إعادة هيكلة المخزن ومأسسة العدالة الكولونيالية: قراءة استقصائية شاملة في مقتضيات العدد 29 من الجريدة الرسمية (نوفمبر 1913)

الكاتب: المسيرتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

مقدمة استراتيجية: خريف 1913.. هندسة القرار السياسي واحتكار الفضاء الاقتصادي

تختلف المحطات التاريخية في مسار تأسيس نظام الحماية الفرنسية بالمغرب، وتتنوع الوثائق التي تؤرخ لها. وإذا كنا قد اعتدنا في قراءاتنا للأرشيف على تتبع زحف الآلة العسكرية أو تدشين البنى التحتية الصلبة، فإن العدد التاسع والعشرين (29) من "الجريدة الرسمية للدولة المغربية الشريفة المحمية"، الصادر في أواخر نونبر 1913، يضعنا أمام لوحة مختلفة تماماً؛ لوحة يتسيدها "القرار السياسي الثقيل" وإعادة ترتيب البيت الداخلي للمخزن، بالتوازي مع هندسة قطاع العدالة وإدارة الأزمات المناخية واللوجستية.

إن الغوص الاستقصائي في هذا العدد لا يعني مجرد استنساخ للمقررات، بل هو عملية "تفكيك جراحي" لوثيقة تعكس كيف تمكنت الإدارة الكولونيالية من إحداث زلزال سياسي ناعم عبر تغيير هرم الصدارة العظمى، وكيف أسست لآليات العفو الجنائي لضبط إيقاع المحاكم المحلية. كما سننتقل في هذا المقال من ردهات القصور إلى حقول القطن التي عصفت بها الرياح في "بوالحوت"، وإلى أسواق الرباط التي كوتها نيران الأسعار، وصولاً إلى قوافل سلا التجارية التي تعكس نبض الاختراق الاقتصادي. إنها قراءة في عدد يمثل نقطة التقاطع الدقيقة بين "سيادة السلاطين" و"براغماتية المستعمر".

تحميل العدد 29 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

المحور الأول: الهوية الإدارية، الزمكانية، واللوجستية للعدد 29

لا يمكن الولوج إلى عمق التشريعات دون المرور عبر بوابة المعطيات الشكلية والمادية للجريدة، والتي تعد في حد ذاتها انعكاساً لمؤسسة الإعلام الرسمي في عهد الحماية.

1. الإطار الزمني والتسعير الرمزي

صدر هذا العدد من عاصمة الإيالة الشريفة، رباط الفتح، حاملاً المرجعية الزمنية المزدوجة: "21 ذي الحجة عام 1331" هجرية، الموافق لـ "21 نوفمبر سنة 1913" ميلادية. وقد استمرت الإدارة في طبع الجريدة بـ "مطبعة مرسى وكمبانيته برباط الفتح"، محتفظة بالثمن الرمزي الشعبي: "عشرون سنتيم" للنسخة. هذا التسعير كان يهدف أساساً إلى ضمان الانتشار الواسع للقوانين وسط النخب المغربية والمستوطنين، وجعل "المعلومة الرسمية" في متناول الجميع.

2. خريطة التوزيع والاشتراكات البريدية

اعتمدت الجريدة الرسمية على البنية التحتية الناشئة لقطاع البريد ("بنيقات البوسطة بالمغرب") لضمان وصولها إلى كافة المناطق. وقد تضمن العدد سلماً للاشتراكات يعكس التقسيم الجغرافي للمصالح:

  • داخل المملكة الشريفة: حددت الأسعار بـ 3.50 فرنكات لثلاثة أشهر، 6 فرنكات لستة أشهر، و10 فرنكات لسنة كاملة.
  • خارج المملكة الشريفة: نظراً للتكاليف اللوجستية ورسوم النقل البحري، ارتفعت الأسعار إلى 4.50 فرنكات (3 أشهر)، 8 فرنكات (6 أشهر)، و15 فرنكاً (للاشتراك السنوي). هذا التوزيع الخارجي يدل على الأهمية البالغة التي كان يوليها الرأسمال الأجنبي وصناع القرار في باريس لتتبع حركة التشريع بالمغرب.

