قراءة قانونية تحليلية معمقة في مضامين الجريدة الرسمية عدد 7498: التأسيس لجيل جديد من الإصلاحات في قطاعات التعليم العالي، الأمن المائي، والمنظومة الصحية

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 تقديم:

لم تعد الآلة التشريعية في المملكة المغربية تكتفي بتدبير الراهن، بل أصبحت هندسة استباقية تستهدف الجذور الهيكلية للقطاعات الحيوية. وفي هذا السياق الدقيق، يأتي الإصدار الجديد للجريدة الرسمية، حيث يمثل العدد 7498، الصادر بتاريخ 21 شوال 1447 الموافق لـ 9 أبريل 2026، وثيقة مرجعية استثنائية تعكس وعي المشرع المغربي بترابط الأزمات والحلول. لا يتعلق الأمر هنا بمجرد نصوص تنظيمية روتينية، بل نحن أمام ثالوث تشريعي يمس عصب الدولة الاجتماعية: "جودة التكوين الجامعي"، "استدامة الموارد المائية"، و"تحفيز الموارد البشرية في قطاع الصحة".

تحميل العدد 7498  بتاريخ 08 أبريل 2026 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

في هذا المقال التحليلي المطول، والمصاغ وفق مقاربة الخبراء القانونيين مع الحرص على التبسيط، سنقوم بتشريح دقيق لكل مادة ومرسوم وقرار ورد في هذا العدد. سنتجاوز القراءة السطحية للنصوص لنغوص في سياقاتها، أبعادها، وتأثيراتها المباشرة على المواطن والمؤسسات، ملبين بذلك تطلعات الباحثين، المهنيين، وعموم المهتمين بالشأن القانوني في المغرب.

المحور الأول: الثورة البيداغوجية في التعليم العالي.. مأسسة الجودة والتقييم المستمر

احتلت النصوص المتعلقة بقطاع التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار حيزاً بارزاً ومفصلاً في هذا العدد من الجريدة الرسمية. وقد جاءت هذه النصوص لتأطير "الضوابط البيداغوجية الوطنية"، مع التركيز على آليات الاعتماد، التقييم، والهندسة البيداغوجية للمسالك الجامعية.

1. مسطرة اعتماد وتجويد المسالك الجامعية

نصت الجريدة الرسمية بوضوح على أن أي مسلك جامعي يجب أن يرتبط بشعبة تابعة لنفس الكلية. ولضمان الانفتاح الأكاديمي والمهني، أجاز المشرع أن تؤطر وحدات هذا المسلك من لدن شعبة واحدة أو عدة شعب، بل وحتى من قبل عدة مؤسسات للتعليم العالي، مع إمكانية إشراك متدخلين وخبراء من الوسط الاجتماعي والاقتصادي. هذا التوجه يكسر العزلة الأكاديمية ويربط الجامعة بشكل مباشر بمحيطها السوسيو-اقتصادي وسوق الشغل.

ولضمان دينامية هذه المسالك وعدم جمودها، ألزم النص المؤسسات الجامعية بموافاة السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي بطلب صريح عند الرغبة في إدخال أي تعديل على المسلك المعتمد يهدف إلى تجويده. هذا الطلب يجب أن يكون مرفقاً بالملف الوصفي للمسلك، ليتم إحالته وجوباً قصد التقييم من طرف "الوكالة الوطنية لتقييم وضمان جودة التعليم العالي والبحث العلمي" (ANEAQ). هذه المأسسة لدور الوكالة تنهي عهد التعديلات الارتجالية، وتجعل الجودة معياراً قانونياً ملزماً.

2. التقييم الذاتي: آلية للرقابة الداخلية

من أبرز المستجدات التي تضمنها العدد 7498 هو إلزام المؤسسات الجامعية بإجراء "تقييم ذاتي". فقد نصت المقتضيات على أن تنجز المؤسسة، خلال السنة الأخيرة من مدة اعتماد المسلك، تقييماً ذاتياً شاملاً له. وتتم موافاة السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي بنتائج هذا التقييم، سواء تعلق الأمر بطلب تجديد اعتماد المسلك أو حتى في حالة الرغبة في عدم تجديده وإغلاقه. هذا الالتزام يكرس ثقافة المحاسبة الأكاديمية (Accountability) ويجبر الجامعات على قياس أثر مسالكها ومدى تحقيقها للأهداف المسطرة.

3. هندسة التقييم: تنويع آليات قياس المعارف والكفايات

على مستوى التنزيل البيداغوجي، فصّل النص في آليات تقييم المعارف والمؤهلات والكفايات بالنسبة لكل وحدة جامعية. فقد تم التنصيص قانونياً على أن هذه العملية تتم عن طريق "المراقبة المستمرة". ولضمان مرونة التقييم وتكيفه مع طبيعة كل تخصص، وسع المشرع من أشكال هذه المراقبة لتشمل:

  • الامتحانات التقليدية: كآلية كلاسيكية لقياس الاستيعاب.
  • الروائز (Tests) والفروض: لقياس التتبع المستمر والمواكبة الفورية للطلبة.
  • العروض (Exposés): لتقييم الكفايات الأفقية، كالقدرة على الإلقاء، التواصل، والتحليل.
  • تقارير التداريب المنجزة: كأداة لتقييم الجانب التطبيقي والاحتكاك بالواقع المهني.
  • أي وسيلة أخرى للمراقبة: شرط أن تكون محددة سلفاً وبدقة في الملف الوصفي للمسلك، مما يضمن الشفافية والتعاقد البيداغوجي الواضح بين الأستاذ والطالب.

كما حدد النص ضوابط دقيقة لهيكلة الفريق البيداغوجي، مؤكداً على أن منسق الوحدة يجب أن ينتمي بالضرورة للشعبة التي تنتمي إليها تلك الوحدة، مما يضمن الانسجام والتخصص في التأطير.

 

المحور الثاني: الأمن المائي ونزع الملكية للمنفعة العامة.. استجابة هيكلية للإجهاد المائي

لم يكن العدد 7498 ليغفل التحدي الأكبر الذي يواجه المملكة: الإجهاد المائي. وفي هذا الصدد، تضمن هذا العدد مرسوماً غاية في الأهمية يعلن أن المنفعة العامة تقضي بإنجاز مشروع استراتيجي يهم الواجهة المتوسطية للمملكة.

1. الإطار المكاني والموضوعي للمشروع

نص المرسوم على تزويد جماعة تطوان والمنطقة الساحلية المجاورة لها بالماء الصالح للشرب، وذلك انطلاقاً من تجهيزات الماء الصالح للشرب المتواجدة بميناء طنجة المتوسط. ولتحقيق هذه الغاية الكبرى، أعلن النص عن نزع ملكية القطع الأرضية اللازمة لهذا الغرض، والواقعة النفوذ الترابي لجماعة "قصر المجاز" التابعة لإقليم الفحص - أنجرة.

2. الفلسفة القانونية لنزع الملكية في سياق الأزمات

يُعتبر حق الملكية من الحقوق الدستورية المقدسة، إلا أن المشرع الدستوري والقانوني (القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت) جعل هذا الحق خاضعاً لمبدأ "سمو المنفعة العامة". في هذا المرسوم، تتجلى المنفعة العامة في أبهى صورها: "الحق في الماء".

إن لجوء الدولة إلى استغلال تجهيزات ميناء طنجة المتوسط (والذي يضم محطات متطورة للتحلية ومعالجة المياه) لتزويد مدينة كبرى مثل تطوان وساحلها الممتد، يبرز تفعيل مبدأ "التضامن المائي المجالي". فالقطع الأرضية التي سيتم نزع ملكيتها في "قصر المجاز" ستشكل الممر الحيوي للقنوات ومحطات الضخ التي ستربط بين مصدر المياه وساكنة تطوان.

ويعكس هذا النشر في الجريدة الرسمية اكتمال المرحلة الإدارية الأولى من مسطرة نزع الملكية (إعلان المنفعة العامة وتعيين العقارات)، مما سيفتح الباب أمام المرحلة القضائية وتحديد التعويضات العادلة للملاك، مع ضمان التسريع في تنفيذ الأشغال بالنظر للصبغة الاستعجالية لمشاريع الماء الشرب.

 

المحور الثالث: الرأسمال البشري في قطاع الصحة.. مراجعة شاملة لتعويضات الحراسة والخدمة الإلزامية

في سياق التنزيل الفعلي لورش "إصلاح المنظومة الصحية الوطنية"، والذي يتطلب بالضرورة تحفيز وتحسين الأوضاع المادية للكوادر الطبية وشبه الطبية، نشرت الجريدة الرسمية في عددها 7498 قراراً محورياً لوزير الصحة والحماية الاجتماعية.

1. الإطار المرجعي للقرار

استند هذا القرار الجديد إلى ترسانة قانونية متينة لضمان مشروعيته وانسجامه مع المكتسبات السابقة. فقد اعتمد بشكل أساسي على:

  • المرسوم رقم 2.06.623 (الصادر في 13 أبريل 2007) والذي يعتبر النص التأسيسي الذي ينظم التعويضات عن الحراسة والخدمة الإلزامية والمداومة المنجزة بالمؤسسات الصحية التابعة لوزارة الصحة وللمراكز الاستشفائية الجامعية.
  • المرسوم التعديلي رقم 2.25.1067 (الصادر حديثاً في 8 يناير 2026)، والذي شكل الأرضية الحديثة لمراجعة هذه التعويضات والرفع من قيمتها.
  • المرسوم رقم 2.77.169 (الصادر في 28 فبراير 1977) المتعلق بتحديد لائحة أيام الأعياد المسموح فيها بالعطلة.

2. الأبعاد المهنية والقانونية لتوسيع التعويضات

إن إحالة القرار صراحة على مرسوم الأعياد والعطل (2.77.169) يبرز توجهاً جديداً نحو توسيع وتدقيق احتساب التعويضات لتشمل العمل المضني خلال أيام العطل والأعياد الدينية والوطنية، والتي تشهد عادة ضغطاً استثنائياً على أقسام المستعجلات والمراكز الاستشفائية.

يهدف هذا القرار المنشور في العدد 7498 إلى تحديد دقيق للمقادير والآليات الإجرائية لصرف التعويضات الخاصة بـ "الحراسة" (Garde) التي تتطلب التواجد الفعلي والمستمر داخل المؤسسة، وكذا "الخدمة الإلزامية" (Astreinte) التي تتطلب بقاء الموظف رهن إشارة الإدارة للتدخل عند الاقتضاء.

إن إدراج مستخدمي المراكز الاستشفائية الجامعية (CHU) جنباً إلى جنب مع موظفي وزارة الصحة في هذا القرار، يكرس مبدأ الإنصاف وتوحيد المعايير التحفيزية بين مختلف الأطر الصحية، وهو ما يعتبر خطوة حاسمة لضمان استمرارية المرفق العام الصحي على مدار 24 ساعة، سبعة أيام في الأسبوع، والحد من نزيف هجرة الكفاءات الطبية.

 

الأثر السوسيو-اقتصادي والقانوني المترتب عن قرارات العدد 7498

لا يمكن قراءة النصوص الصادرة في هذا العدد من الجريدة الرسمية بمعزل عن التوجهات الاستراتيجية للدولة المغربية.

في قطاع التعليم: يمثل تفعيل المراقبة المستمرة والتقييم الذاتي للمسالك الجامعية، وإشراك المهنيين، قطيعة مع التدريس النظري الصرف، وانتقالاً نحو "بيداغوجيا الكفايات" التي يحتاجها سوق العمل بشتى تخصصاته. هذا سيؤدي حتماً إلى تحسين ترتيب الجامعات المغربية وتقليص نسب البطالة في صفوف الخريجين.

في قطاع الماء: يُظهر قرار نزع الملكية في إقليم الفحص-أنجرة لتزويد تطوان بالماء حزم الدولة في تأمين الحاجيات الحيوية. إن استغلال البنيات التحتية الضخمة لميناء طنجة المتوسط لا يقتصر على التجارة العالمية، بل يمتد للأمن القومي المائي، وهو اجتهاد استراتيجي يحول دون وقوع أزمات عطش في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية والسياحية العالية.

في قطاع الصحة: إن التحفيز المادي المباشر والمقنن بقرارات واضحة للأطر الطبية المداومة يشكل الدعامة الأساسية لإنجاح مشروع الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة. فلا يمكن استيعاب ملايين المغاربة في المستشفيات العمومية دون أطر صحية محفزة ومستعدة للتضحية بأوقات راحتها وأعيادها وفق مقابل مادي عادل ومنظم قانونياً.

 

خلاصة تركيبية: نحو ترسانة تشريعية متكاملة ومندمجة

بناءً على ما سبق، يقدم لنا العدد 7498 من الجريدة الرسمية للمملكة المغربية نموذجاً حياً للتشريع العقلاني المنخرط في قضايا الأمة. فمن خلال نصوصه المتنوعة، ربط المشرع بين ضمان جودة بناء العقول (عبر الإصلاح البيداغوجي الجامعي)، وضمان استمرارية الحياة والخدمات (عبر مشاريع الماء الشروب)، وصولاً إلى صيانة صحة الأبدان (عبر تحفيز ملائكة الرحمة في المستشفيات).

إن الاطلاع الدقيق والمستمر على تفاصيل الجريدة الرسمية، كما قمنا به في هذا التحليل، لا يعتبر ترفاً أكاديمياً، بل هو ضرورة حتمية لكل باحث، محامٍ، طالب، أو مواطن، لفهم مسار الدولة والتحولات العميقة التي ترسم معالم مغرب الغد بأسس قانونية متينة لا تقبل التأويل.

تحميل العدد 7498  بتاريخ 08 أبريل 2026 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 16/04/2026
تحديث 16/04/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث