الدار البيضاء الساعة الرابعة صباحاً وعشرين دقيقة". كانت حمولتها تشمل "أربعة ركاب وماية و80 كيلو من الأثقال" (الأمتعة). ورغم أن "الضباب كان كثيفاً" في الصباح الباكر، استمرت الرحلة بثبات. اجتازت السيارة منطقة "مديونة عند الساعة الخامسة والدقيقة العاشرة". ومرت بـ "دار بن الرشيد عند الساعة السادسة" تماماً. ثم وصلت "سطات الساعة السادسة والدقيقة أربعون". وتابعت إلى "مشرع ابن عبو الساعة السابعة والدقيقة خمسة وخمسون". ثم "سوق الأربعا الساعة الثامنة والدقيقة اثنا وأربعون". وبلغت "بن كرير الساعة التاسعة والدقيقة عشرون". وعند وصولها إلى "سيدي بوعثمان الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة"، واجهت عطلاً ميكانيكياً طارئاً. ولكن "بعد إصلاح خلل حصل للسيارة هناك"، تمكنت المركبة "بالرغم عن ذلك من الدخول إلى الحمراء (مراكش) عند الساعة الحادية عشر صباحاً والدقيقة ثمانية وثلاثين".
    • رحلة الإياب: لم ترتح السيارة طويلاً، فـ "بعد أن تناول ركابها طعام الظهر في عاصمة الجنوب (مراكش)"، استأنفوا الرحلة و"ركبوها راجعين إلى الدار البيضاء الساعة الواحدة والدقيقة الخامسة" بعد الزوال. فوصلوا طريق العودة إلى "سيدي بوعثمان عند الساعة الواحدة والدقيقة أربعين". وإلى "بن كرير عند الساعة الثانية ونصف". وإلى "سوق الأربعا الساعة الثالثة والدقيقة الخامسة". وإلى "مشرع ابن عبو الساعة الرابعة" تماماً. ثم "إلى سطات الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة". ومرت بـ "إلى ابن رشيد الساعة السادسة". و"إلى مديونة الساعة السادسة ونصف". وأخيراً، دخلت نقطة الوصول "إلى الدار البيضاء الساعة السابعة والدقيقة العاشرة" مساءً. ويشير كاتب التقرير بواقعية إلى أن "السيارة قد وقفت في عدة أماكن لتجديد الماء وروح البخار" لتبريد المحرك، وهو أمر طبيعي لتكنولوجيا ذلك العصر. هذه الرحلة الموثقة بالساعة والدقيقة شكلت إعلاناً رسمياً لانتصار الآلة على وعورة الجغرافيا المغربية.

المحور الرابع: الملف الشائك - الفساد التاريخي وإصلاح منظومة الأحباس

يشكل الملف المعنون بـ "إصلاح الأحباس" أطول وأهم مادة قانونية واجتماعية في هذا العدد، حيث يعالج إشكالية عقارية ودينية معقدة تضرب بجذورها في عمق المجتمع المغربي.

يستهل المحرر هذا الملف بتشخيص صريح للأزمة العقارية في المغرب، مؤكداً أنه "لا ينكر أحد أن الخلل كان دائماً موجوداً في المسائل العقارية بالمغرب". هذا الخلل الهيكلي لم يكن وليد اللحظة، بل "ظهر ذلك الخلل في السنين الأخيرة وكاد أن يتفاقم أمره"، والسبب المباشر في هذا التفاقم يعود بشكل خاص لـ "حيازة الأجانب للأراضي" بشكل متسارع وغير مقنن. أمام هذا الوضع الكارثي، "فكان من الواجب وضع الدواء لهذا الداء" جذرياً "في ابتداء حكومة الحماية" لبسط سيادة القانون، وقد ركزت الإدارة جهودها "ووضع الإصلاح خصوصاً بإدارة الأحباس" باعتبارها خزاناً عقارياً ضخماً.

1. التعريف الفقهي والقانوني للأحباس

لتبسيط المسألة، يقدم النص تعريفاً دقيقاً؛ "والأحباس كما لا يخفى هي إدارة دينية"، وكل "ما حُبس فيها حُبس على أمور دينية تتعلق بالجمهور" أو بالشأن العام. ومن الناحية الفقهية والقانونية الصارمة، فإن هذه الأملاك الموقوفة "لا تقبل التفويت" (البيع) بأي شكل من الأشكال. ويصنف المشرع الحبس شرعاً وقانوناً "على نوعين: عمومي وخصوصي".