 

المحور الثاني: الزلزال السياسي في هرم المخزن (التعيينات السيادية الكبرى)

يُعتبر القسم الرسمي من هذا العدد وثيقة سياسية من العيار الثقيل، حيث تضمن ثلاثة ظهائر شريفة متتالية أعادت رسم خريطة المناصب العليا في الدولة المخزنية، مما يعكس ترتيبات سياسية دقيقة بين القصر والإقامة العامة.

1. إعفاء المقري وتعيين الجباص في الصدارة العظمى

الحدث الأبرز في هذا العدد هو صدور "ظهير شريف بشأن تعيين الفقيه السيد محمد الجباص في وظيفة الصدر الاعظم".

نص الظهير، الموجه إلى "وزيرنا الارضى الفقيه الاحظى السيد محمد الجباص"، على قرار سيادي حاسم: "قلدناك مهام الصدارة بوزارة الداخلية بشريف حضرتنا بدلا من الفقيه الحاج محمد المقري". وبرر السلطان هذا التعيين بـ "لما لك من الخدم الجليلة في جانبنا وما نعرفه فيك من شروط الاهلية لخدمتنا".

هذا التغيير في قمة الهرم الحكومي (إعفاء المقري وتعيين الجباص) في أواخر سنة 1913 يمثل خطوة استراتيجية في إعادة ترتيب التوازنات الداخلية للمخزن بما يتوافق مع مرحلة التأسيس الفعلي للحماية.

2. انتقال السلطة في طنجة الدبلوماسية (تعيين التازي)

ترتب على ترقية الجباص شغور منصبه السابق في مدينة طنجة ذات الوضع الدبلوماسي المعقد. لذلك، صدر "ظهير شريف بشأن تسمية الحاج محمد التازي بوظيفة النيابة السلطانية بطنجة".

نص الظهير على تكليف "خديما الارضى الطالب الوزير الحاج محمد بن عبد الكريم التازي باشغال دار النيابة السعيدة بطنجه عوضاً عن الخديم الفقيه السيد محمد الجباص المترقي الى رتبة الوزارة الكبرى".

3. ظهير التسليم والتسلم

لإتمام المسطرة الإدارية المخزنية، صدر ظهير ثالث عبارة عن "اعلام السيد محمد الجباص بتعيين الحاج محمد بن عبد الكريم التازي". أمر السلطان في هذا الظهير الصدر الأعظم الجديد قائلاً: "ولينا مكانك في اشغال دار النيابة السعيدة وزيرنا الحاج محمد ابن عبد الكريم التازي... فنأمرك ان تسلم له جميع الاشغال بها".

صدرت هذه الظهائر السيادية الثلاثة في تاريخ واحد: "3 ذي الحجة عام 1331 الموافق 3 نوفمبر سنة 1913".

 

المحور الثالث: مأسسة العدالة التخفيفية (لجنة مراجعة الأحكام الجنائية والعفو)

من أهم الركائز التي اعتمدت عليها سلطات الحماية لضبط المجتمع المغربي هي إعادة هيكلة قطاع العدل. في هذا العدد، تم نشر ظهير بالغ الأهمية بتاريخ "15 ذي القعدة عام 1331 الموافق 12 اكتوبر 1913" (مسجل في غرة ذي الحجة)، يقضي بتأسيس "لجنة تتكلف بمراجعة الاحكام الجنائية والعفو السلطاني".

1. الغاية السياسية والقانونية للجنة

استهلت ديباجة الظهير بتبرير هذا التأسيس بـ "الاهتمام بما يعود بالنفع الجزيل على المكلفين بالعدل والانصاف بحيث يعطون للرعية كفالة تامة في تصليح المطالب المتعلقة بالمسامحة في العقوبات او بخفضها او تخفيف نصوص المذنب". إنها محاولة لخلق صمام أمان قانوني يراجع أحكام القواد والباشوات التي غالباً ما كانت تتسم بالقسوة أو التعسف.

