🕌 العدد 41 من الجريدة الرسمية للمملكة الشريفة (13 فبراير 1914م) — بين بهجة المولد النبوي وإصلاح المؤسسات وصخب الحياة الاقتصادية
📅 تاريخ الإصدار: 13 فبراير 1914م — الموافق 17 ربيع الأول 1332هـ 📖 السنة: الثانية | 📄 الصفحات: 63 إلى 68 🏷️ الكلمات المفتاحية: المولد النبوي في المغرب، الإدارة البلدية 1914، تعويضات الكمسارين، قضاء 1914، الجمعيات المغربية، حالة السوق الدار البيضاء، الجريدة الرسمية المغربية
مقدمة — عدد يجمع البهجة الدينية والعمل المؤسسي
تصدر الجرائد الرسمية في العادة بنبرة رتيبة تغلب عليها الصياغات القانونية الجافة وروح الإجراء البيروقراطي. غير أن العدد الحادي والأربعين من الجريدة الرسمية للمملكة الشريفة يُفاجئ قارئه من السطر الأول بطابع مختلف؛ إذ يفتتح صفحاته بتغطية مطوّلة لحفلة عيد المولد النبوي الشريف التي أقيمت بقصر جلالة السلطان في الرباط، تلك الحفلة التي جمعت كبار رجالات الدولة والعلماء والقبائل الوافدة من شتى أنحاء المملكة في مشهد احتفالي بالغ الثراء والتعقيد.
لكن البهجة الدينية لا تحجب ما يحمله هذا العدد من مضامين إدارية وقانونية واقتصادية بالغة الأهمية؛ فمن قرارات تُنظّم تعويضات موظفي الشرطة والمترجمين، إلى ظهائر تُؤسّس للجان بلدية في الرباط وسلا، إلى أخبار عن خطوط بحرية جديدة وجمعيات ناشطة وأسواق تموج بالحركة التجارية — كل ذلك يجعل من هذا العدد نافذةً بانورامية على المغرب في إحدى أكثر لحظاته التاريخية حيوية.
هذا المقال يأخذك في رحلة قراءة معمّقة لمضامين هذا العدد، متتبّعاً خيوطه المتشابكة ومُحاولاً أن يقرأ في كل خبر ووثيقة ما وراء الكلمات المكتوبة.
تحميل العدد 41 لسنة 1914 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
🌙 المحور الأول — احتفال المولد النبوي الشريف: طقوس الملك والدولة والروح
📌 الاحتفال في سياقه السياسي والرمزي
لم يكن احتفال السلطان بليلة المولد النبوي الشريف مجرد مناسبة دينية بالمعنى الروحي الخالص؛ بل كان في مثل هذه الظروف فعلاً سياسياً رمزياً بامتياز. فحضور كبار رجال الدولة والوزراء والعلماء والمشايخ والقبائل الوافدة من الأطراف كان يُجسّد للرأي العام الداخلي والخارجي على حدٍّ سواء أن المؤسسة الملكية المغربية لا تزال حيّة فاعلة، وأن المشروعية الدينية للسلطان تبقى راسخة رغم ما يُحيط بالمملكة من تحولات كبرى.
يُفصّل العدد الاحتفال بدقة تكاد تكون سينمائية في تتابعها وتصوير تفاصيلها:
📂 أولاً — ليلة الاحتفال: أنوار وأناشيد وحضور جامع
"احتفل جلالة السلطان نصره الله بليلة المولد النبوي احتفالاً ملاً الأفئدة سروراً والقلوب حبوراً ليلة مدت الالطاف الربانية فيها اجنحتها ونشرت الانوار المحمدية اشعتها."
يبدأ الخبر بهذه العبارات الشعرية الرفيعة التي تُحيل القارئ فوراً إلى تقاليد المديح النبوي الراسخة في الثقافة المغربية، ثم يمضي ليصف كيف توالت المحاسن من الصدور وتقلّدت من الرونق والبهاء، وكيف تجمّع المدعوون من رجال المخزن وغيرهم لحضور تلك الليلة مع جلالة السلطان.
كان الاحتفال يبدأ بدخول الحضور إلى المسجد مستبشرين خاطرين فرحين، "بما كان يلوح هناك من آيات السعادة والهناء وعلامات الإرشاد والهدى"، وكان المنشدون الوافدون من فاس ومراكش وغيرهما يُصدحون بالمدائح النبوية في ذلك المجلس الجامع المسجد.
📂 ثانياً — حفل الاستقبال الملكي: مشهد الدولة في أبهى صوره
في التاسعة والنصف من ليلة الاحتفال، خرج جلالة السلطان إلى ضريح سيدي محمد بن عبدالله ومولاي الحسن، وتبعه وزراؤه وكتابه الفخام. وهناك ختم الشيخ أبو شعيب الدكالي وزير العدلية العلامة الشهير بعض أحاديث السيرة النبوية، "فأملى جنابه المنيف بعض أحاديث مسلم فاملي جنابه الكاملتين كاملتين من مكنون علمه وجوهر فهمه ما راق به الحاضرين وشنّف به آذان السامعين."
ثم أُذن بالصلاة على النبي بتفريق المواعيد على الطعام. وبعد ذلك دعي الحاضرون جميعاً إلى الطعام مع جلالة السلطان في قاعة الجلوس، وقرأ المنشدون قصائد اختيرت من مختارات القصائد التي يمدح بها جنابه العالي في مناسبة هذا الموسم الكريم.
📂 ثالثاً — موكب الاستعراض الملكي ووصول الوفود
يُصف الموكب الملكي في اليوم التالي بتفاصيل تكشف عن الحجم الحقيقي لهذه الاحتفالات الكبرى:
"فكان موكباً فخيماً عليه آثار الجلال تلوح وعلامات الإقبال تغدو وتروح، خرج جلالة السلطان والوزراء والكتاب صادحة بالأناشيد العربية."
وعند وصول الموكب إلى المصلى، قدّمت له عمال القبائل الوافدة تهنئتها لجلالته، وقدّمت له آيات طاعتها وعلامات خضوعها ودعوا له بالاعانة والرضوان والصلاح. ثم رجع الموكب على طريق غير الأولى، وحين وصل إلى الدار العالية تقدّم إليه الوزراء والكتاب فيقبّل الكل ركابه الشريف وجلالته ينعطف عليه الله يتعطف.
📂 رابعاً — لعب الفرسان: بهجة البارود والمشور
بعد طقوس الليلة الرسمية، جاء يوم الأحد بفقرة الفرسان في المشور السعيد. وكان هذا اللعب التقليدي الراسخ في الثقافة المغربية — الذي يُعرف اليوم بالتبوريدة — تجسيداً حياً لمنظومة القيم الفروسية التي تصل الحاضر بالماضي:
"وأطلقوا لسان البارود يعبّر عن سرورهم وابتهاج خواطرهم وصبيحة يوم الاثنين جاء عمال القبائل إلى الدار العالية واقتبلهم سعادة الوزير الصدر الأعظم باشا فنصح الكل بما هو عائدة من الجزم بأمور المخزن وصفاء الطوية."
🏛️ المحور الثاني — الإصلاح الإداري البلدي: تأسيس لجان الرباط وسلا
📌 سياق إصدار المراسيم البلدية
يحتلّ القسم الرسمي في هذا العدد مساحة واسعة من النصوص القانونية المتعلقة بتنظيم الإدارة البلدية في مدينتَي الرباط وسلا. وقد صدرت هذه النصوص تطبيقاً لظهير شريف مؤرَّخ في الثامن عشر من جمادى الأولى 1331هـ (الموافق الثامن عشر من أبريل 1913م)، والمتعلق بتأسيس لجان بلدية في المدن الكبرى.
ما يلفت الانتباه في هذه المراسيم هو صدورها في توقيت يعكس وعياً واضحاً بأن الإدارة البلدية الحديثة لا يمكن أن تظل اتكاءً على ردود الفعل والارتجال، بل تحتاج إلى منظومة تنظيمية مكتوبة تُحدّد صلاحيات كل طرف وتضبط آليات تصفية الصوائر المالية وتوزيعها.
📂 أولاً — قرار تفويض رئيس إدارة الأشغال البلدية بالرباط
نصّ القرار الوزيري الأول على تخويل رئيس إدارة الأشغال البلدية برباط الفتح النيابة والتصفية لصوائر البلدية ودفعها وترتيب الاداءات الواجبة، وذلك بمقتضى الفصل الأول من الظهير الشريف المؤرَّخ في الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة 1331هـ الموافق للثامن عشر من أبريل 1913م، الصادر في تأسيس لجنة بلدية بالرباط.
هذا التفويض لم يكن مجرد إجراء تقني، بل كان يُعبّر عن مبدأ حديث في الحوكمة الإدارية: مبدأ تقريب مركز القرار المالي من ميدان العمل الفعلي، وتجنّب التسلسل البيروقراطي الطويل الذي كان يُعطّل كثيراً من المشاريع الخدماتية.
📂 ثانياً — قرار مماثل لمدينة سلا
صدر قرار موازٍ ومطابق في جوهره لمدينة سلا، يُخوّل رئيس إدارة الأشغال البلدية بسلا النيابة ذاتها في تصفية الصوائر ودفعها وترتيب الاداءات الواجبة.
هذا التوازي بين مدينتين متجاورتين تجاوراً جغرافياً وتاريخياً — الرباط وسلا — يُشير إلى رؤية تخطيطية واحدة تعاملت مع المدينتين بوصفهما كتلة إدارية واحدة رغم استقلاليتهما الإدارية الرسمية.
👮 المحور الثالث — تعويضات الكمسارين والمترجمين: ضمانات اجتماعية في زمن مبكر
📌 القرار الوزيري في تعيين التعويضات
يُعدّ القرار الوزيري المتعلق بتعيين التعويضات المنفّذة للكمسارين وللكتاب المترجمين في إدارات البوليس العامة واحداً من أكثر نصوص هذا العدد دلالةً من الناحية الاجتماعية. فهو يُقرّ للمرة الأولى بصورة مكتوبة ومُقنّنة حقّ هذه الفئة من موظفي الأمن في تعويض يُعينهم على مواجهة ارتفاع أسعار المعيشة وتكاليف السكن.
📂 أولاً — طبيعة التعويض ومبرراته
حدّد القرار أن التعويض المقرّر مرتبط بثلاثة عوامل أساسية:
- السكن: تعويض يُعينهم على توفير مسكن لائق في المدن التي يعملون فيها.
- غلاء أسعار المعيشة: تعويض يُساعدهم على مواجهة ارتفاع أسعار المواد الأساسية.
- الكسوة: تعويض يُمكّنهم من شراء الملابس اللازمة لخدمتهم منذ ابتداء خدمتهم.
هذه العوامل الثلاثة التي استندت إليها القرارات الوزيرية تُشير إلى وعي بالأبعاد الاجتماعية لأداء الوظيفة العامة: فالموظف الذي يُعاني من ضائقة مادية لن يكون قادراً على أداء مهامه بالقدر المطلوب من الكفاءة والنزاهة.
📂 ثانياً — آلية التعويض وتدرّجه الزمني
نظّمت فصول القرار الثلاثة الأولى آلية التعويض بصورة متدرّجة تُراعي السنوات الأولى من الخدمة بوصفها الأصعب مادياً:
📌 الفصل الأول:
ينفّذ للكمسارات بمجرد دخولهم للخدمة تعويض قدره ثلاثمائة فرنك في مقابلة شراء كسوتهم الرسمية الأولى، وهذا التنفيذ لا يتكرر أبداً.
📌 الفصل الثاني:
أن التعويض المذكور المنفّذ للكمسارات يبقى بذمتهم إلى انتهاء ثلاث سنين في خدمة البوليس على نسبة مائة فرنك لكل سنة.
📌 الفصل الثالث:
أما الكمسارات المستخدمون بمكتبة الإقامة العامة فلا ينفّذ لهم التعويض المعطى لغيرهم من الكمسارات في مقابلة صوائر مكاتبهم.
📌 الفصل الرابع:
أما الكتّاب المترجمون الرسميون والمعاونون بإدارة البوليس العامة فتُنفَّذ لهم التعويضات في مقابلة السكنى وغلاء المعيشة حسبما هو محدّد في القرار الوزيري المؤرَّخ بالواحد والعشرين من يونيو 1913م.
هذا التدرّج الزمني في التعويض وحصر تعويض الكسوة الأولى في مرة واحدة لا تتكرر يعكس توازناً دقيقاً بين متطلبات العدالة الاجتماعية ومحدودية الموارد المالية للدولة.
⚖️ المحور الرابع — تعيين قضاة جدد: بناء الجهاز القضائي
📌 التعيينات القضائية وأثرها في المشهد المؤسسي
من أبرز ما يحمله القسم الرسمي لهذا العدد ثلاث تعيينات قضائية بارزة، تُشير في مجموعها إلى استمرار مسار بناء الجهاز القضائي في مناطق مختلفة من المملكة.
📂 أولاً — تعيين قاضٍ بالجديدة
عيّن السيد إدريس البوكيلي قاضياً بالجديدة بدلاً من مولاي عبدالله بن إدريس المستقيل، وذلك بموجب ظهير مؤرَّخ في الخامس من صفر 1332هـ الموافق للثالث من يناير 1914م.
📂 ثانياً — تعيين قاضٍ في المراقبة المدنية بالقنيطرة
عيّن السيد رزوقي بوسلهام قاضياً في المراقبة المدنية بالقنيطرة، وذلك بظهير شريف مؤرَّخ في الحادي عشر من ذي الحجة 1332هـ الموافق للعاشر من ديسمبر 1914م.
📂 ثالثاً — تعيين قاضٍ بمشرع القصيري
عُيّن السيد محمد بن الحاج الشرقاوي قاضياً بالقصيري في ناحية سبو، وقد جرى تنظيم هذه المحاكم حديثاً في ظهير شريف في العاشر من صفر الخير عام 1332هـ الموافق للثامن من يناير 1914م.
هذه التعيينات الثلاثة، رغم طابعها الإداري الظاهر، تحمل في طيّاتها دلالة استراتيجية: إذ إنها تُغطّي مناطق متباعدة جغرافياً — الجديدة على الساحل الأطلسي، القنيطرة في السهل الأطلسي، ومشرع القصيري في منطقة سبو — مما يُشير إلى تصوّر مكاني شامل لتوسيع رقعة الجهاز القضائي المنظّم.
🌊 المحور الخامس — الأخبار البحرية: المغرب على خارطة الملاحة الدولية
📌 البحر بوصفه ممراً استراتيجياً
لم يكن المغرب في مطلع القرن العشرين بلداً محاطاً بالبحر من جهتين دون أن يستثمر هذا الموقع. وتكشف أخبار هذا العدد عن حراك ملاحي لافت يضعه في قلب شبكات التجارة والتواصل الإقليمي.
📂 أولاً — البريد بين مرسيليا والدار البيضاء: اتفاق جديد
نقل العدد خبراً ذا أهمية خدماتية بالغة يتعلق بمساعي تحسين خدمة البريد بين مرسيليا والدار البيضاء. فقد اهتمت إدارة البريد في مرسيليا بالاتفاق مع شركة "باك" لتحسين سير البريد على هذا الخط الحيوي:
"قد اهتمت ادارة البريد في مرسيليا بالاتفاق مع شركة باك وذلك بناء على طلب جمعية المدافعة عن التجارة والصناعة لتحسين سير البريد بين الدار البيضاء وعاصمة البيضاء بطريق مرسيليا."
وكانت باخرة الشركة تُغادر مرسيليا في الأول والسادس عشر والتاسع عشر والرابع والعشرين من كل شهر عند الساعة العاشرة صباحاً قاصدة الدار البيضاء. وكانت كل المراسلات التي تجمع في مرسيليا تُرسل بهذا الخط، وإن لم تشأ اتبعت مراسلتها خطة إسبانيا أيضاً.
📂 ثانياً — سفينة جديدة لحفر السواحل المغربية: تكنولوجيا في خدمة الأمن البحري
يحمل هذا العدد خبراً تقنياً نادراً في نوعه بين طيات الجريدة الرسمية، إذ يُشير إلى وصول سفينة متطورة إلى طنجة:
"وصلت إلى مدينة طنجة السفينة Traoudants التي ابتُعثت حديثاً لحفر السواحل الشريفة، ومجملها سبعمائة طن وهي مجهزة بمدافع سريعة الطلق وبالتلغراف اللاسلكي وبالالات اللازمة لارسال الاشعة الكهربائية."
والغرض الأساسي من هذه السفينة هو منع التهريب على الشواطئ المغربية من "المغربية" و"المراكشي" و"المكناسي"، ومراقبة السفن المشبوهة في سواحل المغرب. كانت السفينة تحت نظارة مدير الإدارات البحرية في مراقبة الدين، وكانت مجهّزة بكل ما يلزم من معدات مراقبة مودعة في بعض المحلات للركاب.
هذا الخبر يُقدّم صورة نادرة عن التحديث العسكري البحري للمغرب في تلك الحقبة، ويُشير إلى وعي بأهمية البعد الأمني للسواحل في مرحلة كانت التجارة غير المشروعة فيها مصدر قلق حقيقي.
📂 ثالثاً — خطة بحرية جديدة: شركة أدريا النمساوية تحطّ رحالها في المغرب
في خبر يكشف عن الاهتمام الدولي بالسواحل المغربية، أعلنت الشركة البحرية النمساوية "أدريا" توسيع نطاق عملها ليشمل سواحل المغرب الأطلنتية:
"عمدت الشركة البحرية النمساوية أدريا في رياستها إلى توسيع نطاق اشغالها في الشواطئ المغربية وعليه فستبتدأ الباخرة المدعوة جوزف كيرالي منذ شهر فبراير في زيارة طنجة والمرافئ المغربية الواقعة على شواطئ المحيط وجزائر كناريا."
وكانت بواخر الشركة قد زادت تجهيزها بالتين دافعتين تُسهّلان خدمة الشواطئ، وكانت تقطع عشر عقد في الساعة وتُعنى أيضاً بنقل الركاب. وتجدر الإشارة إلى أن هذه السفينة كانت مجهّزة بثلاث سفن طولها سبعين متراً ومجملها ألفين وأربعمائة طن، مما يُشير إلى حجم استثمار حقيقي في هذا الخط الجديد.
دخول الشركة النمساوية على خط الملاحة المغربي لم يكن بالطبع بدوافع خيرية، بل كان يعكس التنافس الأوروبي المحتدم على اكتساب حصص في الأسواق المغربية الناشئة. وقد كانت الشركات الفرنسية والإيطالية والنمساوية والبريطانية تتسابق جميعاً على الحضور في الموانئ المغربية.
🤝 المحور السادس — نشاط جمعوي لافت: مجتمع مدني في طور التشكّل
📌 الجمعيات بين مرجعيتَي الإسلام والغرب
يُوفّر هذا العدد مادة استثنائية لفهم ملامح المجتمع المدني المغربي في تلك المرحلة، إذ يتضمن أخباراً عن ثلاث جمعيات تُمثّل بمجموعها صورة مصغّرة عن التنوع الاجتماعي والثقافي الذي كان يعيشه المغرب.
📂 أولاً — جمعية خيرية إسلامية في آسفي
عُيّنت الجمعية الخيرية الإسلامية في آسفي لجنةً قوامها المحتسب وأربعة من الأعيان الوطنيين للاهتمام يومياً بتوزيع الخبز والمرقة على النساء والأولاد الموالد الموالين، وفقد ساعدت الدوائر البلدية في آسفي في إسناد هذا المشروع الخيري.
والغرض من هذه الجمعية — كما ورد صراحةً في النص — أن تشدّ عرى الولاء والإخاء بين الأعضاء وأن يتعاضدوا إبناءَهم على عمل الخير، وقد اختاروا محلاً لاجتماعاتهم وسنّوا قانوناً يتمشون عليه.
هذه الجمعية الخيرية الإسلامية في آسفي تُمثّل نموذجاً مبكراً للتضامن الاجتماعي المنظّم في إطار مؤسسي، قبل أن تُستورد نماذج العمل الجمعوي الحديثة من الغرب وتُدمج في المنظومة القانونية المغربية.
📂 ثانياً — جمعية الخيل في الدار البيضاء
أعلنت جمعية الخيل في الدار البيضاء عن برنامجها للربيع المقبل، وفيه:
- يوم الأحد 8 مارس: خُصّص للكدو (الجمال) ولركض، لكن لركض المدعو للعدو.
- يوم الاثنين 12 أبريل: خُصّص للركض أيضاً بمسافات مختلفة.
- شهر مايو: سباق الخيل ثم في اليوم الثامن تجري سباقات مختلفة للخيل.
ويُلاحظ القارئ في سياق الخبر تنبيهاً اقتصادياً دقيقاً يقول إن المواشي المجلوبة من المغرب من المحلّ لا تؤثر في حالة السوق بحاجاتها، مما يُشير إلى أن تجارة الحيوانات وسباقاتها كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمنظومة الاقتصادية للمدينة.
📂 ثالثاً — جمعية فرنسية بالجديدة: ترسيخ الوجود الأوروبي
يكشف خبر تأسيس جمعية فرنسية في الجديدة عن الوجه الآخر للتعددية الاجتماعية في المغرب:
"في السادس والعشرين من يناير الماضي اجتمع بالجديدة نحو مائتين من أفرنسيين واسسوا جمعية أفرنسية جديدة تدعى الجمعية الحيبة الأفرنسية تضم تحت لوائها الافرنسين الفاطنين المدينة من كل الطبقات."
والغرض المُعلن للجمعية هو أن تشدّ عرى الولاء والإخاء والوفاء بين الأعضاء الأفرنسيين المقيمين بالجديدة، وأن يتعاضدوا أبناءهم على عمل الخير وقد اختاروا محلاً لاجتماعاتهم.
مقارنة هذه الجمعية بجمعية آسفي الإسلامية تُقدّم مشهداً اجتماعياً معقّداً: جاليتان — مغربية وأوروبية — تُنظّمان كلتاهما حياتهما الجمعوية في نفس التوقيت تقريباً، في مدن مجاورة، لكن بمرجعيات مختلفة. هذا التقاطع الزمني ليس مصادفة بل يعكس الطابع التعددي للحياة الاجتماعية في المغرب تحت الحماية.
📂 رابعاً — جمعية التخليص من الغرق في الدار البيضاء
تأمّت جمعية التخليص من الغرق في الدار البيضاء في آخر يناير الماضي تحت رئاسة المسيو فيليب، وبعد استشارة أصحاب الفن من أبناء الجمعية قُرّرت إقامة أربعة محامل وسيهتمون بالصيادلة للصيادلة على تضميد الجراح على جناح السرعة إذا ما طرأ حادث، وهم يدعون الجميع من مقاولين وأرباب الصناعة ومن أصحاب المستودعات ووكلاء الضمانات إلى الأخذ بناصرهم.
هذه الجمعية المتخصصة في الإنقاذ البحري تعكس نضجاً مؤسسياً ملحوظاً في التعامل مع مخاطر العمل الساحلي، وتُشير إلى أن الدار البيضاء كانت قد بلغت من الحجم والتنوع الاقتصادي ما يستوجب وجود هيئات متخصصة للتعامل مع حالات الطوارئ.
📊 المحور السابع — الاقتصاد والسوق: أرقام وتحولات
📌 حالة السوق في الدار البيضاء
يختتم القسم غير الرسمي بتقرير موجز لكنه دقيق عن حالة السوق في الدار البيضاء خلال الأسبوع الأخير من يناير 1914م. يُلاحظ القارئ أن هذا التقرير أقل تشاؤماً من نظيره في العدد السابق، مما يُشير إلى تحسّن نسبي في أسواق البضائع الأساسية.
📂 أولاً — حركة الصادرات والواردات
"قد ازداد في الأسبوع الأخير من يناير الفائت مقدار الصادرات والواردات في مرفأ الدار البيضاء وسهل بيع الواردات في السوق."
هذا الازدياد في حجم التبادل التجاري كان مؤشراً إيجابياً يعكس تحسّناً ملموساً في مناخ الأعمال بالمدينة، ولا سيما في ظل ما رصده العدد السابق من تراجع في الصادرات.
📂 ثانياً — أسعار المواد الأساسية
حدّد التقرير بدقة لافتة أسعار المواد الرئيسية في أسواق الدار البيضاء:
|
🌾 المادة |
💰 السعر |
|
الشعير |
32 بسيطة حسنية / المائة كيلو |
|
القمح |
من 41 إلى 42 بسيطة حسنية / المائة كيلو |
|
جلود الغنم |
1750 فرنك سعر |
|
جلود الماعز |
2025 فرنك سعر |
|
جلود البقر |
من 175 إلى 200 فرنك سعر |
وأشار التقرير إلى أن السكر يُباع مهما كان مصدره بأقل مما يُباع به لكوته في الخزين، واسعار الصرف تقدر بحوالي 133 بالمائة، مما يُشير إلى أن معدلات الصرف كانت في وضع اقتصادي حسّاس.
📂 ثالثاً — إعفاء المحصولات المغربية من رسم الدخول في الجزائر
يحمل هذا العدد بُشرى اقتصادية للمصدّرين المغاربة، تتعلق بمساعي استصدار إعفاء جمركي لمصدّرات المغرب نحو الجزائر:
"أن جمعية الزراعيين قد استلفتت انظارها الأمر التبديلات التي ادخلت على قانون 17 يوليو من سنة 1867 وبموجبها تعفى من رسم الدخول في الجزائر بعض المحصولات المغربية أو التي صنعت فيها والتي ترد إليها برأً."
وقد رأى رئيس جمعية الزراعيين أن حكومة فرنسا تهتم لاتساع نطاق الأمور الاقتصادية في المغرب مما يمهد لها العقبات في شأن عملها في هذا الاقتصاع. وأشار الخبر كذلك إلى أن فيما يتعلق بالمواشي فإن فرنسا لا يكفيها المغرب بحاجاتها، وعليه فإن المواشي المجلوبة من المغرب لا تؤثر في حالة السوق.
هذا الإعفاء الجمركي — حتى وإن كان مشروطاً ومحدود النطاق — كان يمثّل مكسباً حقيقياً للمزارعين والتجار المغاربة الذين كانوا يسعون إلى إيجاد أسواق تصريف لمنتجاتهم الزراعية.
🔍 قراءة شاملة في ضوء النص — ماذا يقول لنا العدد 41؟
📌 المولد النبوي والدولة: دين في خدمة السياسة أم سياسة في خدمة الدين؟
يُثير تصدير العدد بتفصيل احتفال المولد النبوي تساؤلاً جوهرياً: هل كانت هذه التغطية تعبيراً عن قناعة بأهمية الحدث الديني، أم كانت رسالة سياسية مقصودة توجّه إلى الرأي العام؟
الجواب الصادق هو أن الأمرين كانا متشابكَين بصورة لا يمكن الفصل بينهما. فالسلطان في المنظومة السياسية المغربية كان يجمع بين السلطة الزمنية والمشروعية الدينية، ولهذا كان أي احتفال بالمولد النبوي يحمل بالضرورة أبعاداً سياسية لا تختفي وراء الطابع الروحي للمناسبة.
📌 الجمعيات: بذور المجتمع المدني في تربة متقلبة
إن تنوّع الجمعيات التي رصدها هذا العدد — الخيرية الإسلامية والفروسية والأوروبية وجمعية الإنقاذ البحري — يرسم صورة مثيرة لمجتمع في طور التحوّل. لم يكن المغرب في 1914م مجتمعاً راكداً أو سلبياً؛ بل كانت فيه مبادرات جمعية ونشاط مدني حقيقي يتكيّف مع المستجدات ويسعى إلى مواجهة التحديات.
📌 الاقتصاد: انفراج نسبي وتحديات بنيوية
تُشير بيانات السوق وأخبار الخطوط الملاحية الجديدة والإعفاءات الجمركية مجتمعةً إلى أن السوق المغربية كانت في منتصف فبراير 1914م أقل توتراً مما كانت عليه في أواخر 1913م. لكن هذا الانفراج النسبي لم يكن يعني تجاوز التحديات البنيوية التي رصدها التقرير الاقتصادي في العدد السابق.
🧾 خاتمة — حين تتحدث الجريدة الرسمية بأكثر مما تقول
يختم العدد الحادي والأربعون بإعلان إدارة الأحباس بمراكش عن سمسرة عمومية جديدة، كأنه يُذكّرنا في نهايته بأن الحياة اليومية كانت تسير بإيقاعها العادي رغم كل التحولات والمفصليات التاريخية.
وربما في هذا التراتب بين الكبير والصغير — بين ليلة المولد النبوي في قصر السلطان وإعلان كراء قطعة أرض بمراكش — ما يُعبّر عن الحقيقة الأعمق لتلك المرحلة: مغرب كان يعيش على مستويات متعددة في آنٍ واحد، يحتفل ويُشرّع ويتاجر ويُنقّب عن المستقبل في حين يُحافظ على ما أمكن من الحاضر.
إن القيمة الحقيقية لهذه الجريدة — وهذا العدد تحديداً — لا تكمن في المعلومة التاريخية المجرّدة التي تُقدّمها، بل في تلك القدرة النادرة على أن تُريك دولة حيّة من الداخل: كيف تفكّر، وكيف تُقرّر، وكيف تحكم في لحظة بالغة الحساسية من مسارها التاريخي.
تحميل العدد 41 لسنة 1914 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF
📚 المصدر: العدد 41 من الجريدة الرسمية للمملكة الشريفة، بتاريخ 13 فبراير 1914م (17 ربيع الأول 1332هـ) — مطبعة جورج مرسيه وكمبانيته، الرباط.
إرسال تعليق