  • الحبس العمومي: هو ما حُبس وأُوقف بحيث "فيه بملكيته مطلقاً على شيء عمومي" (مصلحة عامة كالمدارس، المساجد، المستشفيات).
  • الحبس الخصوصي (الذري): هو "ما نُسبت فائدته المحبسة إلى ورثة المحبس" وعائلته. ولكن هذا النوع مقيد زمنياً، حيث إن هذه الفائدة "من بعدها يعود إلى الحبس العمومي"، وذلك يحدث تحديداً "عندما يتلاشى أصل وجود المحبس عليهم" (انقراض النسل الموقوف عليه)، فينتهي حينها "ذاك الحبس الخصوصي" ليصبح ملكاً عمومياً للأمة.

2. الفساد الإداري والتلاعب التاريخي

يؤكد التقرير حقيقة اقتصادية هامة، وهي أن "والحبس كثيرة بالمغرب الأقصى"، وتشكل ثروة طائلة. ومن الناحية الإدارية التقليدية، "يتولى إدارتها ناظر يعينه السلطان لذلك بكل مدينة". ويرسم التقرير صورة مثالية لما يجب أن تكون عليه الأمور: "فإذا أُحسن القيام بإدارتها، لكانت تكفي مداخيلها للقيام بميزانية النفقات الدينية، وصوائر الجوامع والمساجد والعبادات، وصوائر العدلية، والتعليم الفقهي الإسلامي، والإعانة الطبية العمومية".

ولكن، وللأسف الشديد، يقر التقرير بمرارة أنه "ولكن بالأسف فقد دخل التلاعب بهاتيك الإدارات وفسد نظامها" بشكل ممنهج عبر عقود. وقد اتخذ هذا الفساد أوجهاً إجرامية وتجاوزات شرعية خطيرة؛ حيث "وتملك بعض النظار الخونة بعض الأملاك التي ائتمنوا عليها" وخانوا الأمانة الشرعية. ولم يقفوا عند هذا الحد، بل "وباعوا بعضها" في تعدٍّ صارخ على مبدأ عدم التفويت، و"وأجروا البعض الآخر إلى أزمنة طويلة"، وهو تصرف "مما يخالف القاعدة الشرعية الإسلامية بهذا الصدد". وقد تفنن هؤلاء في التحايل عبر ما سمي ببيع "المفاتيح" (الزينة/الجلسة/الخلو)، حيث "وباعوا المفاتيح أي بيع الملكية على الإطلاق مؤبداً"، مما جرد الأحباس من أصولها.

أما على مستوى المداخيل الإيجارية، فقد كانت الوضعية كارثية. يوضح التقرير أن "وكانت الأجور التي كريت بها أملاك الحبس مبنية على نسبة وقتية قديمة"، أي بأسعار زهيدة جداً، "دون النظر إلى ما يمكن أن تحصل عليه من الزيادة بالمستقبل" مع تطور الأسعار. هذا الخلل أدى إلى وضع شاذ، "حتى أننا نرى الآن من سبق له كراء محل أو بلاد للحبس، يكريها (يؤجرها من الباطن) عشرة أضعاف ما يدفع عليها" للإدارة. وهذا المكتري الطفيلي "ويتمتع بهذه الغبطة (الربح الفاحش) غير ناظر لما يهضمه من حق الحبس" والمجتمع.

ولم يقتصر الفساد على الإيجار من الباطن، بل وصل حد التمرد على الدفع؛ فنجد أن "ومن بيده مفتاح من مفاتيح الحبس نسي أو تناسى دفع الكراء منذ سنين"، مستغلاً الفوضى الإدارية و"لعدم من يطالبه بذلك". وبعضهم وصل به التمرد "أو لرفضه الدفع بحجة أنه حسّن بالملك (أدخل تحسينات) أو زاد عليه لمصلحته الخصوصية"، بل وصل الغرور ببعضهم حد الادعاء "أو أنه صار يحسب الملك ملكه، لا منازع ولا معارض له". "وكانت نتيجة هذا" الفساد المتراكم هي "اختفاء عدد من الأملاك المذكورة" من السجلات نهائياً.

ورغم كل هذا الاستنزاف والنهب الممنهج، يؤكد التقرير قوة هذه المؤسسة، مشيراً إلى أن "وما بقي منها (من أملاك) ما هو عليه من الاضمحلال، لا زال كافياً للقيام بأعمال كبرى وإدخال الفوائد الكثيرة"، وهذا "رغماً عن أنه الآن لا يُدخل شيئاً عظيماً" مقارنة بحجمه الحقيقي. كما ينتقد التقرير خللاً منهجياً آخر في الصرف، حيث "وأُهمل أيضاً وضع فوائد الحبس بالأمور التي حُبست وخصصت له"، مما يعني انحراف المداخيل عن غايات المحبسين الأصليين.

3. مقاربة الحماية: الإصلاح بحذر وضمانة الشرع

"ولأجل ما تقدم"، كان من الطبيعي والمحتم أن "كانت هذه المسألة من المسائل التي تهم الحكومة الحامية بمقدمة جميع المسائل وأشدها احتياجاً وسرعة للإصلاح" الجذري. لكن إدارة الحماية الفرنسية أدركت حساسية الملف الديني، فأيقنت أنه "وكان من اللازم أن لا يصير الإقدام على إصلاح ما ذكر وضبطه إلا بكل فطانة وتيقظ وحزم وتدبير" دقيق.

لذلك، اختارت المقاربة التشاركية الدينية، "وبعد أخذ رأي العلماء الجهابزة بهذا الفن" (فقهاء النوازل والأحباس)، وذلك لتفادي أي اصطدام مجتمعي، "لئلا يكون عمل الإصلاح داعياً لمظنة الوطنيين وظهوره أمام أعينهم بمظهر الإجحاف لحقوقهم أو ماساً لتقاليدهم المرعية شرعاً". كما أرادت الإدارة قطع الطريق على المناوئين، وتفادي أن يكون هذا التدخل "أو سبباً لتشدق أعداء الحماية وتقولهم"، فيعمدون إلى أن "فينسبون الدولة الحامية إلى اغتصاب أملاك الحبس الدينية أو التسلط عليها وتبديل منفعتها".

4. الهيكلة الجديدة والترسانة القانونية المنظمة

تجسد الإصلاح أولاً في الهيكلة الإدارية. "فكان أول ما شُرع به إنشاء إدارة عمومية للحبس في دار المخزن" المركزية، لتكون سلطة وصاية عليا. الهدف "من شأنها مراقبة جميع الحبس وأملاكه بالإيالة"، بالإضافة إلى مهمة "وتوزيع الدخل منه على ما وضع عليه كما هي روح المحبس ونيته بما حبسه"، لضمان احترام إرادة الواقف. ولإحكام الرقابة الحكومية، تم "وإنشاء مكتب خاص في إدارة الكتابة العامة للدولة الشريفة" تكون وظيفته "لمراقبة إدارة الحبس" بشكل دقيق.

لتفعيل هذا الإصلاح، تم إصدار ترسانة من القوانين والظهائر الشريفة المتعاقبة:

  • الظهير الأول (التجميد): "وفي 18 ذي الحجة عام 1330 الموافق 28 نوفمبر عام 1912، أعلنت الحضرة الشريفة بظهير شريف مصادرة جميع ما فوت من تلك الأملاك بواسطة البدل والعوض"، كإجراء احترازي لوقف النزيف العقاري "إلى أن تتمكن الإدارة الجديدة من فحص كل مسألة على حدة والنظر فيها وتحقيقها".
  • الظهير الثاني (الإحصاء): "وفي ظهير شريف مؤرخ أول محرم عام 1331 الموافق 11 دسمبر عام 1912، صدر الأمر المولوي بتشكيل لجنة بكل مدينة لمعرفة أملاك الحبس وتخمينها" جردها وتقييم قيمتها الحقيقية. "وبعد أن أتمت تلك اللجن أعمالها رفعتها إلى المخزن" المركزي لاتخاذ القرار.
  • الظهير الثالث (القانون المنظم): تتويجاً لهذا المسار، "فأصدر جلالة السلطان ظهيراً بتنظيم الحبس"، وهو قانون متكامل ودقيق. يقول المحرر: "يمكنا الآن نقل شيء من نصه وهو:".

تضمن هذا الظهير التنظيمي قواعد قانونية اقتصادية صارمة تقطع مع فوضى الماضي:

  1. الشفافية والمنافسة: "أن تحسين حالة الحبس تقضي أن لا يكرى منه شيئاً أو تصير المعاوضة بشيء فيه إلا بالسمسرة العمومية" العلنية لضمان أعلى عائد للخزينة الدينية.
  2. تحديد الآجال: لمنع احتكار العقار لمدد طويلة بأسعار بخسة، نص القانون على أن "والعقارات المبنية لا تكرى إلا لسنة أو سنتين"، بينما "والأراضي تكرى لعشر سنين" لتشجيع الاستثمار الفلاحي فيها.
  3. تشجيع الاستثمار وتحسين العقار: "وتجدد مدة الكراء بمثل المدة السابقة إذا كان المكتري قد أنفق في تحسين ملك الأحباس ما يوازي ثمن الكراء"، كحافز للمكترين لتطوير وتأهيل العقارات الحبوسية.
  4. المراجعة السعرية: لضمان مواكبة التضخم، نص القانون على أنه "ويزاد على ثمن الكراء خمسة بالماية (5%) عند كل تجديد" للعقد.
  5. المعاوضات: أجاز القانون أنه "ويمكن المعاوضة (التبادل الاستثماري) في الأملاك الغير مبنية" لتثمينها.
  6. معالجة إشكالية "المفاتيح": بخصوص أصحاب الخلو التاريخيين، نص القانون على "أما الأملاك التي بيع مفتاحها فتصير المفاهمة فيها مع أرباب المفاتيح على وجه حبي (ودي) لحملهم على زيادة الكراء الوقتي" لتسوية وضعيتهم ومسايرة الأسعار الجديدة. أما الوضعيات المعقدة الدولية، أي "والمفاتيح التي وصلت لأيدي الأجانب"، فقد تقرر أن "يقع الفصل فيها بناء على ما جاء في مادة 63 من عقد مؤتمر الجزيرة" الخضراء (الذي ينظم حقوق الأجانب العقارية بالمغرب).

يختتم المحرر تحليله لهذا الإصلاح بالتأكيد على نجاعته الشاملة، قائلاً: "فهذا التنظيم يكفل الحصول على الفوائد المطلوبة"، وفي نفس الوقت "مع مراعاة الشرائع والعادات التي يجب اعتبارها ومراعاتها" بدقة. كما يضمن "وضمانة دخل الحبس لصرفه لما وضع له"، وهو ما يحقق غاية نبيلة تتمثل في "وإرضاء الوطنيين بصيانة حبسهم من العبث والتلاعب به". ومن الزاوية السياسية والاقتصادية للدولة الحامية، فإن هذا الإصلاح يساهم في "وتخفيف عبء النفقة عن ميزانية الدولة الحامية"، عبر توفير مداخيل ذاتية للشأن الديني، ويفضي إلى "وتحسين أملاك عديدة محبسة مهملة لا فائدة منها"، والهدف الأسمى في النهاية هو "وبالأخص وضع حد للخلل الحاصل بالحبس وسوء إدارته" التاريخية.


المحور الخامس: إخباريات جيوسياسية ومؤسساتية متنوعة

تطرق قسم "أخبار وإعلامات" لمجموعة من الأحداث الدبلوماسية، الرياضية، والتجارية التي تعكس اندماج المغرب في الدينامية الدولية.

  • 1. الجغرافيا السياسية (ميناء أصيلة): تحت عنوان "فتح مرسى جديدة للتجارة في المنطقة الاصبنيولية"، أوردت الجريدة خبراً دبلوماسياً يهم تقسيم النفوذ. فقد "أعلم وكيل إصبانيا بطنجة بكتاب رسمي تاريخه 12 أغشت عام 1913 مجلس السفراء بتلك المدينة" الدولية، بقرار سيادي يتمثل في "بأن حكومة إصبانيا فتحت مرسى أصيلا للتجارة الدولية" أمام الملاحة. وأوضحت الجريدة الموقع الاستراتيجي لهذا الميناء، مبينة أن "وهذه المرسى واقعة على نصف الطريق بين العرايش وطنجة"، مما يجعلها نقطة حيوية، ومؤكدة على أهميتها بكونها "وهي المرسى الثانية بالمنطقة الإسبانيولية على الأوقيانوس الأطلنتيكي".
  • 2. المؤسسات الرياضية (سباق الخيل): في مؤشر على نقل الأنماط الثقافية والترفيهية الأوروبية، تم الإعلان عن مستجدات تخص "جمعية السبق بالرباط". فقد "قررت جمعية سبق الخيل بالرباط في اجتماعها الأخير أن تعتمد على نظام جمعية السبق بالدار البيضاء في سيران أعمالها بالمستقبل"، مما يدل على محاولة توحيد القوانين المنظمة لهذه الرياضة، حيث قررت أن "وتتخذ ذلك النظام نظاماً وضابطاً لها". أما برمجتها السنوية، فقد "وقررت أن تجتمع أربع مرات بالعام: مرتين بالربيع ومرتين بالخريف". ولتجنب تضارب المواعيد، "ويعين زمن الاجتماع وإجراء المسابقات بعد الاتفاق مع جمعية الدار البيضاء". وفي التفاتة لتشجيع المشاركة المحلية، أُعلن أنه "وستعطى جوائز هامة لسباق الوطنيين" المغاربة.
  • 3. البعثات التجارية (قافلة ليون): تحت عنوان "قافلة من مدينة ليون بالمغرب"، رصدت الجريدة اهتمام غرف التجارة الفرنسية بالسوق المغربية الواعدة. أورد الخبر أن "إن جمعية شركة تلامذة الدروس الاستعمارية من غرفة تجارة ليون نظمت مؤخراً سياحتها السادسة في هذا العام بالجزائر والمغرب لإجراء دروس تجارية جديدة" واستكشاف الفرص الاستثمارية. وقد نُشر خط سير الرحلة المارثوني بدقة: "فيغادر أولئك ليون في 3 سبتمبر"، ليتوجهوا شرقاً حيث "فيزورون وهران وتلمسان ومغنية ووجده"، ثم "ويرجعون إلى وهران لركوب البحر لطنجة والدار البيضاء"، لتبدأ جولتهم في الداخل المغربي "ومنها إلى ابن الرشيد ورباط الفتح وسلا"، ليختتموا مسارهم بالعودة "ومن ثم إلى الدار البيضاء فطنجة ومنها إلى ليون" في فرنسا.