2. اختصاصات اللجنة ونطاق تدخلها

حدد "الفصل الأول" اختصاصات اللجنة التي أسست بمدينة الرباط في:

  • "مراجعة الاحكام الجنائية والتأمل في المطالب المقدمة من رعايا مغاربة غير داخلين تحت حماية اجنبية". (إقصاء المحميين لأن لهم محاكمهم القنصلية الخاصة).
  • تشمل المراجعة الأحكام الصادرة "من القواد او الباشوات او من محكمة اخرى مختصة بالرعية المذكورة".
  • تتدخل اللجنة سواء لطلب "الرجوع عن العقوبة او تخفيفها"، وتقبل الطلبات المقدمة من عائلات المحكومين أو المقربين منهم، وحتى "المطالب المقدمة اليها من موظفي ادارتنا الشريفة من تلقاء انفسهم".

3. التركيبة الهجينة للجنة (الرقابة المزدوجة)

نص "الفصل الثاني" على تركيبة اللجنة التي تعكس تماماً طبيعة الحكم الكولونيالي المزدوج، حيث ضمت:

  • الرئاسة: "الكاتب العام لدى دولتنا الشريفة" (يمثل الإقامة العامة الفرنسية).
  • الأعضاء المغاربة: "نائب وزير العدلية ورئيس ادارة العدلية او نائبه".
  • الأعضاء الفرنسيون للمراقبة: "نائب مدير ادارة المالية العامة" (لمراقبة الجانب المالي للغرامات)، و"ضابط بصفة نائب عن مدير ادارة الامور السياسية" (لمراقبة الخلفيات السياسية للأحكام).
  • الكتابة: "مترجم يعينه الكاتب العام... ويكون له صوت استشاري".

4. المسطرة الإجرائية وإصدار القرار النهائى

حدد "الفصل الثالث" دورة الملف؛ حيث تدرس اللجنة الطلبات والتقارير المبعوثة من "الولاة أو المحاكم"، والأهم من ذلك أنها تعتمد على تقارير "نواب دولتنا المندوبين لدى الولاة" (أي المراقبين المدنيين وضباط الاستعلامات الفرنسيين). بعد ذلك، تعرض اللجنة رأيها على "الصدر الاعظم او على الوزير الذي تعينه الخصوصية"، ليصدر "حكم نهائي يتكلف بتنفيذه الكاتب العام".

ونص "الفصل الرابع" على النصاب القانوني للاجتماع بحضور ثلاثة أعضاء على الأقل، وفي حال غياب الكاتب العام يمكنه إنابة غيره أو ينتخب الأعضاء رئيساً من بينهم.

 

المحور الرابع: إدارة الأزمات المناخية وهندسة الإنقاذ البحري (عاصفة أكتوبر)

في القسم غير الرسمي، تتجلى اهتمامات الإدارة بالبنية التحتية والسلامة العامة، لا سيما بعد الكوارث الطبيعية.

1. نجاة الغرقى على الشاطئ المغربي

خصصت الجريدة تقريراً مهماً للحديث عن التداعيات المأساوية لـ "العاصفة التي هبت في 29 اكتوبر الماضي وقذفت عدة بواخر ومات بذلك جملة اشخاص". هذه الكارثة دفعت السلطات إلى الالتفات لـ "نقص الموجود في مواد نجاة الغرقى على شواطئ الاطلنتيك".

ورغم الإشارة إلى وجود "جمعية النجاة الغرقى" في الدار البيضاء، إلا أن التقرير أقر بغياب "مواد وآلات لذلك". وكرد فعل مؤسساتي، "قدم في الشهر المنصرم المسيو بينت المدير الفني لجمعية خلاص الغرقى العمومية وتجول في المراسي ودرس هذا الامر حق الدرس ووضع بذلك تقريرا صادف ارتياح المقيم العام وجميع رجال الحكومة من حربيين ومدنيين". هذا يعكس بداية مأسسة قطاع الإنقاذ البحري في المغرب.

 

المحور الخامس: الدينامية الفلاحية والتجارب الزراعية (بين النجاح والإخفاق)

ركزت الحماية مبكراً على "الاستغلال الاقتصادي" للأراضي. وقد أورد العدد 29 تقريرين يعكسان هذه السياسة.

1. تحسين سلالات الخيل بسطات (دبلوماسية الجوائز)

تحت عنوان "تحسين جنس الخيل بسطات"، أوردت الجريدة نتائج سياسة التحديث الفلاحي. فقد أشار التقرير إلى أنه "من شهر يوليو الماضي صار توزيع جوائز المكافأة لتحسين جنس الخيل على مربيها بمكتب الاستعلامات بسطات".

النتائج كانت باهرة، حيث "الوطنيون يفتشون اليوم على الافراس بكل حرص ليولدوها على الطريقة الجديدة". واعتبر التقرير أن "الاجتماع الذي حصل بالخريف بالدار البيضاء بواسطة جمعية سباق الخيل قد كان المثل الجلي لترغيب القبائل بتحسين تربية الافراس". إنها استراتيجية ذكية لدمج الأعيان في الاقتصاد الرأسمالي العسكري عبر رياضة الفروسية وتجويد السلالات التي يحتاجها الجيش والإدارة.

2. زراعة القطن في بوالحوت (صراع مع المناخ)

في المقابل، لم تكن كل التجارب ناجحة. أورد التقرير عن "زراعة القطن في ناحية بولحوت" (بوزنيقة حالياً) أن التجربة "في حديقة التجربة الزراعية بمكتب الاستعلامات بمركز بوالحوت لم يأت بنتيجة بعد".

السبب كان طبيعياً: "الارياح اضرت به جداً خصوصاً بالزوبعة الاخيرة في 21 اكتوبر الماضي... قلعت الاشجار واتلفت البراعم والازهار". ورغم ذلك، سُجلت بارقة أمل اقتصادية حيث "قبل هبوبها قد قطف من بعض اشجار القطن ما يساوي وزنه خمسة عشر كيلو من الجنس الجيد". وتم وعد القراء بأن "يرفع المكتب المذكور تقريراً عن زراعة القطن بتلك الناحية حينما تتم لديه التجارب".

 

المحور السادس: ثورة البنية التحتية لفك العزلة (ناحية البروج)

لم تغفل الإدارة عن تسجيل تقدمها الميداني في فك العزلة عن المناطق الداخلية، وهو ما تجلى في تقرير "اصلاح الطرق والشعب في ناحية البروج".

في شهر أكتوبر، أجريت إصلاحات كبرى:

  • الطريق رقم 7 (سطات - البروج): تم إصلاح "ستة كيلومترات من الكيلومتر الثالث عشر حتى التاسع عشر اي من الجسر حتى البروج". وأشار التقرير إلى أن "الاشغال صعبة بسبب صلابة التربة".
  • محور قصبة تادلة - البروج: تم إصلاح "5 كيلومترات ما بين النهرين في الارض الصخرية".

المعطى السوسيولوجي الأهم هنا هو الاعتماد على العمالة المحلية الرخيصة، حيث "قام باشغال تلك الطريق جماعة المتطوعين من القبائل بالغرض"، وقد تقرر "نقلهم الى الاشتغال بالطريق بين البروج وسطات حينما يتم العمل".

 

المحور السابع: نبض الاقتصاد الحضري (طفرة البناء برباط الفتح والأزمات التموينية)

يقدم العدد تحليلاً ميكرو-اقتصادياً دقيقاً للحالة التجارية والعمرانية في العاصمة وعُدْوَتِهَا سلا.

1. عمران مدينة الرباط (الانفجار العقاري)

رصد التقرير "نمو عجيب في البنيان بهذه الحاضرة خصوصاً في ناحية باب العلو"، مرجعاً ذلك إلى "زيادة عدد الاروبيين الوافدين الى الرباط". بلغة الأرقام الصارمة، "في شهر اكتوبر الماضي طلب من البلدية الاذن ببناء 64 داراً ان كان البنيان بالحجر او بالخشب".

وبالتوازي، انطلق المجلس البلدي في هيكلة الشوارع؛ فبعد أن "انجز زنقة الجزاء"، أعلن أنه "سوف يباشر باصلاح سوق القناصل بعد موافقة مدير الاشغال العمومية".

2. الركود التجاري وأزمة اللحوم بالرباط

بينما كان العمران يزدهر، كانت الحركة التجارية تعاني. أكد التقرير أن "الحركة التجارية بالرباط قد وقفت في النصف الثاني من شهر اكتوبر بسبب احوال البحر لانه لم يدخل الى الوادي من الخمسة وعشرين باخرة التي قصدت الرباط الا ستة فقط".

هذا الشلل المينائي أدى إلى كارثة تموينية: "ابتدأت اسعار القوت ان تتفاحش بالغلاء خصوصاً اللحم الذي بلغ ثمنه ثمناً كبيراً". وقدم التقرير تحليلاً اقتصادياً طريفاً لسبب غلاء اللحوم، مرجعاً إياه ليس فقط للعزلة البحرية، بل إلى أن "الامطار التي هطلت... والحرث الذي ابتدأ في القبائل المجاورة... فالفلاح يحفظ حيواناته اليوم لان المرعى خصب وله في استعمالها للحرث فائدة اخرى".

ونتيجة لذلك، وصل سعر "رأس البقر من 35 الى 45 ريال حسني والغنم من اربعة إلى خمسة ريالات حسني".

 

المحور الثامن: شريان اللوجستيك التقليدي والعسكري (حركة القوافل بسلا)

في مقابل الأزمة المينائية للرباط، كشف التقرير عن دينامية برية مذهلة في سلا، معنوناً إياها بـ "الحركة التجارية بسلا".

1. الأمن كرافعة للتجارة البينية

أرجع التقرير هذه الحركة إلى "بفضل الامن العام الضارب نطاقه اليوم بنواحي مركز الرباط". تم ربط المواصلات بين سلا و"القبائل النازلة على الضفة اليمنى من بورقراق... وهي بني حسن والغرب وزمور ومدينة مكناس وفاس".

2. إحصائيات القوافل التجارية والعسكرية (داتا لوجستية نادرة)

أحصت بلدية سلا في شهر أكتوبر الأعداد الهائلة للدواب:

  • القطاع التجاري المدني: "ثلاثة الاف بهيمة على التقريب".
  • القطاع اللوجستي العسكري (الادارة الحربية): قدمت الجريدة أرقاماً مفصلة تعكس حجم المجهود الحربي لنقل الذخائر والسلع:
    • الجمال: "أشغلت 950 جملا ثلثاها الى فاس والثلث الآخر الى مكناس".
    • البغال: "650 بغلا ثلثها الى الغرب والباقي الى مكناس وفاس وزمور".
    • الحمير: "1400 حمار منها ستماية الى الغرب وثلاثماية الى بني حسن وخمسماية الى زمور".

وختم التقرير بتوقع تزايد هذه الحركة "بفضل الامن والسكينة وتكون زيادتها مضمونة حينما تصلح الطرقات الموصلة للاسواق".

 

المحور التاسع: الديموغرافية الكولونيالية والمضاربات العقارية (مكناس والقنيطرة)

1. إحصاء الأجانب بمكناس (التركيبة السوسيولوجية للمستوطنين)

نشرت الجريدة وثيقة ديموغرافية هامة تحت عنوان "احصاء الاجانب بمكناس". بلغ "المجموع 532" أجنبياً، موزعين عرقياً وجغرافياً كالتالي:

  • "الفرنساويون: 320" (الأغلبية الساحقة).
  • "الاصبنيول: 70"، "الجزائريون: 40"، "الطلبان (الإيطاليون): 29"، "اليونان: 27"، "الانجليز: 13"، "السويس: 3"، و"اجناس مختلفة: 30".

هذا الإحصاء الدقيق يعكس طبيعة الهجرة الأجنبية الأولى نحو المدن الداخلية الاستراتيجية كمكناس.

2. الاستحواذ العقاري في القنيطرة (إعلان السمسرة)

أدرجت الجريدة "اعلاناً" اقتصادياً هاماً حول بيع الأراضي، حيث "يسمسر في كراء 33 قطعة مخزنية هناك بالمنادات العمومية" في القنيطرة بتاريخ 15 دجنبر 1913. وتم وضع كناش الشروط في المرافق الحيوية بـ "الدار البيضاء ورباط الفتح وسلا والمراقبة المدنية بالقنيطرة والمركز العسكري بسبو"، مما يؤكد انفتاح السوق العقارية أمام المضاربات الكبرى.

 

المحور العاشر: "وكالة باكي" كمرآة للاحتكار المالي والتجاري

في الصفحة الأخيرة من الجريدة، يُطالعنا الإعلان الضخم والمستمر لـ "جمعيه للبحث والتجارة بالمغرب"؛ المؤسسة الرأسمالية التي عرفت بـ "وكالة باكي".

إن قراءة تفاصيل هذا الإعلان تقدم لنا خارطة طريق للاختراق الاقتصادي الفرنسي:

  • الامتداد الجغرافي: تغطي الوكالة الموانئ والمراكز الكبرى (الدار البيضاء، طنجة، مليلة، الرباط، أكادير، مراكش، آسفي، الصويرة). ولها مقر استراتيجي في "شارع العلو" بالرباط.
  • احتكار التحديث: سيطرت الوكالة على شرايين البناء والزراعة ببيعها: "الجير والملاط (السيمة) - والعود - والحديد - والاجر"، إضافة إلى "مكينات الزراعة... والمضخات (البومبات) والاطومبيلات".
  • تجارة الرفاهية: لتلبية أذواق الطبقات المخملية، عرضت الوكالة "منسوجات مدينة منشستر - وحرائر مدينة ليون". إنها المؤسسة التي جسدت الوجه الرأسمالي للحماية بامتياز.

 

خاتمة تحليلية: 1913.. سنة الحسم المؤسساتي والاقتصادي

من خلال هذا التشريح الشامل للعدد 29 من الجريدة الرسمية، نخلص إلى أن السلطات الكولونيالية، وبحلول نهاية عام 1913، كانت قد تجاوزت مرحلة "التهدئة العسكرية" الصرفة، لتدخل في مرحلة "الهندسة المؤسساتية والاقتصادية" المعقدة.

لقد أبرز هذا العدد كيف استطاعت الإدارة الفرنسية، عبر استصدار ظهائر سلطانية، إعادة تشكيل قيادة المخزن بتعيين الجباص وتكليف التازي بطنجة، وفي نفس الوقت هندسة قطاع العدالة الجنائية عبر إحداث لجنة عفو مختلطة (مغربية-فرنسية) لترويض المحاكم المحلية.

وعلى المستوى السوسيواقتصادي، قدم لنا هذا العدد أرقاماً نادرة ومذهلة عن جيش من الدواب (جمال، بغال، حمير) ينقل المؤن والذخائر في سهول الغرب وزمور، وعن أزمة لحوم في الرباط بسبب تعطل الملاحة وتوجه الفلاحين للحرث، وعن سباق لامتلاك الأراضي وبناء المنازل الأوروبية.

إن العدد 29 ليس مجرد أوراق قديمة، بل هو صورة أشعة مقطعية دقيقة تكشف كيف تم زرع الخلايا الكولونيالية الرأسمالية والإدارية في الجسد المغربي العتيق.

تحميل العدد 29 لسنة 1913 من الجريدة الرسمية بصيغة PDF

 

إحصائيات المقال
الجريدة الرسمية منذ 1913
متواجدون ...
كلمات 0
قراءة 0 د
نشر 11/04/2026
تحديث 11/04/2026

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

5665614508366012092

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث