قراءة في العدد الثاني من الجريدة الرسمية الشريفة: وضع اللبنات الأولى للتنظيم القضائي التشريعي والمحاسبة المخزنية
تعتبر الجريدة الرسمية، في كل نظام قانوني معاصر، المرآة الدقيقة لتطور التشريع والمؤسسات. وفي تاريخ المغرب الحديث، يحتل العدد الثاني من "الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة" مكانة تأسيسية بالغة الأهمية. فإذا كان العدد الأول قد أرّخ للتأسيس السياسي والبيعة، فإن هذا العدد، الصادر في 27 ذي الحجة 1331 هجرية، قد باشر فعلياً عملية مأسسة الدولة في شقين حيويين: التنظيم المالي (المحاسبة العمومية) وتحديد هيكلية واضحة ومعيارية للمحاكم الشرعية، وهو ما يجعله وثيقة لا غنى عنها لفهم تاريخ الإدارة المغربية الحديثة والتحولات التشريعية الكبرى في عهد جلالة السلطان مولاي يوسف.
سياق العدد والمواصفات الشكلية
صدر العدد الثاني في مرحلة زمنية حرجة، تتسم برغبة مزدوجة: رغبة "المخزن الشريعي" في إثبات السيادة والقدرة على التنظيم الإداري، ورغبة سلطات الحماية في إرساء أطر قانونية "عصرية" تسهل تدبير شؤون المملكة وتثبت مركزيتها في مدينة الرباط، حيث مقر المطبعة السريعة المكلفة بالنشر.
تلتزم الجريدة في هذا العدد بنفس المواصفات التي أرسيت في العدد التأسيسي: ترويسة رسمية واضحة باللغة العربية "الجريدة الرسمية للمملكة المغربية الشريفة حماها الله"، وتسعيرة اشتراك موحدة داخلية (10 فرنكات سنوياً) وخارجية (15 فرنكاً). هذه الثوابت الشكلية تمنح الجريدة طابعها الرسمي الوقور، وتؤكد على استمراريتها كوسيلة تواصل قانونية فعالة بين السلطة المركزية وبقية أنحاء المملكة.
هيكلة المخزن الشريفي: التأسيس للنظام المحاسباتي المغربي
تعتبر الميزة الأبرز لهذا العدد، من الناحية الإدارية الصرفة، هي نشره لظهير شريف صادر في 21 ذي الحجة 1331 هجرية، يخص وضع ضابط المحاسبة العمومية المخزنية. إن أهمية هذا النص لا تكمن فقط في كونه ينظم الأموال، بل في كونه يرسخ مفهوماً جديداً لتدبير "المال العام" داخل المخزن، ويضع قواعد تسيير عصرية تختلف عن الأنماط التقليدية التي كانت سائدة.
قواعد المحاسبة والمراكز القانونية للموظفين الماليين
تضمن الظهير قواعد تفصيلية ودقيقة لم يُسبق إليها في التنظيمات السابقة، حيث حدد الاختصاصات بوضوح مانعاً للتداخل. ويمكن تلخيص أبرز مضامين هذا الضابط في النقاط التالية:
أولاً: فصل المهام بين الآمر بالصرف والمحاسب العمومي
. يعد هذا المبدأ حجر الزاوية في أي نظام محاسباتي حديث لضمان الرقابة والنزاهة. فقد أوضح الظهير أن "الآمر بالصرف" (مثل الوزراء والولاة) هو الذي يملك سلطة إقرار الحاجة للصرف، بينما "المحاسب" هو المكلف الفعلي بعملية الدفع واستلام الأموال، وهو المسؤول جنائياً ومالياً عن أي خطأ في تنفيذ الصرف، مما يخلق نوعاً من الرقابة التلقائية بين الطرفين.
ثانياً: تقييد النفقات بتوفر الاعتمادات.
وضع الضابط قيداً صارماً على الإدارة المخزنية، حيث يمنع أي نفقة إلا إذا كانت مدرجة في الميزانية العامة وتتوفر لها اعتمادات مالية كافية، مما يعد خطوة هامة نحو ضبط الميزانية العمومية والحد من النفقات العشوائية التي كانت تستنزف الخزينة في فترات سابقة.
ثالثاً: إرساء قواعد دقيقة للمداخيل والمصاريف.
حدد الظهير الشروط الواجب توفرها لاستخلاص الرسوم والضرائب، وطرق إيداعها في الخزينة، وكيفية تسوية المبالغ المؤداة. كما نص على أن المحاسبين يجب أن يؤدوا ضمانة مالية كشرط لممارسة مهامهم، لضمان استرجاع الأموال في حالة اختلاس أو تقصير.
تأسيس الإدارة المركزية: تنظيم وزارة الصدر الأعظم
وفي إطار نفس التوجه التنظيمي، تضمن العدد قرارات وزرية تخص هيكلة الإدارة المركزية، وبالتحديد وزارة الصدر الأعظم. فقد حددت هذه القرارات بوضوح اختصاصات كل مصلحة من مصالحها، مما يمنح الإدارة المخزنية طابعاً هرمياً ومنظماً. فوزارة الصدر الأعظم أصبحت مركزاً لتنسيق عمل باقي الوزارات، ومكلفة بحفظ أوراق الدولة، مما يكرس دورها كـ "مطبخ" لإنتاج السياسات العمومية المخزنية.
الثورة الهيكلية في التنظيم القضائي الشريعي
أفرد العدد الثاني حيزاً واسعاً، هو الأكبر حجماً، لتنظيم المحاكم الشرعية. هذه المحاكم، التي ظلت تمثل ركيزة القضاء بالنسبة للمغاربة المسلمين في مجالات الأحوال الشخصية، والميراث، والعقار غير المحفظ، كانت تحتاج إلى هيكلة واضحة تضمن لها الهيبة والفعالية وتحد من التباين في الأحكام بين منطقة وأخرى. وقد جاء العدد الثاني بسلسلة من النصوص التشريعية والتنظيمية التي أحدثت "ثورة" في هذا المجال.
ضابط ترتيب المحاكم الشرعية ووظائفها
تضمن العدد نصاً تأسيسياً يحدد بوضوح هيكلية المحاكم الشرعية، مقسماً إياها إلى درجات ومناطق جغرافية، ومحدداً الاختصاصات والمهام لكل فئة من موظفيها.
أولاً: تصنيف المحاكم ودرجات التقاضي
وضع الضابط هيكلاً هرمياً للمحاكم، حيث تم التمييز بين:
- المحاكم العليا (أو محاكم الدرجة الأولى): وهي المحاكم التي تقع في الحواضر الكبرى (مثل فاس، مراكش، الرباط، الدار البيضاء)، والتي أسندت إليها قضايا ذات أهمية كبرى، وجعلت لها تشكيلة بشرية أكبر.
- المحاكم الجهوية (أو محاكم الدرجة الثانية): وهي المحاكم التي تغطي مناطق أصغر أو مدن متوسطة، وتختص بقضايا محددة القيمة، وتكون أحكامها في الغالب قابلة للاستئناف أمام المحاكم العليا.
كما أقر الضابط مبدأ "تعدد درجات التقاضي"، حيث يمكن استئناف الأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الثانية أمام المحاكم العليا، وهو ما يعد تقدماً حقوقياً هاماً لضمان حقوق المتقاضين وتقليل احتمالية الخطأ القضائي.
ثانياً: تنظيم الموظفين الشرعيين (القضاة، العدول، الكتاب)
فصل الضابط بشكل دقيق ودون لبس في الدرجات، والمرتبات، وشروط التعيين، والاختصاصات لكافة الموظفين العاملين بالمحاكم الشرعية:
- القضاة: تم تصنيف القضاة إلى درجات (ممتازة، أولى، ثانية) بناءً على أهمية المدينة وتاريخ الخدمة. وحدد الضابط الرواتب الشهرية والتعويضات الخاصة بهم، مما يعكس رغبة في استقلاليتهم المالية عن الأطراف، وحدّ من إمكانية قبولهم لـ "الهدية" أو الرشوة. كما نظم الضابط طرق تعيينهم، وشروط نقلهم، وطرق تأديبهم في حالة الإخلال بواجباتهم المهنية.
- العدول والكتاب: تم تنظيم مهنة "العدالة" (العدول) بشكل دقيق، حيث تم تحديد العدد المسموح به في كل محكمة، والشروط اللازم توفرها لممارسة المهنة، وطرق مراقبة سجلاتهم وتوثيق المعاملات. كما نظم عمل الكتاب المحررين الذين يساعدون القاضي في تدوين الأحكام والمراسلات، مما يضمن دقة وسرعة الإجراءات القضائية.
- الوكلاء: وضع الضابط قواعد أولية لممارسة مهنة "الوكالة" أمام المحاكم الشرعية (ما يشبه مهنة المحاماة حالياً)، محدداً واجباتهم تجاه موكليهم وتجاه المحكمة، ومنع الممارسات التي تخل بوقار القضاء.
تحديد الرسوم القضائية والعدلية (القرار الوزيري التكميلي)
لتكتمل منظومة مأسسة القضاء الشرعي، نشرت الجريدة الرسمية نص قرار وزيري يحدد بدقة الرسوم الواجب دفعها لخزينة المحاكم. يعتبر هذا النص مكملاً حيوياً لضابط تنظيم المحاكم، حيث يضمن:
- ضبط مالية المحاكم: منع الجباية العشوائية التي كانت تمارس سابقاً، وألزم المحاكم بمسك سجلات دقيقة للمداخيل وإيداعها في خزينة المخزن.
- تسهيل ولوج العدالة: تحديد رسوم معقولة لمختلف أنواع القضايا (المالية، العقارية، الأحوال الشخصية)، مع مراعاة الحالة الاجتماعية للمتقاضين (في بعض الحالات النادرة).
- تحديد تسعيرة الخدمات العدلية: ألزم العدول والكتاب بالعمل بناءً على تسعيرة موحدة ومكتوبة، مما يحمي المواطنين من الاستغلال والابتزاز.
التعيينات المخزنية والبلدية: جرد لركائز الإدارة المغربية في مطلع القرن العشرين
لا يكتفي العدد الثاني بنشر النصوص القانونية المجردة، بل تضمن في أقسامه الأخيرة قوائم مفصلة بأسماء كبار الموظفين ورجال السلطة المعينين في مناصب هامة، مما يعطي صورة حية عن تشكيلة النخبة الإدارية المغربية في مطلع فترة الحماية. ويمكن تقسيم هذه التعيينات إلى ثلاث فئات رئيسية:
تعيينات القضاة والنواب والعدول
نشرت الجريدة أسماء القضاة الجدد المعينين في الحواضر الكبرى (مثل فاس، مراكش، الرباط، الدار البيضاء)، وكذا التغييرات في مناصب النواب والعدول. ويلاحظ من خلال هذه القوائم أن جلالة السلطان ومعه سلطات الحماية حاولا الجمع بين الوجوه القديمة المشهود لها بالعلم والنزاهة، وبين وجوه جديدة شابة قد تكون أكثر استعداداً للقبول بالنظام التنظيمي الجديد. إن جرد هذه الأسماء يعطي الباحثين مادة غنية لدراسة الأصول الاجتماعية والجغرافية للنخبة القضائية المغربية في تلك الفترة.
تنظيمات وتعيينات بلدية
في إطار التوجه نحو تأسيس "البلدية" كمؤسسة حديثة لإدارة الشؤون المحلية، تضمن العدد قرارات تعيين بعض رؤساء المجالس البلدية والنواب البلديين في بعض الحواضر الكبرى. وركزت هذه القرارات على بعض الاختصاصات التي كانت تعد حيوية جداً حينها، مثل الصحة العامة، الأسواق، خدمات النظافة، مما يعكس الرغبة في تحسين ظروف العيش في المدن وضبط المجالات الحضرية.
تعيينات إدارية ومخزنية أخرى
شملت التعيينات أيضاً مناصب إدارية في بعض الوزارات والمؤسسات العمومية، مثل وزارة المالية، وزارة الحرب، إدارة الترجمة، وإدارة الأملاك المخزنية. هذه القوائم تعكس التوجه نحو خلق طبقة من الموظفين الإداريين "المهنيين" الذين يتقاضون رواتب قارة، مما يعد خطوة هامة نحو الانتقال من نظام المخزن التقليدي القائم على "الأمانات" و"المقاطعات" إلى نظام إداري حديث قائم على "الوظيفة العمومية".
الخلاصة وأهمية هذا العدد تاريخياً وتشريعياً
يشكل العدد الثاني من الجريدة الرسمية المغربية حلقة وصل أساسية وفارقة في تاريخ التشريع المغربي الحديث. فمن خلاله، وضع جلالة السلطان مولاي يوسف الأسس المتينة والراسخة في مجالين هويتين للدولة: المالية والقضاء. فقد وضع هذا العدد قواعد المحاسبة المخزنية العصرية التي تضمن ضبط المال العام والحد من النفقات العشوائية، ونظم المحاكم الشرعية بشكل دقيق يضمن لها الهيبة والفعالية ويحدد الاختصاصات والمهام لكافة موظفيها. إن دراسة هذا العدد لا غنى عنها لفهم تطور المحاسبة العمومية وهيكلة القضاء المغربي في مطلع القرن العشرين، وكذا فهم مسار الانتقال من نظام المخزن التقليدي إلى نظام إداري حديث في ظل الحماية.
إرسال تعليق