العدد الثالث
عشر من الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية، الصادر في 27 شعبان 1331 هـ
الموافق لـ 1 أوت 1913 م.
هذا العدد ليس مجرد أرشيف ورقي، بل هو وثيقة تؤرخ لمرحلة مفصلية من التحولات الإدارية، الاقتصادية، والاجتماعية التي شهدها المغرب في مطلع القرن العشرين، وتحديداً في ظل نظام الحماية.
سنغوص في تفاصيل هذا العدد، مستعرضين القرارات السيادية والأخبار الميدانية بلغة تجمع بين الرصانة القانونية والتبسيط المعرفي، مع الالتزام بذكر كافة المعلومات الواردة في الصحيفة التي كان ثمنها آنذاك عشرون سنتيماً.
تحميل العدد 13 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة pdf
مقدمة في الهوية البصرية والقانونية للجريدة
تأتي الجريدة الرسمية في سنتها الأولى لتعكس رغبة الإدارة في مأسسة النشر القانوني. حددت الإدارة نظام اشتراكات دقيق يبدأ من أول الشهر، حيث يُطلب الاشتراك من إدارة الجريدة بالرباط أو من مكاتب البريد (البوسطة).
- داخل المملكة الشريفة: تبلغ قيمة الاشتراك 3.50 فرنكات لثلاثة أشهر، 6 فرنكات لستة أشهر، و10 فرنكات للسنة الكاملة.
- خارج المملكة الشريفة: ترتفع القيمة إلى 4.50 فرنكات لثلاثة أشهر، 8 فرنكات لستة أشهر، و15 فرنكاً للسنة.
هذا التمييز السعري يعكس التكاليف اللوجستية للنقل الدولي في ذلك العصر، ويؤكد على الانتشار الجغرافي الذي كانت تطمح إليه الجريدة لتصل إلى المهتمين بالشأن المغربي في الخارج.
القسم الرسمي: الهندسة الإدارية وإعادة هيكلة النفوذ الترابي
تصدر القسم الرسمي قرار وزاري هام من جناب المقيم العام (ليوطي)، يتعلق بـ إبطال ملحقات بني مسكين. من الناحية القانونية، يمثل هذا القرار تراجعاً عن تنظيم إداري سابق ودمجه في هيكل أكثر مركزية.
تحليل القرار الإداري لإبطال ملحقات بني مسكين:
- الفصل الأول: نص القرار صراحة على إبطال ملحقات بني مسكين التي كانت قد أُسست بقرار سابق للمقيم العام (العدد 24) والمؤرخ في 30 أكتوبر 1912. هذا الإلغاء يعكس مرونة الإدارة الاستعمارية في تعديل تقسيماتها الترابية بناءً على المتغيرات الميدانية.
- الفصل الثاني: قضى بإلحاق تراب بني مسكين، الذي كان تحت سلطة "بنيقة الأخبار" بالبروج، بـ دائرة سطات.
- التوقيع والمكان: حُرر هذا القرار في "رباط الفتح" بتاريخ 22 يوليو 1913، وحمل توقيع "ليوطي".
إدارياً، هذا الإلحاق بدائرة سطات يعني تغيير الاختصاص القضائي والإداري والمالي لهذه المنطقة، وهو ما يتطلب من الفاعلين القانونيين آنذاك إعادة ترتيب ملفاتهم وفق التبعية الجديدة لمدينة سطات.
القسم غير الرسمي: نبض التحولات الميدانية والاقتصادية
يعد القسم غير الرسمي في هذا العدد بمثابة "مرصد" للتقدم التقني والعمراني. شملت الأخبار قطاعات المواصلات، العقار، والأمن القبلي، وسنستعرضها بإسهاب قانوني مبسط.
أولاً: ثورة المواصلات (السكك الحديدية والسيارات)
كانت الإدارة تدرك أن السيطرة على الأرض تمر عبر ربطها بشبكة طرقية وحديدية متطورة.
- النقل بالسيارات (الأطومبيلات) بين آسفي ومراكش: أوردت الجريدة خبراً عن تأسيس جمعية من تجار مدينة آسفي برأس مال قدره 60 ألف فرنك. تهدف هذه الجمعية إلى نقل الأثقال والبضائع عبر السيارات بين المدينتين. طلبت الجمعية ثلاث سيارات من معامل فرنسا للبدء في الخدمة فور وصولها. قانونياً، هذا يمثل ممارسة للحق في التأسيس والنشاط التجاري الجماعي وتوظيف رؤوس الأموال المحلية في مشاريع البنية التحتية.
- السكة الحديدية القنيطرة - سلا: تم الانتهاء من وضع السكة في 13 يوليو 1913. أشارت الجريدة إلى أن مد السكة للشاطئ في جهة سلا تطلب وقتاً إضافياً لضمان الجودة الفنية.
- خط السكة الحديدية الدار البيضاء - الرباط (البخاري): المعروف بخط "خاروكفيل". أكدت الجريدة أن الإدارات العسكرية وإدارات الحماية جنت منه منافع كبيرة، حيث أن المبلغ الذي توفره هذه الإدارات عبر استخدام هذا الخط يكفي لتغطية تكاليف إنشائه في وقت قصير جداً. هذا يعكس كفاءة الإنفاق العمومي في المشاريع الاستراتيجية آنذاك.
ثانياً: تدشين مركب "وادي بورقرق" (بورسقرق)
في 14 يوليو 1913، وبمناسبة عيد الجمهورية الفرنسية، تم تدشين مركب بخاري أُطلق عليه اسم "بورسقرق" للربط بين ضفتي الرباط وسلا.
- المواصفات الفنية: المركب مصنوع من الحديد المصفح بسواحل سلا على نمط "نويل" الفرنسي. يبلغ عياره 70 طناً، ومزود بمحرك بخاري ذي وعائين.
- القدرة الاستيعابية: يمكنه حمل 300 رجل و8 إلى 10 عربات في الرحلة الواحدة، بحمل إجمالي يصل إلى 25 طناً.
- الكفاءة التشغيلية: يقطع النهر في دقيقتين فقط، مع سهولة كبيرة في الصعود والنزول. حضر حفل التدشين المقيم العام وجمع غفير من المواطنين، مما يضفي صبغة رسمية وشعبية على هذا الإنجاز اللوجستي.
ثالثاً: لجنة تجزئة الأملاك الدولية ببوزنيقة (التحديات العقارية)
اجتمعت اللجنة المكلفة بتعيين الموضع المراد تجزئته ببوزنيقة في 11 يوليو لبيع قطع أرضية للسكن. ومع ذلك، اتخذت اللجنة قراراً قانونياً بالتروي:
- القرار: الإبقاء على الوضع كما هو حالياً.
- الأسباب:
- عدم وضوح المسار: لم يتم تحديد مسافة خط القطار العسكري والمحج التجاري والسكة الحديدية التجارية الرابطة بين الدار البيضاء والرباط بدقة. فخشي الحكام من بناء مدينة قد تبعد عن هذه المحاور الحيوية.
- الصحة العامة: الموقع الحالي للقرية اعتُبر "وخيماً" (غير صحي) ويضر بالصحة، لذا يجب أن تكون المدينة الجديدة بعيدة عن المستنقعات والمياه الراكدة وشاطئ البحر.
هذا التقرير يعكس وعياً مبكراً بضوابط التعمير والصحة العامة، وتغليب المصلحة الاستراتيجية طويلة الأمد على البيع السريع للعقارات.
الحالة الاجتماعية والأمنية: استتباب الأمن في قبائل زعير
قدمت الجريدة صورة مشرقة عن الحالة الأمنية في قبائل زعير، التي وصفتها بالشهامة والشجاعة.
- الخضوع للمخزن: بعد أن كانت هذه القبائل "شاقة لعصى الطاعة"، أصبحت الآن منقادة ومذعنة لأوامر المخزن الشريف.
- الأثر الميداني: صار الزارع يحرث أرضه بقلب مطمئن، والطفل الصغير يرعى غنمه دون وجل، والتاجر يجوب الفيافي دون خوف من الغارات.
هذا النص، وإن كان يحمل صبغة دعائية للإدارة الجديدة، إلا أنه يؤكد من الناحية القانونية على استعادة "هيبة الدولة" وتوفير الحماية القانونية والميدانية للأشخاص والأموال في المناطق القبلية.
المعرض الفلاحي بالجديدة: تظاهرة اقتصادية ناجحة
افتتح المعرض الفلاحي بالجديدة في 15 يوليو، وزار المقيم العام أركانه في 18 يوليو.
- النجاح الجماهيري: زار المعرض في يومه الأول أكثر من خمسة آلاف من الوطنيين.
- الأهمية الاقتصادية: وصفته الجريدة بأنه "أول مباراة اقتصادية وقعت بالإيالة الشريفة".
- الخطاب السياسي: ألقى المقيم العام خطبة ركزت على "التأليف" (الانسجام) بين الحكام الفرنسيين وموظفي المخزن والسكان، مشيداً بالاستقبال الودي من قناصل الدول.
لغة الأرقام: إحصائيات البريد والتلغراف (1911-1913)
تعكس لغة الأرقام نمواً مذهلاً في النشاط التجاري والإداري نتيجة توافد الأوروبيين وتكثيف المعاملات.
1. البريد والحوالات الممالية:
- الأشياء الموصى عليها والمغلفات المالية:
- سنة 1911: 155,166.
- سنة 1912: 262,526.
- قيمة الحوالات البوسطية:
- سنة 1911: 5,217,703 فرنك.
- سنة 1912: 10,289,520 فرنك.
- الربع الأول من 1913: تم إرسال 54,488 حوالة بقيمة 14,619,919 فرنك، وقبض 21,807 حوالة بقيمة 4,120,352 فرنك. هذا القفزة في المبالغ تعكس حركة رؤوس أموال ضخمة.
- حجم الرسائل (مارس 1913): بلغ عدد الرسائل 100,000 رسالة، بينما كان في يناير 40,000 رسالة و10,000 جريدة.
2. التلغراف (البرق):
- سنة 1911: 65,086 تلغرافاً.
- سنة 1912: 124,641 تلغرافاً.
- الربع الأول من 1913: 67,274 تلغرافاً (مقارنة بـ 30,101 في نفس الفترة من العام السابق).
- شهر مارس 1913 وحده: سجل 20,550 تلغرافاً تحتوي على 508,077 كلمة.
هذه الإحصائيات هي الدليل المادي على "ديناميكية المجتمع" وتحوله نحو الوسائل الحديثة في التواصل والتبادل المالي.
ركن الشفافية: إصلاح الأخطاء المطبعية
من منطلق الأمانة المهنية، خصصت الجريدة فقرة لتصحيح أخطاء وردت في العدد السابق:
- تصحيح كلمة "بناءات" بدل "عرض البناءات" (الصحيفة 1).
- تصحيح كلمة "الموظفين" بدل "الموظين" (الصحيفة 2).
- تصحيح "عدد 2" بدل "عدد 4" (الصحيفة 3).
- تصحيح "أيام" بدل "أيا" (الصحيفة 4).
- تصحيح مبلغ مالي ليصبح "22,077.90" (الصحيفة 5).
هذا التدقيق يعزز من حجية الجريدة الرسمية كمرجع قانوني لا يقبل اللبس.
القسم التجاري: إعلانات الشركات الكبرى
نختم بالإعلان الهام لـ "جمعية البحث والتجارة بالمغرب"، التي تمتلك وكالات في أغلب المدن المغربية (الدار البيضاء، طنجة، مليلية، الرباط، أكادير، مراكش، آسفي، الصويرة).
- المنتجات: تبيع الجمعية مواد البناء الأساسية (الجير، الملاط/الأسمنت، العود، الحديد، الآجر).
- المعدات التقنية: مكينات الزراعة، الآلات المحركة، المضخات (البومبيات)، والسيارات (الأطومبيلات).
- المنسوجات: منسوجات مانشستر وحرائر ليون.
- وكالة الرباط: تقع بشارع "العلو" تحت إدارة السيد "باكي".
هذا التنوع في البضائع، من الإسمنت إلى حرائر ليون، يرسم صورة للمستهلك المغربي في تلك الفترة؛ مستهلك يبني وطناً ويواكب الموضة العالمية في آن واحد.
خاتمة تحليلية
إن العدد 13 من الجريدة الرسمية لسنة 1913 هو مرآة لعملية "تحديث قسري ومبرمج". من إلغاء الملحقات الإدارية لتبسيط الحكم، إلى إحصائيات التلغراف التي توثق تسارع الزمن التجاري، تظل هذه الصحيفة مصدراً لا غنى عنه لفهم الجذور القانونية للمغرب الحديث. نحن أمام دولة تُعاد صياغتها بالمسطرة والقلم، وبالسكة والسيارة، وتحت ظلال "الجريدة الرسمية" التي تمنح لكل هذه التحولات صبغتها القانونية النافذة.
تحميل العدد 13 من الجريدة الرسمية المغربية بصيغة pdf
إرسال تعليق