المحور السادس: الدبلوماسية الاقتصادية ومعالجة الأزمات (الدار البيضاء نموذجاً)

يبرز هذا المحور أهمية مدينة الدار البيضاء كقطب رحى للنشاط الدبلوماسي والتجاري، وكيفية تعامل الإدارة مع الأزمات الطارئة.

1. زيارة الجمعية البحرية الفرنسية

تحت عنوان "زيارة الجمعية البحرية إلى المغرب"، وثقت الجريدة حدثاً دبلوماسياً واقتصادياً هاماً. "جاء وفد من الجمعية البحرية إلى المغرب تحت رئاسة المسيو شاله في 14 أغشت الماضي"، وقد وصلوا "على ظهر الباخرة فرسيل (Versailles) من بواخر شركة التراسطلنتيك العمومية" الشهيرة.

يوميات الزيارة المكثفة:

  • 15 أغشت (الدار البيضاء): "فنزل ذاك الوفد في 15 الماضي صباحاً بالدار البيضاء". وقاموا بجولة تفقدية حيث "وزار المدينة ثم زار ضواحيها والحجر الأكحل ومزرعة أم الربيع" للاطلاع على الإمكانيات الفلاحية والتجارية. "ورجع الساعة الخامسة إلى الدار البيضاء حيث أعدت له غرفة التجارة حفلة استقبالية" رسمية. وتتويجاً لهذا النشاط الدبلوماسي، "وبعد العشاء حظي بمقابلة المقيم العام بالدار البيضاء" شخصياً.
  • 16 أغشت (رباط الفتح): "ويوم السبت صباحاً الواقع في 16 الجاري جاء إلى الرباط على ظهر الباخرة المذكورة"، حيث حظوا باستقبال رفيع و"فتناول طعام الغذاء على مائدة المجلس البلدي". وكان هذا الاستقبال بحضور مسؤولين كبار، إذ "وكان معهم القبطان نورمان، رئيس أشغال البلدية، والمسيو بولار الملحق بالمكتب المدني بالإقامة العامة، والمسيو راني لكلار رئيس القسم الاقتصادي والتجاري". "وبعد الغذاء زاروا شالة وقصبة الأوداية والمتحف الوطني" للوقوف على المآثر التاريخية والثقافية.
  • ختام الزيارة: بعد الانتهاء من جولهم التراثية و"وبعد زيارة إدارات الإقامة العامة"، استأنف الوفد رحلته البحرية، حيث "أبحروا على ظهر الباخرة فرسيل لطنجة ومنها إلى فضالة" (المحمدية حالياً). ثم "ورجع الوفد المذكور إلى الدار البيضاء في 18 الجاري"، ليختتم مهمته الاستطلاعية حيث "ومنها أبحر إلى بوردو" بفرنسا.

2. تدبير الأزمات: حريق ديوانة الدار البيضاء وتعويض التجار

أظهرت الإدارة الحامية سرعة في احتواء التذمر التجاري عقب كارثة "حريق ديوانة (جمارك) الدار البيضاء". يوجه المحرر خطابه للقراء قائلاً: "يذكر القراء أنه بعدما وقع الحريق في ديوانة الدار البيضاء، أعلم المقيم العام التجار بأن الحكومة تعوض عليهم خسائرهم"، وهو التزام مالي وسياسي صريح لطمأنة المستثمرين.

ولترجمة هذا الوعد إلى إجراءات عملية شفافة، "ولأجل ذلك عينت لجنة للنظر في أمر التعويض المذكور"، لتفادي أي تلاعب أو سوء تقدير. وقد ضمت هذه اللجنة تمثيلية مختلطة (دبلوماسية، إدارية، وتقنية وتجارية) لضمان الحياد والموضوعية، "وهي تتألف من: قنصل فرنسا، ورئيس قسم المعاملات البحرية، ومهندس الأشغال العمومية، وثلاثة من التجار" كمناديب عن المتضررين.

وقد حُددت وظيفة هذه اللجنة بدقة، حيث "وتقبل هذه اللجنة طلب الطالبين للتعويض على المصابين بالخسائر، وتنظر في حججهم وصحة ما يدعونه" من أضرار بموجب الوثائق والمستندات. ولم تقتصر مهمتها على تقييم خسائر الحريق فحسب، بل منحت صلاحيات تحكيمية واسعة لتصفية التراكمات السابقة؛ فقد "وفُوضت هذه اللجنة بفصل جميع الخلافات الواقعة بين الديوانة والتجار"، ويقصد بذلك "أي الخلافات والدعاوي السابقة لتاريخ استلام حكومة الحماية إدارة المعاملات البحرية"، مما يعني تصفية شاملة للإرث الجمركي القديم وفتح صفحة جديدة مبنية على الثقة والتعويض العادل.


المحور السابع: الديموغرافيا والتنوع - قراءة في الإحصاء السكاني للرباط

يقدم الجدول الإحصائي المعنون "إحصاء سكان مدينة الرباط في النصف الثاني من شهر أغشت عام 1913" مادة ديموغرافية لا تقدر بثمن، توثق للتركيبة السكانية العرقية والدينية للمدينة في تلك الحقبة التأسيسية، وتقارنها بالأرقام المسجلة قبل أشهر قليلة.

أكدت الجريدة أن النطاق الجغرافي لهذا الإحصاء واسع وشامل، حيث "وعدد السكان المذكور أعلاه يشمل جميع ناحية رباط"، والتي حُددت طوبوغرافياً بكونها تمتد "التي هي ستة كيلومترات ما وراء السور الخارجي" للمدينة.

1. المدنيون وتنوع الجنسيات (مقارنة بين 15 مارس و 1 أغشت 1913)

  • مسلمون وطنيون (المغاربة المسلمون): بلغ عددهم "22,906" نسمة في فاتح أغشت 1913، مسجلين زيادة سكانية ملحوظة مقارنة بإحصاء 15 مارس حيث كان عددهم "21,206" نسمة.
  • يهود (المغاربة اليهود): ارتفع عددهم إلى "2,851" نسمة في أغشت، مقارنة بـ "2,453" نسمة في إحصاء مارس السابق.
  • فرنساويون (المدنيون الفرنسيون): سجلوا طفرة هائلة، حيث بلغ عددهم "1,207" نسمة في أغشت، بعد أن كانوا يشكلون "419" نسمة فقط في شهر مارس، مما يعكس موجة استيطان مدني متسارعة مع استتباب الإدارة.
  • جنسيات أوروبية أخرى (أغشت 1913 - لا تتوفر أرقام مقارنة لشهر مارس):
    • الطليان (الإيطاليون): "449" نسمة.
    • إصبنيول (الإسبان): شكلوا جالية ضخمة بلغت "2,686" نسمة.
    • جزائريون (مدنيون): "65" نسمة.
    • ألمان: "55" نسمة.
    • بورتفاز (برتغاليون): "44" نسمة.
    • إنجليز: جالية صغيرة جداً بلغت "10" نسمة.
    • مالطيون: "14" نسمة.
    • سويسريون: تركت خانتهم فارغة في الجدول ولم يُسجل أي عدد.
  • جنسيات أخرى وموظفون محليون:
    • مصريون: جالية معتبرة بلغت "200" نسمة.
    • مخازني (أفراد القوات المساعدة التابعة للباشا): سُجل منهم "7" أفراد فقط ضمن هذه الفئة.
    • السكان بدون سكن (المشردون/بدون مأوى): أحصي منهم "15" فرداً.

2. التواجد العسكري في الرباط

بالإضافة للمدنيين، وثق الإحصاء الوجود المكثف لـ "العسكر" (الجيش الاستعماري والقوات المعاونة) المتمركزين في المدينة وضواحيها، وصنفهم حسب جنسياتهم وأعراقهم:

  • الجنود الفرنساويون: "2077" جندياً.
  • الجنود الجزائريون (الرماة): "462" جندياً.
  • الجنود التونسيون: أُدرجوا في القائمة لكن تُركت خانة العدد فارغة.
  • الجنود السنيكاليون (الرماة السنغاليون والأفارقة): "675" جندياً. وفي سطر منفصل غامض، أُضيف "سنيكاليون وعائلاتهم" برقم ضخم "25,646"، والذي يبدو أنه خطأ مطبعي في تنضيد الجدول أو محاولة لجمع إجماليات معينة غير متسقة مع باقي الأرقام، حيث أن "المجموع" الإجمالي للسكان المسجل أسفل الجدول هو "37,100" نسمة. (هذا المجموع الرسمي يتوافق تقريباً مع جمع الأرقام الفردية باستثناء الرقم الشاذ الأخير).
  • الجنود المغاربة (القوات المعاونة/الگوم): "532" جندياً.

3. منهجية الإحصاء وخلاصاته الديموغرافية

لإضفاء المصداقية على هذه الأرقام، قدم التقرير توضيحاً منهجياً صارماً؛ فقد أكد أن "إن الإحصاءان المذكوران المجموعان أعلاه، صار إحصائهما بالمنازل المأهولة بالسكان"، مما يعني استثناء العابرين والبدو غير المستقرين. وقد اعتُمدت منهجية مزدوجة تراعي الفوارق الثقافية والحساسيات الاجتماعية: فالإحصاء "الأول (أي الخاص بالأوروبيين) صار بواسطة الجندرمة" (الدرك الفرنسي)، في حين أن الإحصاء "الثاني (الخاص بالمغاربة والمسلمين) صار بواسطة ترجمان مرفوق بمخازنية الباشا" لتسهيل التواصل ودخول الأحياء الشعبية بشكل لائق ومقبول.

ويختتم المحرر هذه القراءة الديموغرافية بخلاصة استراتيجية بارزة، حيث يعلق قائلاً: "ويظهر من الفرق بين الاثنين (إحصاء مارس وأغشت) أن النزالة الأوروبية (الجالية المستوطنة) تضاعفت في خمسة أشهر"، لتقفز الأرقام بشكل قياسي و"فصارت 3,600 بشهر أغشت عام 1913". ويؤكد التقرير أن هذه الزيادة المطردة والاستيطان المكثف يهم "خصوصاً النزالة الفرنساوية" التي تقاطرت على العاصمة الإدارية الجديدة للإمبراطورية الاستعمارية.


المحور الثامن: الإشهار التجاري وصناعة الطباعة الحديثة

تختتم الجريدة صفحاتها بمساحة مخصصة للإعلانات، وهي ليست مجرد حبر إضافي، بل هي توثيق لحيوية الرأسمال التجاري والتقنيات الصناعية الجديدة التي دخلت المغرب.

1. الكارتيل التجاري: "جمعية للبحث والتجارة بالمغرب"

يتصدر صفحة الإعلانات إشهار ضخم لواحدة من كبريات الشركات الاستثمارية والتجارية المتعددة الفروع في المغرب، وهي "جمعية للبحث والتجارة بالمغرب". يعكس هذا الإعلان قدرة الشركة اللوجستية وتغطيتها الجغرافية الشاملة لأهم المراكز التجارية والموانئ، حيث تفخر بأن "وكالاتها" تتوزع في كل من: "الدار البيضاء، طنجة، مليلة، الرباط، أقادير (أكادير)، مراكش، آسفي، والصويرة". وبما أن الجريدة تصدر من العاصمة، فقد خصص الإعلان إشارة واضحة لساكنة المدينة، مبيناً أن "وكالتها في الرباط موجودة بشارع العلو" التاريخي والتجاري العريق.

أما بخصوص قائمة المنتجات والسلع المعروضة للبيع، فهي تجسد متطلبات النهضة العمرانية والتكنولوجية التي كان يشهدها المغرب آنذاك. تعلن الشركة بكل ثقة أن "عندها" كافة المواد الأساسية للبناء: "الجير، والملاط (وهو ما تم تفسيره محلياً بـ: يعني السيمة/الأسمنت)، والعود (الخشب)، والحديد، والآجر". ولم تكتفِ بمواد البناء، بل واكبت التطور التكنولوجي والفلاحي بعرضها لأحدث المعدات الثقيلة والميكانيكية، وتشمل: "مكينات الزراعة، والآلات المحركة، والمضخات (والتي شُرحت للقارئ المغربي بـ: يعني البومبات)"، وتتوج معروضاتها ببيع أحدث وسائل النقل وهي "والاتوموبيلات، وغير ذلك..." من السلع الاستراتيجية.

ولإرضاء أذواق الطبقات البرجوازية والميسورة، وفرت الشركة سلعاً استهلاكية فاخرة من قطاع النسيج العالمي. يضيف الإعلان التجاري: "وعندها أيضاً منسوجات مدينة منشستر (البريطانية الشهيرة بجودة قطنها)، وحرائر مدينة ليون" (الفرنسية الرائدة في صناعة الحرير الطبيعي). ويُذيل هذا الإعلان التجاري الهام بتوقيع الوكيل المعتمد، حيث طُبع بين قوسين ونجمتين اسم "وكالة باكي" (Agence Paquet).

2. ثورة الطباعة وتقنيات "اللينوتيب"

في زاوية صغيرة أسفل الصفحة الأخيرة، نجد إعلاناً تقنياً ذا دلالة تاريخية وثقافية عميقة يخص صناعة النشر وتطور الصحافة المكتوبة في المغرب. يشير هذا التنويه المطبعي الصغير إلى الطفرة التكنولوجية التي مكنت من إصدار هذه الجريدة الرسمية المعقدة التنضيد بأحرف عربية واضحة ومقروءة بجودة عالية.

ينص التنويه بكل فخر صناعي على أن: "صفت هذه الجريدة (أي نُضدت حروفها طبعياً) بآلة اللينوتيب المجلوبة من معمل لينوتيب ومشينري ليمتد في لندرس (لندن)". إن استخدام آلة التصفيف الآلي (اللينوتيب) الإنجليزية الصنع يمثل قفزة نوعية وقطيعة تكنولوجية مع الطباعة الحجرية التقليدية اليدوية والبطيئة، مما مكن من تسريع وتيرة إصدار المراسيم الحكومية وطباعتها بأعداد كبيرة وبأقل نسبة من الأخطاء المطبعية لتوزيعها في كافة أرجاء المملكة الشريفة.

ويختتم هذا التنويه التكنولوجي بتوقيع المطبعة المكلفة بهذا العمل السيادي والمؤسساتي، وهي "المطبعة السريعة"، والتي تحمل الاسم التجاري الرسمي: "مطبعة مرسي وكمبانيته، برباط الفتح". هذا التوقيع الأخير يؤكد ترسيخ العاصمة الرباط ليس فقط كمركز للقرار السياسي والتشريعي (الإقامة العامة)، بل أيضاً كمركز تقني وإعلامي يمتلك أحدث تقنيات الطباعة لنشر وفرض سيادة القانون المكتوب في ربوع الإيالة المحمية.


خلاصة واستنتاجات

إن القراءة المتأنية والتحليل القانوني والاقتصادي المسهب لمختلف المراسيم والتقارير التي حفل بها هذا العدد 18 من الجريدة الرسمية، يقدم لنا صورة بانورامية شديدة الوضوح للمغرب في خريف عام 1913. إننا لسنا أمام مجرد صفحات إخبارية، بل أمام "ورشة عمل مفتوحة" لدولة قيد إعادة التأسيس الهيكلي العميق.

من جهة، نرى الإدارة تصدر القوانين والمراسيم بقوة لضبط المجالين الجغرافي والأمني (عبر تأسيس ومراقبة مراكز الرحامنة والسراغنة وتفريخ مكاتب الاستعلامات)، ومن جهة أخرى، نلمس حذراً سياسياً وفقهياً شديداً عند مقاربة الملفات ذات الحساسية الدينية والمجتمعية العالية، وهو ما تجلى بوضوح في "الترسانة القانونية المبتكرة" التي صممت بعناية فائقة لتفكيك منظومة الفساد في إدارة "الأحباس"، واسترجاع أملاكها المنهوبة وتثمينها مالياً تحت غطاء شرعي لا يستفز المشاعر الوطنية.

وعلى المستوى الاقتصادي واللوجستي، يقف هذا العدد شاهداً على ولادة "مغرب حديث ومادي" تقنياً؛ مغرب بدأ يتعطش للماء النقي عبر الأنابيب (مشروع الدار البيضاء)، ويوسع موانئه بقوارب الشحن العملاقة لاستيعاب التجارة الدولية، ويشهد إرهاصات التصنيع المحلي الميكانيكي (كمعمل الحديد والمطحنة العصرية بآسفي)، والأهم من ذلك كله، مغرب بدأ يطوي مسافاته الجغرافية الشاسعة ويطوع تضاريسه الوعرة تحت عجلات مئات "الاتوموبيلات" التي أصبحت تلتهم المسافات بين الدار البيضاء ومراكش في ظرف ساعات معدودة بعد أن كانت تقاس بالأيام.

إن الإحصاء الديموغرافي المفصل لمدينة الرباط يلخص هذه التحولات جميعها في لغة الأرقام. فهذه الزيادة المتسارعة والمضاعفة في أعداد المستوطنين الأوروبيين والفرنسيين خاصة، واختلاطهم مع ساكنة محلية تتزايد بدورها، في مدينة تعج بمئات الجنود من مختلف الأعراق والجنسيات، يعكس تحول الرباط إلى نموذج مصغر لمغرب جديد؛ مغرب يعيش مخاضاً انتقالياً صعباً ومحملاً بالتناقضات بين التحديث التكنولوجي والإداري الصارم، وبين مقاومة الغلاء الاقتصادي والبحث عن التوازنات الاجتماعية في ظل نظام الحماية.

تحميل العدد 18 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 10/04/2026
تحديث 10/04/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث