قراءة قانونية واقتصادية مفصلة في مقتضيات العدد 17 من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة (غشت 1913)

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 قراءة قانونية واقتصادية مفصلة في مقتضيات العدد 17 من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة (غشت 1913)

 تحميل العدد 17 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

مقدمة

تمثل الوثائق الرسمية والمراسيم المنشورة في الجريدة الرسمية حجر الزاوية في فهم البنية التشريعية والتنظيمية لأي دولة حديثة. وانطلاقاً من قراءتنا المتفحصة والمستفيضة للوثيقة المرفقة، والتي تمثل العدد السابع عشر (17) من "الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية" ، الصادر في يوم الجمعة 26 رمضان من عام 1331 هجرية، الموافق للتاسع والعشرين (29) من شهر غشت سنة 1913 ميلادية ، نضع بين أيديكم تحليلاً احترافياً شاملاً. إن هذا العدد، الذي يحمل في طياته السنة الأولى من تأسيس هذا الصرح الإعلامي والقانوني ، يعكس بوضوح مرحلة مفصلية من مراحل التأسيس الإداري، والاقتصادي، والاجتماعي في المغرب.

وقبل الغوص في عمق المقتضيات والنصوص التشريعية، لابد من الإشارة إلى الجانب التنظيمي المتعلق بآليات النشر والاشتراك في هذه الجريدة. فقد حدد المشرع، أو الجهة الإدارية المصدرة للجريدة، ثمن الصحيفة الواحدة في عشرين (20) سنتيماً. ومن الناحية الإجرائية، ألزمت الإدارة كل من يرغب في الاشتراك بأن يوجه طلبه مباشرة إلى إدارة الجريدة الرسمية للدولة المغربية الكائن مقرها بمدينة الرباط، أو من خلال جميع بنيقات (مكاتب) البوسطة (البريد) الموزعة في أنحاء المغرب. ولضبط الآجال القانونية للاشتراكات، تم التنصيص صراحة على أن مبدأ سريان الاشتراك يبتدئ وجوباً من أول الشهر.

أما من الناحية المالية، فقد وضعت الإدارة تعريفة تسعيرية دقيقة تختلف باختلاف النطاق الجغرافي للمشترك ومدة الاشتراك، وهو ما يمثل تقنيناً مبكراً للخدمات العمومية. فبالنسبة للمشتركين داخل تراب المملكة الشريفة، حددت قيمة الاشتراك في 3.50 فرنكات لمدة ثلاثة أشهر، و6 فرنكات لمدة ستة أشهر، و10 فرنكات لمدة سنة كاملة. في المقابل، وتغطيةً لتكاليف الإرسال الدولي، تم فرض رسوم أعلى على المشتركين من خارج المملكة الشريفة، حيث بلغت 4.50 فرنكات لثلاثة أشهر، و8 فرنكات لستة أشهر، و15 فرنكاً لاشتراك السنة الكاملة.

يتألف هذا العدد من قسمين رئيسيين يفصلان بين ما هو تشريعي ملزم، وما هو إخباري توجيهي: "القسم الرسمي" الذي يضم القرارات الوزارية ومراسيم التعيين والترقيات، و"القسم الغير الرسمي" الذي يمثل مرآة للواقع السوسيو-اقتصادي، ويضم أخباراً من مصلحة الدروس والاستعلامات الاقتصادية، وإدارة الأملاك المخزنية، وإدارة التعليم، وإدارة المياه والغابات، بالإضافة إلى نص بالغ الأهمية يشكل بمثابة "ضابط" (قانون أساسي) لتشكيل الجمعيات الأهلية الوطنية للمعاونة وفرض الأموال، وصولاً إلى الإعلانات التجارية والقانونية.

 

القسم الأول: التحليل القانوني للقرارات الرسمية والتنظيم الإداري

يعتبر "القسم الرسمي" في هذه الوثيقة تجسيداً للإرادة الإدارية في هيكلة أجهزة الدولة، وخاصة في قطاعي الصحة والأشغال العمومية، عبر قرارات التسمية (التعيين) والترقية.

أولاً: هيكلة مصلحة الصحة والإعانة الطبية العامة

في إطار مأسسة قطاع الصحة العمومية، صدر قرار وزاري يرمي إلى تسمية (تعيين) مجموعة من الأطباء للعمل ضمن مصلحة الصحة والإعانة الطبية العامة. هذا القرار لم يصدر من فراغ، بل استند إلى مرجعيات قانونية وتنظيمية سابقة تشكل السند القانوني له؛ حيث تم البناء أولاً على الفصل التاسع من الظهير الشريف المؤرخ في 11 جمادى الأولى عام 1331 (الموافق 18 أبريل 1913) والمتعلق بترتيب الموظفين المدنيين. وثانياً، تم البناء على القرار المؤرخ في 14 جمادى الثانية 1331 (الموافق 21 مايو 1913) والمتعلق بإجراء العمل بالترتيب المؤرخ في 19 أبريل 1913 الخاص بإدارة الصحة والإعانة العامة.

وبموجب هذه السلطات القانونية، تقرر تولية وتعيين عدد من الأطباء، مع تصنيفهم في رتب إدارية ودرجات وظيفية دقيقة تعكس الهرمية الإدارية الحديثة:

  1. في الرتبة الرابعة: تم تعيين الطبيب "بيان".
  2. في الرتبة الخامسة: تم تعيين الطبيب "والتون".
  3. في رتبة المتطوعين: تم إدراج لائحة تضم أسماء الأطباء الآتية: "مينادي"، "بنبتي"، "بوبري"، "برونو"، "باردي"، "فريديريس"، و"رول". هذا القرار التنظيمي الهام حُرر بمدينة الرباط في العاشر من رمضان المعظم عام 1331 هجرية، الموافق للثالث (3) من غشت سنة 1913 ميلادية. إن وجود فئة "الأطباء المتطوعين" يثير الانتباه من الناحية القانونية، إذ يعكس مرونة الإدارة في الاستعانة بالكفاءات الطبية الأجنبية أو المحلية لتقديم الخدمات الصحية العامة حتى في غياب التوظيف الرسمي المالي الكامل.

ثانياً: ترقية الموظفين في إدارة الأشغال العمومية

القرار الرسمي الثاني المنشور في هذا العدد يتعلق بالمسار المهني والترقيات في قطاع الأشغال العمومية، وهو القطاع الحيوي المسؤول عن تشييد البنية التحتية للدولة. بناءً على قرار صادر من وزير الأشغال العمومية الفرنساوية بتاريخ 20 جوان (يونيو) عام 1913، تم إقرار سلسلة من الترقيات التي تعكس تقييماً للكفاءة والخبرة الإدارية والميدانية.

وقد شملت هذه الترقيات الأسماء والدرجات التالية:

  • الترقية من مهندس القناطر والطرقات من الطبقة الأولى إلى درجة "مهندس رئيس من الطبقة الثانية" لفائدة المسيو "جويان (إدوار)".
  • الترقية من مراقب المعادن من الطبقة الأولى إلى رتبة "مهندس للمعادن من الطبقة الثانية" لفائدة المسيو "ساري".
  • الترقية من رتبة رئيس ورشة في هندسة القناطر والطرقات من الطبقة الثانية إلى الطبقة الأولى من ذات الصنف، لفائدة المسيو "بيارد".
  • الترقية من رتبة رئيس ورشة في هندسة القناطر والطرقات من الدرجة الثالثة إلى الدرجة الثانية، لفائدة المسيو "هيبرت".
  • الترقية من رتبة رئيس ورشة في هندسة القناطر والطرقات من الدرجة الرابعة إلى الدرجة الثالثة، لفائدة المسيو "توندار".

ومن الناحية الإجرائية والقانونية، نُص في هذا القرار على أن معايير هذه الترقيات تمت "بحسب الأقدمية والاختيار" ، وهو ما يتوافق مع القواعد العامة للوظيفة العمومية التي توازن بين سنوات الخدمة والكفاءة المهنية. كما نص القرار على أن سريان نفاذه ومفعوله الإداري والمالي يبتدئ من أول يوليو عام 1913.

 تحميل العدد 17 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

القسم الثاني: التحليل الاقتصادي والاجتماعي (القسم الغير الرسمي)

يمثل هذا القسم من الجريدة الرسمية دليلاً ميدانياً وتقريراً مفصلاً عن حالة البلاد في شتى الميادين، من زراعة وتجارة وبنية تحتية وموارد طبيعية.

1. الابتكار الزراعي: إدخال زراعة نبتة "اللاقوان"

في تقرير صادر عن مصلحة الدروس والإعلامات الاقتصادية، تم تسليط الضوء على مبادرة استراتيجية في القطاع الفلاحي تتمثل في تشجيع زراعة نبتة تسمى "اللاقوان" في المغرب. وتعرف الوثيقة هذه النبتة بأنها النوع الذي تعتمد عليه البهائم في تغذيتها في فرنسا، والفريد فيها أنها تغني وتكفي كبديل عن استهلاك التبن، وغالباً ما تغني حتى عن استهلاك الشعير.

من الناحية الاقتصادية، شكلت هذه النبتة حلاً عملياً لمشكلة العلف، مما دفع عدداً من التجار في مدينتي سلا والرباط إلى تقديم طلبات رسمية للضابط رئيس الإدارة الأهلية لتمكينهم من الحصول على بذور هذا النوع من النبات لتجربة زراعته في ضواحي المدينتين. وقد تعهد الرئيس المذكور ببذل كافة جهوده لإجابة طلباتهم وتوفير البذور اللازمة. ولضمان نجاح هذه التجربة الزراعية من الناحية التقنية، أعلنت إدارة الزريبة الواقعة في قصبة تمارة عن استعدادها التام لتوجيه المزارعين وتزويدهم بكافة البيانات والإرشادات اللازمة حول كيفية اختيار النوع الذي يتناسب نموه مع جودة التربة الرملية بالمنطقة. ويختتم التقرير بتوقع اقتصادي متفائل يفيد بأن هذه العشبة ستعود بنفع جزيل وفائدة عظيمة على البلاد، خاصة وأنها ستسد الحاجة المحلية الماسة لعلف الخيول التي يتم جلبها واستيرادها من فرنسا.

2. البنية التحتية والمواصلات: ثورة الطرق بجهة دكالة وعبدة

يشكل النقل والمواصلات شريان الاقتصاد. وفي هذا السياق، أفادت الوثيقة بأن الحكومة المحلية في جوار منطقة "دكالة وعبدة" قد قامت بأشغال كبرى لتمهيد جميع العقبات الموجودة على الطريق الرابطة بين مدينتي الجديدة وآسفي، وذلك رغبة منها في تسهيل حركة المواصلات الداخلية بين هاتين المدينتين الساحليتين.

وعلى مستوى التفاصيل الميدانية للإنجازات:

  • في ناحية دكالة: تم إصلاح الطريق السائرة نحو مدينة مراكش إصلاحاً تاماً وجذرياً على مسافة تمتد لـ 8 كيلومترات انطلاقاً من المرسى (الميناء).
  • على مستوى التجهيزات المرافقة: تم الإعلان عن خطط قريبة لحفر وتجهيز بئر في ناحية "المطل"، بالإضافة إلى الشروع في بناء برج أمني أو إداري في منطقة "سيدي بن نور".
  • في قطاع الطرق الاستراتيجية: تم إصلاح الطريق الممتدة من مدينة آسفي إلى مراكش، وذلك على امتداد طول مساحة قبيلتي عبدة وأحمر.
  • محور بوزلبان وحد المنابهي: أشارت الوثيقة إلى أن الطريق الرسمية الرابطة بين آسفي ومراكش تستمر في طريقها عبر منطقة "بوزلبان"، وأن الأشغال التي تجري حالياً في موضع آخر ليس الغرض الأساسي منها سوى القيام بتمهيد مؤقت للطريق لتتمكن "الاتوموبيلات" (السيارات) من السير عليها عبر طريق "حد المنابهي" و"سيدي بوعثمان". وبعد إتمام هذه الأشغال الأولية، سيصبح من السهل جداً جمع كافة المعدات والآليات اللازمة للقيام بأشغال الطريق الرئيسية الأخرى التي ستسمح للسيارات بالسير عليها بشكل سلس ونهائي في شهر سبتمبر القادم.

وفي خبر ذي صلة يوثق للتطور التكنولوجي في وسائل النقل، أوردت الجريدة أن "اتوموبيل" (سيارة) كبيراً يحمل أربعة ركاب تمكن من اجتياز وقطع المسافة الفاصلة بين مدينتي آسفي ومراكش في ظرف قياسي بلغ خمس (5) ساعات فقط، بمتوسط سرعة بلغ 35 كيلومتراً في الساعة الواحدة. وقد اعتبر هذا الإنجاز دليلاً قاطعاً على مدى جودة وموافقة الطريق لسير المركبات الآلية بعد سلسلة الإصلاحات العميقة والعديدة التي باشرتها وأجرتها الإدارة العسكرية في تلك الجهة.

3. الضبط الاقتصادي ومحاربة الاحتكار في الصويرة

يقدم هذا العدد وثيقة تاريخية وقانونية نادرة حول آليات ضبط الأسواق ومحاربة الغلاء. فقد تشكى سكان مدينة الصويرة لعدة أسابيع من ممارسات تجارية غير مشروعة يقوم بها بعض التجار، والمتمثلة في احتكار المواد الأساسية اللازمة لإقامة المعاش في أسواق المدينة فور وصولها. ومن أبرز هذه المواد الحيوية مادة "القمح"، حيث كان هؤلاء التجار يعمدون إلى شرائها في أوقات مبكرة جداً قبل أن تتمكن الأهالي (السكان العاديون) من اقتناء ما يحتاجونه للتمون. ولم يقتصر هذا الاحتكار على القمح، بل شمل أيضاً سلعاً حيوية أخرى كالفحم، الحوت (الأسماك)، الأثمار، البيض، الدجاج، الخضر، وما شابه ذلك من السلع الأساسية. وقد أدى هذا السلوك الجشع إلى اضطرار الأهالي لشراء احتياجاتهم من هؤلاء المحتكرين بأثمان باهظة وفاحشة.

أمام هذا الخلل الجسيم في التوازن الاقتصادي والاجتماعي، تحركت الآلة القانونية والإدارية ممثلة في شخص القبطان "دسهاي"، رئيس القسم البلدي. وبموجب سلطاته الضبطية، أصدر قراراً تنظيمياً صارماً يحظر ويمنع على أولئك المحتكرين شراء أي سلعة من السوق العام قبل حلول الساعة العاشرة صباحاً، أي بعد أن يكون الأهالي قد أخذوا جميع احتياجاتهم وكفايتهم منها. وقد أثبتت هذه الوسيلة القانونية فعاليتها ونجاعتها، حيث مكنت المشترين العاديين من اقتناء ما يلزمهم بأثمان معتدلة ومناسبة. ونتيجة لاتخاذ هذه الطريقة الحازمة، هبطت وانخفضت أثمان المأكولات في السوق، مما أدى إلى صدى إيجابي بالغ تمثل في ارتياح الأهالي وتوجيههم الشكر للإدارة.

وفي سياق متصل بمدينة الصويرة، نشرت الجريدة قائمة تفصيلية وموثقة لـ "أسوام" (أسعار) السلع في أسواق الصويرة خلال الشهر الجاري، وذلك بعد أن تحسنت حالة البحر وسمح بإنزال وتفريغ سلع كثيرة إلى المدينة. وقد رتبت الأسعار في الجدول التالي (مقدرة بالبسيطة الحسنية لكل 100 كيلوغرام ما لم يذكر غير ذلك):

  • السميد المعبأ في الخنشة نمرة (نمرة 1 غالباً): 52 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • سكر البحر المتوسط: 76 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • القمح: 50 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • الشعير: 34 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • الأرز: 50 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • اللوز الحلو: 350 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • اللوز المخلوط: 306 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • البطاطا: 030 (أي 30) بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • الشمع الصافي: 340 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • زيت الزيتون: 125 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • زيت أركان: 125 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • جلد الماعز الناشف: 185 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • جلد البقري الناشف: 250 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • الصمغ العربي: 200 بسيطة حسنية للمائة كيلو.
  • الكاز (الكيروسين) الصندوق الواحد: 13.50 بسيطة حسنية.
  • البيض (الصندوق الذي يحتوي على 1440 بيضة): 130 بسيطة حسنية للصندوق. هذا الجدول المرجعي يشكل وثيقة لا تقدر بثمن للباحثين في التاريخ الاقتصادي للمغرب وتاريخ الأسعار في بداية القرن العشرين.

4. إدارة المياه والتجهيزات المائية بجوار سلا

أولت الإدارة عناية خاصة لقطاع الماء الصالح للشرب. فقد قامت الإدارة الأهلية في جوار مدينة سلا بعملية حفر بئر قرب "سيدي بن داود" الكائن بتراب "عامر". وموازاة مع ذلك، شرع في حفر بئر آخر يقع على حدود منطقة "السهسة" و"أولاد سبتة". وقد أثمرت المجهودات التقنية في هذا البئر الأخير، حيث وصل الحفارون بعد بلوغهم عمق 21 متراً في باطن الأرض إلى تربة صخرية صلبة، وهو مؤشر جيولوجي هيدرولوجي إيجابي يدل علم طبقات الأرض على أن المياه القابعة تحتها هي مياه عذبة وسائغة للشرب.

كما خططت الإدارة لحفر بئر إضافي في منطقة "سيدي عبد الله" الواقعة على الحدود بين قبيلتي "البراهمة" و"العيادة"، وذلك بغرض حيوي يتمثل في سقي أراضي هاتين القبيلتين اللتين توصفان بأنهما "معدومتان من المياه" وتفتقران للموارد المائية. وفي نفس السياق، أكدت الجريدة أن أعمال المباشرة والمجهودات التقنية جارية على قدم وساق لجر هذه المياه وتوصيلها إلى مدينة سلا، بالإضافة إلى مشاريع أخرى لبناء وإنشاء "السفايات" (نوافير عمومية) والموارد المائية داخل المدينة لخدمة السكان.

5. الأشغال العمومية بضواحي الرباط والاتصالات

في محيط العاصمة، ذكرت الوثيقة أن الجهات المختصة تباشر اليوم في ضواحي مدينة الرباط جملة من الأشغال الكبرى التي تحمل طابع المنفعة والمصلحة العمومية. من أبرز هذه المشاريع، القيام بإصلاحات ضرورية في "قناة عين الربولا" لضمان تدفق المياه. ومن جهة أخرى، وفي الجانب الصحي، تم الإعلان عن إنشاء وبناء "دار الدواء للمسلمين" داخل "قصبة تمارة" التاريخية، وهي الدار التي تم تعريفها بأنها عبارة عن محل وعيادة مخصصة لاستقبال وعلاج المرضى، وتضم خزيناً ومستودعاً للأدوية التي يتم توزيعها وإعطاؤها للمستفيدين بصفة مجانية.

وعلى صعيد الاتصالات، نشرت الجريدة خبراً قصيراً ولكنه ذو دلالة استراتيجية عميقة يتمثل في الإعلان عن فتح وتدشين الخط التلغرافي الجديد الذي يربط بين مدينتي الصويرة وآسفي. ولتقنين هذه الخدمة، حددت الإدارة الأجور والرسوم المالية التي تتقاضاها مقابل خدمة الإرسال في مبلغ خمسة وعشرين سنتيماً حسنيّاً (0.25) عن كل كلمة يتم إرسالها داخل النطاق الترابي للإيالة الشريفة، مما يسهل نقل الأخبار التجارية والسياسية بسرعة فائقة.

6. حماية أملاك الدولة: إدارة الأملاك المخزنية

تحت عنوان "البحث في إثبات أملاك المخزن"، بينت الوثيقة الجهود القانونية الرامية إلى حماية الرصيد العقاري للدولة. فقد واصلت اللجنة الخاصة والمكلفة بالبحث والتقصي في إثبات عائدية العقارات لأملاك المخزن القيام بأشغالها الميدانية الدقيقة في نواحي المراكز الحربية بمنطقة "الشاوية".

وقد أسفرت جهود هذه اللجنة عن إتمام أعمالها بشكل كامل في ناحية "الكارة"، حيث تكللت مجهوداتها بحصول "ثبوت" ووثائق تثبت عائدية الأملاك المخزنية وتبعيتها لجانب سلطة "المخزن"، وعقب ذلك تمت المباشرة في عمليات "تحديدها" العقاري لترسيم حدودها وحمايتها من الترامي. ولم تتوقف اللجنة عند هذا الحد، بل واصلت تقدمها ووصلت في عمليات بحثها الميداني إلى مناطق تبعد بما وراء 18 كيلومتراً عن مركز المحافظة الحربية الكائن هناك، وتحديداً في تراب منطقة "المغادفة". وفي وقت صدور الجريدة، أشير إلى أن اللجنة المذكورة تشتغل حالياً بمواصلة البحث والتحقيق في عقارات نواحي مدينة "سطات"، على أن تنتقل مباشرة فور الانتهاء منها إلى منطقة "أولاد سعيد" لاستكمال مهمتها الوطنية.

7. قطاع التعليم: الامتحانات والدروس الصيفية الدائمة

في ميدان التربية والتكوين، أصدرت إدارة التعليم بلاغاً يشير إلى أن النتائج التي أفرزتها الامتحانات المدرسية المخصصة للحصول على "الشهادة الابتدائية" في عدة أمكنة ومناطق مختلفة بهذه الإيالة، وذلك عند ختام الموسمين الدراسيين لعامي 1912 و1913، قد دلت دلالة واضحة وبرهنت على الأهمية الكبيرة للتدريس والمجهود التعليمي البارز الذي يقوم به ويبذله السادة المدرسون والمدرسات العاملون في مختلف مدارس المغرب.

وتتويجاً لهذا النجاح، واستجابة لمتطلبات اجتماعية وتربوية، بادرت إدارة التعليم إلى خطوة مبتكرة تتمثل في تعيين وتكليف عدد محدد من المدرسين والمدرسات للقيام بمهمة إلقاء "الدروس الصيفية" إبان فترة العطلة المدرسية، وذلك إجابة وتلبية لرغبة وطلب أهالي وآباء التلامذة. وقد وصفت الوثيقة هذه الدروس الصيفية بأنها تشكل "حلقة واصلة" بين الدروس التي تم تلقينها في السنة الماضية وتلك المستقبلية المنتظرة في العام الجديد، والهدف الأساسي منها هو تسهيل مأمورية الطلبة ومساعدتهم على التمكين التام من معرفة وترسيخ ما سبق لهم أن تلقونه من معارف قبل حلول موعد العطلة المدرسية.

8. إدارة المياه والغابات: استراتيجية حماية الثروة الغابوية المهددة

يعتبر التقرير الخاص بإدارة المياه والغابات من أهم الوثائق البيئية والقانونية في هذا العدد، حيث يعكس وعياً مبكراً بخطورة الاستنزاف الغابوي. يفيد التقرير بأن رئيس إدارة المياه والغابات قد قام خلال شهر يوليو الماضي بزيارة ودورة تفتيشية ميدانية شملت مناطق "الشاوية" ونواحي منطقة "زعير".

وقد خلص في تقريره إلى ملاحظات متناقضة حسب المناطق:

  • فمن جهة، لاحظ أن الغابات الموجودة في الشاوية، وخصوصاً تلك الواقعة بمنطقة "الكارة"، تتواجد وتستمر على حالة "مرضية" (أي مُرضية وجيدة) ومحفوظة بعناية، والفضل في ذلك يرجع أساساً إلى سهر ورعاية الإدارة الحربية وتواجدها الأمني لحمايتها. ونظراً لما لهذه الغابات من فوائد جمة وأهمية بالغة للمصلحة العمومية، فقد أصبح من "المتعين" والواجب تشكيل "حرس خصوصي" تناط به مهمة حراستها والسهر الدائم عليها حتى لا تمتد إليها يد التخريب والعبث بقطعها أو التسبب في تلاشيها. ومن المرجح والمعلن أن طابور (فرقة) حراسة الغابات الذي سيتم إنشاؤه وتأسيسه قريباً سيكون مركز انطلاقته وعمله أولاً في مركز "الكارة".
  • ومن جهة أخرى، وفي تشخيص بيئي مقلق، أكد التقرير أن الغابات الموجودة في تراب "زعير" الممتدة ما بين "وادي شراط" و"وادي يكم" (إيقيم)، ليست للأسف على نفس الحالة الجيدة والمحفوظة التي عليها غابات الشاوية. والسبب الرئيسي في هذا التدهور يعود إلى تواجدها في مناطق بعيدة ونائية عن نقط ومراكز المحافظة والمراقبة العسكرية. هذا البعد والغياب الأمني استغله "الحطابون" الذين يعمدون إلى قطع جذوع أشجارها بوحشية، بل ويسلخون وينتزعون قشورها بشكل مدمر، حتى كاد أثر هذه الغابات أن ينمحي تماماً وأصلها أن يضمحل ويزول من الوجود.

ولردع هذه السلوكيات الجنائية في حق البيئة، أشار التقرير إلى أنه قد تم ترتيب وفرض "ذعائر" (غرامات مالية) باهظة وقاسية في منطقة الشاوية تطبق على كل من يتجرأ ويقدم على قطع جذوع الأشجار الغابوية، كما تم بث ونشر مجموعة من "الأرصاد" (المراقبين السريين) للسهر والمراقبة المستمرة على ذلك.

ويحلل التقرير الدوافع السوسيو-اقتصادية لهذه الظاهرة، مشيراً إلى أنه لا يخفى على أحد أن "افتقار الأهالي للفحم" وحاجتهم الماسة إليه كطاقة للطبخ والتدفئة هو العامل الأساسي الذي يزيد ويفاقم من رغبة وشراهة الحطابين في استئصال الغابات والإجهاز عليها. ويختتم التقرير بإنذار رسمي وتحذير بيئي صارم مفاده أنه: "إذا لم تؤخذ الاحتياطات الصارمة والجذرية، فإن أثر الغابات في الشاوية وزعير سيضمحل ويتلاشى كلياً في خلال ثلاث (3) سنوات فقط".

 

القسم الثالث: التشريع التعاوني - ضابط تشكيل الجمعيات الأهلية الوطنية

يعتبر النص القانوني المسمى "نسخة قرار وزيري بشروط الجمعية الاحتياطية الأهلية في التعاون والتفارض" بمثابة الدستور المؤسس للعمل التعاوني الفلاحي المنظم في المغرب. لقد أوردت الجريدة هذا الضابط في صيغة "مثال" تطبيقي (Template) يمكن استنساخه في مختلف النواحي والقبائل. ويتكون هذا الإطار القانوني الشامل من 33 فصلاً مفصلاً نغوص في تحليلها كالتالي:

المبادئ التأسيسية والأهداف (الفصول 1 - 3)

  • الفصل الأول: ينص على التأسيس الجغرافي، حيث تؤسس "جمعية احتياطية أهلية للتعاون والتفارض" بناحية محددة، ويكون مقر إقامتها الرسمي وعنوانها القانوني بعاصمة تلك الناحية.
  • الفصل الثاني: يحدد الحصري للغايات والأهداف التي جعلت وأسست من أجلها هذه الجمعية، وهي:
    1. إعانة ومساعدة العملة الفلاحين، وكذا الفلاحة الفقراء الذين قد يكونون مصابين بالأمراض أو تعرضوا للانحرافات (الكوارث/الإعاقات)، وذلك من خلال مدهم بإعانات وقتية عاجلة.
    2. إعطاء وتوفير "قروض سنوية" سواء كانت في شكل عروض (حبوب/سلع) أو نقداً، لصالح الملاكين الأهليين (أصحاب الأراضي) أو "الخماسة" (المزارعين بالخمس). والهدف من هذا التمويل هو تمكينهم من صون وحفظ فلاحتهم وتنميتها، وتحسين وتطوير ما يمتلكونه من الآلات الزراعية والبهائم وقطعان الغنم، مما يؤدي في النهاية لزيادة نتاجها ومردوديتها. كما أتاح القانون للجمعية المذكورة إمكانية أن تعطي وتسلم لغيرها من الجمعيات الاحتياطية الأهلية المماثلة "تسليمات" (سلفيات) بشرط صارم ألا يزيد مقدارها الإجمالي على "الجزء العاشر" (10%) مما تملكه من المال الحاصل. وفي المقابل، منعها القانون من أن تقترض أي سلف مالي إلا من جهة وحيدة وهي "جمعيات احتياطية أهلية أخرى". كما قيد المشرع عمليات القرض والاقتراض بأن تقع وتتم بالعائض (الفائدة) المألوف والمعتاد. ولا يؤذن قانوناً بإجراء هذه العمليات المالية إلا باشتراطين: موافقة مجالس القبائل، وموافقة مجلس الناحية التابعة له الجمعية، متبوعاً بقبول وتصديق من "الحكومة العالية".
    3. منع المشرع صراحة الجمعية من أن تعقد "شراكة" مالية أو إدارية مع أي جمعية احتياطية أخرى بأي وجه من الوجوه للتصرف ككيان واحد. ولكن يسوغ ويسمح لها قانوناً أن تتخذ لنفسها "كفالة" (تأمين) تقيها وتحميها من العواقب الكارثية مثل حريق الغلة والمحاصيل، أو من سقوط البَرَد (الحجر)، ومن الانحرافات والكوارث الطارئة.
  • الفصل الثالث: حدد طبيعة العضوية، إذ لا تتركب الجمعية حصرياً إلا من أشخاص مشتركين لهم اليد (مساهمة مالية أو عينية) فيها.

الهيكلة الإدارية: مجالس القبائل ومجلس الناحية (الفصول 4 - 13)

اعتمد المشرع نظاماً إدارياً لامركزياً يعتمد على مستويين من المجالس:

  • أولاً: المستوى المحلي - مجلس القبيلة (الفصل 4 - 8):
    • الفصل الرابع: تؤسس في كل قبيلة من قبائل الناحية "جماعة" يُطلق عليها "مجلس شركاء القبيلة". ويتركب هذا المجلس من تركيبة ثلاثية: "رئيس" وهو بالضرورة "القايد" الممثل للسلطة، و"الجماعة" وهم الأعضاء المشتركون أنفسهم، ثم "كاتب" إداري يتولى القايد مهمة تسميته وإيقافه (تعيينه) أو عزله من منصبه. وفي إشارة لتنظيم صلاحيات الأجانب، نص القانون على أنه إذا كان هذا الكاتب أجنبياً عن أعضاء المجلس، فإن صوته في الاجتماعات يكون صوتاً استشارياً فقط ولا يمتلك حق التصويت التقريري.
    • الفصل الخامس: يؤكد أن لهذه الجمعية المركزية "فرع" في بكل قبيلة من قبائل الناحية، ويُلزم القانون كل فرع من هذه الفروع بأن يحرر ويضع "ميزانية" مستقلة، أي حساباً مالياً خاصاً يخص ماليته ويوضح موارده من حاصله وبفائدته.
    • الفصل السادس: يحدد شروط الانتماء، حيث يعطى "للأهلين" القاطنين والساكنين حقيقة وفعلية في ناحية معينة الحق الكامل في الاشتراك بالجمعية المذكورة التابعة لترابهم. وطريقة اختيار هؤلاء المشتركين في كل قبيلة تتم عبر تعيينهم من طرف "مجلس الناحية" بناءً على تقديم مقترح من "مجلس القبيلة" المتركب حسبما تم ذكره في الفصل الرابع. ولحماية استقرار الجمعية، لا يجوز خروج أو إخراج أي عضو من الجمعية إلا عبر مسارين قانونيين حصريين: إما بتقديم العضو لـ "طلب إعفاء" يتم قبوله، أو بموجب "حكم إبعاد" رسمي يصدر من مجلس الناحية وذلك بعد أخذ استشارة رأي مجلس القبيلة.
    • الفصل السابع: ينظم الجانب الإجرائي للاجتماعات. يقع ويُعقد اجتماع مجلس القبيلة بشكل دوري في اليوم العاشر من كل شهر متى احتيج إلى ذلك، أو في أي وقت كلما دعاه للاجتماع رئيس الجمعية. وتتحدد صلاحيات هذا المجلس في: طلب وقبول من أراد الاشتراك بالجمعية، وإبداء رأيه الاستشاري في قبول طلبات استعفاء المشتركين المنسحبين أو الموافقة على الحكم الصادر بإبعادهم وطردهم عن الجمعية، وكذلك توجيه المطالب والملفات التي تقدم للجمعية بغرض التحصيل على اقتراضات مالية وعينية أو إعانات، والنظر في الصوائر (النفقات) المتعلقة والمختصة بالفروع. وتكون "المطامير" (مخازن الحبوب تحت الأرض) المشار لها أعلاه موضوعة تحت حراسة ومراقبة صارمة من مجلس القبيلة المذكور الذي يتكلف قانونياً بمحاسبتها وضبط مخزونها. أما آليات اتخاذ القرار داخل المجلس فتقع وتتم معاوضة (مداولة) المجلس بأغلبية أصوات الحاضرين، وفي حالة إذا ما تساوت الأصوات في الكفة، فإن صوت الرئيس (القايد) هو المرجح والحاسم للقرار. وتتحمل مجالس القبائل بصفتها الاعتبارية المسئولية المالية والضمان على المطامير المذكورة وما تحويه من مخزون.
  • ثانياً: المستوى الإقليمي - مجلس الناحية (الفصول 9 - 13):
    • الفصل التاسع: يُؤسس "مجلس" مركزي في عاصمة كل ناحية ترابية. ويتركب هذا المجلس من هيكلية سلطوية هرمية: أولاً "رئيس" وهو خليفة السلطان الممثل الشرعي في الناحية، وثانياً ممثل عن "كل هيئة رئيس" تعينه الحكومة كطرف إداري، وثالثاً جميع "القياد والشيوخ" العاملين في المنطقة يحضرون بصفة أعضاء رسميين، ورابعاً يعين "كاتب" إداري. كما تكلف وتعين الحكومة العالية موظفاً بوظيفة "أمين المالية" وتحدد وتعين له المقر والمحل الذي توضع فيه أموال الجمعية لحفظها. ومجالس الرغائب ومجالس القبيلة تباشر أعمالها وتعين أعضاءها مجاناً بدون مقابل مالي، ما عدا منصب "أمين المال" و"كاتب" كل مجلس منهم، فهؤلاء تخصص لهم الحكومة أجوراً ويُصرف لهم ما ينوب ويستحق من الأجرة والتعويض المالي، وذلك بناءً على تقديم ومقترح يرفعه خليفة السلطان بالناحية للإدارة المركزية. وتنعقد جميع اجتماعات مجلس الناحية ومجلس القبيلة بناءً على توجيه استدعاء رسمي من الرئيس، ويحق للرئيس أو من ينوب عن الجمعية في جميع أعمالها وحقوقها القانونية أن يحضر متى أوجبت الحاجة حضوره بنفسه.
    • الفصول 10 إلى 13 (آليات العمل والتدقيق): يجتمع مجلس الناحية دورياً في العشرين من كل شهر إن احتيج لذلك للبت في القضايا، بحيث يتيسر وتسهل دراسة مجالس القبائل والبحث في المطالب والملفات المعروضة عليها، ومن ثم توجيهها إلى مجلس الناحية بعد إبداء الرأي فيها بما اقتضاه النظر. كما يتأمل ويجتمع مجلس الناحية كلما دعاه لذلك الرئيس (الفصل 11) للبت فيما يتعلق بمطالب الاقتراضات، ويصدر أوامره النهائية بحسب أغلبية الأصوات، وإن تساوت الأصوات فإن صوت الرئيس هو الراجح قانونياً. وفي الشق المالي الرقابي (الفصل 12)، يتكلف هذا المجلس بتفقد ومراجعة حسابات الجمعية ككل، ويقوم بحصر وضبط مبالغها وميزانيتها. وفي الشق التدبيري (الفصل 13)، يعين مجلس الناحية ويفوض مقدار الصوائر (المصاريف) اللازمة المخصصة لعمل مجالس القبائل، وذلك بعدما يعطي هؤلاء المجالس رأيهم المسبق في ذلك. وإذا كانت المصاريف المذكورة تتعلق بإنشاء وبناء البناءات، فله كامل الصلاحية أن يعين ويشترط الشروط الواجبة لإتمام وتشييد تلك البناءات، وكذلك التأكد والموافقة على مشروعيتها والحاجة إليها. ووضع المشرع سقفاً مالياً للامركزية القرار، حيث أنه إذا ما تجاوزت هاته المصاريف المطلوبة سقف "خمسمائة بسيطة حسنية" (500)، فإن الرأي الذي أعطاه المجلس المحلي لا يكون نافذاً وماضياً إلا بعد الحصول على مصادقة وموافقة صريحة من الحكومة العالية بالرباط.

الموارد المالية والأصول (الفصل 8)

يشكل الفصل الثامن القلب المالي للجمعية، حيث يفصل التركيبة الدقيقة لمدخول الجمعية، والذي يتركب حصرياً من تسعة مصادر:

  1. أولاً - "مبلغ اشتراك أعضائها": وقد حدد بمقدار تابث وهو "بسيطة حسنية واحدة" لكل مشترك سنوياً. ولا يحق لأي عضو استرجاع مبلغ الاشتراك المدفوع إذا خرج أو طرد من الجمعية استعفاءً أو بسبب آخر.
  2. ثانياً - الأصول العينية: وهي كميات "الحبوب المخزونة" المودعة في المطامير (السيلوهات الأرضية)، وكذلك كميات الحبوب التي تفرض كضرائب أو فوائد من تلك المطامير.
  3. ثالثاً - السيولة النقدية: المتمثلة في الدراهم والسيولة المالية الموجودة والمحفوظة بين صندوق الجمعية المالي، ومن المبالغ الإضافية التي تفرض كرسوم من تلك الدراهم.
  4. رابعاً - المداخيل الاستثمارية: وهي "الفائدة السنوية" (العائض) التي ينتجها ويولدها قرض الحبوب للمزارعين والدراهم للمقترضين.
  5. خامساً - التبرعات الخاصة: وتتجلى في "الهبات والوصايا" التي تُمنح سواء كانت نقداً مالياً أو عروضا عينية، والتي يعطيها أو يتبرع بها المشتركون وغير المشتركين لصالح الجمعية.
  6. سادساً - الدعم المؤسساتي العمومي: ويشمل "الإعانات" المالية أو العينية التي تعطيها وتمنحها الدولة مركزياً، أو الناحية أو القبيلة، أو تقدمها الجمعيات الخيرية وغيرها من المؤسسات المانحة.
  7. سابعاً - الفوائد البنكية المكتسبة: وهي فائدة المال الفائض "الغير المستعمل" الذي أُودع وتم وضعه في حساب "البنك المخزني" كإعانة واحتياط، وكذلك عائدات المال الموضوع خصيصاً بقصد توفيره لاستعماله عند الضرورة والحاجة.
  8. ثامناً - الديون الخارجية المنظمة: وهي من الدراهم والسيولة النقدية التي تقترضها وتستلفها الجمعية من جمعية احتياطية غيرها، وذلك بالخصوص كحل تمويلي.
  9. تاسعاً - الأصول الثابتة: وتشمل العقار من الأثاث والمباني كالمطامير (المخازن الأرضية) والأهرية (مخازن الحبوب المرتفعة) التي حصلت الجمعية على ملكيتها أو حوزتها كيفما حددت لها ذلك التحديدات من الحكومة العالية.

الإجراءات الإدارية، التحصيل المالي، وطرد الممتنعين (الفصول 14 - 16)

نظمت هذه الفصول صرامة الالتزام المالي.

  • الفصل 14: تدفع الاشتراكات النقدية المستحقة بشكل دوري كل سنة متى يقع ويحين موعد استخلاص ضريبة "الترتيب" (الضريبة الفلاحية المعروفة). ويسلم أمين المالية وصل إبراء رأساً ومباشرة لكل مشترك أدى ما عليه، ويكون هذا الوصل عبارة عن "توصيل مقتطع من كناش ذي رفعتين" (دفتر بأرومة) لضمان الشفافية والمحاسبة المزدوجة.
  • الفصل 15 (حالات العجز والامتناع): إذا ثبت أن المشترك عجز "عجزاً كلياً" حقيقياً عن دفع مبلغ اشتراكه لظروف قاهرة، فيجوز قانوناً إعطاؤه ومنحه أجلاً إضافياً لغاية نهايته مدة الإحصاء القابل للسنة القادمة. ويكون مسار هذا الإعفاء بأن يعرض مجلس القبيلة طلب الأجل أو التأجيل المذكور، ويعطيه ويفصل فيه مجلس الناحية بناء على معطيات. كما يعرض مجلس القبيلة المطالب والملتسمات المتعلقة بطلب "الإعفاء" النهائي من دفع مبلغ الاشتراك سواء كله أو جزء منه، ولا يتم ذلك إلا بعد تحقيق يثبت أن المشترك الفقير لا يكسب شيئاً يذكر. ويصدر الإعفاء المذكور بقرار رسمي من قبل مجلس الناحية. أما الجانب الزجري، فقد نص على أنه "نعم وإن امتنع المشترك" الميسور من الدفع رغما على ثبوت كونه غير عاجز مادياً عن ذلك، فإنه وبلا محالة يُجلب ويُستدعى للمثول لدى مجلس الناحية ليؤكد عليه ويُحذر بوجوب الدفع الفوري، وإن صمم وأصر على امتناعه وتمرده، فإنه "يطرد" ويُفصل نهائياً من الجمعية بعد مرور أجل إنذاري قدره "ثلاثة أشهر" من تاريخ توجيه التأكيد والإنذار المذكور. وعملاً بمقتضيات الفصل 8، فإنه لا حق قانونياً لمن أُبعد أو طرد من الجمعية في المطالبة بـ "استرجاع ما كان دفعه للجمعية" من مبالغ قبل قرار الطرد.
  • الفصل 16 (تسعير الفوائد): تم تحديد سقف "الفائض" (سعر الفائدة) صراحة؛ حيث تُعطى القروض النقدية بفائض مقنن قدره "خمسة في المائة" (5%) من السنة الواحدة. وإن أعطيت وسُلمت القروض عروضاً (حبوباً)، فإن الفائض يقدر ويُحتسب بحسب القيمة السوقية للحبوب في وقت ومرحلة افتراضها (وقت أخذ القرض).

نظام الإقراض، الاقتراض، والضمانات (الفصول 17 - 23)

  • مسار طلب القرض (الفصل 17): من أراد من المشتركين الفلاحين أن يحصل ويستفيد من "اقتراض"، فله الحق أن يعرض طلبه ويوجهه في ذلك على مجلس القبيلة المحلي الذي يمثله. يقوم هذا الأخير بالبحث والتحري الدقيق في الحالة المالية والاجتماعية التي عليها الطالب من حيث درجة "الاحتياج"، ويعين ويقترح المقدار المالي أو العيني للاقتراض (نقداً أو عروضا). ثم يوجه المجلس هذه الإرشادات والتقييمات إلى "مجلس الناحية" الإقليمي الذي له السلطة التقريرية والنظر النهائي في الموافقة على الطلب.
  • معايير المنح (الفصل 18 و19): تعطى وتُمنح القروض للمشتركين ليس بشكل عشوائي، بل على حسب مقدار "أهمية كسبهم" (حجم ممتلكاتهم وضماناتهم) وحجم "لوازمهم وفلاحتهم" التي يحتاجونها لأجل البداية والانطلاق بها في الموسم الفلاحي. وبخصوص مدة القرض، يتم تحديد "تاريخ الإقراض ونهايته" بشكل دقيق متزامن مع موعد حلول "إبان الصابة القابلة" (موسم الحصاد القادم)، وتُسلم للمقترض في ذلك وثيقة أو "ورقة ممضاة" وموقع عليها من قبل رئيس مجلس الناحية بصفته السلطة الآمرة، ويُعلم بتسليمها أمين المالية لضبط الحسابات.
  • إجراءات التسليم (الفصل 19): يسلم أمين المالية المال رأساً ومباشرة للمقترض، بحيث يُسلمه مبلغ القرض شخصياً إن كان نقداً ويفيده ويسجله بـ "كناشه" الخاص بالحسابات. أما إن كان القرض عروضاً (حبوباً)، فإن "العامل" الذي هو رئيس مجلس القبيلة (القايد) يتولى الإشراف على دفعه وتسليمه للمقترض، وذلك بمحضر وحضور شاهدين على الأقل هما "عضوين في الأقل" من أعضاء المجلس المشار له، وبمحضر "الكاتب" الإداري، ولا يتم التسليم إلا بعد أن "يستظهر" المقترض بورقة بها إمضاء رئيس مجلس الناحية تأذن بالصرف. ويفيد الكاتب هذه المقادير المسلمة في "كناش مجلس القبيلة" المخصص للتدوين، ويضع الرئيس "طابعه" (ختمه) الرسمي على هذا التقييد، ثم يُطير ويبعث "الإعلام" الإداري لأمين المالية ليخبره بما وقع دفعه وتسليمه ليقوم أمين المال بدوره بـ "تفيديه بكناشه" المركزي على حسب القيمة المنصرفة.
  • التحصيل (الفصل 20): تستخلص وتُسترجع القروض سواء كانت مسلمة نقداً أو عروضاً في مواعيدها على نفس الكيفية والإجراءات المشروحة سابقاً بالفصل 14 الخاص بكيفية استخلاص مبالغ الاشتراكات.
  • الإعانات والكفالات (الفصول 21 - 22): تعطى "الإعانات" الاجتماعية المجانية من قبل "مجلس الناحية" المركزي حصراً، وذلك بعد حصول موافقة من "مجلس القبيلة" المحلي الذي يزكي حاجة المستفيد، وتُدفع هذه الإعانات لأربابها المستحقين بالصورة والآلية الجاري بها العمل في دفع وصرف القروض. وفيما يخص الكفالات (التأمينات) المشار إليها بالفصل 2، فإنها تُتخذ وتُبرم بواسطة "رسم اتفاق" عقد قانوني لكل قبيلة بمفردها يعقده ويوقعه الرئيس بالنيابة عن الجمعية بصفتها الاعتبارية، وذلك بعد صدور "الإذن" الرسمي في ذلك من قبل كل من مجلس القبيلة ومجلس الناحية معاً، ولا يُعد الرسم المذكور صحيحاً وقانونياً إلا بعد أخذ "الرخصة" الصريحة والمسبقة في تحريره من قبل الحكومة العالية بالرباط.
  • حراسة المطامير (الفصل 23): نظراً لأهمية الأمن الغذائي، تُعطى مسؤولية "حراسة المطامير" (مخازن الحبوب) لمن يختاره وينتدبه "رئيس مجلس الناحية" حصراً من بين الأهالي المشهود لهم بالأمانة. وتعطى لهؤلاء الحراس "الأجرة اللازمة" نظير عملهم من مال الجمعية الخالص وحسب العوايد والأعراف الجاري بها العمل بين الأهالي في ذلك الوقت، وعلى حسب حجم وكمية الحبوب المخزونة والمودعة بتلك المطامير. والحراس هنا يتحملون المسؤولية القانونية، فهم "المسؤولون بالحبوب المذكورة" قبل وأمام مجلس القبيلة في حالة الضياع أو السرقة، وتُستثنى مسؤوليتهم فقط، ما عدا في صورة إثبات وقوع "القوة القاهرة الثابتة شرعاً" كالكوارث الطبيعية الجارفة.

الاستثمار التجاري والفوائض المالية (الفصول 24 - 26)

  • الاستثمار الزراعي (الفصل 24): يجوز ويُسمح قانوناً للجمعية بصفتها مؤسسة تنموية أن تستعمل وتوظف "رأس مالها كله أو جزء منه" في عمليات تجارية تخدم أهدافها، كـ "اشتراء الحبوب للزريعة" (للبذور) لتوفيرها للفلاحين. كما يجوز لها إدارياً أن تقوم ببيع وتسييل "جملة الحبوب المخزونة بالمطامير أو جزء منها" في الأسواق، وتُبقي وتحتفظ بـ "الثمن" المالي عندها نقداً سيولةً في الصندوق، غير أنه اشترط عليها المشرع ضماناً للشفافية ومحاربة للفساد أن تتمم وتُجري جميع هاته العمليات البيعية حصرياً عن طريق "المزايدة العمومية" العلنية. وتُقر وتقع التغييرات المذكورة في هياكل مدخولات الجمعية بناءً على طلب رسمي من "مجلس الناحية"، وذلك بعد أخذ استشارة من مجالس القبائل المعنية، والحصول على موافقة نهائية من الحكومة العالية. أما إذا كان الأمر يتعلق بتغيير صبغة "مدخولات القبيلة" العينية حتى تصير وتتحول كلها إلى أموال "نقداً"، فلا يجوز الإقدام على ذلك مطلقاً إلا بعد تحصيل موافقة صريحة من "مجلس القبيلة" المعني كصاحب الشأن.
  • تدبير الفائض المالي (الفصل 25): في إطار الحكامة المالية وتأمين الودائع، اشترط المشرع أنه إن كان المال المجموع والمدخر بـ "صندوق الجمعية" النقدي المحلي يزيد ويفوق سقف "ثلاثة آلاف بسيطة حسنية" (3000)، فيجب قانوناً وبقوة هذا الفصل أن يُدفع ويُحول ما زاد وفاق ذلك المقدار المحتفظ به فوراً لحساب "البنك المخزني" المركزي، بحيث يكون هذا المال الفائض "موضوعاً بقصد الاستعمال عند الحاجة" وفي مأمن من التلف أو السطو. ولا يُسمح ولا يؤخذ أي شيء أو مبلغ من هذا المال الموضوع بالبنك المذكور وسحبه إلا بموجب "إذن" موقع من قبل "رئيس إدارة الجمعية".
  • سلطة المراقبة العليا (الفصل 26): يؤكد هذا الفصل المقتضب والقاطع على السيادة الإدارية؛ حيث ينص على أن "الحكومة العالية هي التي تراقب أعمال الجمعية"، جاعلاً من مؤسسة الحماية والمخزن الرقيب المالي والإداري الأوحد على هذه الجمعيات التعاونية.

المحاسبة والتدقيق والتنظيم الإداري (الفصول 27 - 33)

  • هيئة المحاسبة (الفصل 27): تعين وتوظف "الحكومة العالية" مركزياً الموظفين الحساسين وهم "أمين المال وكُتّاب مجلس الناحية ومجلس القبائل" لضمان استقلاليتهم عن ضغوط الأعيان المحليين.
  • التقرير السنوي (الفصل 28): تحرر وتُعد "قائمة" (تقرير مالي) شاملة في نهاية كل سنة خلال شهر "ديسمبر"، تبين وتُفصل فيها "حالة الجمعية" من الناحية المالية والإدارية. ويُلزم "أمين المال" بتقديم جميع حساباته ودفاتره على وجه الاحتجاج والإثبات، ويقوم بـ "تصفيتها" (مراجعتها) وتحريرها على حسب "القاعدة الجاري بها العمل في المحاسبات الإدارية" الصارمة. كما أن "الرئيس" بدوره ملزم بأن يقدم من جهته أيضاً "حساباً" تقريرياً يتعلق بمجال "إدارة الجمعية". وبعد إعداد هذه الوثائق، يوافق ويصادق "مجلس الناحية" الإقليمي على جملة هاته الحسابات في جلسة رسمية. ثم تُعرض وتُرسل بعد ذلك جميعها على أنظار "الحكومة العالية" للبت والموافقة عليها نهائياً، وترفق وجوباً بـ "تقرير تبين فيه جملة الأعمال المتعلقة بالجمعية وكذلك النتائج المتحصلة في تلك السنة".
  • أرشفة الوثائق (الفصل 29): لضمان سرية وحفظ البيانات، فإن جميع "الأوراق المتعلقة بالجمعية يحفظها الكاتب" المعين بالمحل المخصص الذي أعطي للجمعية كمقر. ويُحظر ويمنع قانوناً أن "يطلع عليها (أي شخص) دون الولاة المسؤولين عنها أو المكلفين بمراقبتها" رسمياً. وإنما تستثنى فقط "الأوراق والدفاتر المتعلقة بالمحاسبة" المالية البحتة، فهذه الأخيرة تكون باستمرار "محفوظة عند أمين المال" تحت عهدته ومسؤوليته المباشرة.
  • الديناميكية القبلية (الفصل 31): يعالج هذا الفصل الإشكاليات الديموغرافية والقبلية المعقدة في المغرب آنذاك. فإذا "رحلت قبيلة" بأكملها وانتقلت إلى تراب وناحية جغرافية أخرى، فإنها قانونياً "تصير داخلة في جمعية التراب الجديد" الذي حلت به، ولكنها تنتقل "باعتبار مالها وما عليها من الديون" كذمة مالية مستقلة تندمج مع الجمعية الجديدة. أما إن اقتصر الأمر على أن رحلت وانشقت "فرقة واحدة من القبيلة" فقط وانتقلت إلى تراب آخر، ففي هذه الحالة يُجرى ويُحرر لها "آخر حساب" لتقييم المدخولات المتعلقة بجملة القبيلة الأصلية من مقبوض (أصول) ومن الديون المستحقة التي لها بذمة المشتركين. وتُقسم وتُفرز المدخولات المذكورة إحصائياً بحيث "يعين سهم (نصيب) لكل فرقة من القبيلة بحسب عدد السكان" الديموغرافي، وتتحمل الفرقة المهاجرة المذكورة العبء وتُطالب "بالديون التي بذمتها للجمعية" الأم على حسب مقدارها المستحق. ويضيف المشرع أنه في حالة إذا ما لم تجد هذه الفرقة المهاجرة "جمعية بالتراب المنتقل إليه"، ولم يقم هؤلاء المشتركون المهاجرون بأن "يؤسس المشتركون جمعية جديدة بهذا التراب" بعد مضي مدة إنذارية قدرها "ثلاثة أشهر"، فيجب إذ ذاك وحتماً على "الجمعية الموجودة (الأصلية) أن توفي وتنهي أعمالها وتوزع المال المتبقي بين المشتركين" المعنيين لتصفية الوضعية.
  • مسك الدفاتر والكناشات (الفصل 33): يُعتبر هذا الفصل قمة الضبط المحاسبي، حيث يلزم القانون بوجوب أن "ترسم وتدون جميع العمليات المتعلقة بإدارة الجمعية وبمحاسبتها" المالية بدقة في "الدفاتر الآتي ذكرها"، وذلك بعدما يقوم ويشرف "يمضيها رئيس مجلس الناحية ويضع أعداداً ترتيبية في كل صحيفة منها" لتفادي التزوير وإتلاف الأوراق. وقد وزع المشرع هذه الدفاتر المحاسبية على المجالس والمسؤولين كالتالي:
    • أولاً: الدفاتر المخصصة لمجلس الناحية (المركزي): 1. "دفتر للمفاوضات" (محاضر الجلسات). 2. "دفتر يقيد فيه الرئيس يومياً جميع الأذون الصادرة منه لأمين المال"، سواء كانت هذه الأوامر متعلقة بعمليات المقبوضات (إيداع) أو بالمدفوعات (سحب). 3. "دفتر لتضمين أسماء المشتركين بكل قبيلة" (سجل المنخرطين الإقليمي).
    • ثانياً: الدفاتر المخصصة لأمين المال (الخازن الإقليمي): 1. "دفتر لحسابات الجمعية ويقسم على قسمين: قسم للحسابات النقدية وقسم للحسابات العروضية (الحبوب)". 2. "دفتر لتلخيص عمليات الجمعية" (الدفتر اليومي/المركزي). 3. "دفتر لتضمين القروض" (سجل الدائنين والمدينين). 4. "كناش ذو رفعات (أرومات) لتسليم التوصلات" (وصولات الأداء).
    • ثالثاً: الدفاتر المخصصة لكل مجلس قبيلة (المحلي): 1. "دفتر للمفاوضات" (محاضر الجلسات المحلية). 2. "دفتر لتضمين ما خرج على وجه القرض من الحبوب المخزونة بالمطامير الاحتياطية وما رجع لها من ذلك القرض" (سجل مخزون السيلوهات). 3. "دفتر لبيان أسماء المشتركين" (سجل المنخرطين المحلي).
  • تحمل المصاريف (الفصل 32): تتحمل ميزانية الجمعية وجوباً صرف و"أجور أمناء المالية والكتاب" المشار إليهم في مقتضيات الفصل 27، كما تتحمل الالتزام "بالصوائر (النفقات) الناشئة عن اشتراء الدفاتر والمطبوعات اللازمة لإجراء وتسيير أعمالها". وتتحمل الميزانية أيضاً دفع وتغطية جميع "ما تستوجبه مكتبة مجلس الناحية ومجلس القبائل من المصاريف الإدارية". وتُستخلص وتُصرف هاته المصاريف التشغيلية بتقديم "قائمة" (فاتورة/بيان) مفصلة فيها المبالغ، ولا يجوز بتاتاً لغير المعنيين "الاشتراك فيها أصلاً" بأي وجه كان.
  • النفاذ والتعديل (الفصل 33 والأخير): يحدد هذا الفصل شرط الدخول حيز التنفيذ، حيث ينص بوضوح على أنه "لا يجوز تطبيق هذه الشروط وإجراء العمل بها إلا بعد الحصول على موافقة جناب الصدر الأعظم" شخصياً. وفيما يخص التعديلات المستقبلية، فإنه "يمكن تغييرها وتعديل الشروط بعد وقوع المعاوضة والمداولة التقريرية في ذلك بمجلس الناحية"، غير أنه يجب إلزامياً "عرض هاته التغييرات على الموافقة العليا مثل عرض الشروط نفسها" المذكورة في التأسيس. حُرر هذا الضابط الشامل بمدينة رباط الفتح في اليوم الثاني من شهر رمضان المعظم عام 1334 (يبدو أن هناك تضارباً بسيطاً في تاريخ السنة الهجرية المطبوعة في هذا الجزء من النص الأصلي حيث ذكر 1334 بينما التاريخ الميلادي هو 1913)، الموافق للخامس (5) من غشت سنة 1913.

النموذج المحاسبي: هندسة ميزانية الجمعية

أدرجت الجريدة في هذا القسم نموذجاً عملياً مفصلاً لكيفية تحرير "ميزانية عام..." ، توضح هندسة المالية العمومية لهذه الكيانات:

  • واجهة الميزانية: تحمل ترويسة "الجمعية الاحتياطية الأهلية في التعاون والتفارض ناحية الشاوية، فرقة...، قبيلة...".
  • جدول المقبوضات (المداخيل): يُقسم إلى خانات توضح الفصول وأنواع المقبوضات.
    • المقبوضات الاعتيادية: الفصل 1: مبلغ الاشتراكات المدفوعة نقداً. الفصل 2: مبلغ الاقتراضات المستخلصة والمسترجعة من المشتركين نقداً. الفصل 3: مبلغ الفائض (الفائدة) المتحصل من الاقتراضات. الفصل 4: مبلغ الفائض المتحصل من المال الموضوع والمودع بصندوق الأمناء. الفصل 5: مبلغ الفائض المتحصل من المال المؤمن والمودع بالبنك. وتُجمع في خانة "الجملة".
    • المقبوضات الغير الاعتيادية (الاستثنائية): الفصل 6: مبلغ التبرعات المقدمة نقداً أو عروضاً (يُحتسب بعد التقويم المالي). الفصل 7: مبلغ الإمدادات (الدعم) على اختلاف وتنوع أنواعها. الفصل 8: مبلغ الدخل المتحصل للجمعية من عمليات بيع الحبوب. الفصل 9: مبلغ الدخل المتحصل من بيع المنقولات المادية. الفصل 10: مبلغ السلف الذي أعطي للجمعية على سبيل الاقتراض من جمعية أخرى. الفصل 11: مبلغ ما استُخلص واستُرجع من المال الذي أقرضته الجمعية في السابق إلى جمعيات أخرى. وتجمع في خانة "الجملة".
    • تلخيص الحساب المقبوض: خانة لما فضل وبقي من مقبوضات العام الفارط (الرصيد المرحل)، تُضاف إليه المقبوضات الاعتيادية والغير الاعتيادية للوصول إلى المجموع.
  • جدول الصوائر (النفقات): يُهيكل بنفس الطريقة الصارمة.
    • الصوائر الاعتيادية: الفصل 12: مبلغ الصوائر والمصاريف المتعلقة بإدارة وتسيير الجمعية. الفصل 13: مبلغ أجرة أمين المال . الفصل 14: مبلغ جملة ما أقرضته الجمعية (يُقسم إلى شقين: نقداً، وعروضاً حبوباً بعد تقويم الثمن). الفصل 15: مبلغ جملة الإعانات الاجتماعية المعطاة للمشتركين (نقداً وعروضاً بعد تقويم الثمن) . الفصل 16: مبلغ ما أُعطي كإعانة خيرية للفقراء. وتُجمع في خانة "الجملة".
    • الصوائر الغير الاعتيادية: الفصل 17: مبلغ ونفقات شراء الحبوب الجديدة. الفصل 18: مبلغ ما أقرضته الجمعية ومولته لجمعيات أخرى مساعدة لها. الفصل 19: مبلغ ما أرجعته وسددته الجمعية كدين مما كانت قد اقترضته من جمعيات أخرى. وتُجمع في خانة "الجملة" .
    • تلخيص حساب الصوائر: جمع الصوائر الاعتيادية والغير الاعتيادية .
  • ميزانية الحساب (الخلاصة المالية): توضع فيها "جملة المقبوضات" يقابلها وتُطرح منها "جملة الصوائر" للوصول وتحديد "فاضل المقبوضات" (الفائض المالي الصافي أو العجز) . وتختتم وثيقة الميزانية بإشهاد الموافقة والمصادقة المؤسساتية، حيث يُكتب: "إن هاته الميزانية وافق عليها مجلس الناحية في جلسة اليوم... حرر في... توقيع الرئيس". وفي أسفلها إشهاد الوصاية النهائية: "إن الكولونيل حاكم ناحية الشاوية وافق على ميزانية الجمعية الاحتياطية الأهلية في التعاون والتفارض لعام... على كون مقبوضاتها هي (المبلغ) وصوائرها هي (المبلغ). حرر في... توقيع الكولونيل حاكم الشاوية" .

القسم الرابع: الإعلانات والإشعارات التجارية والقانونية

بصفتها النشرة القانونية الرسمية المعتمدة، خصصت الجريدة صفحاتها الأخيرة للإعلانات التجارية والقانونية، وهي تمثل نافذة على الدينامية التجارية والحركية الاقتصادية التي كان يشهدها المغرب المنفتح حديثاً على الاستثمار الأجنبي المباشر.

1. الشركة الاستثمارية الكبرى (جمعية البحث والتجارة)

يبرز في هذا العدد الإعلان التجاري الضخم الخاص بـ "جمعية للبحث والتجارة بالمغرب" ، وهي بمثابة شركة قابضة أو مؤسسة تجارية كبرى متعددة الفروع والنشاطات. تعكس خريطة انتشار وكالاتها مدى تغلغل النشاط التجاري المنظم، حيث تمتلك وتدير وكالات حيوية في أهم المراكز الحضرية والموانئ: الدار البيضاء، طنجة، مليلة، الرباط، أگادير، مراكش، آسفي، والصويرة. وقد ركز الإعلان على توجيه انتباه القراء إلى أن وكالتها الكائنة في مدينة الرباط العاصمة توجد وتتخذ مقرها بـ "شارع العلو" التاريخي والتجاري.

أما على مستوى المعروضات والسلع الاستراتيجية، فهذه الجمعية تتاجر وتوفر المواد الأساسية اللازمة لنهضة العمران والبنية التحتية والفلاحة الحديثة. فعندها تباع وتتوفر مواد البناء الحيوية مثل الجير، الملاط (يعني مادة السيمة/الأسمنت)، العود (الخشب الموجه للبناء)، الحديد، ومادة الآجر. كما توفر أحدث التجهيزات والآليات التكنولوجية التي بدأت تغزو السوق المغربية آنذاك، كـ "مكينات الزراعة" المتطورة، والآلات المحركة الصناعية، و"المضخات" الفلاحية المتطورة (ويعني بها البومبات)، وصولاً إلى استيراد وعرض بيع "الاتوموبيلات" (السيارات) الحديثة وغيرها من المعدات الثقيلة. ولم تغفل الجمعية قطاع النسيج والرفاهية الاستهلاكية، حيث أعلنت أن "عندها أيضاً" مخزوناً ومبيعات من أرقى أنواع "منسوجات مدينة منشستر" الإنجليزية الشهيرة بجودتها، وكذا "حرائر مدينة ليون" الفرنسية الذائعة الصيت. وقد أُشير في ذيل الإعلان إلى أن هذه المؤسسة التجارية أو هذا الفرع الإعلاني يتمثل في "وكالة باكي".

2. تعريفة النشر في الجريدة الرسمية

لم تغفل إدارة النشر والتوزيع إضفاء الشفافية القانونية والتجارية على عملياتها الإعلانية الداخلية. فقد نشرت إعلاناً إدارياً صريحاً يوضح وينص على أن "الجريدتين الرسميين العربية والفرنساوية" مكارستان ومفتوحتان لكي ينشران بصفة اعتيادية "جميع الإعلانات" التجارية و"الإعلامات" (الإشعارات) القانونية أو الإدارية، و"جميع ما أشبه ذلك من مثل هذه المواد" والنصوص الإخبارية المدفوعة.

ولضبط المنافسة ومنع الاحتكار الإعلاني، نصت الإدارة على أن النشر في الجريدة الرسمية يتم "على الشروط وبالأجور (الأسعار) التي تنشر مثلها بالصحف الغير رسمية" المتداولة في السوق. وقدمت جدولاً تسعيرياً دقيقاً ومفصلاً لـ "ثمن الإعلانات" كما يأتي:

  • تسعيرة الإعلانات المكتوبة: تم تحديد "أجرة السطر الواحد في العشرة الأسطر الأولى" من الإعلان في مبلغ قدره "1 فرنك" للسطر الواحد. أما إذا طال الإعلان وتجاوزت كلماته هذا الحد، فإن التسعيرة المطبقة "في الأسطر التالية للعشرة" تنخفض تشجيعاً للمعلنين لتصبح "0.75 فرنك" للسطر الإضافي.
  • تسعيرة الإعلامات (الإشعارات): نظراً لطبيعتها القانونية أو الاستعجالية، تم تحديد "أجرة السطر" الواحد الخاص بالإعلامات في مبلغ ثابت قدره "1.25 فرنك" للسطر.
  • تسعيرة العقود الاستثنائية: تركت الإدارة باب التفاوض التجاري مفتوحاً في حالات خاصة، ونصت على أن "الإعلانات الهامة يتفق عليها" بشكل حصري ومباشر "بين الإدارة وطالب النشر".

كما وضعت الإدارة نظاماً تجارياً تحفيزياً دقيقاً ومتقدماً لـ "خصم" وتخفيض الأسعار يستهدف الإعلانات المتكررة (Loyalty Program)، حيث نصت على أن "الإعلانات والإعلامات المتجددة (التي تنشر لمرات متعددة) يخصم ويقتطع لها من أصل الأجرة الإجمالية على القاعدة التجارية الآتية":

  • من ينشر "5 إعلانات متواصلة ومستمرة" في أعداد متتالية، "يخصم لها من الثمن" الإجمالي مبلغ قدره "10 فرنكات".
  • من ينشر "10 إعلانات متواصلة ومستمرة"، يخصم له من الثمن مبلغ قدره "12 فرنكاً".
  • من ينشر "25 إعلاناً متواصلاً ومستمراً"، يخصم له من الثمن مبلغ قدره "15 فرنكاً".
  • من ينشر "50 إعلاناً متواصلاً ومستمراً"، يحظى بخصم استثنائي يبلغ "25 فرنكاً".

وأوضحت الإدارة للمهتمين من التجار والمؤسسات أن جميع "الطلبات والمراسلات بهذا الشأن التجاري والإعلاني يجب أن توجه وترسل حصرياً إلى إدارة الجريدة الرسمية الكائنة بالرباط".

وتختتم الوثيقة بالبيان الإلزامي الدال على جهة الطبع، حيث يشير السطر الأخير إلى أن طباعة هذا العدد من الجريدة الرسمية قد تمت في "مطبعة مرسي وكمبانيته * برباط الفتح" (Rabat) ، مما يوثق دور هذه المؤسسة المطبعية في إصدار وتوثيق القوانين الشريفة في تلك الحقبة التأسيسية الهامة.

 

خاتمة

إن قراءة وتحليل هذا العدد السابع عشر (17) من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة يضعنا، كخبراء قانونيين وباحثين في التاريخ المؤسساتي، أمام وثيقة ليست مجرد حبر على ورق، بل هي "خارطة طريق" تشريعية واقتصادية دقيقة تعكس الإرادة في بناء دولة المؤسسات في مغرب بداية القرن العشرين. من خلال تتبع تفاصيل هذا الملف، نلمس بوضوح كيف تم استخدام "القانون" و"النشر الرسمي" كأداة مزدوجة: أداة لفرض السلطة الإدارية (مثل ترقية مسؤولي الأشغال العمومية وتعيين الأطباء)، وأداة لضبط التوازنات الاقتصادية والاجتماعية وحماية الأمن الغذائي (مثل التدخل الزجري الحاسم للقبطان دسهاي لكسر احتكار الأسعار في أسواق مدينة الصويرة).

كما يشكل قانون وإطار "الجمعية الاحتياطية الأهلية للتعاون والتفارض" المفصل في 33 فصلاً، نموذجاً استثنائياً للتشريع المالي الفلاحي المبكر؛ فهو يعكس توجهاً تشريعياً ذكياً يهدف إلى احتواء الفلاحين الأهالي، وتنظيم ممارسات القرض العشوائي واستبداله بإطار مؤسساتي مضبوط ومراقب يعتمد على "المطامير" الاحتياطية وتدوير الفوائد وضبط الميزانيات الدقيقة، وذلك كله تحت السلطة الوصائية الصارمة للإدارة المركزية. إنها هندسة قانونية متكاملة تجمع بين التنظيم الإداري المحكم، الضبط المالي، الرقابة المؤسسية، واستشراف المخاطر البيئية عبر حماية الغابات من الاستنزاف. يظل هذا العدد شاهداً قانونياً واقتصادياً لا يقدر بثمن، يوثق لحظات حاسمة من تاريخ إرساء قواعد الإدارة والاقتصاد الممنهج في الدولة المغربية.

 تحميل العدد 17 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 10/04/2026
تحديث 10/04/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث