قراءة في العدد الأول من الجريدة الرسمية المغربية: التأسيس، القرارات، والتنظيم الإداري
تعتبر الجريدة الرسمية في أي دولة المرآة العاكسة لتطورها التشريعي والمؤسساتي. وفي المغرب، يمثل العدد الأول من الجريدة الرسمية وثيقة تاريخية بالغة الأهمية تؤرخ لمرحلة انتقالية حاسمة في تاريخ المملكة. نستعرض في هذا المقال الحصري تفاصيل ومحتويات هذا العدد التأسيسي الذي صدر ليضع اللبنات الأولى للتنظيم الإداري والقانوني الحديث في المغرب.
1. بطاقة تعريفية للعدد الأول وتفاصيل النشر
صدر العدد الأول من "الجريدة الرسمية" في سنتها الأولى بتاريخ 1 يبراير 1913 الموافق لـ 23 صفر 1331 هجرية بمدينة رباط الفتح. حددت إدارة الجريدة ثمن الصحيفة الواحدة في عشرين صانتيماً.
ولضمان وصول الجريدة إلى كافة المهتمين، تم تحديد قيمة الاشتراك بأسعار متباينة حسب المدة والموقع الجغرافي:
- داخل المملكة الشريفة: 3.50 لثلاثة أشهر ، 6 لستة أشهر ، و 10 لسنة كاملة.
- خارج المملكة الشريفة: 4.50 لثلاثة أشهر، 8 لستة أشهر، و 15 لسنة كاملة. واشترطت الإدارة على الراغبين في الاشتراك طلب ذلك من المطبعة المعروفة بـ "المطبعة السريعة" الكائنة بالرباط أو بالدار البيضاء.
2. السياق السياسي: بيعة السلطان مولاي يوسف
تضمن فهرس الجريدة الرسمية في صدارته "كيفية نصر الجلالة الشريفة مولاي يوسف أعزه الله". يوثق العدد لتولي السلطان مولاي يوسف بن السلطان الحسن مقاليد الحكم. وجاءت هذه البيعة إثر تنازل السلطان مولاي عبد الحفيظ عن العرش طواعية، وذلك بسبب تدهور حالته الصحية وعدم قدرته على تحمل أعباء المملكة، مما استوجب لزومه الراحة.
وقد أعلن عن هذا التنازل في 20 شعبان الأبرك عام 1330 هجرية. إثر ذلك، اجتمع أهل الحل والعقد من كبار مسؤولي الدولة وقادة الجيش واتفقوا على مبايعة مولاي يوسف، وقد عمت هذه البيعة كافة أنحاء المملكة السهلية والجبلية، حيث بعثت القبائل بصكوك بيعتها إلى العاصمة فاس.
3. الهيكلة الإدارية: تأسيس الوزارة المخزنية
من أبرز ما جاء في هذا العدد هو نص ظهير شريف بتأسيس الوزارة المخزنية ، والذي صدر في 10 ذي القعدة الحرام عام 1330. هدف هذا الظهير إلى تسيير أعمال الدولة على "أسلوب واضح وأساس متين" تحت رعاية الصدر الأعظم. وقد تم تقييد أسماء كبار الموظفين بالإدارة المخزنية على النحو التالي:
- الصدر الأعظم (الوزير الكبير): السيد الحاج محمد المقري، وتم تكليفه بحفظ أوراق الدولة والإدارة العامة للأمن، المعارف، الصحة العامة، الأشغال العامة، المعادن، الغابات، وكل ما لا يندرج تحت الوزارات الأخرى.
- وزير الحرب: السيد العربي الصنهاجي، وكُلف بالدفاع عن المملكة براً وبحراً، مع إسناد مأمورية تدبير جيوش القبائل إلى خليفة يتم اقتراحه.
- وزير المالية: السيد عبد الرحما بنسيس، وتولى مسؤولية مداخيل ومصاريف الدولة، إعداد الميزانية، والضرائب.
- وزير العدلية: السيد محمد بن رحمون، وكُلف بأمور الشرع وتنفيذ الأحكام المتعلقة بالعقار.
كما تضمن العدد قوائم مفصلة بأسماء المدراء والنواب ورؤساء الأقسام والكتاب في مختلف الإدارات، مثل إدارة الأشغال العامة، إدارة المعارف، إدارة الترجمة، إدارة الترتيب، وإدارة الأملاك المخزنية.
4. التنظيم العقاري: ضابط بيع الأملاك بالإيالة الشريفة
نظراً لأهمية المعاملات العقارية، نشرت الجريدة "ضابط لبيع الأملاك بالايالة الشريفة" لتنظيم بيوعات الأملاك بناءً على العرف والأحكام البلدية. وينقسم هذا الضابط إلى بابين رئيسيين:
الباب الأول: الأملاك التي لا يسوغ بيعها
حدد الفصل الأول قائمة بالأملاك التي يمنع تفويتها شرعاً، وتشمل:
- المرافق العامة كطرق المرور، الشواطئ، الغدران، الأودية، العيون، الآبار، الأسوار والأبراج.
- أملاك الأحباس، والتي لا يمكن تعويضها أو نقلها إلا بإذن من المخزن وبشروط شرعية.
- الأراضي المشتركة بين القبائل.
- الغابات مع حفظ حقوق القبائل المجاورة في الرعي والاحتطاب.
- أراضي الجيش المخصصة للسكنى والانتفاع.
- الأراضي الموات والمهملة التي يملكها المخزن ولا تحيى إلا بإذنه.
- المعادن المستخرجة من باطن الأرض.
- الأملاك المتخلية من المنقطعين (التي تؤول لبيت المال).
- الأملاك المخزنية داخل المدن وخارجها.
وألزم القانون القضاة بالتأكد التام من خلو العقارات المراد بيعها من هذه الموانع قبل إصدار إذن للعدول بتحرير رسوم البيع، مع ضرورة مراسلة عامل المدينة أو المرسى للتحقق من وضعية العقار.
الباب الثاني: الأملاك التي يجوز بيعها وتنظيم تملك الأجانب
سمح الفصل الثاني ببيع الأملاك غير المذكورة أعلاه. إلا أنه أفرد شروطاً خاصة للأجانب بموجب الفصل الحادي عشر من شروط مدريد، حيث يحق لهم الشراء شريطة الحصول على إذن مسبق من المخزن الشريف.
وقد منح العمال صلاحية إعطاء هذا الإذن مباشرة في دائرة 10 كيلومترات حول المراسي الثمانية، وفي محيط 2 كيلومتر حول القصر الكبير، أصيلا، وأزمور. أما خارج هذه المساحات، فيتطلب الأمر ترخيصاً خاصاً، مع تأكيد القانون على أنه لا يجوز منع الإذن إلا بحجة صحيحة.
كما تطرق الضابط لعملية نزع الملكية للمصلحة العمومية (كالأشغال العمومية)، حيث يُلزم صاحب العقار بتسليمه مقابل تعويض، وفي حال الخلاف، يتم اللجوء إلى محكمين اثنين لتقويم العرض، وإن اختلفا، يعين المخزن محكماً ثالثاً لفض النزاع.
5. التنظيم العسكري: الحرمات الحربية
تضمن العدد "ضابط يتعلق بالحرمات العسكرية" صدر في 27 قعدة عام 1330 ، يهدف إلى حماية محيط المدن المحصنة والأبراج العسكرية.
حدد القانون مساحة المنطقة المحرمة بـ 250 متراً تبدأ من أساس الأبراج، ويُمنع فيها البناء أو الغرس القوي الذي يعيق المدافعة. غير أنه سُمح ببعض الاستثناءات كإقامة زروب من الشوك اليابس، إصلاح الآبار، وبناء الحيطان التي لا يتعدى ارتفاعها متراً واحداً. أما البنايات المتواجدة قبل صدور القرار، فيسمح بإصلاحها شرط عدم توسعتها وبإذن من نائب المخزن.
وفرض القانون عقوبات صارمة على المخالفين تتراوح بين غرامة من 10 إلى 300 فرنك، وقد تصل في حالة العود إلى السجن من يوم إلى خمسة أيام، مع إجبارية إرجاع المكان إلى حالته الأصلية على نفقة المحكوم عليه.
وقد شملت هذه الحرمات العسكرية مواقع متعددة تم جردها في الوثيقة، منها:
- ناحية الشاوية: أسوار الدار البيضاء، برج بير بوست، برج دالي، ومراكز مثل سطات ومشرع ابن عبو.
- ناحية دكالة وعبدة: مراسي أسفي، الجديدة، وأزمور.
- ناحية رباط الفتح: شالة، سلا، مهدية، قصبة القنيطرة، وبوزنيقة.
- ناحية مكناس: أسوار المدينة، المعسكر الحربي، الحاجب.
- ناحية فاس: فاس البالي، فاس الجديد، باب الفتوح.
- ناحية مراكش: أسوار المدينة والمقصبة والمعسكر.
إرسال تعليق